عرض مشاركة واحدة
  #331  
قديم 07-12-2025, 01:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,213
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة الكهف
من صـ 131 الى صــ 145
الحلقة (331)






قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لسرادق النار أربعة جدر كثافة كل جدار مسافة أربعين سنة" وأخرجه الترمذي في صفة النار وابن جرير في تفسيره من حديث دراج أبي السمح به .
وقال ابن جريج قال ابن عباس "أحاط بهم سرادقها" قال حائط من نار وقال ابن جرير : حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا : حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن أمية حدثني محمد بن حيي بن يعلى عن صفوان بن يعلى عن يعلى بن أمية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "البحر هو جهنم" قال فقيل له كيف ذلك ؟ فتلا هذه الآية أو قرأ هذه الآية "نارا أحاط بهم سرادقها" ثم قال "والله لا أدخلها أبدا أو ما دمت حيا لا تصيبني منها قطرة"

"وقوله" وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه "الآية قال ابن عباس : المهل الماء الغليظ مثل دردي الزيت وقال مجاهد : هو كالدم والقيح وقال عكرمة : هو الشيء الذي انتهى حره وقال آخرون : هو كل شيء أذيب ."
وقال قتادة : أذاب ابن مسعود شيئا من الذهب في أخدود فلما انماع وأزبد قال : هذا أشبه شيء بالمهل وقال الضحاك : ماء جهنم أسود وهي سوداء وأهلها سود

وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها فهو أسود منتن غليظ حار ولهذا قال "يشوي الوجوه" أي من حره إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ماء كالمهل" قال كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه من حديث رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج به ثم قال : لا نعرفه إلا من حديث رشدين وقد تكلم فيه من قبل حفظه هكذا قال , وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب عن ابن لهيعة عن دراج والله أعلم .
وقال عبد الله بن المبارك وبقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن عبد الله

بن بشر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "ويسقى من ماء صديد يتجرعه" قال "يقرب إليه فيتكرهه فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه يقول الله تعالى" وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب "وقال سعيد بن جبير : إذا جاع أهل النار استغاثوا فأغيثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها فاختلبت جلود وجوههم فلو أن مارا مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها ثم يصب عليم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة" بئس الشراب "أي بئس هذا الشراب كما قال في الآية الأخرى" وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم "وقال تعالى" تسقى من عين آنية "أي حارة كما قال تعالى" وبين حميم آن "" وساءت مرتفقا "أي وساءت النار منزلا ومقيلا ومجتمعا وموضعا للارتفاق كما قال في الآية الأخرى" إنها ساءت مستقرا ومقاما "."
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30)
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا
لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة فلهم جنات عدن والعدن الإقامة .
أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31)
أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا
"تجري من تحتهم الأنهار" أي من تحت غرفهم ومنازلهم .
قال فرعون "وهذه"

الأنهار تجري من تحتي "الآية" يحلون "أي من الحلية" فيها من أساور من ذهب "وقال في المكان الآخر" ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير "وفصله هاهنا فقال" ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق "فالسندس ثياب رفاع رقاق كالقمصان وما جرى مجراها."
وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق وقوله "متكئين فيها على الأرائك" الاتكاء قيل الاضطجاع وقيل التربع في الجلوس وهو أشبه بالمراد هاهنا ومنه الحديث الصحيح "أما أنا فلا آكل متكئا" فيه القولان .
والأرائك جمع أريكة وهي السرير تحت الحجلة والحجلة كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالبشخانة والله أعلم .
قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة "على الأرائك" قال هي الحجال قال معمر وقال غيره السرر في الحجال .
وقوله "نعم الثواب وحسنت مرتفقا" أي نعمت الجنة ثوابا على أعمالهم وحسنت مرتفقا أي حسنت منزلا ومقيلا ومقاما كما قال في النار "بئس الشراب وساءت مرتفقا" وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله "إنها ساءت مستقرا ومقاما" ثم ذكر صفات المؤمنين فقال "أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما" .
واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32)
واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا

يقول تعالى بعد ذكره المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم فضرب لهم ولهم مثلا برجلين جعل الله لأحدهما جنتين أي بستانين من أعناب محفوفتين بالنخيل المحدقة في جنباتهما وفي خلالهما الزروع وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة .
كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33)
كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا
ولهذا قال : "كلتا الجنتين آتت أكلها" أي أخرجت ثمرها "ولم تظلم منه شيئا" أي ولم تنقص منه شيئا "وفجرنا خلالهما نهرا" أي والأنهار متفرقة فيهما هاهنا وهاهنا .
وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34)
وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا
"وكان له ثمر" قيل المراد به المال روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وقيل الثمار وهو أظهر هاهنا ويؤيده القراءة الأخرى "وكان له ثمر" بضم الثاء وتسكين الميم فيكون جمع ثمرة كخشبة وخشب .
وقرأ آخرون ثمر بفتح الثاء والميم فقال أي صاحب هاتين الجنتين لصاحبه وهو يحاوره أي يجادله ويخاصمه يفتخر عليه ويترأس "أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا" أي أكثر خدما وحشما وولدا قال قتادة تلك والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر .

ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35)
ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا
وقوله "ودخل جنته وهو ظالم لنفسه" أي بكفره وتمرده أي بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد قال "ما أظن أن تبيد هذه أبدا" وذلك اغترار منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله وضعف يقينه بالله وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها وكفره بالآخرة .
وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36)
وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا
ولهذا قال "وما أظن الساعة قائمة" أي كائنة "ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا" أي ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا كما قال في الآية الأخرى "ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى" وقال "أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا" أي في الدار الآخرة تألى على الله عز وجل .
وكان سبب نزولها في العاص بن وائل كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان .
قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37)
قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا
يقول تعالى مخبرا عما أجابه به صاحبه المؤمن واعظا له وزاجرا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار "أكفرت بالذي خلقك من تراب" الآية وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين كما قال تعالى : "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم" الآية أي كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية كل أحد يعلمها من نفسه فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدوما ثم وجد وليس وجوده من نفسه ولا مستندا إلى شيء من المخلوقات لأنه

بمثابته فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولهذا قال المؤمن .
لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38)
لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا
"لكنا هو الله ربي" أي لكن أنا لا أقول بمقالتك بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية "ولا أشرك بربي أحدا" أي بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.
ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39)
ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا
ثم قال "ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا" هذا تحضيض وحث على ذلك أي هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال أو الولد ما لم يعطه غيرك وقلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ولهذا قال بعض السلف : من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده فليقل ما شاء الله لا قوة إلا بالله وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة وقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا جراح بن مخلد حدثنا عمر بن يونس حدثنا عيسى بن عون حدثنا عبد الملك بن زرارة عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت" وكان يتأول هذه الآية "ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله" قال الحافظ أبو الفتح الأزدي عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح حديثه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة وحجاج حدثني شعبة

عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" تفرد به أحمد وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" وقال الإمام أحمد : حدثنا بكير بن عيسى حدثنا أبو عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون قال : قال أبو هريرة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش" ؟ قال قلت فداك أبي وأمي قال "أن تقول لا قوة إلا بالله" قال أبو بلج وأحسب أنه قال "فإن الله يقول أسلم عبدي واستسلم" قال فقلت لعمرو قال أبو بلج قال عمرو قلت لأبي هريرة لا حول ولا قوة إلا بالله فقال لا إنها في سورة الكهف "ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله" .
فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40)
فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا
وقوله : "فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك" أي في الدار الآخرة "ويرسل عليها" أي على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى "حسبانا من"

السماء "قال ابن عباس والضحاك وقتادة ومالك عن الزهري أي عذابا من السماء والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زرعها وأشجارها ولهذا قال" فتصبح صعيدا زلقا "أي بلقعا ترابا أملس لا يثبت فيه قدم وقال ابن عباس : كالجرز الذي لا ينبت شيئ ."
أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41)
أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا
"وقوله :" أو يصبح ماؤها غورا "أي غائرا في الأرض وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض فالغائر يطلب أسفلها كما قال تعالى :" قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين "أي جار وسائج وقال هاهنا" أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا "والغور مصدر بمعنى غائر وهو أبلغ منه كما قال الشاعر :"
تظل جياده نوحا عليه ... تقلده أعنتها صفوفا
بمعنى نائحات عليه .
وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42)
وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي
يقول تعالى "وأحيط بثمره" بأمواله أو بثماره على القول الآخر والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها وألهته عن الله عز وجل "فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها" وقال قتادة يصفق كفيه متأسفا متلهفا على الأموال التي أذهبها عليها "ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ."
ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43)
ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا
ولم تكن له فئة "أي عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز" ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق "اختلف القراء هاهنا فمنهم من يقف على قوله" وما كان منتصرا هنالك "أي في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله فلا منقذ له منه ."
هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44)
هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا
ويبتدئ بقوله : "الولاية لله الحق" ومنهم من يقف

على "وما كان منتصرا" ويبتدئ بقوله "هنالك الولاية لله الحق" ثم اختلفوا في قراءة الولاية فمنهم من فتح الواو من الولاية فيكون المعنى هنالك الموالاة لله أي هنالك كل أحد مؤمن أو كافر يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب كقوله "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين" وكقوله إخبارا عن فرعون "حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين" ومنهم من كسر الواو من الولاية أي هنالك الحكم لله الحق ثم منهم من رفع الحق على أنه نعت للولاية كقوله تعالى "الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا" ومنهم من خفض القاف على أنه نعت لله عز وجل كقوله : "ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق" الآية ولهذا قال تعالى "هو خير ثوابا" أي جزاء "وخير عقبا" أي الأعمال التي تكون لله عزو جل ثوابها خير وعاقبتها حميدة رشيدة كلها خير .
واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45)
واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا
يقول تعالى "واضرب" يا محمد للناس مثل الحياة الدنيا في زوالها وفنائها وانقضائها "كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض" أي ما فيها من الحب فشب وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة ثم بعد هذا كله "أصبح هشيما" يابسا "تذروه الرياح" أي تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال "وكان الله على كل شيء مقتدرا" أي هو قادر على هذه الحال وهذه الحال وكثيرا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما قال تعالى في سورة يونس "إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام" الآية وقال في الزمر "ألم تر أن الله أنزل من"

السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه "الآية وقال في سورة الحديد" اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته "الآية وفي الحديث الصحيح" الدنيا خضرة حلوة "."
المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (46)
المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا
وقوله : "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" كقوله : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب الآية وقال تعالى : "إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم" أي الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم ولهذا قال "والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا" قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف : الباقيات الصالحات الصلوات الخمس وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات ما هي ؟ فقال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
رواه الإمام أحمد حدثنا أبو عبد الله المقري حدثنا حيوة حدثنا أبو عقيل أنه سمع الحارت مولى عثمان رضي الله عنه يقول : جلس عثمان يوما وجلسنا معه فجاءه المؤذن فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه مد فتوضأ ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا ثم قال "من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر ثم صلى"

المغرب غفر له ما بينها وبين العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات "قالوا هذه الحسنات فما الباقيات الصالحات يا عثمان ؟ قال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ."
تفرد به وروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب قال : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وقال محمد بن عجلان عن عمارة قال : سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات فقلت : الصلاة والصيام فقال : لم تصب فقلت الزكاة والحج فقال لم تصب ولكنهن الكلمات الخمس لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال ابن جريج أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن نافع عن سرجس أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات قال : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال ابن جريج وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك وقال مجاهد : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله : "والباقيات الصالحات" قال : لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله هن الباقيات الصالحات قال ابن جرير : وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار عن أبي نصر التمار عن عبد العزيز بن مسلم عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" هن الباقيات الصالحات قال : وحدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن ابن الهيثم عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "استكثروا من الباقيات الصالحات" قيل وما هن يا رسول الله ؟ "قال الملة" قيل وما هي يا رسول الله ؟ قال "التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا"
قوة إلا بالله "وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به ."
قال وهب أخبرني أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال : أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي في حاجة فقال : قل له القني عند زاوية القبر فإن لي إليك حاجة قال : فالتقيا فسلم أحدهما على الآخر ثم قال سالم ما تعد الباقيات الصالحات ؟ فقال لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال له سالم : متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله ؟ قال : ما زلت أجعلها قال فراجعه مرتين أو ثلاثا فلم ينزع قال فأبيت ؟ قال سالم أجل فأبيت فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يقول : "عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم عليه السلام فقال يا جبريل من هذا الذي معك ؟ فقال محمد فرحب بي وسلم ثم قال مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة فقلت وما غراس الجنة قال لا حول ولا قوة إلا بالله"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.80 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]