عرض مشاركة واحدة
  #343  
قديم 07-12-2025, 02:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة طه
من صـ 306 الى صــ 320
الحلقة (343)





عملي كله لله عز وجل فلم يزد على أن قلب نيته ولم يزد على العمل الذي كان يعمله فكان يمر بعد بالقوم فيقولون رحم الله فلانا الآن وتلا الحسن "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا" وقد روى ابن جرير أثرا أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف وهو خطأ فإن هذه السورة بكمالها مكية لم ينزل منها شيء بعد الهجرة ولم يصح سند ذلك والله أعلم .
فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97)
فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا
وقوله "فإنما يسرناه" يعني القرآن "بلسانك" أي يا محمد وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل "لتبشر به المتقين" أي المستجيبين لله المصدقين لرسوله "وتنذر به قوما لدا" أي عوجا عن الحق مائلين إلى الباطل وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قوما لدا لا يستقيمون وقال الثوري عن إسماعيل وهو السدي عن أبي صالح "وتنذر به قوما لدا" عوجا عن الحق وقال الضحاك الألد الخصم وقال القرظي الألد الكذاب وقال الحسن البصري "قوما لدا" صما وقال غيره صم آذان القلوب وقال قتادة قوما لدا يعني قريشا وقال العوفي عن ابن عباس "قوما لدا" فجارا وكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد .
وقال ابن زيد الألد الظلوم وقرأ قوله تعالى "وهو ألد الخصام"

وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98)
وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا
وقوله "وكم أهلكنا قبلهم من قرن" أي من أمة كفروا بآيات الله وكذبوا رسله "هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا" أي هل ترى منهم أحدا أو تسمع لهم ركزا قال ابن عباس وأبو العالية وعكرمة والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد يعني صوتا وقال الحسن وقتادة هل ترى عينا أو تسمع صوتا والركز في أصل اللغة هو الصوت الخفي قال الشاعر :
فتوحشت ركز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها
آخر تفسير سورة مريم ولله الحمد والمنة ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة طه ولله الحمد .
سورة طه
طه (1)
طه
سورة طه : روى إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد عن زياد بن أيوب عن إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار عن عمر بن حفص بن ذكوان عن مولى الحرقة - يعني عبد الرحمن بن يعقوب - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام فلما سمعت الملائكة قالوا طوبى لأمة ينزل عليهم هذا وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبي لألسن تتكلم بهذا" هذا حديث غريب وفيه نكارة وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما .
قد

تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسين بن محمد بن شيبة الواسطي حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - أنبأنا إسرائيل عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : طه يا رجل وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء محمد بن كعب وأبي مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى أنهم قالوا : طه بمعنى يا رجل وفي رواية عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنها كلمة بالنبطية معناها يا رجل وقال أبو صالح هي معربة وأسند القاضي عياض في كتابه الشفاء من طريق عبد بن حميد في تفسيره حدثنا هاشم بن القاسم عن ابن جعفر عن الربيع بن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله تعالى "طه" يعني طأ الأرض
يا محمد "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" ثم قال ولا يخفى ما في هذا من الإكرام وحسن المعاملة .
ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2)
ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
قوله "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" قال جويبر عن الضحاك لما أنزل الله القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم قام به هو وأصحابه فقال المشركون من قريش ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى فأنزل الله تعالى "طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى" فليس الأمر كما زعمه المبطلون بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرا كثيرا كما ثبت في الصحيحين عن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال حدثنا أحمد بن زهير حدثنا العلاء بن سالم حدثنا إبراهيم الطالقانى حدثنا ابن المبارك عن سفيان عن سماك بن حرب عن ثعلبة بن الحكم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي" إسناده جيد وثعلبة بن الحكم هذا هو الليثي ذكره أبو عمر في استيعابه وقال نزل البصرة ثم تحول إلى الكوفة وروى عنه سماك بن حرب وقال مجاهد في قوله "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" هي كقوله "فاقرءوا ما تيسر منه" وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة وقال قتادة "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" لا والله ما جعله شقاء ولكن

جعله رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة .
إلا تذكرة لمن يخشى (3)
إلا تذكرة لمن يخشى
وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه .
تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا (4)
تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا
وقوله "تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى" أي هذا القرآن الذي جاءك يا محمد هو تنزيل من ربك رب كل شيء ومليكه القادر على ما يشاء الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها وخلق السماوات العلى في ارتفاعها ولطافتها وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره أن سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه .
الرحمن على العرش استوى (5)
الرحمن على العرش استوى
وقوله "الرحمن على العرش استوى" تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضا وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل .
له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6)
له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى
وقوله "له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى" أي الجميع ملكه وفي قبضته وتحت تصرفه ومشيئته وإرادته وحكمه وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه لا إله سواه ولا رب غيره وقوله "وما تحت الثرى" قال محمد بن كعب أي ما تحت الأرض السابعة وقال الأوزاعي إن يحيى بن أبي كثير حدثه أن كعبا سئل فقيل له : ما تحت هذه الأرض ؟ فقال الماء قيل : وما تحت الماء ؟ قال الأرض قيل : وما تحت الأرض ؟ قال الماء قيل : وما تحت الماء ؟ قال الأرض قيل : وما تحت الأرض ؟ قال الماء قيل : وما تحت الماء ؟ قال الأرض قيل : وما تحت الأرض ؟ قال الماء قيل : وما تحت الماء ؟ قال الأرض قيل : وما تحت الأرض ؟ قال صخرة قيل : وما تحت

الصخرة ؟ قال : ملك قيل : وما تحت الملك ؟ قال حوت معلق طرفاه بالعرش قيل : وما تحت الحوت ؟ قال الهواء والظلمة وانقطع العلم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب حدثنا عمي حدثنا عبد الله بن عياش حدثنا عبد الله بن سلمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء والحوت على صخرة والصخرة بيد الملك والثانية سجن الريح والثالثة فيها حجارة جهنم والرابعة فيها كبريت جهنم والخامسة فيها حيات جهنم والسادسة فيها عقارب جهنم والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد أمامه ويد خلفه فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه" وهذا حديث غريب جدا ورفعه فيه نظر .
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده حدثنا أبو موسى الهروي عن العباس بن الفضل قال : قلت ابن الفضل الأنصاري ؟ قال نعم عن القاسم بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأقبلنا راجعين في حر شديد فنحن متفرقون بين واحد واثنين منتشرين قال وكنت في أول العسكر إذ عارضنا رجل فسلم ثم قال أيكم محمد ومضى أصحابي ووقفت معه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل في وسط العسكر على جمل أحمر مقنع بثوبه على رأسه من الشمس فقلت أيها السائل هذا رسول الله قد أتاك فقال أيهم هو ؟ فقلت صاحب البكر الأحمر فدنا منه فأخذ بخطام راحلته فكف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنت محمد ؟ قال "نعم" قال إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سل عما شئت" قال يا محمد أينام النبي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تنام عيناه ولا ينام قلبه" قال صدقت ثم قال يا محمد من أين يشبه الولد أباه وأمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فأي الماءين غلب على الآخر نزع الولد" فقال صدقت فقال ما للرجل من الولد وما للمرأة منه فقال "للرجل العظام والعروق والعصب وللمرأة اللحم والدم والشعر" قال صدقت ثم قال يا

محمد ما تحت هذه يعني الأرض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خلق" فقال فما تحتهم ؟ قال "أرض" قال فما تحت الأرض ؟ قال "الماء" قال فما تحت الماء ؟ قال "ظلمة" قال فما تحت الظلمة قال "الهواء" قال فما تحت الهواء ؟ قال "الثرى" قال فما تحت الثرى ؟ ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء وقال "انقطع علم الخلق عند علم الخالق أيها السائل ما المسئول عنها بأعلم من السائل" قال فقال صدقت أشهد أنك رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيها الناس هل تدرون من هذا ؟" قالوا الله ورسوله أعلم قال "هذا جبريل" هذا حديث غريب جدا وسياق عجيب تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا وقد قال فيه يحيى بن معين ليس يساوي شيئا وضعفه أبو حاتم الرازي وقال ابن عدي لا يعرف قلت وقد خلط في هذا الحديث ودخل عليه شيء في شيء وحديث في حديث وقد يحتمل أنه تعمد ذلك أو أدخل عليه فيه والله
أعلم .
وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7)
وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى
قوله "وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى" أي أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسماوات العلى الذي يعلم السر وأخفى كما قال تعالى "قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعلم السر وأخفى قال السر ما أسره ابن آدم في نفسه "وأخفى" ما أخفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه فالله يعلم ذلك كله فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة وهو قوله "ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة" وقال الضحاك يعلم السر وأخفى قال السر ما تحدث به نفسك

وأخفى ما لم تحدث به نفسك بعد وقال سعيد بن جبير أنت تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدا والله يعلم ما تسر اليوم وما تسر غدا وقال مجاهد وأخفى يعني الوسوسة وقال أيضا هو وسعيد بن جبير وأخفى أي ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه .
الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8)
الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى
أي الذي أنزل عليك القرآن هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف ولله الحمد والمنة .
وهل أتاك حديث موسى (9)
وهل أتاك حديث موسى
من هاهنا شرع تبارك وتعالى في ذكر قصة موسى وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليمه إياه وذلك بعدما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم .
إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10)
إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى
من هاهنا شرع تبارك وتعالى في ذكر قصة موسى وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليمه إياه وذلك بعدما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم وسار بأهله قيل قاصدا بلاد مصر بعدما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين ومعه زوجته فأضل الطريق وكانت ليلة شاتية ونزل منزلا بين شعاب وجبال في برد وشتاء وسحاب وظلام وضباب وجعل يقدح بزند معه ليوري نارا كما جرت له العادة به فجعل لا يقدح شيئا ولا يخرج منه شرر ولا شيء فبينما هو كذلك إذ آنس من

جانب الطور نارا أي ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه فقال لأهله يبشرهم إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أي شهاب من نار وفي الآية الأخرى "أو جذوة من النار" وهي الجمر الذي معه لهب لعلكم تصطلون دل على وجود البرد وقوله بقبس دل على وجود الظلام وقوله أو أجد على النار هدى أي من يهديني الطريق دل على أنه قد تاه عن الطريق كما قال الثوري عن أبي سعد الأعور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله أو أجد على النار هدى قال من يهديني إلى الطريق وكانوا شاتين وضلوا الطريق فلما رأى النار قال إن لم أجد أحدا يهديني إلى الطريق أتيتكم بنار توقدون بها .
فلما أتاها نودي يا موسى (11)
فلما أتاها نودي يا
يقول تعالى فلما أتاها أي النار واقترب منها نودي يا موسى وفي الآية الأخرى "نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله" وقال هاهنا إني أنا ربك أي الذي يكلمك ويخاطبك .
إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12)
إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى
قال علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو أيوب وغير واحد من السلف كانتا من جلد حمار غير ذكي

وقيل إنما أمره بخلع نعليه تعظيما للبيعة وقال سعيد بن جبير كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة وقيل ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيا غير منتعل وقيل غير ذلك والله أعلم وقوله "طوى" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو اسم للوادي وكذا قال غير واحد فعلى هذا يكون عطف بيان وقيل عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه وقيل لأنه قدس مرتين وطوى له البركة وكررت والأول أصح كقوله إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى .
وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13)
وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى
وقوله "وأنا اخترتك" كقوله "إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي" أي على جميع الناس من الموجودين في زمانه وقد قيل إن الله تعالى قال يا موسى أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس ؟ قال لا قال لأني لم يتواضع إلي أحد تواضعك وقوله "فاستمع لما يوحى" أي استمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك .
إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14)
إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري
هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وقوله "فاعبدني" أي وحدني وقم بعبادتي من غير شرك "وأقم الصلاة لذكري" قيل معناه صل لتذكرني وقيل معناه وأقم الصلاة عند ذكرك لي ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا المثنى بن سعيد عن قتادة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى قال وأقم"

الصلاة لذكري "وفي الصحيحين عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك "."
إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15)
إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى
وقوله "إن الساعة آتية" أي قائمة لا محالة وكائنة لا بد منها وقوله "أكاد أخفيها" قال الضحاك عن ابن عباس إنه كان يقرؤها أكاد أخفيها من نفسي يقول لأنها لا تخفى من نفس الله أبدا وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس من نفسه وكذا قال مجاهد وأبو صالح ويحيى بن رافع وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أكاد أخفيها يقول لا أطلع عليها أحدا غيري وقال السدي ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا قد أخفى الله تعالى عنه علم الساعة وهي في قراءة ابن مسعود إني أكاد أخفيها من نفسي يقول كتمتها عن الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت .
وقال قتادة أكاد أخفيها وهي في بعض القراءات أخفيها من نفسي

ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء والمرسلين قلت وهذا كقوله تعالى "قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله" وقال "ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة" أي ثقل علمها على أهل السماوات والأرض وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب حدثنا أبو نميلة حدثني محمد بن سهل الأسدي عن ورقاء قال أقرأنيها سعيد بن جبير أكاد أخفيها يعني بنصب الألف وخفض الفاء يقول أظهرها ثم قال أما سمعت قول الشاعر :
داب شهرين ثم شهرا دميكا ... بأربكين يخفيان غميرا
قال السدي الغمير نبت رطب ينبت في خلال يبس والأربكين موضع والدميك الشهر التام وهذا الشعر لكعب بن زهير .
وقوله سبحانه وتعالى "لتجزى كل نفس بما تسعى" أي أقيمها لا محالة لأجزي كل عامل بعمله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره "إنما تجزون ما كنتم تعملون ."
فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16)
فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى
وقوله "فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها" الآية المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين أي لا تتبعوا سبيل من كذب بالساعة وأقبل على ملاذه في دنياه وعصى مولاه واتبع هواه فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر "فتردى" أي تهلك وتعطب قال الله تعالى "وما يغني عنه ماله إذا تردى" .
وما تلك بيمينك يا موسى (17)
وما تلك بيمينك يا
هذا برهان من الله تعالى لموسى عليه السلام ومعجزة عظيمة وخرق للعادة باهر دل على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله عز وجل وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل

وقوله "وما تلك بيمينك يا موسى" قال بعض المفسرين إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له وقيل إنما قال له ذلك على وجه التقرير أي أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها فسترى ما نصنع بها الآن "وما تلك بيمينك يا موسى" استفهام تقرير .
قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18)
قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى
"قال هي عصاي أتوكأ عليها" أي أعتمد عليها في حال المشي وأهش بها على غنمي أي أهز بها الشجرة ليتساقط ورقها لترعاه غنمي قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك : الهش أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود فهذا الهش ولا يخبط وكذا قال ميمون بن مهران أيضا وقوله "ولي فيها مآرب أخرى" أي مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت فقيل كانت تضيء له بالليل وتحرس له الغنم إذا نام ويغرسها فتصير شجرة تظله وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة والظاهر أنها لم تكن كذلك ولو كانت كذلك لما استنكر موسى عليه الصلاة والسلام صيرورتها ثعبانا فما كان يفر منها هاربا ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية وكذا قول بعضهم إنها كانت لآدم عليه الصلاة والسلام وقول الآخر إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة وروي عن ابن عباس أنه قال كان اسمها ما شاء والله أعلم بالصواب .
قال ألقها يا موسى (19)
قال ألقها يا
وقوله تعالى "قال ألقها يا موسى" أي هذه العصا التي في يدك يا موسى ألقها .
فألقاها فإذا هي حية تسعى (20)
فألقاها فإذا هي حية تسعى
"فألقاها فإذا هي حية تسعى" أي صارت في الحال حية عظيمة ثعبانا طويلا يتحرك حركة سريعة فإذا هي تهتز كأنها جان وهو أسرع الحيات حركة ولكنه صغير فهذه في غاية الكبر وفي غاية سرعة الحركة تسعى أي تمشي وتضطرب قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبدة حدثنا حفص بن جميع حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس فألقاها فإذا هي حية تسعى ولم تكن قبل ذلك حية فمرت بشجرة فأكلتها ومرت بصخرة فابتلعتها فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبرا ونودي أن يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية أن خذها ولا تخف فقيل له في الثالثة إنك من الآمنين فأخذها .
وقال وهب بن منبه في قوله فألقاها فإذا هي حية تسعى قال فألقاها على وجه




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.66 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.03 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]