عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 05-12-2025, 10:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة ىوسف .
من صـ 36 الى صــ 50
الحلقة (292)






فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31)
فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم
فلما سمعت بمكرهن "قال بعضهم بقولهن , ذهب الحب بها وقال محمد بن إسحاق بل بلغهن حسن يوسف فأحببن أن يرينه فقلن ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته فعند ذلك" أرسلت إليهن "أي دعتهن إلى منزلها لتضيفهن" وأعتدت لهن "متكأ" قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدي وغيرهم : هو المجلس المعد فيه مفارش ومخاد وطعام فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه ولهذا قال تعالى "وآتت كل واحدة منهن سكينا" وكان هذا مكيدة منها ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته "وقالت اخرج عليهن" وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر فلما "خرج" و "رأينه أكبرنه" أي أعظمنه أي أعظمن شأنه وأجللن قدره وجعلن يقطعن أيديهن دهشة برؤيته وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين والمراد أنهن حززن أيديهن بها قاله غير واحد وعن مجاهد وقتادة : قطعن أيديهن حتى ألقينها فالله أعلم وقد ذكر غير واحد أنها قالت لهن بعدما أكلن وطابت أنفسهن مما وضعت بين أيديهن أترجا وآتت كل واحدة منهن سكينا هل لكن في النظر إلى يوسف ؟ قلن نعم فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن ثم أمرته أن يرجع ليرينه مقبلا ومدبرا فرجع وهن يحززن في أيديهن فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن فقالت أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا فكيف ألام أنا ؟ "فقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم" ثم قلن لها : وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا لأنهن لم يرين في البشر شبيهه ولا قريبا منه فإنه عليه السلام كان قد أعطي شطر الحسن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بيوسف عليه السلام في السماء الثالثة قال فإذا هو قد أعطي شطر الحسن وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي يوسف وأمه شطر الحسن

وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن وقال أبو إسحاق أيضا عن أبي الأحوص عن عبد الله قال : كان وجه يوسف مثل البرق وقالت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتن به ورواه الحسن البصري مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا وأعطي الناس
الثلثين أو قال أعطي يوسف وأمه الثلثين والناس الثلث

وقال سفيان عن منصور عن مجاهد عن ربيعة الجرشي قال : قسم الحسن نصفين فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن والنصف الآخر بين سائر الخلق وقال الإمام أبو القاسم السهيلي : معناه أن يوسف عليه السلام كان على النصف من حسن آدم عليه السلام فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته "حاش لله" قال مجاهد وغير واحد معاذ الله "ما هذا بشرا" وقرأ بعضهم ما هذا بشرى أي بمشترى بشراء .
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين (32)
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين
"إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه" تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله "ولقد راودته عن نفسه فاستعصم" أي فامتنع قال بعضهم لما رأين جماله الظاهر أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن وهي العفة مع هذا الجمال ثم قالت تتوعده "ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين" فعند ذلك استعاذ يوسف عليه السلام من شرهن وكيدهن .
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33)
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين
"وقال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه" أي من الفاحشة وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن "أي إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها قدرة ولا أملك لها ضرا ولا نفعا إلا بحولك وقوتك أنت المستعان وعليك التكلان فلا تكلني إلى نفسي" أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه "الآية وذلك أن يوسف عليه السلام عصمه الله عصمة عظيمة وحماه فامتنع منها أشد الامتناع واختار السجن على ذلك وهذا في غاية مقامات الكمال أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته وهي امرأة عزيز مصر وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفا من الله"

ورجاء ثوابه ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه .
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34)
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم
"وقال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه" أي من الفاحشة وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن "أي إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها قدرة ولا أملك لها ضرا ولا نفعا إلا بحولك وقوتك أنت المستعان وعليك التكلان فلا تكلني إلى نفسي" أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه "الآية وذلك أن يوسف عليه السلام عصمه الله عصمة عظيمة وحماه فامتنع منها أشد الامتناع واختار السجن على ذلك وهذا في غاية مقامات الكمال أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته وهي امرأة عزيز مصر وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفا من الله ورجاء ثوابه ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ."
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35)
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين
يقول تعالى : ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى "حين" أي إلى مدة وذلك بعدما عرفوا براءته وظهرت الآيات وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته وكأنهم والله أعلم إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهاما أنه راودها عن نفسها وأنهم سجنوه على ذلك ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة فلما تقرر ذلك خرج وهو نقي العرض صلوات الله عليه وسلامه وذكر السدي أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه ويبرأ عرضه فيفضحها .
ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (36)
ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين
قال قتادة : كان أحدهما ساقي الملك والآخر خبازه قال محمد بن إسحاق : كان اسم الذي على الشراب نبوا والآخر مجلث

قال السدي : كان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالآ على سمه في طعامه وشرابه وكان يوسف عليه السلام قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث وحسن السمت وكثرة العبادة صلوات الله عليه وسلامه ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن وعيادة مرضاهم والقيام بحقوقهم ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن تألفا به وأحباه حبا شديدا وقالا له : والله لقد أحببناك حبا زائدا قال بارك الله فيكما إنه ما أحبني أحد إلا دخل علي من محبته ضرر أحبتني عمتي فدخل علي الضرر بسببها وأحبني أبي فأوذيت بسببه وأحبتني امرأة العزيز فكذلك فقالا والله ما نستطيع إلا ذلك ثم إنهما رأيا مناما فرأى الساقي أنه يعصر خمرا يعني عنبا وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود إني أراني أعصر عنبا ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون عن شريك عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود أنه قرأها أعصر عنبا وقال الضحاك في قوله "إنى أراني أعصر خمرا" يعني عنبا قال وأهل عمان يسمون العنب خمرا وقال عكرمة : قال له إني رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبلة من عنب فنبتت فخرج فيها عناقيد فعصرتهن ثم سقيتهن الملك فقال : تمكث في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتسقيه خمرا وقال الآخر وهو الخباز : "إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله" الآية
والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه أنهما رأيا مناما وطلبا تعبيره وقال ابن جرير : حدثنا وكيع وابن حميد قالا : حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود قال : ما رأى صاحبا يوسف شيئا إنما كانا تحالما ليجربا عليه .
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون (37)
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون
يخبرهما يوسف عليه السلام أنهما مهما رأيا في منامهما من حلم فإنه عارف بتفسيره ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه ولهذا قال "لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله" قال مجاهد يقول "لا يأتيكما طعام ترزقانه" في يومكما "إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما" وكذا قال السدي وقال ابن أبي حاتم رحمه الله حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء حدثنا محمد بن يزيد شيخ له ثنا رشدين عن الحسن بن ثوبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : ما أدري لعل يوسف

عليه السلام كان يعتاف وهو كذلك لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين "لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله" قال إذا جاءكم الطعام حلوا أو مرا أعتاف عند ذلك ثم قال ابن عباس : إنما علم فعلم وهذا أثر غريب ثم قال وهذا إنما هو من تعليم الله إياي لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر فلا يرجون ثوابا ولا عقابا في المعاد .
واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38)
واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون
"واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب" الآية يقول هجرت طريق الكفر والشرك وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى واتبع طريق المرسلين وأعرض عن طريق الضالين فإن الله يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلم ويجعله إماما يقتدى به في الخير وداعيا إلى سبيل الرشاد "ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس" هذا التوحيد وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له "ذلك من فضل الله علينا" أي أوحاه إلينا وأمرنا به "وعلى الناس" إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك "ولكن أكثر الناس لا يشكرون" أي لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم بل "بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار" وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا حجاج عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يجعل الجد أبا ويقول والله لمن شاء لاعنته عند الحجر ما ذكر الله جدا ولا جدة قال الله تعالى يعني إخبارا عن يوسف "واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب" .
يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39)

ثم إن يوسف عليه السلام أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما فقال "أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار" أي الذي دل كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه .
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (4
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون
ثم بين لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هي جعل منهم وتسمية من تلقاء أنفسهم تلقاها خلفهم عن سلفهم وليس لذلك مستند من عند الله ولهذا قال "ما أنزل الله بها من سلطان" أي حجة ولا برهان ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا إياه ثم قال تعالى "ذلك الدين القيم" أي هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له هو الدين المستقيم الذي أمر الله به وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" أي فلهذا كان أكثرهم مشركين "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وقد قال ابن جريج : إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما فأحب أن يشغلهما بغير ذلك لئلا يعاودوه فيها فعاودوه فأعاد عليهم الموعظة وفي هذا الذي قاله نظر لأنه قد وعدهما أولا بتعبيرها ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه والإنصات إليه ولهذا لما فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال .
يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41)
يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه

"يقول لهما" يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا "وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك ولهذا أبهمه في قوله" وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه "وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه وهو واقع لا محالة لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت وقال الثوري عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم بن عبد الله قال : لما قالا ما قالا وأخبرهما قالا ما رأينا شيئا فقال" قضي الأمر الذي فيه تستفتيان "ورواه محمد بن فضيل عن عمارة عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود به وكذا فسره مجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم وحاصله أن من تحلم بباطل وفسره فإنه يلزم بتأويله والله تعالى أعلم وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت وفي مسند أبي يعلى من طريق يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا الرؤيا لأول عابر ."
وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (42)
وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين
ولما ظن يوسف عليه السلام أن الساقي ناج قال له يوسف خفية

عن الآخر والله أعلم لئلا يشعره أنه المصلوب قال له "اذكرني عند ربك" يقول اذكر قصتي عند ربك وهو الملك فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه الملك بذلك وكان من جملة مكايد الشيطان لئلا يطلع نبي الله من السجن هذا هو الصواب أن الضمير في قوله "فأنساه الشيطان ذكر ربه" عائد على الناجي كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد ويقال إن الضمير عائد على يوسف عليه السلام رواه ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أيضا وعكرمة وغيرهم وأسند ابن جرير ههنا حديثا فقال : حدثنا ابن وكيع حدثنا عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يقل - يعني يوسف - الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله

وهذا الحديث ضعيف جدا لأن سفيان بن وكيع ضعيف وإبراهيم بن يزيد هو الجوزي أضعف منه أيضا وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما وهذه المرسلات ههنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن والله أعلم وأما البضع فقال مجاهد وقتادة هو ما بين الثلاث إلى التسع وقال وهب بن منبه مكث أيوب في البلاء سبعا ويوسف في السجن سبعا وعذب بختنصر سبعا وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما "فلبث في السجن بضع سنين" قال ثنتا عشرة سنة وقال الضحاك أربع عشرة سنة .
وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون (43)
وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا
هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببا لخروج يوسف عليه السلام من السجن معززا مكرما وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا فهالته وتعجب من

أمرها وما يكون تفسيرها فجمع الكهنة والحادة وكبار دولته وأمراءه فقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها فلم يعرفوا ذلك واعتذروا إليه بأنها "أضغاث أحلام" أي أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه "وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين" أي لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها فعند ذلك تذكر الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك فعند ذلك تذكر بعد أمة أي مدة وقرأ بعضهم بعد أمه أي بعد نسيان فقال لهم أي للملك والذين جمعهم .
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44)
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين
هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببا لخروج يوسف عليه السلام من السجن معززا مكرما وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا فهالته وتعجب من أمرها وما يكون تفسيرها فجمع الكهنة والحادة وكبار دولته وأمراءه فقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها فلم يعرفوا ذلك واعتذروا إليه بأنها "أضغاث أحلام" أي أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه "وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين" أي لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها فعند ذلك تذكر الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف عليه السلام من ذكر أمره للملك فعند ذلك تذكر بعد أمة أي مدة وقرأ بعضهم بعد أمه أي بعد نسيان فقال لهم أي للملك والذين جمعهم .
وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45)
وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني
لذلك "أنا أنبئكم بتأويله" أي بتأويل هذا المنام "فأرسلون أي فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن ومعنى الكلام فبعثوه فجاء ."
يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46)
يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون
فقال "يوسف أيها الصديق أفتنا" وذكر المنام الذي رآه الملك فعند ذلك ذكر له يوسف عليه السلام تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما وصاه به ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك .
قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47)
قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون
بل قال "تزرعون سبع سنين دأبا" أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات ففسر البقر بالسنين لأنها تثير الأرض التي تشتغل منها الثمرات والزروع وهن السنبلات الخضر ثم أرشدهم إلى ما يعتدونه في تلك السنين فقال "فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون" أي مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فادخروه في سنبله ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب وهن السنبلات اليابسات وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء .
ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48)
ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون
ولهذا قال "يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون"

ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه وسكر ونحوه حتى قال بعضهم : يدخل فيه حلب اللبن أيضا قال علي بن أبي طلحه عن ابن عباس "وفيه يعصرون" يحلبون .
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49)
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون
ولهذا قال "يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون" ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه وسكر ونحوه حتى قال بعضهم : يدخل فيه حلب اللبن أيضا قال علي بن أبي طلحه عن ابن عباس "وفيه يعصرون" يحلبون .
وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50)
وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم
يقول تعالى إخبارا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه فعرف فضل يوسف عليه السلام وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه فقال "ائتوني به" أي أخرجوه من السجن وأحضروه فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه بل كان ظلما وعدوانا فقال ارجع إلى ربك "الآية وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره"

صلوات الله وسلامه عليه ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال "رب أرني كيف تحيي الموتى" الآية ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي وفي لفظ لأحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب ولكنه أراد أن يكون له العذر هذا حديث مرسل .
قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51)
قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين
وقوله تعالى "قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه" إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز فقال مخاطبا لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره وهو العزيز قال الملك للنسوة اللاتي قطعن أيديهن "ما خطبكن" أي شأنكن وخبركن "إذ راودتن يوسف عن"

نفسه "يعني يوم الضيافة" قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء "أي قالت النسوة جوابا للملك حاش لله أن يكون يوسف متهما والله ما علمنا عليه من سوء فعند ذلك" قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق "قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : تقول الآن تبين الحق وظهر وبرز" أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين "أي في قوله" هي راودتني عن نفسي "."
ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52)
ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين
"ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب" تقول إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر ولا وقع المحذور الأكبر وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة "وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي" تقول المرأة ولست أبرئ نفسي فإن النفس تتحدث وتتمنى ولهذا راودته لأن "النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي" أي إلا من عصمه الله تعالى "إن ربي غفور رحيم" وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام وقد حكاه الماوردي في تفسيره وانتدب لنصره الإمام أبو العباس رحمه الله فأفرده بتصنيف على حدة وقد قيل إن ذلك من كلام يوسف عليه السلام يقول "قال ليعلم أني لم أخنه في زوجته" بالغيب "الآيتين أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز" أني لم أخنه "في زوجته" بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين "الآية وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن"

عكرمة عن ابن عباس قال لما جمع الملك النسوة فسألهن هل راودتن يوسف عن نفسه ؟ "قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق"



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.29 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]