عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 07-12-2025, 12:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,192
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة الكهف
من صـ 146 الى صــ 161
الحلقة (332)






وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن يزيد عن العوام حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء ثم قال : "أما أنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ألا وإن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات الصالحات" .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا أبان حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام عن مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده - وقال - بخ بخ لخمس من لقي الله مستيقنا بهن دخل الجنة : يؤمن بالله واليوم الآخر وبالجنة وبالنار وبالبعث بعد الموت وبالحساب" .
وقال الإمام أحمد : حدثنا روح حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : كان شداد بن أوس رضي الله عنه في سفر فنزل منزلا فقال لغلامه : ائتنا بالشفرة نعبث بها فأنكر عليه فقال ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم : سمعت

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك وأسألك قلبا سليما وأسألك لسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب"
ثم رواه أيضا النسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن ناجية حدثنا محمد بن سعد العوفي حدثني أبي حدثنا عمر بن الحسين عن يونس بن نفيع الجدلي عن سعد بن جنادة رضي الله عنه قال : كنت في أول من أتى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف فخرجت من أعلى الطائف من السراة غدوة فأتيت منى عند العصر فتصاعدت في الجبل ثم هبطت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت وعلمني "قل هو الله أحد" و "إذا زلزلت" وعلمني هؤلاء الكلمات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال "هن الباقيات الصالحات" وبهذا الإسناد "من قام من الليل فتوضأ ومضمض فاه ثم قال سبحان الله مائة مرة والحمد لله مائة مرة والله أكبر مائة مرة ولا إله إلا الله مائة مرة غفرت ذنوبه إلا الدماء فإنها لا تبطل"

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : "والباقيات الصالحات" قال : هي ذكر الله قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله وتبارك الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله وصلى الله على رسول الله والصيام والصلاة والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض .
وقال العوفي عن ابن عباس : هي الكلام الطيب وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هي الأعمال الصالحة كلها واختاره ابن جرير رحمه الله .
ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47)
ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا
يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام كما قال تعالى : "يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا" أي تذهب من أماكنها وتزول كما قال تعالى "وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب" وقال تعالى "وتكون الجبال كالعهن المنفوش" وقال "ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا" يذكر تعالى بأنه تذهب الجبال

وتتساوى المهاد وتبقى الأرض قاعا صفصفا أي سطحا مستويا لا عوج فيه ولا أمتا أي لا وادي ولا جبل ولهذا قال تعالى "وترى الأرض بارزة" أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد ولا مكان يواري أحدا بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية.
قال مجاهد وقتادة "وترى الأرض بارزة" لا حجر فيها ولا غيابة قال قتادة : لا بناء ولا شجر وقوله "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا" أي وجمعناهم الأولين منهم والآخرين فلم نترك منهم أحدا لا صغيرا ولا كبيرا كما قال "قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم" وقال "ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود" .
وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (48)
وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا
وقوله "وعرضوا على ربك صفا" يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفا واحدا كما قال تعالى "يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا" ويحتمل أنهم يقومون صفوفا صفوفا كما قال "وجاء ربك والملك صفا صفا" وقوله "لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة" هذا تقريع للمنكرين للمعاد وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد ولهذا قال تعالى مخاطبا لهم "بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا" أي ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم ولا أن هذا كائن .
ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (49)
ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك
وقوله "ووضع الكتاب" أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير والصغير والكبير "فترى المجرمين مشفقين مما فيه" أي من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ويقولون يا ويلتنا أي يا حسرتنا وويلنا على ما فرط في أعمارنا "ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها" أي لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر إلا أحصاها أي ضبطها وحفظها .

وروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد ابن جنادة قال : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين نزلنا قفرا من الأرض ليس فيه شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم "اجمعوا من وجد عودا فليأت به ومن وجد حطبا أو شيئا فليأت به" قال فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أترون هذا ؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا فليتق الله رجل ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة فإنها محصاة عليه" .
وقوله "ووجدوا ما عملوا حاضرا" أي من خير وشر كما قال تعالى "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا" الآية وقال تعالى "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر" وقال تعالى "يوم تبلى السرائر" أي تظهر المخبآت والضمائر قال الإمام أحمد : حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" أخرجاه في الصحيحين وفي لفظ "يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان بن فلان" وقوله "ولا يظلم ربك أحدا" أي فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعا ولا يظلم أحدا من خلقه بل يعفو ويصفح ويغفر ويرحم ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم قال تعالى "إن الله لا"


يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها "الآية وقال" ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا - إلى قوله - حاسبين "والآيات في هذا كثيرة وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : بلغني حديث عن رجل سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت عليه رحلا فسرت عليه شهرا حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس فقلت للبواب قل له جابر على الباب فقال ابن عبد الله : قلت نعم فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته فقلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" يحشر الله عز وجل الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلا بهما "قلت وما بهما ؟ قال" ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقضيه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقضيه منه حتى اللطمة قال : قلنا كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة عراة غرلا بهما ؟ قال "بالحسنات والسيئات" وعن شعبة عن العوام بن مزاحم عن أبي عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال "إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة" رواه عبد الله بن الإمام أحمد وله شواهد من وجوه أخر وقد ذكرناها عند قوله تعالى "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا" وعند قوله تعالى "إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون"

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (50)
وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا
يقول تعالى منبها بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم ومقرعا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه وهو الذي أنشأه وابتدأه وبألطافه رزقه وغذاه ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله فقال تعالى "وإذ قلنا للملائكة" أي لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة "اسجدوا لآدم" أي سجود تشريف وتكريم وتعظيم كما قال تعالى "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" وقوله "فسجدوا إلا إبليس كان من الجن" أي خانه أصله فإنه خلق من مارج من نار وأصل خلق الملائكة من نور كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه وخانه الطبع عند الحاجة وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة" ونبه تعالى هاهنا على أنه من الجن أي على أنه خلق من نار كما قال "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" قال الحسن البصري : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن كما أن آدم عليه السلام أصل البشر رواه ابن جرير بإسناد صحيح عنه وقال الضحاك عن ابن عباس : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم

الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة وكان اسمه الحارث وكان خازنا من خزان الجنة وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت وقال الضحاك أيضا عن ابن عباس : كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفا على أهل السماء فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله واستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم "فاستكبر وكان من الكافرين" قال ابن عباس قوله "كان من الجن" أي من خزان الجنان كما يقال للرجل مكي ومدني وبصري وكوفي وقال ابن جريج عن ابن عباس نحو ذلك وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : هو من خزان الجنة وكان يدبر أمر السماء الدنيا
رواه ابن جرير من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد به وقال سعيد بن المسيب كان رئيس ملائكة سماء الدنيا وقال ابن إسحاق عن خلاد بن عطاء عن طاوس عن ابن عباس قال : كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل وكان من سكان الأرض وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما فذلك دعاه إلى الكبر وكان من حي يسمون جنا .
وقال ابن جريج عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس قال : إن من الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى فسخط الله عليه فمسخه شيطانا رجيما لعنه الله ممسوخا قال : وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه وإذا كانت في معصية فارجه وعن سعيد بن جبير أنه قال : كان من الجنانين الذين يعملون في الجنة

وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها والله أعلم بحال كثير منها ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذي بأيدينا وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر صلى الله عليه وسلم أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم وقد فعل وقوله "ففسق عن أمر ربه" أي فخرج عن طاعة الله فإن الفسق هو الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها وفسقت الفأرة من جحرها إذا خرجت منه للعيث والفساد ثم قال تعالى مقرعا وموبخا لمن اتبعه وأطاعه "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني" الآية أي بدلا عني ولهذا قال "بئس للظالمين بدلا" وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في سورة يس "وامتازوا اليوم أيها المجرمون - إلى قوله - أفلم تكونوا تعقلون" .
ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (51)
ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا
يقول تعالى : هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم لا يملكون شيئا لا أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا كانوا إذ ذاك موجودين , يقول تعالى

: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها ومدبرها ومقدرها وحدي ليس معي في ذلك شريك ولا وزير ولا مشير ولا نظير كما قال "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له" الآية .
ولهذا قال "وما كنت متخذ المضلين عضدا" قال مالك : أعوانا.
ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (52)
ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا
يقول تعالى مخبرا عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رءوس الأشهاد تقريعا لهم وتوبيخا "نادوا شركائي الذين زعمتم" أي في دار الدنيا ادعوهم اليوم ينقذونكم مما أنتم فيه كما قال تعالى "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون" وقوله "فدعوهم فلم يستجيبوا لهم" كما قال "وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم" الآية وقال "ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له" الآيتين وقال تعالى "واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا" وقوله "وجعلنا بينهم موبقا" قال ابن عباس وقتادة وغير واحد مهلكا وقال قتادة : ذكر لنا أن عمرا البكالي حدث عن عبد الله بن عمرو قال : هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة وقال قتادة : موبقا واديا في جهنم .
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سنان القزاز حدثنا عبد الصمد حدثنا يزيد بن

زريع سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله تعالى "وجعلنا بينهم موبقا" قال واد في جهنم من قيح ودم وقال الحسن البصري : موبقا عداوة والظاهر من السياق هاهنا أنه المهلك ويجوز أن يكون واديا في جهنم أو غيره والمعنى أن الله تعالى بين أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير.
وأما إن جعل الضمير في قوله "بينهم" عائدا إلى المؤمنين والكافرين كما قال عبد الله بن عمرو إنه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به فهو كقوله تعالى "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون" وقال "يومئذ يصدعون" وقال تعالى "وامتازوا اليوم أيها المجرمون" وقال تعالى "ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم إلى قوله - وضل عنهم ما كانوا يفترون" .
ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53)
ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا
وقوله "ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا" أي أنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك "فإذا رأى المجرمون النار" تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز وقوله "ولم يجدوا عنها مصرفا" أي ليس لهم طريق يعدل بهم عنها ولا بد لهم منها .
قال ابن جرير : حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعمائة سنة"


وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة" .
ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (54)
ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا
يقول تعالى ولقد بينا للناس في هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور وفصلناها كيلا يضلوا عن الحق ويخرجوا عن طريق الهدى ومع هذا البيان وهذا الفرقان الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة .
قال الإمام أحمد حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال "ألا تصليان" فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول

"وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" أخرجاه في الصحيحين .
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55)
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا
يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانا كما قال أولئك لنبيهم "فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين" وآخرون قالوا "ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين" وقالت قريش "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم" وقالوا "يا أيها الذي نزل عليك الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين" إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك ثم قال "إلا أن تأتيهم سنة الأولين" من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم "أو يأتيهم العذاب قبلا" أي يرونه عيانا مواجهة ومقابلة .
وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56)
وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا
ثم قال تعالى "وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين" أي قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن بهم ومنذرين لمن كذبهم وخالفهم ثم أخبر عن الكفار بأنهم "يجادلون بالباطل ليدحضوا به" أي ليضعفوا به الحق الذي جاءتهم به الرسل وليس ذلك بحاصل لهم "واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا" أي اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب "هزوا" أي سخروا منهم في ذلك وهو أشد التكذيب

ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57)
ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا
يقول تعالى وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها أي تناساها وأعرض عنها ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالا "ونسي ما قدمت يداه" أي من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة "إنا جعلنا على قلوبهم" أي قلوب هؤلاء "أكنة" أي أغطية وغشاوة "أن يفقهوه" أي لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان "وفي آذانهم وقرا" أي صمما معنويا عن الرشاد "وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا" .
وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58)
وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا
وقوله "وربك الغفور ذو الرحمة" أي ربك يا محمد غفور ذو رحمة واسعة "لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب" كما قال "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة" وقال "وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب" والآيات في هذا كثيرة شتى ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد وتضع كل ذات حمل حملها ولهذا قال "بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا" أي ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل .
وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59)
وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا
وقوله "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا" أي الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم "وجعلنا لمهلكهم موعدا" أي جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين لا يزيد ولا ينقص أي وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما أصابهم فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي ولستم بأعز علينا منهم فخافوا عذابي ونذر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.75 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.12 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.47%)]