
06-12-2025, 05:24 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,372
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (8)
سورة الحجر
من صـ 242 الى صــ 256
الحلقة (306)
حدثنا ابن أبي فروة العبدي أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" يتأولانها يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار قال فيقول لهم المشركون ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا ؟ قال فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيخرجهم فذلك حين يقول "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" وقال عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن حماد عن إبراهيم وعن خصيف عن مجاهد قالا : يقول أهل النار للموحدين ما أغنى عنكم إيمانكم ؟ فإذا قالوا ذلك قال الله أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان قال فعند ذلك قوله "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" وهكذا روي عن الضحاك وقتادة وأبي العالية وغيرهم وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن العباس هو الأخرم حدثنا محمد بن منصور الطوسي حدثنا صالح بن إسحاق الجهبذي وابن علية يحيى بن موسى حدثنا معروف بن واصل عن يعقوب بن نباتة عن عبد الرحمن الأغر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إن ناسا من أهل لا إله إلا الله"
يدخلون النار بذنوبهم فيقول لهم أهل اللات والعزى ما أغنى عنكم قولكم لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار ؟ فيغضب الله لهم فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة فيبرءون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه ويدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميون "فقال رجل يا أنس أنت سمعت هذا من رسول الله صلى"
الله عليه وآله وسلم ؟ فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" نعم أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول هذا ثم قال الطبراني تفرد به الجهبذ "الحديث الثاني" قال الطبراني أيضا حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي حدثنا خالد بن نافع الأشعري عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين ألم تكونوا مسلمين ؟ قالوا بلى قالوا فما أغنى عنكم الإسلام وقد صرتم معنا في النار ؟ قالوا كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فسمع الله ما قالوا فأمر بمن"
كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا قال ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به وزاد فيه بسم الله الرحمن الرحيم عوض الاستعاذة "الحديث الثالث" قال الطبراني أيضا حدثنا موسى بن هارون حدثنا إسحاق بن راهويه قال : قلت لأبي أسامة أحدثكم أبو روق واسمه عطية بن الحارث حدثني صالح بن أبي شريف قال سألت أبا سعيد الخدري فقلت له هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" ؟ قال نعم سمعته يقول "يخرج الله ناسا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم" وقال " لما أدخلهم الله النار مع المشركين قال لهم المشركون تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا فما بالكم معنا في النار ؟ فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم فتشفع لهم الملائكة والنبيون ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله فإذا رأى المشركون ذلك قالوا يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم ; قال فذلك قول الله "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم فيقولون يا رب أذهب عنا هذا الاسم فيأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم " فأقر به أبو أسامة وقال نعم "الحديث الرابع" قال ابن أبي حاتم
حدثنا علي بن الحسين حدثنا العباس بن الوليد البرسي حدثنا مسكين أبو فاطمة حدثني اليمان بن يزيد عن محمد بن
جبير عن محمد بن علي عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه على قدر ذنوبهم وأعمالهم ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج منها ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النار سواء فيغضب الله لهم غضبا لم يغضبه لشيء فيما مضى فيخرجهم إلى عين في الجنة وهو قوله" ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين "."
ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3)
ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون
وقوله "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا" تهديد شديد لهم ووعيد أكيد كقوله تعالى "قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار" وقوله "كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون" ولهذا قال "ويلههم الأمل" أي عن التوبة والإنابة "فسوف يعلمون" أي عاقبة أمرهم .
وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4)
وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم
يخبر تعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها .
ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5)
ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون
وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكهم عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم وهذا تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك .
وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6)
وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك
يخبر تعالى عن كفرهم وعنادهم في قولهم "يا أيها الذي نزل عليه الذكر" أي الذي تدعي ذلك "إنك لمجنون" أي في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا .
لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7)
لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين
"لو ما" أي هلا "تأتينا بالملائكة" أي يشهدون لك بصحة ما جئت به كما قال فرعون "فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين" "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ."
ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8)
ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين
وكذا قال في هذه الآية "ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين" وهو القرآن وهو الحافظ له من التغيير والتبديل ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى "له لحافظون" على النبي صلى الله عليه وسلم كقوله "والله يعصمك من الناس" والمعنى الأول أولى وهو ظاهر السياق .
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9)
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
وهو القرآن وهو الحافظ له من التغيير والتبديل ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى "له لحافظون" على النبي صلى الله عليه وسلم كقوله "والله يعصمك من الناس" والمعنى الأول أولى وهو ظاهر السياق .
ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10)
ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين
يقول تعالى مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من كفار قريش إنه أرسل من قبله من الأمم الماضية وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزءوا
به .
وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (11)
وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون
يقول تعالى مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من كفار قريش إنه أرسل من قبله من الأمم الماضية وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزءوا به .
كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12)
كذلك نسلكه في قلوب المجرمين
ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى قال أنس والحسن البصري "كذلك نسلكه في قلوب المجرمين" يعني الشرك .
لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13)
لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين
وقوله "قد خلت سنة الأولين" أي قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة .
ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14)
ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون
يخبر تعالى عن قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق أنه لو فتح لهم بابا من السماء فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك .
لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15)
لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون
بل قالوا "إنما سكرت أبصارنا" قال مجاهد وابن كثير والضحاك سدت أبصارنا وقال قتادة عن ابن عباس أخذت أبصارنا وقال العوفي عن ابن عباس شبه علينا وإنما سحرنا وقال الكلبي عميت أبصارنا وقال ابن زيد "سكرت أبصارنا" السكران الذي لا يعقل .
ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16)
ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين
يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها وما زينها به من الكواكب الثوابت والسيارات لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى من العجائب والآيات الباهرات ما يحار نظره فيه وبهذا
قال مجاهد وقتادة البروج ههنا هي الكواكب .
"قلت" وهذا كقوله تبارك وتعالى "تبارك الذي جعل في السماء بروجا" الآية .
ومنهم من قال البروج هي منازل الشمس والقمر وقال عطية العوفي البروج ههنا هي قصور فيها الحرس وجعل الشهب حرسا لها من مردة الشياطين لئلا يسمعوا إلى الملإ الأعلى فمن تمرد وتقدم منهم لاستراق السمع جاءه شهاب مبين فأتلفه فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه كما جاء مصرحا به في الصحيح كما قال البخاري .
في تفسير هذه الآية : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان" قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم ذلك "فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا" للذي قال "الحق وهو العلي الكبير" فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر ووصف سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض وربما قال سفيان حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدق فيقولون ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء .
وحفظناها من كل شيطان رجيم (17)
وحفظناها من كل شيطان رجيم
وقال عطية العوفي البروج ههنا هي قصور فيها الحرس وجعل الشهب حرسا لها من مردة الشياطين لئلا يسمعوا إلى الملإ الأعلى فمن تمرد وتقدم منهم لاستراق السمع جاءه شهاب مبين فأتلفه فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه كما جاء مصرحا به في الصحيح كما قال البخاري .
في تفسير هذه الآية : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان" قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم ذلك "فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا" للذي قال "الحق وهو العلي الكبير" فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر ووصف سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض وربما قال سفيان حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدق فيقولون ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء .
إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18)
إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين
"قلت" وهذا كقوله تبارك وتعالى "تبارك الذي جعل في السماء بروجا" الآية .
ومنهم من قال البروج هي منازل الشمس والقمر وقال عطية العوفي البروج ههنا هي قصور فيها الحرس وجعل الشهب حرسا لها من مردة الشياطين لئلا يسمعوا إلى الملإ الأعلى فمن تمرد وتقدم منهم لاستراق السمع جاءه شهاب مبين فأتلفه فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه كما جاء مصرحا به في الصحيح كما قال البخاري .
في تفسير هذه الآية : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان" قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم ذلك "فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا" للذي قال "الحق وهو العلي الكبير" فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر ووصف سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض وربما قال سفيان حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدق فيقولون ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء .
والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19)
والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون
ثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها وتوسيعها وبسطها وما جعل فيها من الجبال الرواسي والأودية والأراضي والرمال وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة
وقال ابن عباس "من كل شيء موزون" أي معلوم وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عيينة والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة ومنهم من يقول مقدر بقدر وقال ابن زيد من كل شيء يوزن ويقدر بقدر وقال ابن زيد ما يزنه أهل الأسواق .
وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20)
وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين
وقوله "وجعلنا لكم فيها معايش" يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب والمعايش وهي جمع معيشة وقوله "ومن لستم له برازقين" قال مجاهد هي الدواب والأنعام وقال ابن جرير هم العبيد والإماء والدواب والأنعام والقصد أنه تعالى يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب وصنوف المعايش وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها والأنعام التي يأكلونها والعبيد والإماء التي يستخدمونها ورزقهم على خالقهم لا عليهم فلهم هم المنفعة والرزق على الله تعالى .
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21)
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم
يخبر تعالى أنه مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف "وما ننزله إلا بقدر معلوم" كما يشاء كما يريد ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباده لا على جهة الوجوب بل هو كتب على
نفسه الرحمة .
قال يزيد بن أبي زياد عن أبي جحيفة عن عبد الله ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يقسمه بينهم حيث شاء عاما ههنا وعاما ههنا ثم قرأ "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه" الآية .
رواه ابن جرير وقال أيضا حدثنا القاسم حدثنا هشيم أخبرنا إسماعيل بن سالم عن الحكم بن عيينة في قوله "وما ننزله إلا بقدر معلوم" قال ما عام بأكثر مطرا من عام ولا أقل ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون بما كان في البحر قال وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت وقال البزار حدثنا داود هو ابن بكير حدثنا حيان بن أغلب بن تميم حدثني أبي عن هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خزائن الله الكلام فإذا أراد شيئا قال له كن فكان" ثم قال لا يرويه إلا أغلب وليس بالقوي وقد حدث عنه غير واحد من المتقدمين ولم يروه عنه إلا ابنه .
وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22)
وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين
وقوله تعالى "وأرسلنا الرياح لواقح" أي تلقح السحاب فتدر ماء وتلقح الشجر فتفتح عن أوراقها وأكمامها وذكرها بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم فإنه أفردها ووصفها بالعقيم وهو عدم الإنتاج لأنه لا يكون إلا بين شيئين فصاعدا وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود في قوله "وأرسلنا الرياح لواقح" قال ترسل الريح فتحمل الماء من السماء ثم تمر مر السحاب حتى تدر كما تدر اللقحة .
وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة وقال الضحاك يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء وقال عبيد بن عمير الليثي يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قما ثم بعث الله المثيرة فتثير السحاب ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر ثم تلا "وأرسلنا الرياح لواقح" .
وقد روى ابن جرير من حديث عبيس بن ميمون عن أبي المهزم عن أبي
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الريح الجنوب من الجنة وهي التي ذكر الله في كتابه وفيها منافع للناس" وهذا إسناد ضعيف وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرني يزيد بن جعدية الليثي أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق يحدث عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله خلق في الجنة ريحا بعد الريح سبع سنين وإن من دونها بابا مغلقا وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب ولو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء وهي عند الله الأذيب وهي فيكم الجنوب" وقوله "فأسقيناكموه" أي أنزلناه لكم عذبا يمكنكم أن تشربوا منه لو نشاء جعلناه أجاجا كما نبه على ذلك في الآية الأخرى في سورة الواقعة وهو قوله تعالى "أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون" وفي قوله "هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون" وقوله "وما أنتم له بخازنين" قال سفيان الثوري بمانعين ويحتمل أن المراد وما أنتم له بحافظين بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معينا وينابيع في الأرض ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم .
وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23)
وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون
وقوله "وإنا لنحن نحيي ونميت" إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع وأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون .
ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24)
ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين
ثم أخبر تعالى عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم فقال "ولقد علمنا المستقدمين منكم" الآية .
قال ابن عباس رضي الله عنهما المستقدمون كل من هلك من لدن آدم عليه السلام والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة وروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ومحمد بن كعب والشعبي وغيرهم وهو اختيار ابن جرير رحمه الله وقال ابن جرير حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن رجل عن مروان بن الحكم أنه قال كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء فأنزل الله "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين" وقد ورد فيه حديث غريب جدا فقال ابن جرير حدثني محمد بن موسى الجرشي حدثنا نوح بن قيس حدثنا عمرو بن قيس حدثنا عمر بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت تصلي خلف النبي
صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء قال ابن عباس لا والله ما رأيت مثلها قط وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا يعني لئلا يروها وبعض يستأخرون ; فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم فأنزل الله "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين" وكذا رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره ورواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحداني وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما وحكي عن ابن معين تضعيفه وأخرجه مسلم وأهل السنن وهذا الحديث فيه نكارة شديدة وقد رواه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك وهو البكري أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله "ولقد علمنا المستقدمين منكم" في الصفوف في الصلاة "والمستأخرين" فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط ليس فيه لابن عباس ذكر وقد قال الترمذي هذا أشبه من رواية نوح بن قيس والله أعلم وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن أبي معشر عن أبيه أنه سمع عون بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين" أنها في صفوف الصلاة فقال محمد بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين" أنها في صفوف الصلاة فقال محمد بن كعب ليس هكذا "ولقد علمنا المستقدمين منكم" الميت والمقتول "والمستأخرين" من يخلق بعد "وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم" فقال عون بن عبد الله وفقك الله وجزاك خيرا .
وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25)
وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم
"وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم" فقال عون بن عبد الله وفقك الله وجزاك خيرا .
ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26)
ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : المراد بالصلصال ههنا التراب اليابس والظاهر أنه كقوله تعالى "خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار" وعن مجاهد أيضا "الصلصال" المنتن وتفسير الآية بالآية أولى وقوله "من حمإ مسنون" أي الصلصال من حمإ وهو الطين والمسنون الأملس كما قال الشاعر :
ثم خاصرتها إلى القبة الخض ... راء تمشي في مرمر مسنون
أي أملس صقيل ولهذا روي عن ابن عباس أنه قال هو التراب الرطب وعن ابن عباس ومجاهد أيضا والضحاك إن الحمأ المسنون هو المنتن وقيل المراد بالمسنون ههنا المصبوب .
والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27)
والجان خلقناه من قبل من نار السموم
وقوله "والجان خلقناه من قبل" أي من قبل الإنسان "من نار السموم" قال ابن عباس هي السموم التي تقتل وقال بعضهم السموم بالليل والنهار ومنهم من يقول السموم بالليل والحرور بالنهار ; وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال دخلت على عمر الأعصم أعوده فقال ألا أحدثك حديثا سمعته من عبد الله بن مسعود يقول هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان ثم قرأ "والجان خلقناه من"
قبل من نار السموم "وعن ابن عباس إن الجان خلق من لهب النار وفي رواية من أحسن النار وعن عمرو بن دينار من نار الشمس وقد ورد في الصحيح" خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم "والمقصود من الآية التنبيه على شرف آدم" وطيب عنصره وطهارة محتده .
وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28)
وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون
يذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه له وتشريفه إياه بأمر الملائكة بالسجود له ويذكر تخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة حسدا وكفرا وعنادا واستكبارا وافتخارا بالباطل ولهذا قال "لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون" كقوله "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" وقوله "أرأيتك هذا الذي كرمت علي" الآية .
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29)
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
وقد روى ابن جرير ههنا أثرا غريبا عجيبا من حديث شبيب بن بشر عن
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|