عرض مشاركة واحدة
  #355  
قديم 07-12-2025, 05:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,321
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة الحج
من صـ 21 الى صــ 35
الحلقة (355)



هشام عن الحسن قال بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة .
ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11)
ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين
قال مجاهد وقتادة وغيرهما على حرف على شك وقال غيرهم على طرف ومنه حرف الحبل أي طرفه أي دخل في الدين على طرف فإن وجد ما يحبه استقر وإلا انشمر وقال البخاري حدثنا إبراهيم بن الحارث حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا إسرائيل عن أبي الحصين عن سعد بن جبير عن ابن عباس "ومن الناس من يعبد الله على حرف" قال كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال هذا دين صالح وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أحمد بن عبد الرحمن حدثني أبي عن أبيه عن أشعث بن إسحاق القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسلمون فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا إن ديننا هذا لصالح تمسكوا به وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا ما في ديننا هذا خير فأنزل الله على نبيه "ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به" الآية وقال العوفي عن ابن عباس : كان أحدهم إذا قدم المدينة وهم أرض دونه فإن صح بها جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما رضي به واطمأن

إليه وقال ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرا "وإن أصابته فتنة" والفتنة البلاء أي وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرا وذلك الفتنة وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر وقال مجاهد في قوله "انقلب على وجهه" أي ارتد كافرا وقوله "خسر الدنيا والآخرة" أي فلا هو حصل من الدنيا على شيء وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة ولهذا قال تعالى "ذلك هو الخسران المبين" أي هذه هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة .
يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12)
يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد
وقوله "يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه" أي من الأصنام والأنداد يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها وهي لا تنفعه ولا تضره "ذلك هو الضلال البعيد" .
يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13)
يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير
وقوله "يدعو لمن ضره أقرب من نفعه" أي ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن وقوله "لبئس المولى ولبئس العشير" قال مجاهد يعني الوثن يعني بئس هذا الذي دعاه من دون الله مولى يعني وليا وناصرا "وبئس العشير" وهو المخالط والمعاشر واختار ابن جرير أن المراد لبئس ابن العم والصاحب "من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه" وقول مجاهد إن المراد به الوثن أولى وأقرب إلى سياق الكلام والله أعلم .
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14)
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد

لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء عطف بذكر الأبرار السعداء من الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا إيمانهم بأفعالهم فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات وتركوا المنكرات فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات في روضات الجنات ولما ذكر تعالى أنه أضل أولئك وهدى هؤلاء قال "إن الله يفعل ما يريد" .
من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15)
من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ
قال ابن عباس من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا "صلى الله عليه وعلى آله وسلم" في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب أي بحبل "إلى السماء" أي سماء بيته "ثم ليقطع" يقول ثم ليختنق به وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وأبو الجوزاء وقتادة وغيرهم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم "فليمدد بسبب إلى السماء" أي ليتوصل إلى بلوغ السماء فإن النصر إنما يأتي محمدا من السماء "ثم ليقطع" ذلك عنه إن قدر على ذلك وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى وأبلغ في التهكم فإن المعنى من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدا وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه فإن الله ناصره لا محالة قال الله تعالى : "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" الآية ولهذا قال : "فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ" قال السدي يعني من شأن محمد وقال عطاء الخراساني فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ

وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16)
وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد
وقوله "وكذلك أنزلناه" أي القرآن "آيات بينات" أي واضحات في لفظها ومعناها حجة من الله على الناس "وأن الله يهدي من يريد" أي يضل من يشاء ويهدي من يشاء وله الحكمة التامة والحجة القاطعة في ذلك "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون أما هو فلحكمته ورحمته وعدله وعلمه وقهره وعظمته لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب."
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17)
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد
يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين ومن سواهم من اليهود والصابئين وقد قدمنا في سورة البقرة التعريف بهم واختلاف الناس فيهم والنصارى والمجوس والذين أشركوا فعبدوا مع الله غيره فإنه تعالى "يفصل بينهم يوم القيامة" ويحكم بينهم بالعدل فيدخل من آمن به الجنة ومن كفر به النار فإنه تعالى شهيد على أفعالهم حفيظ لأقوالهم عليم بسرائرهم وما تكن ضمائرهم .
ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18)
ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء
يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها وسجود كل شيء مما يختص به كما قال تعالى "أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون" وقال ههنا "ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض" أي من الملائكة في أقطار السموات والحيوانات في جميع الجهات من الإنس والجن والدواب والطير "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" وقوله "والشمس والقمر والنجوم" إنما ذكر هذه على التنصيص لأنها قد

عبدت من دون الله فبين أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة "لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن" الآية وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتدري أين تذهب هذه الشمس ؟" قلت الله ورسوله أعلم قال "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت" وفي المسند وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه في حديث الكسوف "إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له" وقال أبو العالية ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل وعن ابن عباس قال جاء رجل فقال يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول : اللهم اكتب لي بها عندك أجرا وضع عني بها وزرا واجعلها لي عندك ذخرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود
قال ابن عباس فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة .
رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه ; وقوله "والدواب" أي : الحيوانات كلها وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر فرب مركوبة خيرا أو أكثر ذكرا لله تعالى من راكبها

وقوله : "وكثير من الناس" أي يسجد لله طوعا مختارا متعبدا بذلك "وكثير حق عليه العذاب" أي ممن امتنع وأبى واستكبر "ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد ابن شيبان الرملي حدثنا القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال قيل لعلي إن ههنا رجلا يتكلم في المشيئة فقال له علي يا عبد الله خلقك الله كما يشاء أو كما شئت قال بل كما شاء قال فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت قال إذا شاء قال فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت قال إذا شاء قال فيدخلك حيث شئت أو حيث شاء قال بل حيث يشاء قال والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف ; وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويلة أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" رواه مسلم وقال الإمام أحمد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقري قالا : حدثنا ابن لهيعة قال حدثنا مشرح بن هاعان أبو مصعب المعافري قال سمعت عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين قال "نعم فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما"
ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن لهيعة به وقال الترمذي ليس بقوي وفي هذا نظر فإن ابن لهيعة قد صرح فيه بالسماع وأكثر ما نقموا عليه تدليسه وقد قال أبو داود في المراسيل حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أنبأنا ابن وهب أخبرني معاوية بن صالح عن عامر بن جشيب عن خالد بن معدان رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "فضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين" ثم قال أبو داود وقد أسند هذا يعني من غير هذا الوجه ولا يصح وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي حدثني ابن أبي داود حدثنا يزيد بن عبد الله حدثنا الوليد حدثنا أبو عمرو حدثنا حفص بن غياث حدثني نافع قال : حدثني أبو الجهم أن عمر سجد سجدتين في الحج وهو بالجابية وقال إن هذه فضلت بسجدتين وروى أبو داود وابن ماجه من حديث الحارث بن
سعيد العتقي عن عبد الله بن منين عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان فهذه شواهد يشد بعضها بعضا.
هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (19)
هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم

ثبت في الصحيح من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية "هذان خصمان اختصموا في ربهم" نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر لفظ البخاري عند تفسيرها ثم قال البخاري حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي حدثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب أنه قال : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة قال قيس : وفيهم نزلت "هذان خصمان اختصموا في ربهم" قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة ابن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة .
انفرد به البخاري .
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله "هذان خصمان اختصموا في ربهم" قال اختصم المسلمون أهل الكتاب فقال أهل الكتاب نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم وقال المسلمون كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا خاتم الأنبياء فنحن أولى بالله منكم فأفلج الله الإسلام على من ناوأه وأنزل "هذان خصمان اختصموا في ربهم" وكذا روى العوفي عن ابن عباس وقال شعبة عن قتادة في قوله "هذان خصمان اختصموا في ربهم"

قال مصدق ومكذب وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث وقال في رواية هو وعطاء في هذه الآية هم المؤمنون والكافرون وقال عكرمة "هذان خصمان اختصموا في ربهم" قال هي الجنة والنار قالت النار اجعلني للعقوبة وقالت الجنة اجعلني للرحمة وقول مجاهد وعطاء إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله عز وجل والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل وهذا اختيار ابن جرير وهو حسن ولهذا قال "فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار" أي فصلت لهم مقطعات من النار قال سعيد بن جبير من نحاس وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي "يصب من فوق رءوسهم الحميم" .
يصهر به ما في بطونهم والجلود (20)
يصهر به ما في بطونهم والجلود
"يصهر به ما في بطونهم والجلود" أي إذا صب على رءوسهم الحميم وهو الماء الحار في غاية الحرارة وقال سعيد ابن جبير هو النحاس المذاب أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم وكذلك تذوب جلودهم وقال ابن عباس وسعيد تساقط .

وقال ابن جرير حدثني محمد بن المثنى حدثني إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفد الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان" ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك وقال حسن صحيح وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي نعيم عن ابن المبارك به ثم قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت عبد الله ابن السري قال : يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته فإذا أدناه من وجهه تكرهه قال فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفرغ دماغه ثم يفرغ الإناء من دماغه فيصل إلى جوفه من دماغه فذلك قوله "يصهر به ما في بطونهم والجلود" .
ولهم مقامع من حديد (21)
ولهم مقامع من حديد
وقوله "ولهم مقامع من حديد" قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله قال "لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض" وقال الإمام أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن

أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان ولو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا" وقال ابن عباس في قوله "ولهم مقامع من حديد" قال يضربون بها فيقع كل عضو على حياله فيدعون بالثبور .
كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22)
كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق
وقوله "كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها" قال الأعمش عن أبي ظبيان عن سلمان قال : النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها ثم قرأ "كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها" وقال زيد بن أسلم في هذه الآية "كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها" قال بلغني أن أهل النار في النار يتنفسون وقال الفضيل بن عياض : والله ما طمعوا في الخروج إن الأرجل لمقيدة وإن الأيدي لموثقة ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها وقوله "وذوقوا عذاب الحريق" كقوله "وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون" ومعنى الكلام أنهم يهانون بالعذاب قولا وفعلا .
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23)
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير
لما أخبر تعالى عن حال أهل النار عياذا بالله من حالهم وما هم فيه من العذاب

والنكال والحريق والأغلال وما أعد لهم من الثياب من النار ذكر حال أهل الجنة نسأل الله من فضله وكرمه فقال "إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار" أي تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها وتحت أشجارها وقصورها يصرفونها حيث شاءوا وأين أرادوا "يحلون فيها" من الحلية "من أساور من ذهب ولؤلؤا" أي في أيديهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" وقال كعب الأحبار : إن في الجنة ملكا لو شئت أن أسميه لسميته يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة لو أبرز قلب منها أي سوار منها - لرد شعاع الشمس كما ترد الشمس نور القمر وقوله "ولباسهم فيها حرير" في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم لباس هؤلاء من الحرير إستبرقه وسندسه كما قال "عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا" وفي الصحيح "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" قال عبد الله بن الزبير من لم يلبس الحرير في الآخرة
لم يدخل الجنة قال الله تعالى "ولباسهم فيها حرير" .
وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24)
وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد
وقوله "وهدوا إلى الطيب من القول" كقوله تعالى "وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام" وقوله "والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" وقوله "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما" فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب وقوله "ويلقون فيها تحية وسلاما" لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون به ويقرعون به يقال لهم "ذوقوا عذاب الحريق" وقوله "وهدوا إلى صراط الحميد" أي إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم كما جاء في الحديث الصحيح "إنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس" وقد قال بعض المفسرين في قوله "وهدوا إلى الطيب من القول" أي القرآن وقيل لا إله إلا الله وقيل الأذكار المشروعة "وهدوا إلى صراط الحميد" أي الطريق المستقيم في الدنيا وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه والله أعلم .
إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25)
إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم
يقول تعالى منكرا على الكفار في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام وقضاء مناسكهم فيه ودعواهم أنهم أولياؤه "وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون" الآية وفي هذه الآية دليل على أنها مدنية كما قال في سورة البقرة "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله" وقال ههنا "إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام" أي ومن صفتهم أنهم مع كفرهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام أي ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من

المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر وهذا الترتيب في هذه الآية كقوله تعالى "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب" أي ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله "وقوله" الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد "أي يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام وقد جعله الله شرعا سواء لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه" سواء العاكف فيه والباد "ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله" سواء العاكف فيه والباد "قال ينزل أهل مكة وهم في المسجد الحرام وقال مجاهد سواء العاكف فيه والباد" أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل وكذا قال أبو صالح وعبد الرحمن بن سابط وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة سواء فيه أهله وغير أهله وهذه المسألة هي التي اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف وأحمد بن حنبل حاضر أيضا فذهب الشافعي رحمه الله إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر واحتج بحديث الزهري عن علي بن الحسن عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله أننزل غدا في دارك بمكة ؟ فقال "وهل ترك لنا عقيل من رباع" ثم قال "لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر" وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارا بمكة فجعلها





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.14 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.54%)]