عرض مشاركة واحدة
  #347  
قديم 07-12-2025, 02:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة طه
من صـ 364 الى صــ 389
الحلقة (347)









فاجمعوا فجمعوه فأوقدوا عليه فذاب فرآه السامري فألقي في روعه أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه فقلت كن فكان فقذف القبضة وقال كن فكان عجلا جسدا له خوار فقال هذا إلهكم وإله موسى ولهذا قال فنبذتها أي ألقيتها مع من ألقى وكذلك سولت لي نفسي أي حسنته وأعجبها إذ ذاك .
قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97)
قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا
قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس "أي كما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه ومسه من أثر الرسول فعقوبتك في الدنيا أن تقول لا مساس أي لا تماس الناس ولا يمسونك وإن لك موعدا أي يوم القيامة لن تخلفه أي لا محيد لك عنه وقال قتادة أن تقول لا مساس قال عقوبة لهم وبقاياهم اليوم يقولون لا مساس ."
وقوله "وإن لك موعدا لن تخلفه" قال الحسن وقتادة وأبو نهيك لن تغيب عنه وقوله وانظر إلى إلهك أي معبودك "الذي ظلت عليه عاكفا" أي أقمت على عبادته يعني العجل لنحرقنه قال الضحاك عن ابن عباس والسدي سحله بالمبارد وألقاه على النار وقال قتادة استحال العجل من الذهب لحما ودما فحرقه بالنار ثم ألقى رماده في البحر ولهذا قال ثم لننسفنه في اليم نسفا وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن رجاء أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد الله وأبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه قال : إن موسى لما تعجل إلى ربه عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل ثم صوره عجلا قال فعمد موسى إلى العجل فوضع عليه المبارد فبرده بها وهو على شط نهر فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب فقالوا لموسى ما توبتنا ؟ قال يقتل بعضكم بعضا

وهكذا قال السدي وقد تقدم في تفسير سورة البقرة ثم في حديث الفتون بسط ذلك .
إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98)
إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما
وقوله تعالى "إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما" يقول لهم موسى عليه السلام ليس هذا إلهكم إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو أي لا يستحق ذلك على العباد إلا هو ولا تنبغي العبادة إلا له فإن كل شيء فقير إليه عبد له وقوله وسع كل شيء علما نصب على التميز أي هو عالم بكل شيء أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا فلا يعزب عنه مثقال ذرة وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين والآيات في هذا كثيرة جدا .
كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99)
كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا
يقول تعالى لنبيه محمد كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص هذا وقد آتيناك من لدنا أي من عندنا ذكرا وهو القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي لم يعط نبي من الأنبياء منذ بعثوا إلى أن ختموا بمحمد كتابا مثله ولا أكمل منه ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن وحكم الفصل بين الناس منه .
من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100)
من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا
قال تعالى "من أعرض عنه" أي كذب به وأعرض عن اتباعه أمرا وطلبا وابتغى الهدى من غيره فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم ولهذا قال "من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا" أي

إثما كما قال تعالى "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده" وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب وغيرهم كما قال "لأنذركم به ومن بلغ" فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع فمن اتبعه هدي ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا والنار موعده يوم القيامة .
خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (101)
خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا
قال "من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه" أي لا محيد لهم عنه ولا انفكاك "وساء لهم يوم القيامة حملا" أي بئس الحمل حملهم .
يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102)
يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا
ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصور فقال "قرن ينفخ فيه" وقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة أنه قرن عظيم الدائرة منه بقدر السماوات والأرض ينفخ فيه إسرافيل وجاء في الحديث "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له" فقالوا يا رسول الله كيف نقول ؟ قال "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا" وقوله "ونحشر المجرمين يومئذ زرقا" قيل معناه زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال .


يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103)
يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا
"يتخافتون بينهم" قال ابن عباس يتساورون بينهم أي يقول بعضهم لبعض "إن لبثتم إلا عشرا" أي في الدار الدنيا لقد كان لبثكم فيها قليلا عشرة أيام أو نحوها .
نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104)
نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما
قال الله تعالى "نحن أعلم بما يقولون" أي في حال تناجيهم بينهم "إذ يقول أمثلهم طريقة" أي العاقل الكامل فيهم إن لبثتم إلا يوما أي لقصر مدة الدنيا في أنفسهم يوم المعاد لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها وساعاتها كأنها يوم واحد ولهذا يستقصر الكافرون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة وكان غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة ولهذا قال تعالى "يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة" - إلى قوله - ولكنكم كنتم لا تعلمون "وقال تعالى" أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير "الآية وقال تعالى" كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون "أي إنما كان لبثكم فيها قليلا لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي ."
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105)
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
يقول تعالى "ويسألونك عن الجبال" أي هل تبقى يوم القيامة أو تزول ؟ فقل ينسفها ربي نسفا أي يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرا .
فيذرها قاعا صفصفا (106)
فيذرها قاعا صفصفا
"فيذرها" أي الأرض "قاعا صفصفا" أي بساطا واحدا والقاع هو المستوي من الأرض والصفصف تأكيد لمعنى ذلك وقيل الذي لا نبات فيه والأول أولى وإن كان الآخر مرادا أيضا باللازم .
لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107)
لا ترى فيها عوجا ولا أمتا
قال "لا ترى فيها عوجا ولا أمتا" لا ترى في الأرض يومئذ واديا ولا رابية ولا مكانا منخفضا ولا مرتفعا كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة

وغير واحد من السلف .
يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108)
يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا
"يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له" أي يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم ولكن حيث لا ينفعهم كما قال تعالى "أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا" وقال "مهطعين إلى الداعي" وقال محمد بن كعب القرظي يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة ويطوي السماء وتتناثر النجوم وتذهب الشمس والقمر وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يؤمونه فذلك قوله "يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له" وقال قتادة لا عوج له لا يميلون عنه وقال أبو صالح لا عوج له لا عوج عنه وقوله وخشعت الأصوات للرحمن قال ابن عباس سكنت وكذا قال السدي فلا تسمع إلا همسا قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني وطء الأقدام وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فلا تسمع إلا همسا الصوت الخفي وهو رواية عن عكرمة والضحاك وقال سعيد بن جبير فلا تسمع إلا همسا الحديث وسره ووطء الأقدام فقد جمع سعيد كلا القولين وهو محتمل أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر وهو مشيهم في سكون وخضوع وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال فقد قال تعالى "يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد ."
يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109)
يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا
يقول تعالى يومئذ أي يوم القيامة لا تنفع الشفاعة أي عنده إلا

من أذن له الرحمن ورضي له قولا كقوله "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" وقوله "وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى" وقال "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون" وقال "لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له" وقال "يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا" وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم وأكرم الخلائق على الله عز وجل أنه قال "آتي تحت العرش وأخر لله ساجدا ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع - قال - فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود" فذكر أربع مرات صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء .
وفي الحديث أيضا "يقول تعالى أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان فيخرجوا خلقا كثيرا ثم يقول أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان" الحديث .


يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110)
يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما
"يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم" أي يحيط علما بالخلائق كلهم ولا يحيطون به علما كقوله "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ."
وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111)
وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما
وقوله "وعنت الوجوه للحي القيوم" قال ابن عباس وغير واحد خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت القيوم الذي لا ينام وهو قيم على كل شيء يدبره ويحفظه فهو الكامل في نفسه الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به وقوله "وقد خاب من حمل ظلما" أي يوم القيامة فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء وفي الحديث "يقول الله عز وجل وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم" وفي الصحيح "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو به مشرك فإن الله تعالى يقول" إن الشرك لظلم عظيم "."
ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112)
ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما
وقوله "ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما" لما ذكر الظالمين ووعيدهم ثنى بالمتقين وحكمهم وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون أي لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك

والحسن وقتادة وغير واحد فالظلم الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره والهضم النقص .
وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113)
وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا
يقول تعالى ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقع لا محالة أنزلنا القرآن بشيرا ونذيرا بلسان عربي مبين فصيح لا لبس فيه ولا عي "وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون" أي يتركون المآثم والمحارم والفواحش أو يحدث لهم ذكرا وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات فتعالى الله الملك الحق أي تنزه وتقدس الملك الحق الذي هو حق ووعده حق ووعيده حق ورسله حق والجنة حق والنار حق وكل شيء منه حق وعدله تعالى أن لا يعذب أحدا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإعذار إلى خلقه لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة وقوله "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه" كقوله تعالى في سورة لا أقسم بيوم القيامة "لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه" وثبت في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعالج من الوحي شدة فكان مما يحرك به لسانه فأنزل الله هذه الآية يعني أنه كان إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه فقال لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه أي أن نجمعه في صدرك ثم تقرأه على الناس من غير


أن تنسى منه شيئا "فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه" .
فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114)
فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما
وقال في هذه الآية "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه" أي بل أنصت فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده "وقل رب زدني علما" أي زدني منك علما قال ابن عيينة رحمه الله ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة حتى توفاه الله عز وجل ولهذا جاء في الحديث "إن الله تابع الوحي على رسوله حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقال ابن ماجه حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا عبد الله بن نمير عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما والحمد لله على كل حال" وأخرجه الترمذي عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير به وقال غريب من هذا الوجه ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي عاصم عن موسى بن عبيدة به وزاد في آخره وأعوذ بالله من حال أهل النار "."
ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115)
ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما


قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي وكذا رواه علي بن أبي طلحة عنه وقال مجاهد والحسن ترك .
وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116)
وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى
وقوله "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلا وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة البقرة وفي الأعراف في الحجر والكهف وسيأتي في آخر سورة ص يذكر تعالى فيها خلق آدم وأمره الملائكة بالسجود له تشريفا وتكريما ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديما ولهذا قال تعالى "فسجدوا إلا إبليس أبى" أي امتنع واستكبر .
فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117)
فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة
"فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك" يعني حواء عليهما السلام "فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى" أي إياك أن تسعى في إخراجك منها فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء بلا كلفة ولا مشقة .
إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118)
إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى
"إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى" إنما قرن بين الجوع والعري لأن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر .
وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119)
وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى
"وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى" وهذان أيضا متقابلان فالظمأ حر الباطن وهو العطش والضحى حر الظاهر .


فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120)
فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا
وقوله "فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" قد تقدم أنه دلاهما بغرور وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين وقد تقدم أن الله تعالى عهد إلى آدم وزوجه أن يأكلا من كل الثمار ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها وكانت شجرة الخلد يعني التي من أكل منها خلد ودام مكثه وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد فقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن أبي الضحى سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها وهي شجرة الخلد" ورواه الإمام أحمد .
فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121)
فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى
"فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما" قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن أشكاب حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه فأول ما بدا منه عورته فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة فأخذت شعره شجرة فنازعها فناداه الرحمن يا آدم مني تفر فلما سمع كلام الرحمن قال يا رب لا ولكن استحياء أرأيت إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة ؟ قال نعم" فذلك قوله "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه" وهذا منقطع بين الحسن وأبي بن كعب فلم يسمعه منه وفي رفعه نظر أيضا وقوله "وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة" قال مجاهد يرقعان كهيئة الثوب وكذا قال قتادة والسدي

وقال ابن أبي حاتم حدثنا جعفر بن عون حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعد بن جبير عن ابن عباس "وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة" قال ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوآتهما .
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122)
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
وقوله "وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "حاج موسى آدم فقال له أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم ؟ قال آدم يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني أو قدره الله علي قبل أن يخلقني - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فحج آدم موسى" وهذا الحديث له طرق في الصحيحين وغيرهما من المسانيد .

وقال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني أنس بن عياض عن الحارث بن أبي ذئاب عن يزيد بن هرمز قال سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى قال موسى أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك ؟ قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عام قال آدم فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى ؟ قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فحج آدم موسى" قال الحارث وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123)
قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى
يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس اهبطوا منها جميعا أي من الجنة كلكم وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة بعضكم لبعض عدو قال آدم وذريته وإبليس وذريته وقوله : فإما يأتينكم مني هدى قال أبو العالية : الأنبياء والرسل والبيان فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى قال ابن عباس لا يضل في الدنيا ولا
يشقى في الآخرة .
ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124)
ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى
"ومن أعرض عن ذكري" أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه فإن له معيشة ضنكا أي ضنك في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره بل صدره ضيق حرج لضلاله وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فإن له معيشة ضنكا قال الشقاء وقال العوفي عن ابن عباس فإن له معيشة ضنكا قال كلما أعطيته عبدا من عبادي قل أو كثر لا يتقيني فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة وقال أيضا إن قوما ضلالا أعرضوا عن الحق وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين فكانت معيشتهم ضنكا وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفا لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به والثقة به اشتدت عليه معيشته فذلك الضنك وقال الضحاك هو العمل السيئ والرزق الخبيث وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار وقال سفيان بن عيينة عن أبي حازم عن أبي سلمة عن أبي سعيد في قوله

معيشة ضنكا قال يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه قال أبو حاتم الرازي : النعمان بن أبي عياض يكنى أبا سلمة وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان أنبأنا الوليد أنبأنا عبد الله بن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل "فإن له معيشة ضنكا" قال "ضمة القبر له" والموقوف أصح .
وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج أبو السمح عن ابن حجيرة واسمه عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "المؤمن في قبره في روضة خضراء ويفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له قبره كالقمر ليلة البدر أتدرون فيما أنزلت هذه الآية فإن له معيشة ضنكا أتدرون ما المعيشة الضنك ؟" قالوا الله ورسوله أعلم قال "عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا أتدرون ما التنين ؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رءوس ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون" رفعه منكر جدا

وقال البزار حدثنا محمد بن يحيى الأزدي حدثنا ابن عمرو حدثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل "فإن له معيشة ضنكا" قال المعيشة الضنك الذي قال الله إنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة .
وقال أيضا حدثنا أبو زرعة حدثنا أبو الوليد حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن له معيشة ضنكا قال "عذاب القبر" إسناد جيد وقوله "ونحشره يوم القيامة أعمى" قال مجاهد وأبو صالح والسدي لا حجة له وقال عكرمة عمي عليه كل شيء إلا جهنم ويحتمل أن يكون المراد أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضا كما قال تعالى "ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم" الآية .
قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125)
قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا
ولهذا يقول "رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا" أي في الدنيا .
قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126)
قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى
"قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى" أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك "فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا" فإن الجزاء من جنس العمل .
فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص وإن كان متوعدا عليه من جهة أخرى قاله قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك قال الإمام أحمد حدثنا خلف بن الوليد حدثنا خالد عن يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن رجل عن سعيد بن عبادة عن النبي


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.69 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.33%)]