
07-12-2025, 02:31 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,491
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (9)
سورة طه
من صـ 334 الى صــ 348
الحلقة (345)
قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ومضى فأنزلهم موسى منزلا وقال أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم فإني ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم فتناول موسى من نبات الأرض شيئا فمضغه فقال له ربه حين أتاه لم أفطرت وهو أعلم بالذي كان قال يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح قال أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ارجع فصم عشرا ثم ائتني ففعل موسى عليه السلام ما أمر به فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك وكان هارون قد خطبهم وقال إنكم قد خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع ولكم فيهم مثل ذلك فإني أرى أنكم تحتسبون ما لكم عندهم ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ثم أوقد عليه النار فأحرقته فقال لا يكون لنا ولا لهم وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا فقضي له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون يا سامري ألا تلقي ما في يدك وهو قابض عليه لا يراه أحد طول ذلك فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يجعلها ما أريد فألقاها ودعا له هارون فقال أريد أن يكون عجلا فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلا أجوف ليس فيه روح وله خوار
قال ابن عباس لا والله ما كان له صوت قط إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه وكان ذلك الصوت من ذلك فتفرق بنو إسرائيل فرقا فقالت فرقة يا سامري ما هذا وأنت أعلم به ؟ قال هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق فقالت فرقة لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأينا وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى وقالت فرقة هذا من عمل الشيطان وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به فقال لهم
هارون يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا هذه أربعون يوما قد مضت وقال سفهاؤهم أخطأ ربه فهو يطلبه يتبعه فلما كلم الله موسى وقال له ما قال أخبره بما لقي قومه من بعده فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا فقال لهم ما سمعتم في القرآن وأخذ برأس أخيه يجره إليه وألقى الألواح من الغضب ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له وانصرف إلى السامري فقال له ما حملك على ما صنعت ؟ قال قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها وعميت عليكم فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون فقالوا لجماعتهم يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك لا يألو الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض فاستحيا نبي الله من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به فلذلك رجفت بهم الأرض فقال ورحمتي وسعت كل شيء
فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فقال يا رب سألتك التوبة لقومي فقلت إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة فقال له إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب فأمرهم بالذي أمرهم به أن يبلغهم من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ودنا منهم
حتى خافوا أن يقع عليهم فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر وذكروا من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها فقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ولا ندخلها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون قيل ليزيد هكذا قرأت قال نعم من الجبارين آمنا بموسى وخرجا إليه قالوا نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ويقول أناس إنهم من قوم موسى فقال الذين يخافون بنو إسرائيل "قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم موسى فاسقين وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار وظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا وأمر موسى فضربه
بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا يرتحلون من مكان إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل فقال كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك فغضب ابن عباس فأخذ بيد معاوية وانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال له يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون ؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني ؟ قال إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره وهكذا رواه النسائي في السنن الكبرى وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما
كلهم من حديث يزيد بن هارون به وهو موقوف من كلام ابن عباس وليس فيه مرفوع إلا قليل منه وكأنه تلقاه ابن عباس مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره والله أعلم وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضا .
واصطنعتك لنفسي (41)
واصطنعتك لنفسي
يقول تعالى مخاطبا لموسى عليه السلام إنه لبث مقيما في أهل مدين فارا من
فرعون وملئه يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل ثم جاء موافقا لقدر الله وإرادته من غير ميعاد والأمر كله لله تبارك وتعالى وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء ولهذا قال "ثم جئت على قدر يا موسى" قال مجاهد أي على موعد وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله ثم جئت على قدر يا موسى قال على قدر الرسالة والنبوة وقوله "واصطنعتك لنفسي" أي اصطفيتك واجتبيتك رسولا لنفسي أي كما أريد وأشاء وقال البخاري عند تفسيرها حدثنا الصلت بن محمد حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "التقى آدم وموسى فقال موسى أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ؟ فقال آدم وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة ؟ قال نعم قال فوجدته مكتوبا علي قبل أن يخلقني قال نعم فحج آدم موسى" أخرجاه .
اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42)
اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري
وقوله "اذهب أنت وأخوك بآياتي" أي بحججي وبراهيني ومعجزاتي "ولا تنيا في ذكري" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لا تبطئا وقال مجاهد عن ابن عباس لا تضعفا
والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون ليكون ذكر الله عونا لهما عليه وقوة لهما وسلطانا كاسرا له كما جاء في الحديث "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه" .
اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43)
اذهبا إلى فرعون إنه طغى
وقوله "اذهبا إلى فرعون إنه طغى" أي تمرد وعتا وتجبر على الله وعصاه .
فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44)
فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى
"فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" هذه الآية فيها عبرة عظيمة وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين كما قال يزيد الرقاشي عند قوله "فقولا له قولا لينا" .
يا من يتحبب إلى من يعاديه ... فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟
وقال وهب بن منبه قولا له إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة وعن عكرمة في قوله "فقولا له قولا لينا" قال لا إله إلا الله وقال عمرو بن عبيد عن الحسن البصري "فقولا له قولا لينا" أعذرا إليه قولا له إن لك ربا ولك معادا لأن بين يديك جنة ونارا ; وقال بقية عن علي بن هارون عن رجل عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة عن علي في قوله "فقولا له قولا لينا" قال كنه وكذا روي عن سفيان الثوري كنه بأبي مرة والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رفيق ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع كما قال تعالى "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" وقوله "لعله يتذكر أو يخشى" أي لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة أو يخشى أي يوجد طاعة من خشية ربه كما قال تعالى "لمن أراد أن يذكر" أو يخشى فالتذكر الرجوع عن المحذور والخشية تحصيل الطاعة وقال الحسن البصري "لعله يتذكر أو يخشى" يقول : لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون أهلكه قبل أن أعذر إليه ; وهاهنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل ويروى لأمية بن أبي الصلت فيما ذكره ابن
إسحاق :
وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له فاذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان باغيا
فقولا له هل أنت سويت هذه ... بلا وتد حتى استقلت كما هيا
وقولا له آأنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذن بك بانيا
وقولا له آأنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنه الليل هاديا
قولا له من يخرج الشمس بكرة ... فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرى ... فيصبح منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رءوسه ... ففي ذاك آيات لمن كان واعيا
قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45)
قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى
يقول تعالى إخبارا عن موسى وهارون عليهما السلام إنهما قالا مستجيرين بالله تعالى شاكيين إليه إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى يعنيان أن يبدر إليهما بعقوبة أو يعتدي عليهما فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك .
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن يفرط يعجل وقال مجاهد يبسط علينا وقال الضحاك عن ابن عباس أو أن يطغى : يعتدي .
قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46)
قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى
"قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى" أي لا تخافا منه فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه وأرى مكانكما ومكانه لا يخفى علي من أمركم شيء واعلما أن
ناصيته بيدي فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال لما بعث الله عز وجل موسى إلى فرعون فقال رب أي شيء أقول قال قل هيا شراهيا قال الأعمش فسر ذلك أنا الحي قبل كل شيء والحي بعد كل شيء إسناده جيد وشيء غريب .
فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47)
فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى
"فأتياه فقولا إنا رسولا ربك" قد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس أنه قال مكثا على بابه حينا لا يؤذن لهما حتى أذن لهما بعد حجاب شديد وذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن موسى وأخاه هارون خرجا فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه وهما يقولان إنا رسولا رب العالمين فآذنوا بنا هذا الرجل فمكثا فيما بلغني سنتين يغدوان ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه فقال له أيها الملك إن على بابك رجلا يقول قولا عجيبا يزعم أن له إلها غيرك أرسله إليك قال ببابي ؟ قال نعم قال أدخلوه فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصا فلما وقف على فرعون قال إني رسول رب العالمين فعرفه فرعون وذكر السدي أنه لما قدم بلاد مصر ضاف أمه وأخاه وهما لا يعرفانه وكان طعامهما ليلتئذ الطفيل وهو اللفت ثم عرفاه وسلما عليه فقال له موسى يا هارون إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون فأدعوه إلى الله وأمرك أن تعاونني قال افعل ما أمرك ربك فذهبا وكان ذلك ليلا فضرب موسى باب القصر بعصاه فسمع فرعون فغضب وقال من يجترئ على هذا الصنيع الشديد فأخبره السدنة والبوابون بأن هاهنا رجلا مجنونا يقول إنه رسول الله فقال علي به فلما وقفا بين يديه قالا وقال لهما
ما ذكر الله في 2?تابه وقوله "قد جئناك بآية من ربك" أي بدلالة ومعجزة من ربك والسلام على من اتبع الهدى أي والسلام عليك إن اتبعت الهدى ولهذا لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم كتابا كان أوله "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين" وكذلك لما كتب مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا صورته من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك أما بعد فإني قد أشركتك في الأمر فلك المدر ولي الوبر ولكن قريش قوم يعتدون.
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" ولهذا قال موسى وهارون عليهما السلام لفرعون .
إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48)
إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى
"إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى" أي قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم أن العذاب متحمض لمن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته كما قال تعالى "فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى" وقال تعالى "فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى" وقال تعالى "فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى" أي كذب بقلبه وتولى بفعله .
قال فمن ربكما يا موسى (49)
قال فمن ربكما يا
يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى منكرا وجود الصانع الخالق إله كل شيء وربه ومليكه "قال فمن ربكما يا موسى" أي الذي بعثك وأرسلك من هو فإني لا أعرفه وما علمت لكم من إله غيري .
قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50)
قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى
قوله "أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" قال أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة ولا للدابة من خلق الكلب ولا للكلب من خلق الشاة وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح وهيأ كل شيء على ذلك ليس شيء منها يشبه شيئا من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح وقال بعض المفسرين أعطى كل شيء خلقه ثم هدى كقوله تعالى "الذي قدر فهدى" أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه أي كتب الأعمال والآجال
والأرزاق ثم الخلائق ماشون على ذلك لا يحيدون عنه ولا يقدر أحد على الخروج يقول ربنا الذي خلق الخلق وقدر القدر وجبل الخليقة على ما أراد .
قال فما بال القرون الأولى (51)
قال فما بال القرون الأولى
"قال فما بال القرون الأولى" أصح الأقوال في معنى ذلك أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى شرع يحتج بالقرون الأولى أي الذين لم يعبدوا الله أي فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره .
قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52)
قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى
فقال له موسى في جواب ذلك هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمار "لا يضل ربي ولا ينسى" أي لا يشذ عنه شيء ولا يفوته صغير ولا كبير ولا ينسى شيئا يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط وأنه لا ينسى شيئا تبارك وتعالى وتقدس وتنزه فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان أحدهما عدم الإحاطة بالشيء والآخر نسيانه بعد علمه فنزه نفسه عن ذلك .
الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53)
الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى
هذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه عز وجل حين سأله فرعون عنه فقال الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ثم اعترض الكلام بين ذلك ثم قال الذي جعل لكم الأرض مهدا وفي قراءة بعضهم مهدا أي قرارا تستقرون عليها وتقومون وتنامون عليها وتسافرون على ظهرها وسلك لكم فيها سبلا أي جعل لكم طرقا تمشون في مناكبها كما قال تعالى "وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون" "وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات"
شتى "أي من أنواع النباتات من زروع وثمار ومن حامض وحلو ومر وسائر الأنواع ."
كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54)
كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى
"كلوا وارعوا أنعامكم" أي شيء لطعامكم وفاكهتكم وشيء لأنعامكم لأقواتها خضرا ويبسا إن في ذلك لآيات أي لدلالات وحجج وبراهين "لأولي النهى" أي لذوي العقول السليمة المستقيمة على أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه .
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55)
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى
"منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى" أي من الأرض مبدؤكم فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض وفيها نعيدكم أي وإليها تصيرون إذا متم وبليتم ومنها نخرجكم تارة أخرى يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا وهذه الآية كقوله تعالى "قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون" وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال منها خلقناكم ثم أخذ أخرى وقال وفيها نعيدكم ثم أخرى وقال ومنها نخرجكم تارة أخرى .
ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56)
ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى
وقوله "ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى" يعني فرعون أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات وعاين ذلك وأبصره فكذب بها وأباها كفرا وعنادا وبغيا كما قال تعالى "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا" الآية .
قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57)
قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا
يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى وهي إلقاء عصاه فصارت ثعبانا عظيما ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء فقال هذا سحر جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس فيتبعونك وتكاثرنا بهم ولا يتم هذا معك .
فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58)
فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى
فإن عندنا سحرا مثل سحرك فلا يغرنك ما أنت فيه "فاجعل بيننا وبينك موعدا" أي يوما نجتمع نحن وأنت فيه فنعارض ما جئت به بما عندك من السحر في مكان معين ووقت معين .
قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59)
قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
فعند ذلك "قال" لهم موسى "موعدكم يوم الزينة" وهو يوم عيدهم وتفرغهم من أعمالهم واجتماع جميعهم ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء ومعجزات الأنبياء وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية ولهذا قال "وأن يحشر الناس" أي جميعهم "ضحى" أي ضحوة من النهار ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم بين واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج ولهذا لم يقل ليلا ولكن نهارا ضحى قال ابن عباس وكان يوم الزينة يوم عاشوراء وقال السدي وقتادة وابن زيد كان يوم عيدهم وقال سعيد بن جبير كان يوم سوقهم ولا منافاة قلت وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده كما ثبت في الصحيح وقال وهب بن منبه قال فرعون يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه قال موسى لم أؤمر بهذا إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج دخلت إليك فأوحى
الله إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلا وقل له أن يجعل هو قال فرعون اجعله إلى أربعين يوما ففعل وقال مجاهد وقتادة مكانا سوى منصفا وقال السدي عدلا وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم مكانا سوى مستو بين الناس وما فيه لا يكون صوت ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى .
فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60)
فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى
يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه لما تواعد هو وموسى إلى وقت ومكان معلومين تولى أي شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته كل من ينسب إلى السحر في ذلك الزمان وقد كان السحر فيهم كثيرا نافقا جدا كما قال تعالى "وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم" ثم أتي أي اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة وجلس فرعون على سرير مملكته واصطف له أكابر دولته ووقفت الرعايا يمنة ويسرة وأقبل موسى متوكئا على عصاه ومعه أخوه هارون ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفا وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم ويتمنون عليه وهو يعدهم ويمنيهم يقولون "أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين" .
قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61)
قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى
"قال موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا" أي لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها وإنها مخلوقة وليست مخلوقة فتكونون قد كذبتم على الله فيسحتكم بعذاب أي يهلككم بعقوبة هلاكا لا بقية له "فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى" أي يهلككم بعقوبة هلاكا لا بقية له .
فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62)
فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى
قيل معناه أنهم تشاجروا فيما بينهم فقائل يقول ليس هذا بكلام ساحر إنما هذا كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر وقيل غير هذا والله أعلم .
وقوله "وأسروا النجوى" أي تناجوا فيما بينهم .
قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63)
قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى
"قالوا إن هذان لساحران" وهذه لغة لبعض العرب جاءت هذه القراءة على إعرابها ومنهم من قرأ إن هذين لساحران وهذه اللغة المشهورة وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم : تعلمون أن هذا الرجل وأخاه - يعنون موسى وهارون - ساحران عالمان خبيران بصناعة السحر يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس وتتبعهما العامة ويقاتلا فرعون وجنوده فينصرا عليه ويخرجاكم من أرضكم وقوله "ويذهبا بطريقتكم المثلى" أي ويستبدا بهذه الطريقة وهي السحر فإنهم كانوا معظمين بسببها لهم أموال وأرزاق عليها يقولون إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض وتفردا بذلك وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم وقد تقدم في حديث الفتون أن ابن عباس قال في قوله "ويذهبا بطريقتكم المثلى" يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا هشيم عن عبد الرحمن بن إسحاق سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله ويذهبا بطريقتكم المثلى قال يصرفان وجوه الناس إليهما وقال مجاهد ويذهبا بطريقتكم المثلى قال أولو الشرف والعقل والأسنان.
وقال أبو صالح بطريقتكم المثلى أشرافكم وسرواتكم وقال عكرمة بخيركم وقال قتادة وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل وكانوا أكثر القوم عددا وأموالا فقال عدو الله يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما وقال عبد الرحمن بن زيد بطريقتكم المثلى بالذي أنتم عليه .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|