عرض مشاركة واحدة
  #342  
قديم 07-12-2025, 02:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,625
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة مريم
من صـ 291 الى صــ 305
الحلقة (342)






أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77)
أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا
وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه منه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث قال فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك فأنزل الله "أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا - إلى قوله - ويأتينا فردا" أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما من غير وجه عن الأعمش به وفي لفظ البخاري كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه فذكر الحديث وقال "أم اتخذ عند الرحمن عهدا" قال موثقا .
وقال عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال : قال خباب بن الأرت كنت قينا بمكة فكنت أعمل للعاص بن وائل فاجتمعت لي عليه دراهم فجئت لأتقاضاه فقال لي لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال فإذا بعثت كان لي مال وولد قال فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله "أفرأيت الذي كفر بآياتنا" الآيات

وقال العوفي عن ابن عباس إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين فأتوه يتقاضونه فقال ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا ومن كل الثمرات ؟ قالوا بلى قال فإن موعدكم الآخرة فوالله لأوتين مالا وولدا ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به فضرب الله مثله في القرآن فقال "أفرأيت الذي كفر بآياتنا - إلى قوله - ويأتينا فردا" وهكذا قال مجاهد وقتادة وغيرهم إنها نزلت في العاص بن وائل وقوله "لأوتين مالا وولدا" قرأ بعضهم بفتح الواو من ولدا وقرأ آخرون بضمها وهو بمعناه قال رؤبة :
الحمد لله العزيز فردا ... لم يتخذ من ولد شيء ولدا
وقال الحارث بن حلزة :
ولقد رأيت معاشرا ... قد ثمروا مالا وولدا
وقال الشاعر :
فليت فلانا كان في بطن أمه ... وليت فلانا كان ولد حمار
وقيل إن الولد بالضم جمع والولد بالفتح مفرد وهي لغة قيس والله أعلم .
أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78)
أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا
وقوله "أطلع الغيب" إنكار على هذا القائل "لأوتين مالا وولدا يعني يوم القيامة أي : أعلم ما له في الآخرة حتى تألى وحلف على ذلك" أم اتخذ عند الرحمن عهدا "أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك ؟ وقد تقدم عند البخاري أنه الموثق وقال الضحاك عن ابن عباس" أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا "قال لا إله إلا الله فيرجو بها"

وقال محمد بن كعب القرظي "إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا" قال شهادة أن لا إله إلا الله ثم قرأ "إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا" .
كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79)
كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا
وقوله "كلا" هي حرف ردع لما قبلها وتأكيد لما بعدها "سنكتب ما يقول" أي من طلبه ذلك وحكمه لنفسه بما يتمناه وكفره بالله العظيم "ونمد له من العذاب مدا" أي في الدار الآخرة على قوله ذلك وكفره بالله في الدنيا .
ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80)
ونرثه ما يقول ويأتينا فردا
"ونرثه ما يقول" أي من مال وولد نسلبه منه عكس ما قال إنه يؤتى في الدار الآخرة مالا وولدا زيادة على الذي له في الدنيا بل في الآخرة يسلب من الذي كان له في الدنيا ولهذا قال تعالى "ويأتينا فردا" أي من المال والولد قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ونرثه ما يقول" قال نرثه وقال مجاهد "ونرثه ما يقول" ماله وولده وذلك الذي قال العاص بن وائل .
وقال عبد الرازق عن معمر عن قتادة "ونرثه ما يقول" قال ما عنده وهو قوله "لأوتين مالا وولدا" وفي حرف ابن مسعود ونرثه ما عنده وقال قتادة "ويأتينا فردا" لا مال له ولا ولد وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم "ونرثه ما يقول" قال ما جمع من الدنيا وما عمل فيها قال "ويأتينا فردا" قال فردا من ذلك لا يتبعه قليل ولا كثير .
واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81)
واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا

يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم أنهم اتخذوا من دونه آلهة لتكون تلك الآلهة "عزا" يعتزون بها ويستنصرونها ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا ولا يكون ما طمعوا .
كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82)
كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
قال "كلا سيكفرون بعبادتهم" أي يوم القيامة "ويكونون عليهم ضدا" أي بخلاف ما ظنوا فيهم كما قال تعالى "ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين" وقرأ أبو نهيك "كل سيكفرون بعبادتهم" وقال السدي "كلا سيكفرون بعبادتهم" أي بعبادة الأوثان وقوله "ويكونون عليهم ضدا" أي بخلاف ما رجوا منهم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ويكونون عليهم ضدا" قال أعوانا قال مجاهد عونا عليهم تخاصمهم وتكذبهم وقال العوفي عن ابن عباس "ويكونون عليهم ضدا" قال قرناء وقال قتادة قرناء في النار يلعن بعضهم بعضا ويكفر بعضهم ببعض

وقال السدي "ويكونون عليهم ضدا" قال الخصماء الأشداء في الخصومة وقال الضحاك "ويكونون عليهم ضدا" قال أعداء وقال ابن زيد : الضد البلاء وقال عكرمة : الضد الحسرة .
ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83)
ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا
وقوله : "ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس تغويهم إغواء وقال العوفي عنه تحرضهم على محمد وأصحابه وقال مجاهد تشليهم إشلاء وقال قتادة تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله وقال سفيان الثوري تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالا وقال السدي تطغيهم طغيانا وقال عبد الرحمن بن زيد هذا كقوله تعالى "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين" .
فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84)
فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا
وقوله "فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا" أي لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم "إنما نعد لهم عدا" أي إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله وقال "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون" الآية "فمهل الكافرين أمهلهم رويدا" "إنما نملي لهم ليزدادوا إثما" "نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ" "قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار" وقال السدي إنما نعد لهم عدا : السنين والشهور والأيام والساعات وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "إنما نعد لهم عدا" قال نعد أنفاسهم في الدنيا .

يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85)
يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا
يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم وأطاعوهم فيما أمروهم به وانتهوا عما عنه زجروهم أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا إليه والوفد هم القادمون ركبانا ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم فإنهم يساقون عنفا إلى النار "وردا" عطاشا قاله عطاء وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد وهاهنا يقال "أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا" قال يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحا فيقول من أنت فيقول أما تعرفني ؟ فيقول لا إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك .
فيقول أنا عملك الصالح وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه فطالما ركبتك في الدنيا فهلم اركبني فيركبه فذلك قوله "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا" قال ركبانا

وقال ابن جرير حدثني ابن المثنى حدثنا ابن مهدي عن سعيد عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا" قال على الإبل وقال ابن جريج على النجائب وقال الثوري على الإبل النوق وقال قتادة "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا" قال إلى الجنة وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه حدثنا سويد بن سعيد أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق حدثنا النعمان بن سعيد قال كنا جلوسا عند علي رضي الله عنه فقرأ هذه الآية "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا" قال لا والله ما على أرجلهم يحشرون ولا يحشر الوفد على أرجلهم ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها عليها رحائل من ذهب فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به وزاد عليها رحائل الذهب وأزمتها الزبرجد والباقي مثله .
وروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا جدا مرفوعا عن علي فقال حدثنا أبي حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي حدثنا مسلمة بن جعفر

البجلي سمعت أبا معاذ البصري قال إن عليا كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا" فقال ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنة فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين - يا علي - فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيمها فيفتح له فإذا رآه خر له - قال مسلمة أراه قال ساجدا - فيقول ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك فيتبعه ويقفو أثره فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول أنت حبي وأنا حبك وأنا الخالدة التي لا أموت وأنا الناعمة التي لا أبأس وأنا الراضية التي لا أسخط وأنا المقيمة التي لا أظعن فيدخل بيتا من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق أحمر وأصفر وأخضر ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها وفي البيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون حشية على كل حشية سبعون زوجة على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه الأنهار من تحتهم تطرد أنهار من ماء غير آسن قال صاف لا كدر فيه وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ولم يخرج من ضروع الماشية وأنهار من خمر لذة للشاربين لم يعتصرها الرجال بأقدامهم وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل فيستجلي الثمار فإن شاء أكل قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء متكئا ثم تلا" ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا "فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض وربما قال أخضر فترفع أجنحتها فأكل من جنوبها أي الألوان شاء ثم تطير فتذهب فيدخل الملك فيقول سلام عليكم" تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون "ولو"
أن شعرة من شعر

الحوراء وقعت لأهل الأرض لأضاءت الشمس معها سواد في نور "هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعا وقد رويناه في المقدمات من كلام علي رضي الله عنه بنحوه وهو أشبه بالصحة والله أعلم ."
ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86)
ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا
وقوله "ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا" أي عطاشا .
لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87)
لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا
"لا يملكون الشفاعة" أي ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض كما قال تعالى مخبرا عنهم "فما لنا من شافعين ولا صديق حميم" وقوله "إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا" هذا استثناء منقطع بمعنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها .
قال علي بن أبى طلحة عن ابن عباس "إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا" قال العهد شهادة أن لا إله إلا الله ويبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله عز وجل وقال ابن أبي حاتم حدثنا عثمان بن خالد الواسطي حدثنا محمد بن الحسن الواسطي عن المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة عن الأسود بن يزيد قال قرأ عبد الله يعني ابن مسعود هذه الآية "إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا" ثم قال اتخذوا عند الله عهدا فإن الله يقول يوم القيامة من كان له عند الله عهد فليقم قالوا يا أبا عبد الرحمن فعلمنا قال قولوا : اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أن لا تكلني إلى عمل يقربني من الشر ويباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد قال المسعودي فحدثني زكريا عن القاسم بن عبد الرحمن أخبرنا ابن مسعود وكان يلحق بهن خائفا مستجيرا مستغفرا راهبا راغبا إليك ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه .

وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88)
وقالوا اتخذ الرحمن ولدا
لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى عليه السلام وذكر خلقه من مريم بلا أب شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدا تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا فقال "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ."
لقد جئتم شيئا إدا (89)
لقد جئتم شيئا إدا
لقد جئتم "أي في قولكم هذا" شيئا إدا "قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك أي عظيما ويقال إدا بكسر الهمزة وفتحها ومع مدها أيضا ثلاث لغات أشهرها الأولى ."
تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90)
تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا
وقوله "تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا" أي يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم إعظاما للرب وإجلالا لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده وأنه لا إله إلا هو وأنه لا شريك له ولا نظير له ولا ولد له ولا صاحبة له ولا كفء له بل هو الأحد الصمد .
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
قال ابن جرير : حدثني علي حدثنا عبد الله حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله "تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا" قال إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع

الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول منه لعظمة الله وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله فمن قالها عند موته وجبت له الجنة" فقالوا يا رسول الله فمن قالها في صحته ؟ قال "تلك أوجب وأوجب" ثم قال : "والذي نفسي بيده لو جيء بالسماوات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعن في كفة الميزان ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن" هكذا رواه ابن جرير ويشهد له حديث البطاقة والله أعلم وقال الضحاك "تكاد السماوات يتفطرن منه" أي يتشققن فرقا من عظمة الله وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم "وتنشق الأرض" أي غضبا له عز وجل "وتخر الجبال هدا" قال ابن عباس هدما وقال سعيد بن جبير هدا ينكسر بعضها على بعض متتابعات وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا مسعر عن عون بن عبد الله قال : إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان هل مر بك اليوم ذكر الله عز وجل ؟ فيقول نعم ويستبشر قال عون لهي للخير أسمع أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره ثم قرأ "تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ."
أن دعوا للرحمن ولدا (91)
أن دعوا للرحمن ولدا
أن دعوا للرحمن ولدا "وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا المنذر بن شاذان حدثنا هوذة حدثنا عوف عن"

غالب بن عجرد حدثني رجل من أصل الشام في مسجد منى قال بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة - أو قال - كان لهم فيها منفعة ولم تزل الأرض والشجر بذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة قولهم اتخذ الرحمن ولدا فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر .
وقال كعب الأحبار غضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله أن يشرك به ويجعل له ولد وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم" أخرجاه في الصحيحين وفي لفظ "أنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم" .
وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92)
وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا
وقوله "وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا" أي لا يصلح له ولا يليق به لجلاله وعظمته لأنه لا كفء له من خلقه لأن جميع الخلائق عبيد له .
إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93)
لا يوجد تفسير لهذه الأية
لقد أحصاهم وعدهم عدا (94)
لقد أحصاهم وعدهم عدا
"لقد أحصاهم وعدهم عدا" أي قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة ذكرهم وأنثاهم وصغيرهم وكبيرهم .
وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95)
وكلهم آتيه يوم القيامة فردا
"وكلهم آتيه يوم القيامة فردا" أي لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة ولا يظلم أحدا .
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96)
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا

يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات وهي الأعمال التي ترضي الله عز وجل لمتابعتها الشريعة المحمدية يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه قال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل قال ثم ينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه قال فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وإن الله إذا أبغض عبدا دعا جبريل فقال يا جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له البغضاء في الأرض" ورواه مسلم من حديث سهيل ورواه أحمد والبخاري من حديث ابن جريج عن موسى بن عتبة عن نافع مولى ابن عمر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكر حدثنا ميمون أبو محمد المرائي حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن العبد ليلتمس مرضاة الله عز وجل فلا يزال كذلك فيقول الله عز وجل لجبريل إن فلانا عبدي يلتمس أن يرضيني ألا وإن رحمتي عليه فيقول جبريل :"
رحمة الله على فلان ويقولها حملة العرش ويقولها من حولهم حتى يقولها أهل السماوات السبع ثم يهبط إلى الأرض "غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه وقال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا شريك عن محمد بن سعد الواسطي عن أبي ظبية عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن المقة من الله - قال شريك هي المحبة - والصيت من السماء فإذا أحب الله عبدا قال لجبريل عليه السلام إني أحب فلانا فينادي جبريل إن ربكم يمق - يعني يحب - فلانا فأحبوه - أرى شريكا قد قال فتنزل له المحبة في الأرض - وإذا أبغض عبدا قال لجبريل إني أبغض فلانا فأبغضه قال فينادي جبريل إن ربكم يبغض فلانا فأبغضوه - أرى شريكا قال - فيجري له البغض في الأرض "غريب ولم يخرجوه ."
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو داود الحفري حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - وهو الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه فينادي في السماء ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قول الله عز وجل" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا "" ورواه مسلم والترمذي كلاهما عن عبد الله عن قتيبة عن الدراوردي به وقال الترمذي حسن صحيح وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "سيجعل لهم الرحمن ودا"

"قال حبا وقال مجاهد عنه" سيجعل لهم الرحمن ودا "قال محبة في الناس في الدنيا وقال سعيد بن جبير عنه يحبهم ويحببهم يعني إلى خلقه المؤمنين كما قال مجاهد أيضا والضحاك وغيرهم وقال العوفي عن ابن عباس أيضا : الود من المسلمين في الدنيا والرزق الحسن واللسان الصادق وقال قتادة" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا "أي والله في قلوب أهل الإيمان وذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم وقال قتادة وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول ما من عبد يعمل خيرا أو شرا إلا كساه الله عز وجل رداء عمله وقال ابن أبي حاتم رحمه الله حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الربيع بن صبيح عن الحسن البصري رحمه الله قال : قال رجل والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائما يصلي وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج فكان لا يعظم فمكث بذلك سبعة أشهر وكان لا يمر على قوم إلا قالوا انظروا إلى هذا المرائي فأقبل على نفسه فقال لا أراني أذكر إلا بشر لأجعلن"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.29 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.46%)]