عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 05-12-2025, 04:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مُجدّد المائة الثانية الإمام الشافعي رحمه الله

مُجدّد المائة الثانية الإمام الشافعي رحمه الله (2-2)


د. عادل بن صالح أحمد الغامدي










سبق الحديث عن الإمام الشافعي ومكانته وسعة عِلْمه، وتواضعه وخضوعه للحق وبذله للنصح، ونستكمل في هذا العدد ذكر بعض مآثر الإمام، فنقول وبالله تعالى التوفيق ومنه الإعانة والقبول:
دعاء العلماء للشافعي ومحبتهم له:
قال يحيى بن سعيد: «أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربع سنين»[1]، وقال أبو ثور: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: «ما أُصلّي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها»[2]
قال يحيى القطان: «أنا أدعو الله للشافعي، أخصّه به، وقال أبو بكر بن خلاد: أنا أدعو الله في دبر صلاتي للشافعي»[3]، وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «ستة أدعو لهم سحرًا، أحدهم الشافعي»[4].
قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: أيّ رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تُكثر من الدعاء له؟ قال: «يا بني، كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خَلَف، أو فيهما عِوَض؟»[5].
العلاقة بين الشافعي وأحمد بن حنبل:
جمعت بين الإمامين الشافعي وأحمد بن حنبل علاقة مميزة، ورابطة تُجسِّد المحبة والتقدير والاعتراف بالفضل والعلم، ولذلك شواهد، فقد قال المزني: قال لي الشافعي: «رأيت ببغداد شابًّا، إذا قال: حدّثنا، قال الناس كلهم: صدق، قلت: ومَن هو؟ قال: أحمد بن حنبل».
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: «خرجت من بغداد، فما خلّفت بها رجلاً أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل»، وقال الزعفراني: قال لي الشافعي: «ما رأيت أعقل من أحمد، وسليمان بن داود الهاشمي»[6].
قال محمد بن إسحاق بن راهويه: حدثني أبي، قال: قال لي أحمد بن حنبل: «تعالَ حتى أُريك مَن لم يُرَ مثله، فذهب بي إلى الشافعي، قال أبي: وما رأى الشافعي مثل أحمد بن حنبل»[7].
وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبي -وذُكِرَ عنده الشافعي رحمه الله- فقال: «ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه، ثم قال عبد الله: كل شيء في كتاب الشافعي: حدثنا الثقة، فهو عن أبي»[8].
قال إبراهيم الحربي: سألت أبا عبدالله عن الشافعي، فقال: «حديث صحيح ورأي صحيح»[9].
وقال أبو داود: «ما رأيت أبا عبدالله يميل إلى أحد ميله إلى الشافعي»[10]، كما قال الفضل بن زياد: سمعت أحمد يقول: «ما أحد مسَّ محبرة ولا قلمًا؛ إلا وللشافعي في عنقه مِنَّة»[11].
قال الإمام أحمد: «كان الشافعي إذا ثبت عنده الخبر قلَّده، وخير خصلة فيه لم يكن يشتهي الكلام، إنما هِمّته الفقه»[12]، وقال الحسن الزعفراني: ما قرأت على الشافعي حرفًا من هذه الكتب، إلا وأحمد حاضر»[13].
وجاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل، فبينا هو عنده إذ مر الشافعي على بغلته، فوثب أحمد يُسلّم عليه وتبعه، فأبطأ ويحيى جالس، فلما جاء قال يحيى: يا أبا عبد الله كم هذا؟ فقال: دَعْك عن هذا؟ إن أردت الفقه فالزم ذنب البغلة»[14].
وقال أحمد بن العباس النسائي: سمعت أحمد بن حنبل ما لا أحصيه وهو يقول: «قال أبو عبدالله الشافعي، ثم قال: ما رأيت أحدًا أتبع للأثر من الشافعي»[15].
قال أحمد بن حنبل: «إذا سُئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرًا؛ قلت فيها بقول الشافعي؛ لأنه إمام قرشي، وقد رُوِيَ عن النبي #، أنه قال: «عالم قريش يملأ الأرض علمًا»، إلى أن قال أحمد: «وإني لأدعو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي»[16].
مذهب الشافعي في أهل الكلام وسائر الأهواء:
لما كان الإمام الشافعي يرى ما أحدثه أهل الكلام في العراق وغيرها من البلدان، من الاستعلان بنشر شُبَههم وصريح الدعوة إلى بدعتهم، مع ما وصلوا إليه من المنزلة الخطيرة عند أهل الحل والعقد؛ فإن الشافعي -رحمه الله- قد أَوْلَى أَمْر الدفاع عن طريقة السلف عنايةً بالغةً»[17].
وإليك طائفة من نصوصه في التحذير من عِلْم الكلام؛ حيث قال الشافعي: «لأن يلقى اللهَ العبدُ بكلِّ ذنب إلا الشرك، خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء»[18]، وقال: «لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء؛ لفرُّوا منه كما يفرون من الأسد»[19]، وقال: «ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح»[20].
كما كان الشافعي بعد أن ناظَر حفصًا الفرد، يكره الكلام، وكان يقول: «والله لأن يفتي العالم فيقال: أخطأ العالم خير له من أن يتكلم فيقال: زنديق، وما شيء أبغض إليَّ من الكلام وأهله»[21]، وقال: «ما ناظرتُ أحدًا في الكلام إلا مرة، وأنا أستغفر الله من ذلك»[22].
وقال صالح بن جزرة: سمعت الربيع يقول: قال الشافعي: «يا ربيع، اقبلْ مني ثلاثة: لا تَخُضْ في أصحاب رسول الله #، فإن خَصْمك النبي # غدًا، ولا تشتغل بالكلام فإني اطلعت من أهل الكلام على التعطيل، وزاد المزني: ولا تشتغل بالنجوم»[23].
قال محمد بن داود: «لم يحفظ في دهر الشافعي كله أنه تكلم في شيء من الأهواء، ولا نُسِبَ إليه ولا عُرِفَ به، مع بُغْضه لأهل الكلام والبدع»[24]، وقال المزني: «كان الشافعي ينهى عن الخوض في الكلام»[25].
ويروى عن الربيع: سمعت الشافعي يقول في كتاب الوصايا: «لو أن رجلًا أوصى بكُتُبه من العِلْم لآخر، وكان فيها كُتب الكلام، لم تدخل في الوصية؛ لأنه ليس من العلم»[26].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس: قلت للشافعي: صاحبنا الليث يقول: لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء ما قبلته، قال: «قصَّر، لو رأيته يمشي في الهواء لما قبلته»[27].
حُكمه في أهل الكلام والأهواء:
قال الشافعي: «حُكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ»[28]، وقال: «حُكمي في أهل الكلام أن يُضْرَبُوا بالجريد، ويُحْمَلوا على الإبل، ويُطاف بهم في العشائر يُنادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام»[29].
وقال أيضًا: «مذهبي في أهل الكلام، تقنيع رؤوسهم بالسياط، وتشريدهم في البلاد»[30].
وعلَّق الذهبي على هذا، فقال: «قلت: لعل هذا متواتر عن الإمام»[31].
المؤاخذات على الإمام الشافعي والكلام فيه:
نال الإمام الشافعي بعض الاتهامات والمؤاخذات، ويمكن تصنيفها إلى قسمين:
أولاً: تهمة التشيّع
اتُّهم الإمام الشافعي بالتشيُّع، وهو ما ردّه الإمام أحمد بن حنبل، حينما سئل عن الشافعي، فقال: «لقد منَّ الله علينا به، لقد كنّا تعلمنا كلام القوم وكتبنا كتبهم؛ حتى قدم علينا فلما سمعنا كلامه، علمنا أنه أعلم من غيره، وقد جالسناه الأيام والليالي، فما رأينا منه إلا كل خير. فقيل له: يا أبا عبد الله كان يحيى وأبو عبيد لا يرضيانه -يشير إلى التشيّع وأنهما نسباه إلى ذلك-؟ فقال أحمد بن حنبل: ما ندري ما يقولان، والله ما رأينا منه إلا خيرًا»[32].
علّق الذهبي على هذا الاتهام، فقال: «قلت: مَن زعم أن الشافعي يتشيّع فهو مُفْترٍ، لا يدري ما يقول»[33].
وقال الربيع بن سليمان: «حججنا مع الشافعي فما ارتقى شرفًا ولا هبط واديًا، إلا وهو يبكي وينشد:
يا راكبًا قف بالمحصّب من منى
واهتف بقاعد خيفنا والناهض
سَحَرًا إذا فاض الحجيج إلى منى
فيضًا كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضًا حُبّ آل محمد
فليشهد الثقلان أني رافضي»[34]
علق الذهبي على هذا، فقال: «قلت: لو كان شيعيًّا -وحاشاه من ذلك-، لما قال: الخلفاء الراشدون خمسة؛ بدأ بالصديق وختمه بعمر بن عبدالعزيز»[35]، وهو يشير إلى ما قاله أبو حاتم: حدثنا حرملة: سمعت الشافعي يقول: «الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبدالعزيز»[36].
وكيف يصح نسبته إلى التشيع وهو يفتي بترك الصلاة خلف الرافضي؟! فقد قال الساجي: حدثنا إبراهيم بن زياد الأبلّي، سمعت البويطي يقول: سألت الشافعي: أصلّي خلف الرافضي؟ قال: «لا تُصلِّ خلف الرافضي، ولا القدري ولا المرجئ». قلت: صِفْهم لنا. قال: من قال الإيمان قول فهو مرجئ، ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين فهو رافضي، ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري»[37].
كما قال في الرافضة: «لم أر أحدًا من أصحاب الأهواء أشهد بالزور من الرافضة»[38]، وعن طريق يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي إذا ذُكِرَ الرافضة عابَهم أشد العيب، ويقول: «شرّ عصابة»[39].
ثانيًا: الخلاف مع أتباع الإمام مالك وأبي حنيفة:
انتهت رياسة الفقه في مكة إلى العالِم عبدالملك بن عبدالعزيز الشهير بابن جريج، المتوفى سنة 150هـ، فأخذ الشافعي علمه من أصحابه، قال أبو الوليد بن أبي الجارود: «كنا نتحدث نحن وأصحابنا من أهل مكة، أن الشافعي أخذ كتب ابن جريج عن أربعة أنفس: عن مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم وهذان فقيهان، وعن عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي داوود، وكان من أعلمهم بابن جريج، وعن عبدالله بن الحارث المخزومي وكان من الأثبات.
كما انتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة؛ فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حِمْل جَمَل، ليس فيها شيء إلا وقد سمعه عليه، فاجتمع له عِلْم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك، حتى أصَّل الأصول وقعَّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره وارتفع قَدْره، حتى صار ما صار»[40].
وقد كان شيخ الحرم بعد الصحابة: عطاء، ومجاهد، وخلفهما: قيس بن سعد، وابن جريج، ثم تفرد بالإمامة: ابن جريج، فدوَّن العِلْم، وحمل عنه الناس، وعليه تفقّه مسلم بن خالد الزنجي، وتفقه بالزنجي الإمام أبو عبد الله الشافعي، وكان الشافعي بصيرًا بعلم ابن جريج، عالمًا بدقائقه، وبعلم سفيان بن عيينة[41].
حدث الربيع عن الشافعي فقال: «وسألني عن أهل مصر، فقلت: هم فرقتان، فرقة مالت إلى قول مالك وناضلت عليه، وفرقة مالت إلى قول أبي حنيفة وناضلت عليه، فقال: أرجو أن أقدم مصر -إن شاء الله-، فآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعًا، قال الربيع: ففعل ذلك والله حين دخل مصر»[42].
موقف الشافعي من الإمام أبي حنيفة وتلاميذه:
كان الشافعي يَعرف لأبي حنيفة فَضْله وعلمه، فقال: «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة»[43]، علَّق الذهبي على هذا فقال: «قلت: الإمامة في الفقه ودقائقه مُسلَّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمرٌ لا شك فيه.
يتبع





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.19 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.97%)]