عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 06-12-2025, 05:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,934
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة النحل
من صـ 286 الى صــ 300
الحلقة (309)






: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن نعيم بن عمار أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قال الله تعالى يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" ورواه أبو داود والنسائي من حديث مكحول عن كثير بن مرة بنحوه ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى .
فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98)
فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين
وقوله "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين" أي وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك ضيق صدر وانقباض فلا يهيدنك ذلك ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك عليهم فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة ولهذا قال "فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين" كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن نعيم بن عمار أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قال الله تعالى يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" ورواه أبو داود والنسائي من حديث مكحول عن كثير بن مرة بنحوه ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى .
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99)
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
وقوله "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" قال البخاري قال سالم الموت وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر كما قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثنا طارق بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" قال الموت

وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارا عن أهل النار أنهم قالوا "لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين" وفي الصحيح من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء امرأة من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات قالت أم العلاء رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وما يدريك أن الله أكرمه ؟" فقلت بأبي وأمي يا رسول الله فمن ؟ فقال "أما هو فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير" ويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا فيصلي بحسب حاله كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب "ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم وهذا كفر وضلال وجهل فإن الأنبياء" كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة وإنما المراد باليقين ههنا الموت كما قدمناه ولله الحمد والمنة والحمد لله على الهداية وعليه الاستعانة والتوكل وهو المسئول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها فإنه جواد كريم .

آخر تفسير سورة الحجر والحمد لله رب العالمين .
سورة النحل
أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1)
أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون
يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبرا بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع لا محالة كقوله "اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون" وقال "اقتربت الساعة وانشق القمر" وقوله "فلا تستعجلوه" أي قرب ما تباعد "فلا تستعجلوه" يحتمل أن يعود الضمير على الله ويحتمل أن يعود على العذاب وكلاهما متلازم كما قال تعالى "ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين" وقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب فقال في قوله "أتى أمر الله" أي فرائضه وحدوده وقد رده ابن جرير فقال : لا نعلم أحدا استعجل بالفرائض وبالشرائع قبل وجودها بخلاف العذاب فإنهم استعجلوه قبل كونه استبعادا وتكذيبا قلت كما قال تعالى "يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد" .
وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن محمد بن عبد الله مولى المغيرة بن شعبة عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن حجيرة عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس فما تزال ترتفع في السماء ثم ينادي مناد فيها : أيها الناس فيقبل الناس بعضهم على بعض هل سمعتم ؟ فمنهم من يقول نعم ومنهم من يشك ثم ينادي الثانية يا أيها الناس فيقول الناس بعضهم لبعض : هل سمعتم ؟ فيقولون نعم ثم ينادي الثالثة أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبدا وإن الرجل ليمدن حوضه فما يسقي فيه شيئا

أبدا وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدا - قال - ويشتغل الناس "ثم إنه تعالى نزه نفسه عن شركهم به غيره وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد تعالى وتقدس علوا كبيرا وهؤلاء هم المكذبون بالساعة فقال" سبحانه وتعالى عما يشركون "."
ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (2)
ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون
يقول تعالى "ينزل الملائكة بالروح" أي الوحي كقوله "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا" وقوله "على من يشاء من عباده" وهم الأنبياء كما قال تعالى "الله أعلم حيث يجعل رسالته" وقال "الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس" وقال "يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" وقوله "أن أنذروا" أي لينذروا "أنه لا إله إلا أنا فاتقوني" أي فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري وعبد غيري .
خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3)
خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون


يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي وهو السماوات والعالم السفلي وهو الأرض بما حوت وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث بل "ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى" ثم نزه نفسه عن شرك من عبد معه غيره وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له .
خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4)
خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين
ثم نبه على خلق جنس الإنسان من نطفة أي مهينة ضعيفة فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله وهو إنما خلق ليكون عبدا لا ضدا كقوله تعالى "وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا" وقوله "أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم" وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن بشر بن جحاش قال : بصق رسول الله في كفه ثم قال "يقول الله تعالى : ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت الحلقوم قلت أتصدق ؟ وأنى أوان الصدقة ؟" .
والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5)
والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون
يمتن تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم كما

فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون ومن ألبانها يشربون ويأكلون من أولادها .
ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6)
ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون
وما لهم فيها من الجمال وهو الزينة ولهذا قال "ولكم فيها جمال حين تريحون" وهو وقت رجوعها عشيا من المرعى فإنها تكون أمده خواصر وأعظمه ضروعا وأعلاه أسنمة "وحين تسرحون" أي غدوة حين تبعثونها إلى المرعى .
وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم (7)
وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم
الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم "" وتحمل أثقالكم "وهي الأحمال الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها" إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس "وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما جرى مجرى ذلك تستعملونها في أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل كقوله" وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون "وقال تعالى" الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون "ولهذا قال هنا بعد تعداد هذه النعم" إن ربكم لرءوف رحيم "أي ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم كقوله" أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون "وقال" وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون "قال ابن عباس :" لكم فيها دفء "أي ثياب و" ومنافع "ما ينتفعون به من الأطعمة والأشربة وقال عبد الرزاق : أخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس : دفء ومنافع نسل كل دابة وقال مجاهد لكم فيها دفء أي لباس"

ينسج ومنافع مركب ولحم ولبن قال قتادة : دفء ومنافع يقول لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة.
وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة.
والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8)
والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون
هذا صنف آخر مما خلق تبارك وتعالى لعباده يمتن به عليهم وهو الخيل والبغال والحمير التي جعلها للركوب والزينة بها وذلك أكبر المقاصد منها ولما فصلها من الأنعام وأفردها بالذكر استدل من استدل من العلماء ممن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه فيها كالإمام أبي حنيفة رحمه الله ومن وافقه من الفقهاء بأنه تعالى قرنها بالبغال والحمير وهي حرام كما ثبتت به السنة النبوية وذهب إليه أكثر العلماء وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني يعقوب حدثنا ابن علية أنبأنا هشام الدستوائي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن مولى نافع بن علقمة عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير وكان يقول : قال الله تعالى "والأنعام"

خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون "فهذه للأكل" والخيل والبغال والحمير لتركبوها "فهذه للركوب وكذا روي من طريق سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس بمثله ."
وقال مثل ذلك الحكم بن عيينة أيضا رضي الله عنه واستأنسوا بحديث رواه الإمام أحمد في مسنده : حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا بقية بن الوليد حدثنا ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث صالح بن يحيى بن المقدام وفيه كلام ورواه أحمد أيضا من وجه آخر بأبسط من هذا وأدل منه فقال : حدثنا أحمد بن عبد الملك حدثنا محمد بن حرب حدثنا سليمان بن سليم عن صالح بن يحيى بن المقدام عن جده المقدام بن معد يكرب قال : غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة فقدم أصحابنا إلى اللحم فسألوني رمكة فدفعتها إليهم فحبلوها وقلت مكانكم حتى آتي خالدا فأسأله فأتيته فسألته فقال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر فأسرع الناس في حظائر يهود فأمرني أن أنادي الصلاة جامعة ولا يدخل الجنة إلا مسلم ثم قال "أيها الناس إنكم قد أسرعتم في حظائر يهود ألا لا يحل أموال المعاهدين إلا بحقها وحرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير" والرمكة هي الحجرة وقوله حبلوها أي أوثقوها في الحبل ليذبحوها والحظائر البساتين القريبة من العمران وكأن هذا الصنيع وقع بعد إعطائهم العهد ومعاملتهم على الشطر والله أعلم .
فلو صح هذا الحديث لكان نصا في تحريم لحوم الخيل ولكن لا يقاوم ما ثبت في

الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل .
ورواه الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال : ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل.
وفي صحيح مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه ونحن بالمدينة فهذه أدل وأقوى وأثبت وإلى ذلك صار جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وأكثر السلف والخلف والله أعلم .
وقال عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال : كانت الخيل وحشية فذللها الله لإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وذكر وهب بن منبه في إسرائيلياته أن الله خلق الخيل من ريح الجنوب والله أعلم فقد دل النص على جواز ركوب هذه الدواب ومنها البغال.
وقد أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة فكان يركبها مع أنه قد نهى عن إنزاء الحمر على الخيل لئلا ينقطع النسل .

قال الإمام أحمد : حدثني محمد بن عبيد حدثنا عمر من آل حذيفة عنه عن الشعبي عن دحية الكلبي قال : قلت يا رسول الله ألا أحمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلا فتركبها ؟ قال "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" .
وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9)
وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين
لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية نبه على الطرق المعنوية الدينية وكثيرا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية كقوله تعالى "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى" وقال تعالى "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير" ولما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه فبين أن الحق منها ما هي موصلة إليه فقال "وعلى الله قصد السبيل" كقوله "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" وقال "قال هذا صراط علي مستقيم" قال مجاهد في قوله "وعلى الله قصد السبيل" قال طريق الحق على الله وقال السدي "وعلى الله قصد السبيل" الإسلام

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله "وعلى الله قصد السبيل" يقول وعلى الله البيان أي يبين الهدى والضلالة وكذا روى علي بن أبي طلحة عنه وكذا قال قتادة والضحاك وقول مجاهد هاهنا أقوى من حيث السياق لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقا تسلك إليه فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق وهي الطريق التي شرعها ورضيها وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة ولهذا قال تعالى "ومنها جائر" أي حائد مائل زائغ عن الحق قال ابن عباس وغيره : هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية والمجوسية وقرأ ابن مسعود "ومنكم جائر" ثم أخبر تعالى أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته فقال "ولو شاء لهداكم أجمعين" كما قال تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا" وقال "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" .
هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10)
هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون
لما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء وهو العلو مما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم فقال "لكم منه شراب" أي جعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه ولم يجعله ملحا أجاجا "ومنه شجر فيه تسيمون" أي وأخرج لكم منه شجرا ترعون فيه أنعامكم .
وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد في قوله فيه تسيمون أي ترعون

ومنه الإبل السائمة والسوم : الرعي وروى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السوم قبل طلوع الشمس .
ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11)
ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون
وقوله "ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات" أي يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها ولهذا قال "إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون" أي دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله كما قال تعالى "أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون" .
وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12)
وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون
ينبه تعالى عباده على آياته العظام ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان والشمس والقمر يدوران والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السماوات نورا وضياء ليهتدى بها في الظلمات وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله كقوله "إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" ولهذا قال "إن في ذلك لآيات"
لقوم
يعقلون "أي لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه ."
وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13)
وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون
وقوله "وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه" لما نبه تعالى على معالم السماوات نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة من الحيوانات والمعادن والنباتات والجمادات على اختلاف ألوانها وأشكالها وما فيها من المنافع والخواص "إن في ذلك لآية لقوم يذكرون" أي آلاء الله ونعمه فيشكرونها.
وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14)
وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون
يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج ويمتن على عباده بتذليله لهم وتيسيرهم للركوب فيه وجعله السمك والحيتان فيه وإحلاله لعباده لحمها حيها وميتها في الحل والإحرام وما يخلقه فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حلية يلبسونها وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره أي تشقه وقيل تمخر الرياح وكلاهما صحيح وقيل تمخره بجؤجئها وهو صدرها المسنم الذي أرشد العباد إلى صنعتها وهداهم إلى ذلك إرثا عن أبيهم نوح عليه السلام فإنه أول من ركب السفن وله كان تعليم صنعتها ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل يسيرون من قطر إلى قطر ومن بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم لجلب ما هناك إلى هنا وما هنا إلى هناك ولهذا قال تعالى "ولتبتغوا"

من فضله ولعلكم تشكرون "أي نعمه وإحسانه ."
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : وجدت في كتابي عن محمد بن معاوية البغدادي حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو عن سهل بن أبى صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : كلم الله البحر الغربي وكلم البحر الشرقي فقال للبحر الغربي إني حامل فيك عبادا من عبادي فكيف أنت صانع فيهم ؟ قال أغرقهم فقال بأسك في نواحيك واحملهم على يدي وحرمت الحلية والصيد وكلم البحر الشرقي فقال : إني حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم ؟ فقال : أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه الحلية والصيد ثم قال البزار لا نعلم من رواه عن سهل غير عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو وهو منكر الحديث وقد رواه سهل عن النعمان بن أبي عياش عن عبد الله بن عمرو موقوفا .
وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15)
وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون
ثم ذكر تعالى الأرض وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات لتقر الأرض ولا تميد أي تضطرب بما عليها من الحيوانات فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك ولهذا قال "والجبال أرساها" وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر عن قتادة سمعت الحسن يقول : لما خلقت الأرض كانت تميد فقالوا ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحوا وقد خلقت الجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال "وقال سعيد عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عبادة أن الله لما خلق الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة : ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحت صبحا وفيها"

رواسيها.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.47 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]