
05-12-2025, 10:26 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,639
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (8)
سورة ىوسف .
من صـ 21 الى صــ 35
الحلقة (291)
الذي أكله فيه الذئب وقد أصابه من دمه ولكنهم نسوا أن يخرقوه فلهذا لم يرجع هذا الصنيع على نبي الله يعقوب .
بل قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه "بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل" أي فسأصبر صبرا جميلا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه الله بعونه ولطفه "والله المستعان على ما تصفون" أي على ما تذكرون من الكذب والمحال .
وقال الثوري عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "وجاءوا على قميصه بدم كذب" قال لو أكله السبع لخرق القميص وكذا قال الشعبي والحسن وقتادة وغير واحد وقال مجاهد : الصبر الجميل الذي لا جزع فيه .
وروى هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى عن حبان بن أبي حبلة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله "فصبر جميل" فقال "صبر لا شكوى فيه" وهذا مرسل .
وقال عبد الرزاق قال الثوري عن بعض أصحابه إنه قال : ثلاث من الصبر : أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك ولا تزكي نفسك .
وذكر البخاري ههنا حديث عائشة في الإفك حتى ذكر قولها والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" .
وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (19)
وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما
يقول تعالى مخبرا عما جرى ليوسف حين ألقاه إخوته وتركوه في ذلك الجب وحيدا فريدا فمكث عليه السلام في البئر ثلاثة أيام فيما قاله أبو بكر بن عياش وقال محمد بن إسحاق لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك ينظرون ماذا يصنع وما يصنع به فساق الله له سيارة فنزلوا قريبا من تلك البئر وأرسلوا واردهم هو الذي يتطلب لهم الماء فلما جاء ذلك البئر وأدلى بدلوه فيها تشبث يوسف عليه السلام فيها فأخرجه واستبشر به وقال "يا بشرى هذا غلام" وقرأ بعض القراء يا بشراي فزعم السدي أنه اسم رجل ناداه ذلك الرجل الذي أدلى بدلوه معلما له أنه أصاب غلاما وهذا القول من السدي غريب لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس والله أعلم .
وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه وحذف ياء الإضافة وهو يريدها كما تقول العرب يا نفس اصبري يا غلام أقبل بحذف حرف الإضافة ويجوز الكسر حينئذ والرفع وهذا منه وتفسرها القراءة الأخرى يا بشراي والله أعلم .
وقوله "وأسروه بضاعة" أي وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره .
قاله مجاهد والسدي وابن جرير هذا قول
وقال العوفي عن ابن عباس قوله "وأسروه بضاعة" يعني إخوة يوسف أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته واختار البيع فذكره إخوته لوارد القوم فنادى أصحابه "يا بشرى هذا غلام" يباع فباعه إخوته وقوله "والله عليم بما يعملون" أي عليم بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه ولكن له حكمة وقدر سابق فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" وفي هذا تعريض لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم لإعلامه له بأني عالم بأذى قومك لك وأنا قادر على الإنكار عليهم ولكني سأملي لهم ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته .
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20)
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين
يقول تعالى : وباعه إخوته بثمن قليل .
قال مجاهد وعكرمة : والبخس هو النقص كما قال تعالى "فلا يخاف بخسا ولا رهقا" أي اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل ومع ذلك كانوا فيه من الزاهدين أي ليس لهم رغبة فيه بل لو سئلوه بلا شيء لأجابوا .
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك إن الضمير في قوله "وشروه" عائد على إخوة يوسف ; وقال قتادة : بل هو عائد على السيارة والأول أقوى لأن قوله "وكانوا فيه من الزاهدين" إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه فترجح من هذا أن الضمير في "شروه" إنما هو لإخوته .
وقيل المراد بقوله "بخس" الحرام وقيل الظلم وهذا وإن كان كذلك لكن ليس هو المراد هنا لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو كلاهما أي إنهم إخوته وقد
باعوه ومع هذا بأنقص الأثمان ولهذا قال "دراهم معدودة" فعن ابن مسعود رضي الله عنه باعوه بعشرين درهما وكذا قال ابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي وزاد اقتسموها درهمين درهمين وقال مجاهد : اثنان وعشرون درهما وقال محمد بن إسحاق وعكرمة أربعون درهما وقال الضحاك في قوله "وكانوا فيه من الزاهدين" وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله عز وجل وقال مجاهد لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر فقال : من يبتاعني وليبشر ؟ فاشتراه الملك وكان مسلما .
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21)
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
يقول تعالى "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" يخبر تعالى بألطافه بيوسف عليه السلام أنه قيض له الذي اشتراه من مصر حتى اعتنى به وأكرمه وأوصى أهله به وتوسم فيه الخير والصلاح فقال لامرأته "أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا" وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير ; حدثنا العوفي عن ابن عباس وكان اسمه قطفير
25@@@
وقال محمد بن إسحاق : اسمه أطفير بن روحيب وهو العزيز وكان على خزائن مصر وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال : واسم امرأته راعيل بنت رعابيل وقال غيره اسمها زليخا وقال محمد بن إسحاق أيضا عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس : كان الذي باعه بمصر مالك بن ذعر بن قريب بن عنقا بن مديان بن إبراهيم فالله أعلم وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال : أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته "أكرمي مثواه" والمرأة التي قالت لأبيها "يا أبت استأجره" الآية وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .
يقول تعالى : كما أنقذنا يوسف من إخوته "كذلك مكنا ليوسف في الأرض" يعني بلاد مصر "ولنعلمه من تأويل الأحاديث" قال مجاهد والسدي : هو تعبير الرؤيا "والله غالب على أمره" إي إذا أراد شيئا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف بل هو الغالب لما سواه .
قال سعيد بن جبير في قوله "والله غالب على أمره" أي فعال لما يشاء وقوله ""
ولكن أكثر الناس لا يعلمون "يقول لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد ."
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22)
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين
وقوله "ولما بلغ" أي يوسف عليه السلام "أشده" أي استكمل عقله وتم خلقه "آتيناه حكما وعلما" يعني النبوة أنه حباه بها بين أولئك الأقوام "وكذلك نجزي المحسنين" أي أنه كان محسنا في عمله عاملا بطاعة الله تعالى وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : ثلاث وثلاثون سنة وعن ابن عباس بضع وثلاثون وقال الضحاك عشرون وقال الحسن أربعون سنة وقال عكرمة خمس وعشرون سنة وقال السدي ثلاثون سنة وقال سعيد بن جبير ثمانية عشر سنة وقال الإمام مالك وربيعة بن زيد بن أسلم والشعبي الأشد الحلم وقيل غير ذلك والله أعلم .
وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23)
وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون
يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه فراودته عن نفسه أي حاولته على نفسه ودعته إليها وذلك أنها أحبته حبا شديدا لجماله وحسنه وبهائه فحملها ذلك على أن تجملت له وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها "وقالت هيت لك" فامتنع من ذلك أشد الامتناع و "قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي" وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير أي إن بعلك ربي
أحسن مثواي أي منزلي وأحسن إلي فلا أقابله بالفاحشة في أهله "إنه لا يفلح الظالمون" قال ذلك مجاهد والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم وقد اختلف القراء في قوله "هيت لك" فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : معناه أنها تدعوه إلى نفسها وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس : هيت لك تقول هلم لك .
وكذا قال زر بن حبيش وعكرمة والحسن وقتادة قال عمرو بن عبيد عن الحسن وهي كلمة بالسريانية أي عليك وقال السدي : هيت لك أي هلم لك وهي بالقبطية قال مجاهد : في لغة عربية تدعوه بها وقال البخاري وقال عكرمة : هيت لك أي هلم لك بالحورانية وهكذا ذكره معلقا وقد أسنده الإمام أبو جعفر بن جرير حدثني أحمد بن سهل الواسطي حدثنا قرة بن عيسى حدثنا النضر بن علي الجزري عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله "هيت لك" قال هلم لك قال : هي بالحورانية وقال أبو عبيد القاسم بن سلام وكان الكسائي يحب هذه القراءة يعني هيت لك ويقول لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز ومعناها تعال وقال أبو عبيدة : سألت شيخا عالما من أهل حوران فذكر أنها لغتهم عرفها
واستشهد الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي بن أبى طالب رضي الله عنه :
أبلغ أمير المؤمن ... ين أذى العراق إذا أتينا
إن العراق وأهله ... عنق إليك فهيت هيتا
يقول فتعال واقترب وقرأ ذلك آخرون هئت لك بكسر الهاء والهمز وضم التاء بمعنى تهيأت لك من قول القائل هئت بالأمر أهيء هئة وممن روي عنه هذه القراءة ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو وائل وعكرمة وقتادة وكلهم يفسرها بمعنى تهيأت لك قال ابن جرير : وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة وقرأ عبد الله بن إسحاق هيت بفتح الهاء وكسر التاء وهي غريبة وقرأ آخرون منهم عامة أهل المدينة هيت بفتح الهاء وضم التاء وأنشد قول الشاعر :
ليس قومي بالأبعدين إذا ما ... قال داع من العشيرة هيت
قال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري عن الأعمش عن أبي وائل قال : قال ابن مسعود وقد سمع القراء متقاربين فاقرءوا كما علمتم وإياكم والتنطع والاختلاف وإنما هو كقول أحدكم هلم وتعال ثم قرأ عبد الله هيت لك فقال يا أبا عبد الرحمن ناسا يقرءونها هيت قال عبد الله : أن أقرأها كما علمت أحب إلي
وقال ابن جرير : حدثني ابن وكيع حدثنا ابن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال : قال عبد الله هيت لك فقال له مسروق إن ناسا يقرءونها هيت لك فقال دعوني فإني أقرأ كما علمت أحب إلي وقال أيضا : حدثني المثنى حدثنا آدم بن إياس حدثنا شعبة عن شقيق عن ابن مسعود قال : هيت لك بنصب الهاء والتاء ولا تهمز وقال آخرون هيت لك بكسر الهاء وإسكان الياء وضم التاء قال أبو عبيد معمر بن المثنى هيت لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث بل يخاطب الجميع بلفظ واحد فيقال هيت لك وهيت لكم وهيت لكما وهيت لكن وهيت لهن .
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24)
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين
اختلفت أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وطائفة من السلف في ذلك ما رواه ابن جرير وغيره والله أعلم وقيل المراد بهمه بها خطرات حديث النفس حكاه البغوي
عن بعض أهل التحقيق ثم أورد البغوي ههنا حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى : إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإنما تركها من جرائي فإن عملها فاكتبوها بمثلها وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة هذا منها وقيل هم بضربها وقيل تمناها زوجة وقيل هم بها لولا أن رأى برهان ربه أي فلم يهم بها وفي هذا القول نظر من حيث العربية حكاه ابن جرير وغيره وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضا فعن ابن عباس وسعيد ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة وأبي صالح والضحاك ومحمد بن إسحاق وغيرهم رأى صورة أبيه يعقوب عاضا على أصبعه بفمه وقيل عنه في رواية فضرب في صدر يوسف وقال العوفي عن ابن عباس : رأى خيال الملك يعني سيده وكذا قال محمد بن إسحاق فيما حكاه عن بعضهم إنما هو خيال قطفير سيده حين دنا من الباب وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن أبي مودود سمعت من محمد بن كعب القرظي قال رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت فإذا كتاب
في حائط البيت "لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا" وكذا رواه أبو معشر المدني عن محمد بن كعب وقال عبد الله بن وهب : أخبرني نافع بن يزيد عن أبي صخر قال : سمعت القرظي يقول في البرهان الذي رآه يوسف ثلاث آيات من كتاب الله "إن عليكم لحافظين" الآية وقوله "وما تكون في شأن" الآية وقوله "أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت" قال نافع : سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي وزاد آية رابعة "ولا تقربوا الزنا" وقال الأوزاعي : رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك قال ابن جرير : والصواب أن يقال إنه رأى آية من آيات الله تزجره عما كان هم به وجائز أن يكون صورة يعقوب وجائز أن يكون صورة الملك وجائز أن يكون ما رآه مكتوبا من الزجر عن ذلك ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى وقوله "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء" أي كما
أريناه برهانا صرفه عما كان فيه كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره "إنه من عبادنا المخلصين" أي من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار صلوات الله وسلامه عليه .
واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم
يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب يوسف هارب والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت فلحقته في أثناء ذلك فأمسكت بقميصه من ورائه فقدته قدا فظيعا يقال إنه سقط عنه واستمر يوسف هاربا ذاهبا وهي في إثره فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها "ما جزاء من أراد بأهلك سوءا" أي فاحشة "إلا أن يسجن" أي يحبس "أو عذاب أليم" أي يضرب ضربا شديدا موجعا فعند ذلك انتصر يوسف عليه السلام بالحق وتبرأ مما رمته به من الخيانة .
قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26)
قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين
وقال بارا صادقا "هي راودتني عن نفسي" وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه "وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل" أي من قدامه فصدقت هي أي في قولها إنه راودها عن نفسها لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره فقدت قميصه فيصح ما قالت .
وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27)
وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين
وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبته أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدت قميصه من ورائه .
وقد اختلفوا في هذا الشاهد هل هو صغير أو كبير ؟ على قولين لعلماء السلف فقال عبد الرزاق أخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس "وشهد شاهد من أهلها"
قال ذو لحية وقال الثوري عن جابر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس : كان من خاصة الملك وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم : إنه كان رجلا وقال زيد بن أسلم والسدي : كان ابن عمها وقال ابن عباس كان من خاصة الملك وقد ذكر ابن إسحاق أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد وقال العوفي عن ابن عباس في قوله "وشهد شاهد من أهلها" قال كان صبيا في المهد وكذا روي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم أنه كان صبيا في الدار واختاره ابن جرير وقد ورد فيه حديث مرفوع فقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن محمد حدثنا عفان حدثنا حماد هو ابن سلمة أخبرني عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تكلم أربعة وهم صغار فذكر فيهم شاهد يوسف ورواه غيره عن حماد بن سلمة عن عطاء عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس أنه قال : تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة بنت فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم وقال الليث بن أبي سليم عن مجاهد إنه من أمر الله تعالى ولم يكن إنسيا وهذا قول غريب .
فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28)
فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم
وقوله "فلما رأى قميصه قد من دبر أي لما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به" قال إنه من كيدكن "أي إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن" إن كيدكن عظيم "ثم قال آمرا ليوسف عليه السلام بكتمان ما وقع ."
يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29)
يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين
"يوسف أعرض عن هذا" أي اضرب عن هذا صفحا أي فلا تذكره لأحد "واستغفري لذنبك" يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلا أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه فقال لها
: استغفري لذنبك أي الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب ثم قذفه بما هو بريء منه "إنك كنت من الخاطئين" .
وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30)
وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين
يخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع في المدينة وهي مصر حتى تحدث به الناس "وقال نسوة في المدينة" مثل نساء الكبراء والأمراء ينكرن على امرأة العزيز وهو الوزير ويعبن ذلك عليها "امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه" أي تحاول غلامها عن نفسه وتدعوه إلى نفسها "قد شغفها حبا" أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو غلافه قال الضحاك عن ابن عباس : الشغف الحب القاتل والشغف دون ذلك والشغاف حجاب القلب "إنا لنراها في ضلال مبين" أي في صنيعها هذا من حبها فتاها ومراودتها إياه عن نفسه .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|