عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 04-12-2025, 04:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,675
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(6)
سورة الأعراف .
من صـ 474 الى صــ 490
الحلقة (254)






عن ثابت عن أنس أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة"
"انفرد به مسلم وحدثني حجاج بن الشاعر حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنا سعيد بن أبي هلال المصري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال متى الساعة ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال" إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة "قال أنس : ذلك الغلام من أترابي وقال حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا عفان بن مسلم حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس قال : مر غلام للمغيرة بن شعبة وكان من أترابي فقال النبي صلى الله عليه وسلم" إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة "ورواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه عن عمرو بن عاصم عن همام بن يحيى عن قتادة عن أنس أن رجلا من أهل البادية قال يا رسول الله متى الساعة ؟ فذكر الحديث وفي آخره فمر غلام للمغيرة بن شعبة وذكره وهذا الإطلاق في هذه الروايات محمول على التقييد بساعتكم في حديث عائشة رضي الله عنها وقال ابن جريج : أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر" تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة "رواه"
مسلم .
وفي الصحيحين عن ابن عمر مثله قال ابن عمر : وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم انخرام ذلك القرن وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم أنبأنا العوام عن جبلة بن سحيم عن مؤثر بن عفازة عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى فتذكروا أمر الساعة - قال - فردوا أمرهم إلى إبراهيم عليه السلام فقال لا علم لي بها فردوا أمرهم إلى موسى فقال لا علم لي بها فردوا أمرهم إلى عيسى فقال عيسى : أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله عز"

وجل وفيما عهد إلي ربي عز وجل أن الدجال خارج - قال - ومعي قضيبان فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص قال فيهلكه الله عز وجل إذا رآني حتى إن الشجر والحجر يقول يا مسلم إن تحتي كافرا فتعال فاقتله قال فيهلكهم الله عز وجل ثم لا يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم قال فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيطئون بلادهم لا يأتون على شيء إلا أهلكوه ولا يمرون على ماء إلا شربوه قال : ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعو الله عز وجل عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم أي تنتن قال فينزل الله عز وجل المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر .
قال الإمام أحمد : قال يزيد بن هارون ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم ثم رجع إلى حديث هشيم قال : ففيما عهد إلي ربي عز وجل أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادتها ليلا أو نهارا "ورواه ابن ماجه عن بندار عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب بسنده نحوه فهؤلاء أكابر أولي العزم من المرسلين ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين وإنما ردوا الأمر إلى عيسى عليه السلام فتكلم على أشراطها لأنه ينزل في آخر هذه الأمة منفذا لأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتل المسيح الدجال ويجعل الله هلاك يأجوج ومأجوج ببركة دعائه فأخبر بما أعلمه الله تعالى به ."
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا عبد الله بن زياد بن لقيط قال : سمعت أبي يذكر عن حذيفة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال "علمها عند ربي عز وجل لا يجليها لوقتها إلا هو ولكن سأخبركم بمشاريطها"

وما يكون بين يديها إن بين يديها فتنة وهرجا "قالوا يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فما الهرج ؟ قال" بلسان الحبشة القتل "قال" ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدا "لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه وقال وكيع : حدثنا ابن أبي خالد عن طارق بن شهاب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت" يسألونك عن الساعة أيان مرساها "الآية ورواه النسائي من حديث عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد به وهذا إسناد جيد قوي فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وسلامه نبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة والعاقب والمقفي والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد رضي الله عنهما" بعثت أنا

والساعة كهاتين "وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها ومع هذا كله قد أمره الله أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها فقال" قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون "."
قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188)
قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون
أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه كما قال تعالى "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا" الآية وقوله "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير" قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير" قال لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملا صالحا وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد وقال مثله ابن جريج وفيه نظر لأن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ديمة وفي رواية كان إذا عمل عملا أثبته فجميع عمله كان على منوال واحد كأنه ينظر إلى الله عز وجل في جميع أحواله اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك والله أعلم .
والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير" أي من المال وفي رواية لعلمت إذا اشتريت شيئا ما أربح فيه شيئا إلا ربحت فيه ولا يصيبني الفقر .

وقال ابن جرير وقال آخرون : معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة ولوقت الغلاء من الرخص فاستعددت له من الرخص .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم "وما مسني السوء" قال لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات كما قال تعالى "فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا" .
هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (189)
هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين
ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام وأنه خلق منه زوجته حواء ثم انتشر الناس منهما.
كما قال تعالى "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" وقال تعالى "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها" الآية وقال في هذه الآية الكريمة "وجعل منها زوجها ليسكن إليها" أي ليألفها ويسكن بها كقوله تعالى "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" فلا ألفة بين روحين أعظم مما بين الزوجين ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه "فلما تغشاها" أي وطئها "حملت حملا خفيفا" وذلك أول الحمل لا تجد المرأة له ألما إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة وقوله "فمرت به" قال مجاهد استمرت بحمله وروي عن الحسن وإبراهيم النخعي والسدي نحوه وقال ميمون بن مهران عن أبيه استخفته

وقال أيوب : سألت الحسن عن قوله "فمرت به" قال : لو كنت رجلا عربيا لعرفت ما هي إنما هي فاستمرت به وقال قتادة "فمرت به" استبان حملها وقال ابن جرير : معناه استمرت بالماء قامت به وقعدت وقال العوفي عن ابن عباس : استمرت به فشكت أحملت أم لا "فلما أثقلت" أي صارت ذات ثقل بحملها وقال السدي : كبر الولد في بطنها "دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا" أي بشرا سويا .
كما قال الضحاك عن ابن عباس أشفقا أن يكون بهيمة وكذلك قال أبو البختري وأبو مالك : أشفقا أن لا يكون إنسانا.
وقال الحسن البصري لئن آتيتنا غلاما "لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون" يذكر المفسرون هاهنا آثارا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها ثم نتبع ذلك بيان الصحيح في ذلك إن شاء الله وبه الثقة .
قال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره"

وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار عن بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به ورواه الترمذي في تفسيره هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعا ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعا وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض عن عمر بن إبراهيم مرفوعا قلت وشاذ هو هلال وشاذ لقبه والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه "أحدها" أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري وقد وثقه ابن معين ولكن قال أبو حاتم

الرازي لا يحتج به ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا فالله أعلم.
"الثاني" أنه قد روي من قول سمرة نفسه ليس مرفوعا كما قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه حدثنا بكر بن عبد الله بن سليمان التيمي عن أبي العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب قال : سمى آدم ابنه عبد الحارث .
"الثالث" أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه .
قال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن "جعلا له شركاء فيما آتاهما" قال كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم وحدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر قال : قال الحسن عنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده يعني "جعلا له شركاء فيما آتاهما" وحدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال : كان الحسن يقول هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهما كما سيأتي بيانه إن شاء الله إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع والله أعلم.

فأما الآثار فقال محمد بن إسحاق بن يسار عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : كانت حواء تلد لآدم عليه السلام أولادا فيعبدهم لله ويسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت فأتاهما إبليس فقال إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش قال فولدت له رجلا فسماه عبد الحارث ففيه أنزل الله يقول "هو الذي خلقكم من نفس واحدة - إلى قوله - جعلا له شركاء فيما آتاهما" إلى آخر الآية وقال العوفي عن ابن عباس قوله في آدم "هو الذي خلقكم من نفس واحدة - إلى قوله - فمرت به" شكت حملت أم لا ؟ "فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين" فأتاهما الشيطان فقال هل تدريان ما يولد لكما ؟ أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا ؟ وزين لهما الباطل إنه غوي مبين وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا فقال لهما الشيطان إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويا ومات كما مات الأول فسميا ولدهما عبد الحارث .
فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190)
فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون
فذلك قول الله تعالى "فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما" الآية وقال عبد الله بن المبارك عن شرك عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله "فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما" قال : قال الله تعالى "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها" آدم "حملت" أتاهما إبليس لعنه الله فقال إنى صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقه ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما فسمياه عبد الحارث فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا ثم حملت يعني الثاني فأتاهما أيضا فقال أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت لتفعلن أو لأفعلن - يخوفهما - فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضا فذكر لهما فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث فذلك قوله تعالى "جعلا له شركاء فيما آتاهما" رواه ابن أبي حاتم .

وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر حدثنا سعيد يعني ابن بشير عن عقبة عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال : لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها أتطيعينني ويسلم لك ولدك سميه عبد الحارث فلم تفعل فولدت فمات ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل ثم حملت الثالثة فجاءها فقال إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبهما فأطاعا .
وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله "فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم"

وهذا الأثر هو القسم الثاني أو الثالث فيه نظر فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ولهذا قال الله "فتعالى الله عما يشركون" ثم قال فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس كقوله "ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح" الآية ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها ولهذا نظائر في القرآن والله أعلم.
أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191)
أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون
هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة لا تملك شيئا من الأمر ولا تضر ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر وعابدوها أكمل منها بسمعهم

وبصرهم وبطشهم ولهذا قال "أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون" أي أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئا ولا يستطيع ذلك كقوله تعالى "يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز" أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة بل لو سلبتهم الذبابة شيئا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا إنقاذه منها فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر ؟ ولهذا قال تعالى "لا يخلق شيئا وهم يخلقون" أي بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل "أتعبدون ما تنحتون" الآية .
ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192)
ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون
قال تعالى "ولا يستطيعون لهم نصرا" أي لعابديهم "ولا أنفسهم ينصرون" يعني ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء كما كان الخليل عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله "فراغ عليهم ضربا باليمين" وقال تعالى "فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون" وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك ويرتئوا لأنفسهم فكان لعمرو بن الجموح وكان سيدا في قومه صنم يعبده ويطيبه فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه بالعذرة فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له انتصر ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضا حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت ودلياه في حبل في بئر هناك فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل وقال :
تالله لو كنت إلها مستدن ... لم تك والكلب جميعا في قرن

ثم أسلم فحسن إسلامه وقتل يوم أحد شهيدا رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه .
وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (193)
وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون
وقوله "وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم" الآية يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها وسواء لديها من دعاها ومن دحاها كما قال إبراهيم يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا .
إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194)
إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين
ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم .
ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195)
ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون
بل الأناس أكمل منها لأنها تسمع وتبصر وتبطش وتلك لا تفعل شيئا من ذلك وقوله "قل ادعوا شركاءكم" الآية أي استنصروا بها علي فلا تؤخروني طرفة عين واجهدوا جهدكم .
إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196)
إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين
"إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين" أي الله حسبي وكافيني وهو نصيري وعليه متكلي وإليه ألجأ وهو وليي في الدنيا والآخرة وهو ولي كل صالح بعدي وهذا كما قال هود عليه السلام لما قال له قومه "إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظروني إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" وكقول الخليل "أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهديني" الآيات وكقوله لأبيه وقومه "إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهديني وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون" .
والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197)
والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون
قوله "والذين تدعون من دونه" إلى آخر الآية مؤكد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذاك بصيغة الغيبة ولهذا قال "لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون" .

وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198)
وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون
قوله "وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون" كقوله تعالى "إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم" الآية وقوله "وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون" إنما قال "ينظرون إليك" أي يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد ولهذا عاملهم معاملة من يعقل لأنها على صور مصورة كالإنسان وتراهم ينظرون إليك فعبر عنها بضمير من يعقل وقال السدي : المراد بهذا المشركون وروي عن مجاهد نحوه والأول أولى وهو اختيار ابن جرير وقاله قتادة .
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199)
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله "خذ العفو" يعني خذ ما عفي لك من أموالهم وما أتوك به من شيء فخذه وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت إليه الصدقات قاله السدي وقال الضحاك عن ابن عباس "خذ العفو" أنفق الفضل وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس "خذ العفو" قال الفضل وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله "خذ العفو" أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين ثم أمره بالغلظة عليهم واختار هذا القول ابن جرير وقال غير واحد عن مجاهد في قوله تعالى "خذ العفو" قال من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس وقال هشام بن عروة عن أبيه أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وفي رواية قال خذ ما عفي لك من أخلاقهم

وفي صحيح البخاري عن هشام عن أبيه عروة عن أخيه عبد الله بن الزبير قال : إنما أنزل خذ العفو من أخلاق الناس وفي رواية لغيره عن هشام عن أبيه عن ابن عمر وفي رواية عن هشام عن أبيه عن عائشة أنهما قالا مثل ذلك والله أعلم .

وفي رواية سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن هشام عن وهب بن كيسان عن أبي الزبير : خذ العفو قال من أخلاق الناس والله لآخذنه منهم ما صحبتهم وهذا أشهر الأقوال ويشهد له ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا حدثنا يونس حدثنا سفيان هو ابن عيينة عن أبي قال : لما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما هذا يا جبريل ؟ قال إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك" وقد رواه ابن أبي حاتم أيضا عن أبي يزيد القراطيسي كتابة عن أصبغ بن الفرج عن سفيان عن أبي عن الشعبي نحوه وهذا مرسل على كل حال وقد روي له شواهد


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]