عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 05-12-2025, 10:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة ىوسف .
من صـ 66 الى صــ 80
الحلقة (294)



قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86)
"قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله" أي أجابهم عما قالوا بقوله "إنما أشكو"

بثي وحزني "أي همي وما أنا فيه" إلى الله "وحده" وأعلم من الله ما لا تعلمون "أي أرجو منه كل خير وعن ابن عباس" وأعلم من الله ما لا تعلمون "يعني رؤيا يوسف أنها صدق وأن الله لا بد أن يظهرها وقال العوفي عنه في الآية : أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي بحينة عن حفص بن عمر بن أبي الزبير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليعقوب النبي عليه السلام أخ مؤاخ له فقال له ذات يوم ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك ؟ قال أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك أما تستحيي أن تشكوني إلى غيري ؟ فقال يعقوب إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فقال جبريل عليه السلام الله أعلم" بما تشكو ""

وهذا حديث غريب في نكارة .
يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون (87)
يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
يقول تعالى مخبرا عن يعقوب عليه السلام إنه ندب بنيه على الذهاب في الأرض يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين والتحسس يكون في الخير والتجسس يكون في الشر ونهضهم وبشرهم وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله أي لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ويقصدونه فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .
فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88)
فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي
وقوله "فلما دخلوا عليه" تقدير الكلام : فذهبوا ودخلوا مصر ودخلوا على يوسف "قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام" وجئنا ببضاعة مزجاة "أي ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره وهو ثمن قليل قاله مجاهد والحسن وغير واحد وقال ابن عباس الرديء لا ينفق مثل خلق الغرارة والحبل والشيء وفي رواية عنه الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان وكذا قال قتادة والسدي وقال سعيد بن جبير : هي الدراهم الفسول وقال ابن صالح هو الصنوبر وحبة الخضراء وقال الضحاك فاسدة لا تنفق وقال أبو صالح جاءوا بحب البطم الأخضر"

والصنوبر وأصل الإزجاء الدفع لضعف الشيء كما قال حاتم طيئ
ليبك على ملحان ضيف مدافع ... وأرملة تزجي مع الليل أرملا
وقال أعشى بني ثعلبة
الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجي خلفها أطفالها
وقوله إخبارا عنهم "فأوف لنا الكيل" أي أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك وقرأ ابن مسعود : فأوقر ركابنا وتصدق علينا وقال ابن جريج وتصدق علينا برد أخينا إلينا وقال سعيد والسدي "وتصدق علينا" يقولون تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة وتجوز فيها .
وسئل سفيان بن عيينة : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال ألم تسمع قوله "فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين" ؟ رواه ابن جرير عن الحارث عن القاسم عنه وقال ابن جرير حدثنا الحارث حدثنا القاسم حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الأسود سمعت مجاهدا وسئل هل يكره أن يقول الرجل في دعائه : اللهم تصدق علي ؟ قال نعم إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب .
قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89)

يقول تعالى مخبرا عن يوسف عليه السلام إنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعموم الجدب وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة فعند ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه لإخوته وبدره البكاء فتعرف إليهم فيقال إنه رفع التاج عن جبهته وكان فيها شامة وقال "هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون" أعني كيف فرقوا بينه وبين أخيه "إذ أنتم جاهلون" أي إنما حملكم على هذا الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه كما قال بعض السلف كل من عصى الله فهو جاهل وقرأ "ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة" الآية والظاهر والله أعلم أن يوسف عليه السلام إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بأمر الله تعالى له في ذلك والله أعلم ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر فرج الله تعالى من ذلك الضيق كما قال تعالى "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" .
قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90)
قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
فعند ذلك قالوا "أئنك لأنت يوسف" وقرأ أبي بن كعب "إنك لأنت يوسف" وقرأ ابن محيصن "أنت يوسف" والقراءة المشهورة هي الأولى لأن الاستفهام يدل على الاستعظام أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام "أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف"

وهذا أخي "وقوله" قد من الله علينا "أي بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة" إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا "الآية يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق والسعة والملك والتصرف والنبوة أيضا على قول من لم يجعلهم أنبياء وأقروا بأنهم أساءوا إليه واخطئوا في حقه ."
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91)
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين
فعند ذلك قالوا "أئنك لأنت يوسف" وقرأ أبي بن كعب "إنك لأنت يوسف" وقرأ ابن محيصن "أنت يوسف" والقراءة المشهورة هي الأولى لأن الاستفهام يدل على الاستعظام أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام "أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي" وقوله "قد من الله علينا" أي بجمعه بيننا بعد التفرقة المدة "إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا" الآية يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق والسعة والملك والتصرف والنبوة أيضا على قول من لم يجعلهم أنبياء وأقروا بأنهم أساءوا إليه واخطئوا في حقه .
قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92)
قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين
"قال لا تثريب عليكم اليوم" يقول أي لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم ولا أعيد عليكم ذنبكم في حقي بعد اليوم ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال "يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" قال السدي اعتذروا إلى يوسف فقال "لا تثريب عليكم اليوم" يقول لا أذكر لكم ذنبكم وقال ابن إسحاق والثوري "لا تثريب عليكم" أي لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم "يغفر الله لكم" أي عليكم فيما فعلتم "وهو أرحم الراحمين" .
اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (93)
اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين
يقول اذهبوا بهذا القميص "فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا" وكان قد عمي من كثرة البكاء "وأتوني بأهلكم أجمعين" أي بجميع بني يعقوب .
ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94)
ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون
أي خرجت من مصر "قال أبوهم" يعني يعقوب عليه السلام لمن بقي عنده من بنيه "إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون" تنسبوني إلى الفند والكبر قال عبد الرزاق أنبأنا إسرائيل عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل قال

سمعت ابن عباس يقول : ولما فصلت العير قال لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال "إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون" قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام وكذا رواه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما عن ابن سنان به وقال الحسن وابن جريج كان بينهما ثمانون فرسخا وكان بينه وبينه منذ افترقا ثمانون سنة وقوله "لولا أن تفندون" قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وسعيد بن جبير تسفهون وقال مجاهد أيضا والحسن تهرمون .
قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95)
قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم
قال ابن عباس لفي خطئك القديم وقال قتادة أي من حب يوسف لا تنساه ولا تسلاه قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله صلى الله عليه وسلم وكذا قال السدي وغيره .
فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (96)
فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون
قال ابن عباس والضحاك "البشير" البريد وقال مجاهد والسدي كان يهوذا بن يعقوب

قال السدي إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب فأحب أن يغسل ذلك بهذا فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه فرجع بصيرا وقال لبنيه عند ذلك "ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون" أي أعلم أن الله سيرده إلي وقلت لكم "إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ."
قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97)
قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا
فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له "يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم" أي من تاب إليه تاب عليه قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر وقال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دسار قال كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع إنسانا يقول : اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت وهذا السحر فاغفر لي قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله "سوف أستغفر لكم ربي" وقد ورد في الحديث أن ذلك كان ليلة الجمعة كما قال ابن جرير أيضا حدثني المثنى حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي حدثنا أبو الوليد أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "سوف أستغفر لكم ربي" يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي

يعقوب لبنيه وهذا غريب من هذا الوجه وفي رفعه نظر والله أعلم .
قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98)
قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم
فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له "يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم" أي من تاب إليه تاب عليه قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر وقال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دسار قال كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع إنسانا يقول : اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت وهذا السحر فاغفر لي قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله "سوف أستغفر لكم ربي" وقد ورد في الحديث إن ذلك كان ليلة الجمعة كما قال ابن جرير أيضا حدثني المثنى حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي حدثنا أبو الوليد أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "سوف أستغفر لكم ربي" يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي يعقوب لبنيه وهذا غريب من هذا الوجه وفي رفعه نظر والله أعلم .
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين (99)
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين
يخبر تعالى عن ورود يعقوب عليه السلام على يوسف عليه السلام وقدومه بلاد مصر لما كان يوسف قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين فتحملوا عن آخرهم وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر فلما أخبر يوسف عليه السلام باقترابهم خرج لتلقيهم وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب عليه السلام ويقال إن الملك خرج أيضا لتلقيه وهو الأشبه وقد أشكل قوله "آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر" على كثير من المفسرين

فقال بعضهم هذا من المقدم والمؤخر ومعنى الكلام "وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين" وأوى إليه أبويه ورفعهما على العرش ورد ابن جرير هذا وأجاد في ذلك ثم اختار ما حكاه عن السدي أن يوسف آوى إليه أبويه لما تلقاهما ثم لما وصلوا باب البلد قال "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين" وفي هذا نظر أيضا لأن الإيواء إنما يكون في المنزل كقوله "آوى إليه أخاه" وفي الحديث "من أوى محدثا" .
وما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليها ادخلوا مصر وضمنه اسكنوا مصر إن شاء الله آمنين أي مما كنتم فيه من الجهد والقحط ؟ ويقال والله أعلم إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل مكة حين قال اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه وأرسلوا أبا سفيان في ذلك فدعا لهم فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه عليه السلام وقوله "آوى إليه أبويه" قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما كان أبوه وخالته وكانت أمه قد ماتت قديما وقال محمد بن إسحاق وابن جرير كان أبوه وأمه يعيشان قال ابن جرير ولم يقم دليل على موت أمه وظاهر القرآن يدل على حياتها وهذا الذي نصره هو المنصور الذي يدل عليه السياق .

ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (100)
ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم
وقوله "ورفع أبويه على العرش" قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد يعني السرير أي أجلسهما معه على سريره "وخروا له سجدا" أي سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلا "وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل" أي التي كان قصها على أبيه من قبل "إني رأيت أحد عشر كوكبا" الآية وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام فحرم هذا في هذه الملة وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى هذا مضمون قول قتادة وغيره وفي الحديث أن معاوية قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم فلما رجع سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا يا معاذ ؟ فقال إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله فقال لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها وفي حديث آخر : أن سلمان لقي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة وكان سلمان حديث عهد بالإسلام فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحي الذي لا يموت والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم ولهذا خروا له سجدا فعندها قال يوسف "يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا" أي هذا ما آل إليه الأمر

فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر كما قال تعالى "هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله" أي يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر وقوله "قد جعلها ربي حقا" أي صحيحة صدقا يذكر نعم الله عليه "وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو" أي البادية قال ابن جريج وغيره كانوا أهل بادية وماشية وقال كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين من غور الشام قال وبعض يقول كانوا بالأولاج من ناحية شعب أسفل من حسمى وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل "من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء" أي إذا أراد أمرا قيض له أسبابا وقدره ويسره "إنه هو العليم" بمصالح عباده الحكيم "في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده قال أبو عثمان النهدي عن سليمان كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة قال عبد الله بن شداد وإليها ينتهي قص الرؤيا رواه ابن جرير وقال أيضا حدثنا عمر بن علي حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا هشام عن الحسن قال"
كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ودموعه تجري على خديه وما على وجه الأرض عبد أحب إلى الله من

يعقوب وقال هشيم عن يونس عن الحسن ثلاث وثمانون سنة وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة فغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة فمات وله عشرون ومائة وقال قتادة كان بينهما خمس وثلاثون سنة وقال محمد بن إسحاق : ذكر والله أعلم أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشرة سنة قال وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها وأن يعقوب عليه السلام بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة ثم قبضه الله إليه وقال أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال : دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاثة وستون إنسانا وخرجوا منها وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا وقال أبو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون بين رجل وامرأة فالله أعلم وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن شداد اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ست وثمانون إنسانا صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ونيف .

رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101)
رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين
هذا دعاء من يوسف الصديق دعا به ربه عز وجل لما تمت نعمة الله عليه باجتماعه بأبويه وأخويه وما من الله به عليه من النبوة والملك سأل ربه عز وجل كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه قاله الضحاك وأن يلحقه بالصالحين وهم إخوته من النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف عليه السلام قاله عند احتضاره كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يرفع أصبعه عند الموت ويقول اللهم في الرفيق الأعلى ثلاثا ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله وانقضى عمره لا أنه سأله ذلك منجزا كما يقول الداعي لغيره أماتك الله على الإسلام ويقول الداعي اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا وكان ذلك سائغا في ملتهم كما قال قتادة قوله "توفني مسلما وألحقني بالصالحين" لما جمع الله شمله وأقر عينه وهو يومئذ مغمور

في الدنيا وملكها ونضارتها اشتاق إلى الصالحين قبله وكان ابن عباس يقول ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام كما أن نوحا أول من قال "رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا" ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك وهو ظاهر سياق قول قتادة ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان ولا بد متمنيا الموت فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأخرجاه في الصحيحين وعندهما لا يتمنين أحدكم الموت بضر نزل به إن كان محسنا فيزداد وإن كان مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وقال الإمام أحمد حدثنا أبو المغيرة حدثنا معاذ بن رفاعة حدثني علي بن
يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ورققنا فبكى سعد بن أبي وقاص
فأكثر البكاء وقال يا ليتني مت فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا سعد أعندي تتمنى الموت ؟ فردد ذلك ثلاث مرات ثم قال يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك وقال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو يونس هو مسلم بن جبير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولا يدع به من قبل أن يأتيه إلا أن يكون قد وثق بعمله فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمله لأنه لا يزيد المؤمن عمله إلا خيرا تفرد به أحمد وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت كما قال الله تعالى إخبارا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل "قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين" وقالت مريم لما جاءها المخاض وهو الطلق إلى جذع النخلة "يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا" لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت وقد قالوا "يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا" فجعل الله لها من ذلك الحال فرجا ومخرجا وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله فكان آية عظيمة ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.24 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.54%)]