
07-12-2025, 06:37 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,228
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (10)
تفسير سورة النور
من صـ 188 الى صــ 202
الحلقة (367)
فهذه طرق متعددة عن أم المؤمنين عائشة "رضي الله عنها في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها وقد روي من حديث أمها أم رومان" رضي الله عنها فقال الإمام أحمد حدثنا علي بن عاصم أخبرنا حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان قالت بينا أنا عند عائشة إذ دخلت علينا امرأة من الأنصار فقالت : فعل الله بابنها وفعل فقالت عائشة ولم ؟ قالت إنه كان فيمن حدث الحديث قالت وأي الحديث ؟ قالت كذا وكذا قالت وقد بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت نعم قالت وبلغ أبا بكر ؟ قالت نعم فخرت عائشة رضي الله عنها مغشيا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض قالت فقمت فدثرتها قالت فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال : "فما شأن هذه ؟" قلت : يا رسول الله أخذتها حمى بنافض قال "فلعله في حديث تحدث به" قالت فاستوت عائشة قاعدة فقالت : والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه حين قال : "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" قالت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عذرها فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر فدخل فقال يا عائشة "إن الله تعالى قد أنزل عذرك" فقالت : بحمد الله لا بحمدك فقال لها أبو بكر : تقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : نعم قالت : وكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر فحلف أن لا يصله فأنزل الله : "ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة" إلى آخر الآية فقال أبو بكر بلى فوصله .
تفرد به البخاري دون مسلم من طريق حصين وقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة وعن محمد بن سلام عن محمد بن فضيل كلاهما عن حصين به وفي لفظ أبي عوانة حدثتني أم رومان وهذا صريح في سماع مسروق منها وقد أنكر ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال الخطيب وقد كان مسروق يرسله فيقول سئلت أم رومان ويسوقه فلعل بعضهم كتب سئلت بألف اعتقد الراوي أنها سألت فظنه متصلا قال الخطيب وقد رواه البخاري كذلك ولم تظهر له علته كذا قال والله أعلم .
ورواه بعضهم عن مسروق بن عبد الله بن مسعود عن أم رومان فالله أعلم فقوله تعالى "إن الذين جاءوا بالإفك" أي الكذب والبهت والافتراء "عصبة" أي جماعة منكم "لا تحسبوه شرا لكم" أي يا آل أبي بكر "بل هو خير لكم" أي في الدنيا والآخرة لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" الآية ولهذا لما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنه وعنها وهي في سياق الموت قال لها أبشري فإنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحبك ولم يتزوج بكرا غيرك ونزلت براءتك من السماء.
وقال ابن جرير في تفسيره حدثني محمد بن عثمان الواسطي حدثنا جعفر بن عون عن المعلي بن عرفان عن محمد بن عبد الله بن جحش قال : تفاخرت عائشة وزينب رضي الله عنهما فقالت زينب أنا التي نزل تزويجي من السماء وقالت عائشة أنا التي نزل عذري في كتاب الله حين حملني صفوان بن المعطل على
الراحلة فقالت لها زينب يا عائشة ما قلت حين ركبتيها ؟ قالت حسبي الله ونعم الوكيل قالت قلت كلمة المؤمنين .
وقوله تعالى "لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم" أي لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب "والذي تولى كبره منهم" قيل ابتدأ به وقيل الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه "له عذاب عظيم" أي على ذلك ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي بن سلول قبحه الله ولعنه وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث وقال ذلك مجاهد وغير واحد وقيل بل المراد به حسان بن ثابت وهو قول غريب ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "هاجهم وجبريل معك" وقال الأعمش عن ابن الضحى عن مسروق قال : كنت عند عائشة "رضي الله عنها فدخل حسان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة فلما خرج قلت لعائشة ما تصنعين بهذا ؟ يعني يدخل عليك وفي رواية قيل لها أتأذنين لهذا يدخل عليك وقد قال الله" والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم "قالت وأي عذاب أشد من العمى وكان قد ذهب بصره لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم ثم قالت إنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرا يمتدحها به فقال :"
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت أما أنت فلست كذلك وفي رواية : لكنك لست كذلك وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن قزعة حدثنا سلمة بن علقمة حدثنا داود عن عامر عن عائشة أنها قالت ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب .
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
إن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
تشتمه ولست له بكفء ؟ ... فشركما لخيركما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء
فقيل : يا أم المؤمنين أليس هذا لغوا ؟ قالت : لا إنما اللغو ما قيل عند النساء قيل أليس الله يقول "والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم" قالت : أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف ؟ تعني الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك فعلاه بالسيف وكاد أن يقتله .
لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12)
لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين
هذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة رضي الله عنها حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السوء وما ذكر من شأن الإفك فقال تعالى "لولا"
"يعني هلا" إذ سمعتموه "أي ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين رضي الله عنها" ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا "أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى ."
وقد قيل إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما كما قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار عن أبيه عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها قال نعم وذلك الكذب أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت لا والله ما كنت لأفعله قال فعائشة والله خير منك .
قال فلما نزل القرآن ذكر الله عز وجل من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم" وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا ثم قال تعالى "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون" الآية أي كما قال أبو أيوب وصاحبته .
وقال محمد بن عمر الواقدي حدثني ابن أبي حبيب عن داود بن الحصين عن أبي سفيان عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لابن أيوب : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال بلى وذلك الكذب أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك ؟ قالت : لا والله قال فعائشة والله خير منك .
فلما نزل القرآن وذكر أهل الإفك قال الله عز وجل "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين" يعني أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما قال - ويقال إنما قالها أبي بن كعب وقوله تعالى "ظن المؤمنون" إلخ أي هلا ظنوا الخير فإن أم المؤمنين أهله وأولى به هذا ما يتعلق بالباطن .
وقوله "وقالوا" أي بألسنتهم "هذا إفك مبين" أي كذب ظاهر على أم المؤمنين رضي الله عنها فإن الذي وقع لم يكن ريبة وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت
الظهيرة والجيش بكماله يشاهدون ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هذا جهرة ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رءوس الأشهاد بل كان هذا يكون لو قدر خفية مستورا فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت والقول الزور والرعونة الفاحشة الفاجرة والصفقة الخاسرة .
لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون (13)
لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون
قال الله تعالى "لولا" أي هلا "جاءوا عليه" أي على ما قالوه "بأربعة شهداء" يشهدون على صحة ما جاءوا به "فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون" أي في حكم الله كاذبون فاجرون .
ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (14)
ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم
يقول تعالى "لولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة" أيها الخائضون في شأن عائشة بأن قبل توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الأخرة "لمسكم فيما أفضتم فيه" من قضية الإفك "عذاب عظيم" وهذا فيمن عنده إيمان يقبل الله بسببه التوبة كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول وأضرابه فليس أولئك مرادين في هذه الآية لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين يكون مطلقا مشروطا بعدم التوبة أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه .
ثم قال تعالى "إذ تلقونه بألسنتكم" قال مجاهد وسعيد بن جبير : أي يرويه بعضكم عن بعض يقول هذا سمعته من فلان وقال فلان كذا وذكر بعضهم كذا.
إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15)
إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم
وقرأ آخرون "إذ تلقونه بألسنتكم" وفي صحيح البخاري عن عائشة أنها كانت
تقرؤها كذلك وتقول هي من ولق اللسان يعني الكذب الذي يستمر صاحبه عليه تقول العرب ولق فلان في السير إذا استمر فيه والقراءة الأولى أشهر وعليها الجمهور ولكن الثانية مروية عن أم المؤمنين عائشة قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن نافع عن ابن عمر عن عائشة أنها كانت تقرأ "إذ تلقونه" وتقول هي ولق القول قال ابن أبي مليكة : هي أعلم به من غيرها.
وقوله تعالى "وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم" أي تقولون ما لا تعلمون .
ثم قال تعالى "وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم" أي تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين وتحسبون ذلك يسيرا سهلا ولو لم تكن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان هينا فكيف وهي زوجة النبي الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين فعظيم عند الله أن يقال في زوجة نبيه ورسوله ما قيل فإن الله سبحانه وتعالى يغار لهذا وهو سبحانه وتعالى لا يقدر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك حاشا وكلا ولما لم يكن ذلك فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة ولهذا قال تعالى "وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم" وفي الصحيحين "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ يهوي بها في النار أبعد مما بين السماء والأرض" وفي رواية "لا يلقي لها بالا" .
ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16)
ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم
هذا تأديب آخر بعد الأول الآمر بظن الخير أي إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة فأولى ينبغي الظن بهم خيرا .
وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك وسوسة أو خيالا فلا ينبغي أن يتكلم به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل" أخرجاه في الصحيحين وقال الله تعالى "ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا" أي ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد "سبحانك هذا بهتان عظيم" أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله .
يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17)
يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين
ثم قال تعالى "يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا" أي ينهاكم الله متوعدا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدا أي فيما يستقبل ولهذا قال "إن كنتم مؤمنين" أي إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه وتعظمون رسوله صلى الله عليه وسلم فأما من كان متصفا بالكفر فله حكم آخر .
ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18)
ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم
ثم قال تعالى "ويبين الله لكم الآيات" أي يوضح لكم الأحكام الشرعية والحكم القدرية "والله عليم حكيم" أي عليم بما يصلح عباده حكيم في شرعه وقدره .
إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19)
إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون
هذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيئ فقام بذهنه شيء منه وتكلم فلا يكثر منه ولا يشيعه ويذيعه فقد قال تعالى "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم" أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح "لهم عذاب أليم في الدنيا" أي بالحد وفي الآخرة بالعذاب الأليم "والله يعلم وأنتم لا تعلمون" أي فردوا الأمور إليه ترشدوا
وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن بكير حدثنا ميمون بن موسى المرئي حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته" .
ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (20)
ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم
أي لولا هذا لكان أمر آخر ولكنه تعالى رءوف بعباده رحيم بهم فتاب على من تاب إليه من هذه القضية وطهر من طهر منهم بالحد الذي أقيم عليهم .
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21)
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم
"يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم" "خطوات الشيطان" يعني طرائقه ومسالكه وما يأمر به "ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر" هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "خطوات الشيطان" عمله وقال عكرمة : نزغاته وقال قتادة : كل معصية فهي من خطوات الشيطان وقال أبو مجلز : النذور في المعاصي من خطوات الشيطان وقال مسروق : سأل رجل ابن مسعود فقال : إني حرمت أن آكل طعاما وسماه فقال : هذا من نزعات الشيطان كفر عن يمينك وكل
وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده هذا من نزغات الشيطان وأفتاه أن يذبح كبشا وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا حسان بن عبد الله المصري حدثنا السري بن يحيى عن سليمان التيمي عن أبي رافع قال : غضبت على امرأتي فقالت هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك فأتيت عبد الله بن عمر فقال : إنما هذه من نزغات الشيطان وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة وأتيت عاصم بن عمر فقال مثل ذلك .
ثم قال تعالى "ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا" أي لولا هو يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه ويزكي النفوس من شركها وفجورها ودنسها وما فيها من أخلاق رديئة كل بحسبه لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرا "ولكن الله يزكي من يشاء" أي من خلقه ويضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغي وقوله "والله سميع" أي سميع لأقوال عباده "عليم" بمن يستحق منهم الهدى والضلال .
ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22)
ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم
يقول تعالى "ولا يأتل" من الألية وهي الحلف أي لا يحلف "أولو الفضل منكم" أي الطول والصدقة والإحسان "والسعة" أي الجدة "أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله" أي لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة الأرحام ولهذا قال تعالى "وليعفوا وليصفحوا" أي عما تقدم منهم من الإساءة والأذى .
وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم
وهذه الآية نزلت في الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبدا بعدما قال في عائشة ما قال كما تقدم في الحديث فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة وطابت النفوس المؤمنة واستقرت وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك وأقيم الحد على من أقيم عليه - شرع تبارك وتعالى وله الفضل والمنة يعطف الصديق على قريبه ونسيبه وهو مسطح بن أثاثة فإنه كان ابن خالة الصديق وكان مسكينا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه وكان من المهاجرين في سبيل الله وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها .
وكان الصديق رضي الله عنه معروفا بالمعروف له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب فلما نزلت هذه الآية إلى قوله "ألا تحبون أن يغفر الله لكم" الآية فإن الجزاء من جنس العمل فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك وكما تصفح يصفح عنك فعند ذلك قال الصديق : بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وقال : والله لا أنزعها منه أبدا في مقابلة ما كان قال : والله لا أنفعه بنافعة أبدا .
فلهذا كان الصديق هو الصديق رضي الله عنه وعن بنته .
إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (23)
إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم
هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات خرج مخرج الغالب فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة ولا سيما التي كانت سبب النزول وهي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن وفي بقية أمهات المؤمنين قولان : أصحهما أنهن كهي والله أعلم
وقوله تعالى "لعنوا في الدنيا والآخرة" .
الآية كقوله "إن الذين يؤذون الله ورسوله" الآية .
وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة رضي الله عنها فقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عبد الله بن حراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات" قال نزلت في عائشة خاصة وكذا قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان .
وقد ذكره ابن جرير عن عائشة فقال حدثنا أحمد بن عمدة الضبي حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : رميت بما رميت به وأنا غافلة فبلغني بعد ذلك قالت فبينا رسول الله جالس عندي إذ أوحي إليه قالت وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي ثم استوى جالسا يمسح على وجهه وقال "يا عائشة أبشري" قالت فقلت بحمد الله لا بحمدك فقرأ "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات - حتى بلغ - أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم" هكذا أورده وليس فيه أن الحكم خاص بها وإنما فيه أنها سبب النزول دون غيرها وإن كان الحكم يعمها كغيرها ولعله مراد ابن عباس ومن قال كقوله والله أعلم .
وقال الضحاك وأبو الجوزاء وسلمة بن نبيط : المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء وقال العوفي عن ابن عباس في الآية "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات" الآية يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رماهن أهل النفاق فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزل بعد ذلك "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء - إلى قوله - فإن الله غفور رحيم" فأنزل الله الجلد والتوبة فالتوبة تقبل والشهادة ترد .
وقال ابن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا هشيم أخبرنا العوام بن حوشب عن شيخ من بني أسد عن ابن عباس قال فسر سورة النور فلما أتى على هذه
الآية "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات" الآية قال في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي مبهمة وليست لهم توبة ثم قرأ "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء - إلى قوله - إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا" الآية قال فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة قال فهم بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر به سورة النور فقوله وهي مبهمة أي عامة في تحريم قذف كل محصنة ولعنته في الدنيا والآخرة وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذا في عائشة ومن صنع مثل هذا أيضا اليوم في المسلمات فله ما قال الله تعالى ولكن عائشة كانت أما في ذلك .
وقد اختار ابن جرير عمومها وهو الصحيح ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي وهب حدثني عمي حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل وما هن يا رسول الله ؟ قال "الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال به وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عمر أبي خالد الطائي المحرمي حدثني أبي وحدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا جدي أحمد بن أبي شعيب حدثني موسى بن أعين عن ليث عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة" .
يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24)
يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون
قال ابن
أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو يحيى الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن مطرف عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إنهم يعني المشركين إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة قالوا تعالوا حتى نجحد فيجحدون فيختم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا وروى ابن أبي حاتم وابن جرير أيضا حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فيجحد ويخاصم فيقال هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول كذبوا فيقال أهلك وعشيرتك فيقول كذبوا فيقال احلفوا فيحلفون ثم يصمهم الله فتشهد عليه أيديهم وألسنتهم ثم يدخلهم النار" وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا أبو شيبة إبراهيم عن عبد الله بن أبي شيبة الكوفي حدثنا منجاب بن الحارث التميمي حدثنا أبو عامر الأسدي حدثنا سفيان بن عبيد المكتب عن فضيل بن عمرو الفقيمي عن الشعبي عن أنس بن مالك قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال : "أتدرون مم أضحك ؟" قلنا الله ورسوله أعلم قال من مجادلة العبد لربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم ؟ فيقول بلى فيقول لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام عليك شهودا فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنطق بعمله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل "وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبيه عن عبد الله"
الأشجعي عن سفيان الثوري به ثم قال النسائي لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي وهو حديث غريب والله أعلم هكذا قال وقال قتادة بن آدم : والله إن عليك لشهودا غير متهمة من بذلك فراقبهم واتق الله في سرك وعلانيتك فإنه لا يخفى عنه خافية والظلمة عنده ضوء والسر عنده علانية فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل ولا قوة إلا بالله .
يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25)
يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين
قال ابن عباس "دينهم" أي حسابهم وكل ما في القرآن دينهم أي حسابهم وكذا قال غير واحد ثم إن قراءة الجمهور بنصب الحق على أنه صفة لدينهم وقرأ مجاهد بالرفع على أنه نعت الجلالة وقرأها بعض السلف في مصحف أبي بن كعب : يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق .
وقوله "ويعلمون أن الله هو الحق المبين" أي وعده ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه.
الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26)
الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم
قال ابن عباس : الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول .
والطيبات من القول للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من القول - قال - ونزلت في عائشة وأهل الإفك وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت والضحاك واختاره ابن جرير ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة من كلام هم أولى به وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم ولهذا قال تعالى "أولئك مبرءون مما يقولون" وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والطيبات من النساء للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|