
05-12-2025, 04:42 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (7)
سورة براءة .
من صـ 246 الى صــ 260
الحلقة (272)
فلما ولي عمر رضي الله عنه أتاه فقال : يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك ؟ فقبض ولم يقبلها فلما ولي عثمان رضي الله عنه أتاه فقال : اقبل صدقتي فقال لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك ؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان .
فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76)
فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون
يقول تعالى ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله وليكونن من الصالحين فما وفى بما قال ولا صدق فيما ادعى فأعقبهم هذا الصنيع نفاقا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقوا الله عز وجل يوم القيامة .
عياذا بالله من ذلك وقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير ههنا وابن أبي حاتم من حديث معان بن رفاعة عن علي بن زيد عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرزقني مالا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه قال ثم قال مرة أخرى فقال أما ترضى أن تكون مثل نبي الله ؟ فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت .
قال والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزق ثعلبة مالا قال فاتخذ غنما فنمت كما ينمي الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة وهي تنمي كما ينمي الدود حتى ترك الجمعة فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل ثعلبة ؟ فقالوا يا رسول الله اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة فأخبروه بأمره فقال يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة وأنزل الله جل ثناؤه خذ من أموالهم صدقة .
الآية .
ونزلت فرائض الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة من المسلمين رجلا من جهينة ورجلا من سليم وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين وقال لهما مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا ؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأوها قالوا ما يجب عليك هذا وما نريد أن نأخذ هذا منك فقال بلى فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي له فأخذاها منه ومرا على الناس فأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال : أروني كتابكما فقرأه فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآهما قال يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي فأنزل الله عز وجل ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن .
الآية .
قال وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال : ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته فقال إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك فجعل يحسو على رأسه التراب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني .
فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقبض صدقته رجع إلى منزله فقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقبل منه شيئا ثم أتى أبا بكر رضي الله عنه حين استخلف فقال قد علمت منزلتي من رسول الله وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي فقال أبو بكر لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يقبلها فقبض أبو بكر ولم يقبلها .
فلما ولي عمر رضي الله عنه أتاه فقال : يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك ؟ فقبض ولم يقبلها فلما ولي عثمان رضي الله عنه أتاه فقال : اقبل صدقتي فقال لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك ؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان .
فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77)
فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون
وقوله تعالى "بما أخلفوا الله ما وعدوه" الآية .
أي أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم كما في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" وله شواهد كثيرة والله أعلم .
ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78)
ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب
وقوله "ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم الآية ."
يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها فإن الله أعلم بهم من أنفسهم لأنه تعالى علام الغيوب أي يعلم كل غيب وشهادة وكل سر ونجوى ويعلم ما ظهر وما بطن .
الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79)
الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا
يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم
وهذا أيضا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمن هم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء وإن جاء بشيء يسير قالوا إن الله لغني عن صدقة هذا .
كما روى البخاري حدثنا عبيد الله بن سعيد حدثنا أبو النعمان البصري حدثنا شعبة عن سليمان عن أبي وائل عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا مراء وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا إن الله لغني عن صدقة هذا .
فنزلت "الذين يلمزون المطوعين" الآية .
وفي رواية مسلم أيضا في صحيحه من حديث شعبة به وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد الجريري عن أبي السليل قال : وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال : حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع وهو يقول من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة "قال فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين وأنا أريد أن أتصدق بهما فأدركني ما يدرك ابن آدم فعقدت على عمامتي ."
فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلا أشد منه سوادا ولا أصغر منه ولا أذم ببعير ساقه لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها .
فقال يا رسول الله
أصدقة ؟ قال "نعم" قال دونك هذه الناقة قال فلمزه رجل فقال هذا يتصدق بهذه والله لهي خير منه .
قال فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "كذبت بل هو خير منك ومنها" ثلاث مرات ثم قال "ويل لأصحاب المئين من الإبل" ثلاثا قالوا إلا من يا رسول الله ؟ قال "إلا من قال بالمال هكذا وهكذا" وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ثم قال "قد أفلح المزهد المجهد" ثلاثا .
المزهد في العيش المجهد في العبادة وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام فقال بعض المنافقين والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء وقالوا إن الله ورسوله لغنيان عن هذا الصاع .
وقال العوفي عن ابن عباس إن رسول الله خرج إلى الناس يوما فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم فجمع الناس صدقاتهم ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر فقال يا رسول الله هذا صاع من تمر بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقات فسخر منه رجال وقالوا إن الله ورسوله لغنيان عن هذا وما يصنعون بصاعك من شيء ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل بقي أحد من أهل الصدقات ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "لم يبق أحد غيرك" فقال له عبد الرحمن بن عوف فإن عندي مائة أوقية من الذهب في الصدقات فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمجنون أنت ؟ قال ليس بي جنون قال أفعلت ما فعلت ؟ قال نعم مالي ثمانية آلاف أما أربعة آلاف فأقرضها ربي وأما أربعة آلاف فلي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت" ولمزه المنافقون فقالوا والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء وهم كاذبون إنما كان به متطوعا فأنزل الله عز وجل عذره وعذر صاحبه المسكين الذي
جاء بالصاع من التمر فقال تعالى في كتابه "الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات" الآية .
وهكذا روي عن مجاهد وغير واحد وقال ابن إسحاق كان من المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعة آلاف درهم وعاصم بن عدي أخو بني العجلان وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الصدقة وحض عليها فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف وقام عاصم بن عدي وتصدق بمائة وسق من تمر فلمزوهما وقالوا ما هذا إلا رياء وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة فتضاحكوا به فقالوا إن الله لغني عن صاع أبي عقيل وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا طالوت بن عباد حدثنا أبو عوانة عن عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا قال فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال يا رسول الله عندي أربعة آلاف ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك الله فيك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر فقال يا رسول الله أصبت صاعين من تمر صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي قال فلمزه المنافقون وقالوا ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء وقالوا ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا ؟ فأنزل الله "الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم" الآية .
ثم رواه عن أبي كامل عن أبي عوانة عن عمرو بن أبي سلمة عن أبيه مرسلا
قال قال ولم يسنده أحد إلا طالوت وقال الإمام أبو جعفر بن جرير حدثنا ابن وكيع حدثنا زيد بن الحباب عن موسى عن عبيد حدثني خالد بن يسار عن ابن أبي عقيل عن أبيه قال بت أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به وجئت بالآخر أتقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتيته فأخبرته فقال انثره في الصدقة قال فسخر القوم وقالوا لقد كان الله غنيا عن صدقة هذا المسكين فأنزل الله الذين يلمزون المطوعين .
الآيتين .
وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن الحباب به وقال اسم أبي عقيل حباب ويقال عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة وقوله فيسخرون منهم سخر الله منهم هذا من باب المقابلة على صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين لأن الجزاء من جنس العمل فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصارا للمؤمنين في الدنيا وأعد للمنافقين في الآخرة عذابا أليما لأن الجزاء من جنس العمل .
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80)
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين
يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وقد قيل إن السبعين إنما ذكرت حسما لمادة الاستغفار لهم لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها وقيل بل لها مفهوم كما روى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية أسمع ربي قد رخص لي فيهم فوالله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم فقال الله من شدة غضبه "سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم" الآية وقال الشعبي لما ثقل عبد الله بن أبي انطلق ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي قد احتضر وأحب أن تحضره وتصلي عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما اسمك قال الحباب بن عبد الله قال بل أنت عبد الله بن عبد الله إن الحباب اسم شيطان فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عرق وصلى عليه فقيل له أتصلي عليه ؟ فقال : إن الله قال إن تستغفر لهم سبعين مرة ولأستغفرن لهم سبعين وسبعين وسبعين وكذا روي عن عروة بن الزبير ومجاهد بن جبير وقتادة بن دعامة ورواه ابن جرير بأسانيده
فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون (81)
فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون
يقول تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وفرحوا بقعودهم بعد خروجه "وكرهوا أن يجاهدوا" معه "بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا" أي بعضهم لبعض "لا تنفروا في الحر" وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر عند طيب الظلال والثمار فلهذا قالوا "لا تنفروا في الحر" قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم "قل" لهم "نار جهنم" التي تصيرون إليها بمخالفتكم "أشد حرا" مما فررتم منه من الحر بل أشد حرا من النار كما قال الإمام مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال .
"نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءا من نار جهنم" فقالوا يا رسول الله إن كانت لكافية فقال "فضلت عليها بتسعة وستين جزءا" أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به وقال الإمام أحمد حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وضربت في البحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" .
وهذا أيضا إسناده صحيح
وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس الدوري وعن يحيى بن أبي بكير عن شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أوقد الله على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء كالليل المظلم" ثم قال الترمذي لا أعلم أحدا رفعه غير يحيى .
كذا قال وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن إبراهيم بن محمد عن محمد بن الحسين بن مكرم عن عبيد الله بن سعيد عن عمه عن شريك وهو ابن عبد الله النخعي به وروى أيضا ابن مردويه من رواية مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس قال تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "نارا وقودها الناس والحجارة" قال "أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى احمرت وألف عام حتى اسودت فهي سوداء كالليل لا يضيء لهيبها" .
وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث تمام بن نجيح وقد اختلف فيه عن الحسن عن أنس رفعه "لو أن شرارة بالمشرق - أي من نار جهنم - لوجد حرها من بالمغرب" .
وروى الحافظ أبو يعلى عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن أبي عبيدة الحداد عن هشام بن حسان عن محمد بن شبيب عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه" غريب .
وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل لا يرى أن أحدا من أهل النار أشد عذابا منه وإنه أهونهم عذابا" .
أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش وقال مسلم أيضا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثنا زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أدنى أهل النار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه" وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى عن ابن عجلان سمعت أبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن أدنى أهل النار عذابا رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه" وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط مسلم والله أعلم والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة وقال الله تعالى في كتابه العزيز "كلا إنها لظى نزاعة للشوى" وقال تعالى "يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق" وقال تعالى "إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب" وقال تعالى في هذه الآية الكريمة "قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون" أي لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر ليتقوا به من حر جهنم
الذي هو أضعاف هذا ولكنهم كما قال الآخر :
كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقال الآخر :
عمرك بالحمية أفنيته ... خوفا من البارد والحار
وكان أولى لك أن تتقي ... من المعاصي حذر النار
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82)
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون
ثم قال تعالى جل جلاله متوعدا هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا فليضحكوا قليلا .
الآية قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاءوا فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله عز وجل استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا وكذا قال أبو رزين والحسن وقتادة والربيع بن خثيم وعون العقيلي وزيد بن أسلم وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش حدثنا محمد بن جبير عن ابن المبارك عن عمران بن زيد حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفنا أزجيت فيها لجرت .
ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن يزيد الرقاشي
به وقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا حدثنا محمد بن العباس حدثنا حماد الجزري عن زيد بن رفيع رفعه قال : إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زمانا ثم بكوا القيح زمانا قال فتقول لهم الخزنة يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا هل تجدون اليوم من تستغيثون به ؟ قال فيرفعون أصواتهم يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشا وكنا طول الموقف عطاشا ونحن اليوم عطاش فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله .
فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم ثم يجيبهم إنكم ماكثون فييأسون من كل خير .
فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83)
فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين
يقول تعالى آمرا لرسوله عليه الصلاة والسلام "فإن رجعك الله" أي ردك الله من غزوتك هذه إلى طائفة منهم قال قتادة : ذكر لنا أنهم كانوا اثنى عشر رجلا فاستأذنوك للخروج أي معك إلى غزوة أخرى فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا أي تعزيزا لهم وعقوبة ثم علل ذلك بقوله إنكم رضيتم بالقعود أول مرة وهذا كقوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة .
الآية .
فإن جزاء السيئة السيئة بعدها كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها كقوله في عمرة الحديبية سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها .
الآية وقوله تعالى فاقعدوا مع الخالفين قال ابن عباس أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة وقال قتادة فاقعدوا مع الخالفين أي مع النساء قال ابن جرير وهذا لا يستقيم لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون ولو
أريد النساء لقال فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات ورجح قول ابن عباس رضي الله عنهما .
ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84)
ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون
أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من المنافقين وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا عليه وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين كما قال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله ابن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما خيرني الله فقال" استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم "وسأزيده على السبعين" قال إنه منافق .
قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل آية "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره" وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة حماد بن أسامة به .
ثم رواه البخاري عن إبراهيم بن المنذر عن أنس بن عياض عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به .
وقال فصلى عليه وصلينا معه وأنزل الله "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا" الآية .
وهكذا رواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله به
وقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه أيضا بنحو من هذا فقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا وكذا - يعدد أيامه - ؟ قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم حتى إذا أكثرت عليه قال "أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت قد قيل لي" استغفر لهم "الآية ."
لو أعلم أنى لو زدت على السبعين غفر له لزدت "قال ثم صلى عليه : ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه قال فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم ."
قال فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا" الآية .
فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل وهكذا رواه الترمذي في التفسير من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري به وقال حسن صحيح ورواه البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري به فذكر مثله وقال "أخر عني يا عمر" فلما أكثرت عليه قال "إني خيرت فاخترت ولو أعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها" قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف لم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره" الآية .
فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد حدثنا عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر قال : لما مات عبد الله بن أبي أتى ابنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نعير بهذا فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قد أدخل في حفرته فقال "أفلا قبل أن تدخلوه ؟" فأخرج من حفرته وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه ورواه النسائي عن أبي داود الحراني عن يعلى بن عبيد عن عبد الملك وهو ابن أبي سليمان به وقال البخاري حدثنا عبد الله بن عثمان أخبرنا ابن عيينة عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما أدخل في قبره فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه والله أعلم .
وقد رواه أيضا في غير موضع مسلم والنسائي من غير وجه عن سفيان بن عيينة به وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده حدثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا مجالد حدثنا عامر حدثنا جابر ح وحدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبد الرحمن بن مغراء الدوسي حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر قال لما مات رأس المنافقين - قال يحيى بن سعيد بالمدينة -
فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي أوصى أن يكفن بقميصك - وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء قال يحيى في حديثه - فصلى عليه وألبسه قميصه فأنزل الله تعالى "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره" - وزاد عبد الرحمن - : وخلع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه فأعطاه إياه ومشى فصلى عليه وقام على قبره فأتاه جبريل عليه السلام لما ولى قال "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره" وإسناده لا بأس به وما قبله شاهد له .
وقال الإمام أبو جعفر الطبري حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد حدثنا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي فأخذ جبريل بثوبه وقال ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره .
ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث يزيد الرقاشي وهو ضعيف وقال قتادة أرسل عبد الله ابن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض فلما دخل عليه قال له النبي صلى الله عليه وسلم أهلكك حب يهود قال يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على قبره فأنزل الله عز وجل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا .
الآية .
وقد ذكر بعض السلف أنما كساه قميصه لأن عبد الله ابن أبي لما قدم العباس طلب له قميص فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أبي لأنه كان ضخما طويلا ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم مكافأة له فالله أعلم ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|