
06-12-2025, 07:13 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,275
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (8)
سورة النحل
من صـ 346 الى صــ 360
الحلقة (313)
تجلس ؟ "فقال بلى قال فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبله فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء فنظر ساعة إلى السماء فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض فتحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له وابن مظعون ينظر فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء كما شخص أول مرة فأتبعه بصره حتى توارى إلى السماء فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى فقال : يا محمد فيما كنت أجالسك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة فقال" وما رأيتني فعلت ؟ "قال رأيت شخص بصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك فتحرفت إليه وتركتني فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك ."
قال "وفطنت لذلك ؟" فقال عثمان نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس" قال رسول الله ؟ قال "نعم" قال فما قال لك ؟ قال "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" الآية .
قال عثمان فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا صلى الله عليه وسلم إسناد جيد متصل حسن قد بين في السماع المتصل ورواه ابن أبي حاتم من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصرا حديث آخر عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك قال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا هريم عن ليث عن شهر بن حوشب عن عثمان بن أبي العاص قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا إذ شخص بصره فقال " أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" الآية ."
وهذا إسناد لا بأس به ولعله عند شهر بن حوشب من الوجهين والله أعلم .
وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91)
وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد
جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون
هذا مما يأمر الله تعالى به وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على الأيمان المؤكدة ولهذا قال "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" ولا تعارض بين هذا وبين قوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "الآية ."
وبين قوله تعالى "ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم" أي لا تتركوها بلا كفارة وبين قوله عليه السلام فيما ثبت عنه في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها - وفي رواية - وكفرت عن يميني" لا تعارض بين هذا كله ولا بين الآية المذكورة هاهنا وهي قوله "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" لأن هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع ولهذا قال مجاهد في قوله "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" يعني الحلف أي حلف الجاهلية ويؤيده ما رواه الإمام أحمد
حدثنا عبد الله بن محمد - هو ابن أبي شيبة - حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن زكريا - هو ابن أبي زائدة - عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة" .
وكذا رواه مسلم عن ابن أبي شيبة به .
ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه .
وأما ما ورد في الصحيحين عن عاصم الأحول عن أنس رضي الله عنه أنه قال : حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دورنا .
فمعناه أنه آخى بينهم فكانوا يتوارثون به حتى نسخ الله ذلك والله أعلم .
وقال ابن جرير حدثني محمد بن عمارة الأسدي حدثنا عبد الله بن موسى أخبرنا أبو ليلى عن بريدة في قوله "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم" قال نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام فقال "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم" هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام .
وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا صخر بن جويرية عن نافع قال لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال : أما بعد فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول "إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله - أن يبايع رجل رجلا على بيعة الله ورسوله ثم ينكث بيعته فلا يخلعن أحد منكم يدا ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون فصل بيني وبينه" المرفوع منه في الصحيحين ; وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا حجاج عن عبد الرحمن بن عابس عن أبيه عن حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له به فهو كالمدلي جاره إلى غير منفعة" قوله "إن الله يعلم ما تفعلون" تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها .
ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92)
ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون
وقوله "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا" قال عبد الله بن كثير السدي : هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئا نقضته بعد انبرامه وقال مجاهد وقتادة وابن زيد هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده وهذا القول أرجح وأظهر وسواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا .
وقوله "أنكاثا" يحتمل أن يكون اسم مصدر "نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا" أي أنقاضا ويحتمل أن يكون بدلا عن خبر كان أي لا تكونوا أنكاثا جمع نكث من ناكث ولهذا قال بعده "تتخذون أيمانكم دخلا بينكم" أي خديعة ومكرا "أن تكون أمة هي أربى من أمة" أي تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم فنهى الله عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق الأولى .
وقد قدمنا ولله الحمد في سورة الأنفال قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد فسار معاوية إليهم في آخر الأجل حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم وهم غارون لا يشعرون فقال له عمرو بن عتبة الله أكبر يا معاوية وفاء لا غدر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها" فرجع معاوية رضي الله عنه بالجيش قال ابن عباس "أن تكون أمة هي أربى من أمة" أي أكثر وقال مجاهد كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز فنهوا عن ذلك وقال الضحاك وقتادة وابن زيد نحوه وقوله "إنما يبلوكم الله به" قال سعيد بن جبير يعني بالكثرة رواه ابن أبي حاتم وقال ابن جرير أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد "وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون" فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر .
ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون (93)
ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون
يقول الله تعالى "ولو شاء الله لجعلكم" أيها الناس "أمة واحدة" كقوله تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا" أي لوفق بينكم ولما جعل اختلافا ولا تباغض ولا شحناء "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" وهكذا قال هاهنا "ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء" ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير والقطمير .
ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94)
ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم
ثم حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا أي خديعة ومكرا لئلا تزل قدم بعد ثبوتها مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام ولهذا قال "وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم" .
ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95)
ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون
ثم قال "ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا" أي لا تعتاضوا عن الإيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها فإنها قليلة لو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له ; أي جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به وطلبه وحفظ عهده رجاء موعوده ولهذا قال "إن كنتم تعلمون" .
ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96)
ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون
"ما عندكم ينفد" أي يفرغ وينقضي فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه "وما عند الله باق" أي وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له فإنه دائم لا يحول ولا يزول "ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" قسم من الرب تعالى مؤكد باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم أي ويتجاوز عن سيئها .
من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97)
من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون
هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه
بأحسن ما عمله في الدار الآخرة والحياة الطيبة تشتمل وجوه الراحة من أي جهة كانت وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسرها بالقناعة وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنها هي السعادة وقال الحسن ومجاهد وقتادة لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة وقال الضحاك هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا وقال الضحاك أيضا هي العمل بالطاعة والانشراح بها والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثني شرحبيل بن أبي شريك عن عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه" ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقري به وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانئ عن ابن علي الجهني عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قد أفلح من هدي"
للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به "وقال الترمذي هذا حديث صحيح وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا همام عن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا "انفرد بإخراجه مسلم ."
فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98)
فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم
هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم وهذا أمر ندب ليس بواجب حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير ولله الحمد والمنة والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر ; ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة واحتجا بهذه الآية ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والصحيح الأول لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة والله
أعلم .
إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99)
إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون
وقوله "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون" قال الثوري ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه وقال آخرون معناه لا حجة له عليهم وقال آخرون كقوله "إلا عبادك منهم المخلصين" .
إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100)
إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون
"إنما سلطانه على الذين يتولونه" قال مجاهد يطيعونه وقال آخرون اتخذوه وليا من دون الله "وهم به مشركون" أي أشركوا في عبادة الله ويحتمل أن تكون الباء سببية أي صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى وقال آخرون معناه أنه شركهم في الأموال والأولاد.
وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101)
وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون
يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتهم وإيقانهم وأنه لا يتصور منهم الإيمان وقد كتب عليهم الشقاوة وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما أنت مفتر" أي كذاب وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وقال مجاهد "بدلنا آية مكان آية" أي رفعناها وأثبتنا غيرها وقال قتادة هو كقوله تعالى "ما ننسخ من آية أو ننسها" الآية .
قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102)
قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين
فقال تعالى مجيبا لهم "قل نزله روح القدس" أي جبريل "من ربك"
بالحق "أي بالصدق والعدل" ليثبت الذين آمنوا "فيصدقوا بما أنزل أولا وثانيا وتخبت له قلوبهم" وهدى وبشرى للمسلمين "أي وجعله هاديا وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله ."
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103)
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين
يقول تعالى مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت أن محمدا إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض بطون قريش وكان بياعا يبيع عند الصفا وربما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه فلهذا قال الله تعالى رادا عليهم في افترائهم ذلك "لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" أي القرآن أي فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني إسرائيل كيف يتعلم من رجل أعجمي ؟ لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل .
قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المروة إلى سبيعة غلام نصراني يقال له جبر عبد لبعض بني الحضرمي فأنزل الله "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" وكذا قال عبد الله بن كثير وعن عكرمة وقتادة كان اسمه يعيش .
وقال ابن جرير حدثني أحمد بن محمد الطوسي حدثنا أبو عامر حدثنا إبراهيم بن طهمان عن مسلم بن عبد الله الملائي عن مجاهد عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة وكان اسمه بلعام وكان أعجمي اللسان وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده فقالوا إنما يعلمه بلعام فأنزل الله هذه الآية "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" وقال الضحاك بن مزاحم هو سلمان الفارسي وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية وسلمان إنما أسلم بالمدينة وقال عبيد الله بن مسلم كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهما فيقوم فيسمع منهما فقال المشركون يتعلم منهما فأنزل الله هذه الآية وقال الزهري عن سعيد بن المسيب : الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارتد بعد ذلك عن الإسلام وافترى هذه المقالة قبحه الله .
إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104)
إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم
يخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره وتغافل عما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يكن له قصد إلى الإيمان بما جاء من عند الله فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإيمان بآياته وما أرسل به رسله في الدنيا ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة .
إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105)
إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون
ثم أخبر تعالى أن رسوله صلى الله عليه وسلم ليس بمفتر ولا كذاب لأنه إنما يفتري الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم شرار الخلق "الذين لا يؤمنون بآيات"
الله "من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس والرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا معروفا بالصدق في قومه لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيما قال له : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال لا فقال هرقل : فهل كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله عز وجل ."
من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106)
من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم
أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر وشرح صدره بالكفر واطمأن به أنه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه وأن لهم عذابا عظيما في الدار الآخرة
وأما قوله "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب وأذى وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله .
وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فوافقهم على ذلك مكرها وجاء معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك وقال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "كيف تجد قلبك ؟" قال مطمئنا بالإيمان قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن عادوا فعد" .
ورواه البيهقي بأبسط من ذلك وفيه أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير قال "كيف تجد قلبك ؟" قال مطمئنا بالإيمان فقال "إن عادوا فعد" وفي ذلك أنزل الله "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته
ويجوز له أن يأبى كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل حتى أنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول : أحد أحد ويقول : والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها رضي الله عنه وأرضاه.
وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ فيقول نعم فيقول : أتشهد أني رسول الله ؟ فيقول لا أسمع فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك .
وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال لم أكن لأحرقهم بالنار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تعذبوا بعذاب الله" وكنت أقاتلهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بدل دينه فاقتلوه" فبلغ ذلك عليا فقال ويح أم ابن عباس .
رواه البخاري.
وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي عن أبي بردة قال : قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن فإذا رجل عنده قال ما هذا ؟ قال رجل كان يهوديا فأسلم ثم تهود ونحن نريده على الإسلام منذ قال أحسبه شهرين فقال والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضربت عنقه فقال قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال "من بدل دينه فاقتلوه" .
وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر
والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله كما ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة أنه أسرته الروم فجاءوا به إلى ملكهم فقال له تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي فقال له لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت فقال إذا أقتلك فقال أنت وذاك قال فأمر به فصلب وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى ثم أمر به فأنزل ثم أمر بقدر وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر فإذا هو عظام تلوح وعرض عليه فأبى فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى فطمع فيه ودعاه فقال إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله .
وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أياما ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه ثم استدعاه فقال ما منعك أن تأكل ؟ فقال أما إنه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك بي فقال له الملك فقبل رأسي وأنا أطلقك فقال وتطلق معي جميع أسارى المسلمين ؟ قال نعم فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ فقام فقبل رأسه رضي الله عنهما .
ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107)
ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين
لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق .
أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108)
أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون
فطبع على قلوبهم فهم لا يعقلون بها شيئا ينفعهم وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها ولا أغنت عنهم شيئا فهم غافلون عما يراد بهم .
لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109)
لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون
لا جرم أي لا بد ولا عجب أن من هذه صفته "أنهم في الآخرة هم الخاسرون" أي الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة .
ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110)
ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم
هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|