
07-12-2025, 02:55 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,288
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (9)
سورة الأنبياء
من صـ 396 الى صــ 409
الحلقة (349)
أي ما كنا فاعلين وقال مجاهد : كل شيء في القرآن إن فهو إنكار .
بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18)
بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون
وقوله "بل نقذف بالحق على الباطل" أي نبين الحق فيدحض الباطل ولهذا قال "فيدمغه فإذ هو زاهق" أي ذاهب مضمحل "ولكم الويل" أي أيها القاتلون لله ولد "مما تصفون" أي تقولون وتفترون ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له ودأبهم في طاعته ليلا ونهارا .
وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19)
وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون
فقال "وله من في السموات والأرض ومن عنده" يعني الملائكة "لا يستكبرون عن عبادته" أي لا يستنكفون عنها كما قال "لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا" وقوله "ولا يستحسرون" أي لا يتعبون ولا يملون .
يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20)
يسبحون الليل والنهار لا يفترون
"يسبحون الليل والنهار لا يفترون" فهم دائبون في العمل ليلا ونهارا مطيعون قصدا وعملا قادرون عليه كما قال تعالى "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء حدثنا سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه إذ قال لهم "هل تسمعون ما أسمع" قالوا ما نسمع من شيء .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "."
إني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم " غريب ولم يخرجوه ثم رواه أعني ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن أبي زريع عن سعيد عن قتادة مرسلا وقال محمد بن إسحاق عن حسان بن مخارق عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام فقلت له أرأيت قول الله تعالى للملائكة "يسبحون الليل والنهار لا يفترون" أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل ."
فقال من هذا الغلام ؟ فقالوا من بني عبد المطلب قال فقبل رأسي ثم قال : يا بني إنه
جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس أليس تتكلم وأنت تتنفس وتمشي وأنت تتنفس ؟ .
أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21)
أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون
ينكر تعالى على من اتخذ من دونه آلهة فقال : "أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون" أي أهم يحيون الموتى وينشرونهم من الأرض أي لا يقدرون على شيء من ذلك فكيف جعلوها لله ندا وعبدوها معه ثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسدت السموات والأرض .
لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22)
لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون
فقال "لو كان فيهما آلهة" أي في السموات والأرض "لفسدتا" كقوله تعالى "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون" وقال ههنا "فسبحان الله رب العرش عما يصفون" أي عما يقولون إن له ولدا أو شريكا سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه عن الذي يفترون ويأفكون علوا كبيرا .
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (23)
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
وقوله "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" أي هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه ولا يعترض عليه أحد لعظمته وجلاله وكبريائه وعلمه وحكمته وعدله ولطفه "وهم يسألون" أي وهو سائل خلقه عما يعملون كقوله "فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" وهذا كقوله تعالى "وهو يجير ولا يجار عليه" .
أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24)
أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون
أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون
يقول تعالى "أم اتخذوا من دونه آلهة قل" يا محمد "هاتوا برهانكم" أي دليلكم على ما تقولون "هذا ذكر من معي" يعني القرآن "وذكر من قبلي" يعني الكتب المتقدمة على خلاف ما تقولونه وتزعمون فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ناطق بأنه لا إله إلا الله ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق فأنتم معرضون عنه ولهذا .
وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25)
وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون
قال "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" كما قال "واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون" وقال "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له والفطرة شاهدة بذلك أيضا والمشركون لا برهان لهم وحجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد .
وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26)
وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون
يقول تعالى رادا على من زعم أن له - تعالى وتقدس - ولدا من الملائكة كمن قال ذلك من العرب إن الملائكة بنات الله فقال "سبحانه بل عباد مكرمون" أي الملائكة عباد الله مكرمون عنده في منازل عالية ومقامات سامية وهم له في غاية الطاعة قولا وفعلا .
لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27)
لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون
لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون "أي لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمرهم به بل يبادرون إلى فعله وهو تعالى علمه محيط بهم فلا يخفى عليهم منه خافية" .
يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28)
يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون
"وقوله" ولا يشفعون إلا لمن ارتضى "كقوله" من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه "وقوله" ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له "في آيات كثيرة في معنى ذلك"
"وهم من خشيته" أي من خوفه ورهبته .
ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29)
ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين
ومن يقل منهم إني إله من دونه "أي من ادعى منهم أنه إله من دون الله أي مع الله" فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين "أي كل من قال ذلك وهذا شرط والشرط لا يلزم وقوعه كقوله" قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين "وقوله" لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين "."
أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30)
أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون
الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون يقول تعالى منبها على قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء وقهره لجميع المخلوقات فقال "أولم ير الذين كفروا" أي الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق المستبد بالتدبير فكيف يليق أن يعبد معه غيره أو يشرك به ما سواه ألم يروا أن السموات والأرض كانتا رتقا أي كان الجميع متصلا بعضه ببعض متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر ففتق هذه من هذه فجعل السموات سبعا والأرض سبعا وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء فأمطرت السماء وأنبتت الأرض ولهذا قال "وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون" أي وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئا فشيئا عيانا وذلك كله دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء .
ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
قال سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة قال سئل ابن عباس : الليل كان قبل أو النهار ؟ فقال أرأيتم السموات والأرض حين كانتا رتقا هل كان بينهما إلا ظلمة ؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن أبي حمزة حدثنا حاتم عن حمزة بن أبي محمد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رجلا أتاه يسأله عن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما .
قال اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله .
ثم تعال فأخبرني بما قال لك قال فذهب إلى ابن عباس فسأله فقال ابن عباس نعم كانت السموات رتقا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت فلما خلق للأرض أهلا فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علما صدق هكذا كانت قال ابن عمر قد كنت أقول ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن فالآن علمت أنه قد أوتي في القرآن علما وقال عطية العوفي كانت هذه رتقا لا تمطر فأمطرت وكانت هذه رتقا لا تنبت فأنبتت وقال إسماعيل بن أبي خالد سألت أبا صالح الحنفي عن قوله "أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما" قال كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سموات وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين وهكذا قال مجاهد وزاد ولم تكن السماء والأرض متماستين وقال سعيد بن جبير بل كانت السماء والأرض ملتزقتين فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه وقال الحسن وقتادة كانتا جميعا ففصل بينهما بهذا الهواء وقوله "وجعلنا من الماء كل شيء حي" أي أصل كل الأحياء .
قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر حدثنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة أنه قال يا نبي الله إذا رأيتك قرت عيني وطابت نفسي فأخبرنا عن كل شيء قال "كل شيء خلق من ماء"
وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا همام عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة قال قلت يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء قال "كل شيء خلق من ماء" قال قلت أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة قال "أفش السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام ثم ادخل الجنة بسلام" ورواه أيضا عبد الصمد وعفان وبهز عن همام تفرد به أحمد وهذا إسناد على شرط الصحيحين إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن واسمه سليم والترمذي يصح له وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا والله أعلم .
وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31)
وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون
وقوله "وجعلنا في الأرض رواسي" أي جبالا أرسى الأرض بها وقررها وثقلها لئلا تميد بالناس أي تضطرب وتتحرك فلا يحصل لهم قرار عليها لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع فإنه باد للهواء والشمس ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات والحكم والدلالات .
ولهذا قال "أن تميد بهم" أي لئلا تميد بهم وقوله وجعلنا فيها فجاجا سبلا "أي ثغرا في الجبال يسلكون فيها طرقا من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلا بين هذه البلاد وهذه البلاد فيجعل الله فيه فجوة ثغرة ليسلك الناس فيها من ههنا إلى ههنا ولهذا قال" لعلهم يهتدون "."
وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32)
وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون
وقوله "وجعلنا السماء سقفا محفوظا" أي على الأرض وهي كالقبة عليها كما قال "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون" وقال "والسماء وما بناها" "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج" والبناء هو نصب القبة
كما قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" "بني الإسلام على خمس" أي خمسة دعائم وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب "محفوظا" أي عاليا محروسا أن ينال وقال مجاهد مرفوع .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي حدثني أبي عن أبيه عن أشعث يعني ابن إسحاق القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال رجل يا رسول الله ما هذه السماء قال "موج مكفوف عنكم" إسناده غريب وقوله "وهم عن آياتها معرضون" كقوله "وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون" أي لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم والارتفاع الباهر وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله في يوم وليلة فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها .
وقد ذكر ابن أبي الدنيا - رحمه الله - في كتابه التفكر والاعتبار : "أن بعض عباد بني إسرائيل تعبد ثلاثين سنة وكان الرجل منهم إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته غمامة فلم ير ذلك الرجل شيئا مما كان محصل لغيره فشكا ذلك إلى أمه فقالت له يا بني فلعلك أذنبت في مدة عبادتك هذه فقال لا والله ما أعلمه قالت فلعلك هممت قال لا ولا هممت قالت فلعلك رفعت بصرك إلى السماء ثم رددته بغير فكر فقال نعم كثيرا قالت فمن ههنا أتيت ثم قال منبها على بعض آياته ."
وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33)
وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون
"وهو الذي خلق الليل والنهار" أي هذا في ظلامه وسكونه وهذا بضيائه وأنسه يطول هذا تارة ثم يقصر أخرى وعكسه الآخر "والشمس والقمر" هذه لها نور يخصها وفلك بذاته وزمان على حدة وحركة وسير خاص وهذا بنور آخر وفلك آخر وسير آخر وتقدير آخر "وكل في فلك يسبحون" أي يدورون
قال ابن عباس يدورون كما يدور المغزل في الفلكة قال مجاهد فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا كما قال تعالى "فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم" .
وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34)
وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون
يقول تعالى "وما جعلنا لبشر من قبلك" أي يا محمد "الخلد" أي في الدنيا بل "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر عليه السلام مات وليس بحي إلى الآن لأنه بشر سواء كان وليا أو نبيا أو رسولا وقد قال تعالى "وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد" وقوله "أفإن مت" أي يا محمد "فهم الخالدون" أي يؤملون أن يعيشوا بعدك لا يكون هذا بل كل إلى الفناء .
كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35)
كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون
ولهذا قال تعالى "كل نفس ذائقة الموت" وقد روي عن الشافعي - رحمه الله - أنه أنشد واستشهد بهذين البيتين :
تمنى رجال أن أموت وإن ... أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
وقوله "ونبلوكم بالشر والخير فتنة" أي نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى فننظر من يشكر ومن يكفر ومن يصبر ومن يقنط كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ونبلوكم" يقول نبتليكم "بالشر والخير فتنة" بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلال وقوله "وإلينا ترجعون" أي فنجازيكم بأعمالكم .
وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36)
وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر
آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون
يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه "إذا رآك الذين كفروا" يعني كفار قريش كأبي جهل وأشباهه "إن يتخذونك إلا هزوا" أي يستهزئون بك وينتقصونك يقولون "أهذا الذي يذكر آلهتكم" يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم قال تعالى "وهم بذكر الرحمن هم كافرون" أي وهم كافرون بالله ومع هذا يستهزئون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال في الآية الأخرى "وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا" .
خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37)
خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون
وقوله "خلق الإنسان من عجل" كما قال في الآية الأخرى "وكان الإنسان عجولا" أي في الأمور قال مجاهد خلق الله آدم بعد كل شيء من آخر النهار من يوم خلق الخلائق فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه ولم يبلغ أسفله قال يا رب استعجل بخلقي .
قبل غروب الشمس وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط منها وفيه تقوم الساعة وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي - وقبض أصابعه يقللها - فسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه" قال أبو سلمة فقال عبد الله بن سلام قد عرفت تلك الساعة هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة
وهي التي خلق الله فيها آدم قال الله تعالى "خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون" والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ههنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك فقال الله تعالى خلق الإنسان من عجل لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته يؤجل ثم يعجل وينظر ثم لا يؤخر ولهذا قال "سأريكم آياتي" أي نقمي وحكمي واقتداري على من عصاني "فلا تستعجلون" .
ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38)
ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين
يخبر تعالى عن المشركين أنهم يستعجلون أيضا بوقوع العذاب بهم تكذيبا وجحودا وكفرا وعنادا واستبعادا فقال "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" .
لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39)
لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون
قال الله تعالى "لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم" أي لو تيقنوا أنها واقعة بهم لا محالة لما استعجلوا به ولو يعلمون حين يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم "لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل" "لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش" وقال في هذه الآية "حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم" وقال : "سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار" فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم "ولا هم ينصرون أي لا ناصر لهم كما قال" وما لهم من الله من واق "."
بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40)
بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون
وقوله "بل تأتيهم بغتة" أي "تأتيهم النار بغتة" أي فجأة فتبهتهم "أي تذعرهم فيستسلمون لها حائرين لا يدرون ما يصنعون" فلا يستطيعون ردها "أي"
ليس لهم حيلة في ذلك ولا هم ينظرون "أي ولا يؤخر عنهم ذلك ساعة واحدة ."
ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (41)
ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون
يقول تعالى مسليا لرسوله عما آذاه به المشركون من الاستهزاء والتكذيب "ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون" يعني من العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه كما قال تعالى "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين" .
قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42)
قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون
ثم ذكر تعالى نعمته على عبيده في حفظه لهم بالليل والنهار وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام فقال "قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن" أي بدل الرحمن يعني غيره كما قال الشاعر :
جارية لم تلبس المرققا ... ولم تذق من البقول الفستقا
أي لم تذق بدل البقول الفستق وقوله تعالى "بل هم عن ذكر ربهم معرضون" أي لا يعترفون بنعمة الله عليهم وإحسانه إليهم بل يعرضون عن آياته وآلائه .
أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43)
أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون
ثم قال "أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا" استفهام إنكار وتقرير .
وتوبيخ أي ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا ؟ ليس الأمر كما توهموا لا ولا كما زعموا ولهذا قال "لا يستطيعون نصر أنفسهم" أي هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم وقوله "ولا هم منا يصحبون" قال العوفي عن ابن عباس "ولا هم منا"
يصحبون "أي يجارون وقال قتادة لا يصحبون من الله بخير وقال غيره ولا هم منا يصحبون يمنعون ."
بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44)
بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون
يقول تعالى مخبرا عن المشركين إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنهم متعوا في الحياة الدنيا ونعموا وطال عليهم العمر فيما هم فيه فاعتقدوا أنهم على شيء ثم قال واعظا لهم "أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها" اختلف المفسرون في معناه وقد أسلفناه في سورة الرعد وأحسن ما فسر بقوله تعالى "ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون" وقال الحسن البصري يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر والمعنى أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين ولهذا قال "أفهم الغالبون" يعني بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون الأرذلون .
قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45)
قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون
وقوله "قل إنما أنذركم بالوحي" أي إنما أنا مبلغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال ليس ذلك إلا عما أوحاه الله إلي ولكن لا يجدي هذا عمن أعمى الله بصيرته وختم على سمعه وقلبه ولهذا قال "ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون" .
ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46)
ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا
وقوله "ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين" أي ولئن مس هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله ليعترفون بذنوبهم وأنهم كانوا ظالمي أنفسهم في الدنيا
ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47)
ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين
وقوله "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا" أي ونضع الموازين العدل ليوم القيامة الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه وقوله "فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين كما قال تعالى" ولا يظلم ربك أحدا "وقال" إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما "وقال لقمان" يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير "وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم" كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم "وقال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني حدثنا ابن المبارك عن ليث بن سعد عن عامر بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمتك كتبتي الحافظون ؟ قال لا يا رب قال أفلك عذر أو حسنة ؟ قال فبهت الرجل فيقول لا يا رب فيقول بلى إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فيقول أحضروه فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول إنك لا تظلم قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة قال فطاشت السجلات ونقلت البطاقة قال ولا يثقل شيء مع بسم
الله الرحمن الرحيم "ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث الليث بن سعد وقال الترمذي حسن غريب وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله" صلى الله عليه وسلم ":" توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة ويوضع ما أحصي عليه فيميل به الميزان قال فيبعث به إلى النار قال فإذا أدبر به إذا صائح من عند الرحمن عز وجل يقول لا تعجلوا فإنه قد بقي له فيؤتى ببطاقة فيها : "لا إله إلا الله" فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان "وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو"
نوح مرارا أنبأنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رجلا من أصحاب رسول الله "صلى الله عليه وسلم" جلس بين يديه فقال يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم فقال له رسول الله "صلى الله عليه وسلم" : "يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك" فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ويهتف فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" "ما له لا يقرأ كتاب الله"
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|