عرض مشاركة واحدة
  #337  
قديم 07-12-2025, 01:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,448
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة مريم
من صـ 216 الى صــ 230
الحلقة (337)








الشرائع والملل أن الولد يرث أباه فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة" .
يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6)
يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا
قال مجاهد في قوله "يرثني ويرث من آل يعقوب" كان وراثته علما وكان زكريا من ذرية يعقوب وقال هشيم أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله "يرثني ويرث من آل يعقوب" قال يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن يرث نبوته وعلمه وقال السدي يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب وعن مالك عن زيد بن أسلم "ويرث من آل يعقوب" قال نبوتهم وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله "يرثني ويرث من آل يعقوب" قال : يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يرحم الله زكريا وما كان عليه من وراثة ماله ويرحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد" .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا جابر بن نوح عن مبارك هو ابن فضالة عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من وراثة ماله حين قال" هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من

آل يعقوب "وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح والله أعلم ."
وقوله "واجعله رب رضيا" أي مرضيا عندك وعند خلقك تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه .
يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7)
يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل
هذا الكلام يتضمن محذوفا وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه فقيل له "يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى" كما قال تعالى "هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين" وقوله "لم نجعل له من قبل سميا" .
قال قتادة وابن جريج وابن زيد : أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم واختاره ابن جرير رحمه الله وقال مجاهد "لم نجعل له من قبل سميا" أي شبيها أخذه من معنى قوله "فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا" أي شبيها وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي لم تلد العواقر قبله مثله وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام كان لا يولد له وكذلك امرأته كانت عاقرا من أول عمرها بخلاف إبراهيم وسارة عليهما السلام فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما لا لعقرهما ولهذا قال "أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون" مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة وقالت امرأته "يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد" .

قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8)
قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا
هذا تعجب من زكريا عليه السلام حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد ففرح فرحا شديدا وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد مع أن امرأته كانت عاقرا لم تلد من أول عمرها مع كبرها ومع أنه قد كبر وعتا أي عسا عظمه ونحل ولم يبق فيه لقاح ولا جماع والعرب تقول للعود إذا يبس عتيا يعتو عتيا وعتوا وعسا يعسو عسوا وعسيا وقال مجاهد : عتيا يعني قحول العظم وقال ابن عباس وغيره : عتيا يعني الكبر والظاهر أنه أخص من الكبر وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال لقد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا ؟ ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف "وقد بلغت من الكبر عتيا" أو عسيا .
قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9)
قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا
ورواه الإمام أحمد عن شريح بن النعمان وأبو داود عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به "قال" أي الملك مجيبا لزكريا عما استعجب منه "كذلك قال ربك هو علي"

هين "أي إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها" هين "أي يسير سهل على الله ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه فقال" وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا "كما قال تعالى" هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا "."
قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10)
قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا
يقول تعالى مخبرا عن زكريا عليه السلام أنه "قال رب اجعل لي آية" أي علامة ودليلا على وجود ما وعدتني لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني كما قال إبراهيم عليه السلام "رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" "قال آيتك" أي علامتك "ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا" أي أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة .
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة وغير واحد اعتقل لسانه من غير مرض ولا علة قال ابن زيد بن أسلم كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة وقال العوفي عن ابن عباس "ثلاث ليال سويا" أي متتابعات والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح كما قال تعالى في آل عمران "قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح"

بالعشي والإبكار "وقال مالك عن زيد بن أسلم" ثلاث ليال سويا "من غير خرس وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها" إلا رمزا "أي إشارة ."
فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11)
فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا
ولهذا قال في هذه الآية الكريمة "فخرج على قومه من المحراب" أي الذي بشر فيه بالولد "فأوحى إليهم" أي أشار إشارة خفية سريعة "أن سبحوا بكرة وعشيا" أي موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله شكرا لله على ما أولاه .
قال مجاهد "فأوحى إليهم" أي أشار وبه قال وهب وقتادة وقال مجاهد في رواية عنه "فأوحى إليهم" أي كتب لهم في الأرض وكذا قال السدي .
يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12)
يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم
وهذا أيضا تضمن محذوفا تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى عليه السلام وأن الله علمه الكتاب وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار وقد كان سنه إذ ذاك صغيرا فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه وعلى والديه فقال "يا يحيى خذ الكتاب بقوة"

"أي تعلم الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد" وآتيناه الحكم صبيا "أي الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال فلهذا أنزل الله" وآتيناه الحكم صبيا "."
وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13)
وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا
وقوله "وحنانا من لدنا" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "وحنانا من لدنا" يقول ورحمة من عندنا وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وزاد لا يقدر عليها غيرنا وزاد قتادة رحم الله بها زكريا وقال مجاهد "وحنانا من لدنا" وتعطفا من ربه عليه وقال عكرمة "وحنانا من لدنا" قال محبة عليه وقال ابن زيد أما الحنان فالمحبة وقال عطاء بن أبي رباح "وحنانا من لدنا" قال تعظيما من لدنا وقال ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس أنه قال : لا والله ما أدري ما حنانا

وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا جرير : عن منصور سألت سعيد بن جبير عن قوله "وحنانا من لدنا" فقال سألت عنها ابن عباس فلم يجد فيها شيئا والظاهر من السياق أن قوله وحنانا معطوف على قوله "وآتيناه الحكم صبيا" أي وآتيناه الحكم وحنانا وزكاة أي وجعلناه ذا حنان وزكاة فالحنان هو المحبة في شفقة وميل كما تقول العرب حنت الناقة على ولدها وحنت المرأة على زوجها ومنه سميت المرأة حنة من الحنية وحن الرجل إلى وطنه ومنه التعطف والرحمة كما قال الشاعر :
تعطف علي هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا
وفي المسند للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه قال "يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة يا حنان يا منان" وقد يثني ومنهم من يجعل ما ورد من ذلك لغة بذاتها كما قال طرفة :
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وقوله وزكاة معطوف على وحنانا فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب وقال قتادة الزكاة العمل الصالح وقال الضحاك وابن جريج العمل الصالح الزكي

وقال العوفي عن ابن عباس "وزكاة" قال بركة "وكان تقيا" طهر فلم يعمل بذنب .
وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14)
وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا
وقوله "وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا" لما ذكر تعالى طاعته لربه وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما ومجانبته عقوقهما قولا وفعلا أمرا ونهيا ولهذا قال "ولم يكن جبارا عصيا" .
وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15)
وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا
ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك "وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا" أي له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال وقال سفيان بن عيينة أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم قال فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه "وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا" رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في قوله "جبارا عصيا" قال كان ابن المسيب يذكر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا" قال قتادة : ما أذنب ولا هم بامرأة .
مرسل وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب حدثني ابن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال "كل بني آدم يأتي"

يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا "ابن إسحاق مدلس وقد عنعن هذا الحديث فالله أعلم ."
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا وما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" وهذا أيضا ضعيف لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة والله أعلم .
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال : إن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى استغفر لي أنت خير مني فقال له الآخر أنت خير مني فقال له عيسى أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما .
واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16)
واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا

لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى عليه السلام منها من غير أب فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه وأنه على ما يشاء قادر فقال "واذكر في الكتاب مريم" وهي مريم بنت عمران من سلالة داود عليه السلام وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران وأنها نذرتها محررة أي تخدم مسجد بيت المقدس وكانوا يتقربون بذلك "فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا" ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدءوب وكانت في كفالة زوج أختها زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره "كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء كما تقدم بيانه في سورة آل عمران فلما أراد الله تعالى وله الحكمة والحجة البالغة أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام "انتبذت من أهلها مكانا شرقيا" أي اعتزلتهم وتنحت عنهم وذهبت إلى شرقي المسجد المقدس قال السدي لحيض أصابها وقيل لغير ذلك قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال : إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه وما صرفهم عنه إلا قول ربك "فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا" قال خرجت مريم مكانا شرقيا فصلوا قبل مطلع الشمس رواه ابن أبي حاتم وابن جرير .
وقال ابن جرير أيضا : حدثنا إسحاق بن شاهين حدثنا خالد بن عبد الله عن داود عن عامر عن ابن عباس قال : إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله تعالى "فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا" واتخذوا ميلاد عيسى قبلة وقال قتادة "مكانا شرقيا" شاسعا متنحيا وقال محمد بن إسحاق ذهبت بقلتها لتستقي الماء وقال نوف البكالي اتخذت لها منزلا تتعبد فيه فالله أعلم .
فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17)
فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا
وقوله "فاتخذت من دونهم حجابا" أي استترت منهم وتوارت فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام "فتمثل لها بشرا سويا" أي على صورة إنسان تام كامل قال مجاهد والضحاك وقتادة وابن جريج ووهب بن منبه والسدي في قوله "فأرسلنا إليها روحنا" يعني جبرائيل عليه السلام وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين" وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : إن روح عيسى عليه السلام من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم عليه السلام

وهو الذي تمثل لها بشرا سويا أي روح عيسى فحملت الذي خاطبها وحل في فيها وهذا في غاية الغرابة والنكارة وكأنه إسرائيلي .
قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18)
قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا
"قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا" أي لما تبدى لها الملك في صورة بشر وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب خافته وظنت أنه يريدها على نفسها فقالت "إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا" أي إن كنت تخاف الله تذكيرا له بالله وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل فخوفته أولا بالله عز وجل قال ابن جرير : حدثني أبو كريب حدثنا أبو بكر عن عاصم قال قال أبو وائل وذكر قصة مريم فقال قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت "إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك" أي فقال لها الملك مجيبا لها ومزيلا لما حصل عندها من الخوف على نفسها لست مما تظنين ولكني رسول ربك أي بعثني الله إليك ويقال إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقا وعاد إلى هيئته .
قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19)
قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا
وقال "إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا" هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء وقرأ الآخرون "لأهب لك غلاما زكيا" وكلا القراءتين له وجه حسن ومعنى صحيح وكل تستلزم الأخرى .
قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20)
قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا
"قالت أنى يكون لي غلام" أي فتعجبت مريم من هذا وقالت كيف يكون لي غلام أي على أي صفة يوجد هذا الغلام مني ولست بذات زوج ولا يتصور مني الفجور ولهذا قالت "ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا" والبغي هي الزانية ولهذا جاء في الحديث النهي عن مهر البغي .
قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21)
قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا
"قال كذلك قال ربك هو علي هين" أي فقال لها الملك مجيبا لها عما سألت إن الله قد قال إنه سيوجد منك غلاما وإن لم يكن لك بعل ولا يوجد منك فاحشة فإنه على ما يشاء قادر ولهذا قال "ولنجعله آية"

للناس "أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم فخلق آباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه وقوله" ورحمة منا "أي ونجعل هذا الغلام رحمة من الله نبيا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده كما قال تعالى في الآية الأخرى" إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين "أي يدعو إلى عبادة ربه في مهده وكهولته قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم حدثنا مروان حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي عن مجاهد قال : قالت مريم عليها السلام كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر وقوله" وكان أمرا مقضيا "يحتمل أن هذا من كلام جبريل لمريم يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها كما قال تعالى" ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا "وقال" والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا "قال محمد بن إسحاق" وكان أمرا مقضيا "أي إن الله قد عزم على هذا فليس منه بد واختار هذا أيضا ابن جرير في تفسيره ولم يحك غيره والله أعلم ."
فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22)
فحملته فانتبذت به مكانا قصيا

يقول تعالى مخبرا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال إنها استسلمت لقضاء الله تعالى فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك وهو جبرائيل عليه السلام عند ذلك نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت بالولد بإذن الله تعالى فلما حملت به ضاقت ذرعا ولم تدر ماذا تقول للناس فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا وذلك أن زكريا عليه السلام كان قد سأل الله الولد فأجيب إلى ذلك فحملت امرأته فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها وقالت أشعرت يا مريم أني حبلى ؟ فقالت لها مريم وهل علمت أيضا أني حبلى وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها وكانوا بيت إيمان وتصديق ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في بطنها يسجد للذي في بطن مريم أي يعظمه ويخضع له فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعا كما سجد ليوسف أبواه وإخوته وكما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السلام ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين قال قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال : قال مالك رحمه الله بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة وكان حملهما جميعا معا فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك قال مالك أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر وقال عكرمة ثمانية أشهر قال ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر وقال ابن جريج أخبرني المغيرة بن عتبة بن عبد الله الثقفي سمع ابن
عباس وسئل عن حمل مريم قال لم يكن إلا أن حملت فوضعت وهذا غريب وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى "فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة" فالفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه كقوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما" فهذه الفاء للتعقيب بحسبها وقد ثبت في الصحيحين
أن بين كل صفتين أربعين يوما وقال تعالى "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة" فالمشهور الظاهر والله على كل شيء قدير أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل بها وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له يوسف النجار فلما رأى ثقل بطنها وكبره أنكر ذلك من أمرها ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها ثم تأمل ما هي فيه فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه فحمل نفسه على أن عرض لها في القول فقال يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي .
قالت وما هو ؟ قال هل يكون قط شجر من غير حب وهل يكون زرع من غير بذر وهل يكون ولد من غير أب ؟ فقالت نعم وفهمت ما أشار إليه أما قولك هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر وهل يكون ولد من غير أب فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم فصدقها وسلم لها حالها




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.27 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.64 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]