عرض مشاركة واحدة
  #253  
قديم 04-12-2025, 05:31 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,764
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(6)
سورة الأعراف .
من صـ 457 الى صــ 473
الحلقة (253)






ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا أي ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة فمن خرج عن حيز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه واتبع هواه صار شبيها بالكلب وبئس المثل مثله وهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" وقوله "وأنفسهم كانوا يظلمون" أي ما ظلمهم الله ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى وطاعة المولى إلى الركون إلى دار البلى والإقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى .
من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178)
من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون
يقول تعالى من هداه الله فإنه لا مضل له ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة فإنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولهذا جاء في حديث ابن مسعود : "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم

ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (179)
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون
يقول تعالى "ولقد ذرأنا لجهنم" أي خلقنا وجعلنا لجهنم "كثيرا من الجن والإنس" أي هيأناهم لها وبعمل أهلها يعملون فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" .
وفي صحيح مسلم أيضا من حديث عائشة بنت طلحة عن خالتها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت : دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أوغير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم"

وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود "ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد" وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال "هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي" والأحاديث في هذا كثيرة ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها وقوله تعالى "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها" يعني ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية كما قال تعالى "وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله" الآية وقال تعالى "صم بكم عمي فهم لا يرجعون" هذا في حق المنافقين وقال في حق الكافرين "صم بكم عمي فهم لا يعقلون" ولم يكونوا صما ولا بكما ولا عميا إلا عن الهدى كما قال تعالى "ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون" وقال "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" وقال "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون" وقوله تعالى "أولئك كالأنعام" أي هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يقيتها من ظاهر الحياة الدنيا كقوله تعالى "ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء" أي ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته ولا تفقه ما يقول ولهذا قال في هؤلاء "بل هم أضل" أي من الدواب لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أيس بها وإن لم تفقه كلامه بخلاف هؤلاء ولأنها تفعل ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها بخلاف
الكافر فإنه إنما خلق

ليعبد الله ويوحده فكفر بالله وأشرك به ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده ومن كفر به من البشر كانت الدواب أتم منه ولهذا قال تعالى "أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" .
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180)
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لله تسعا وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر" أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عنه ورواه البخاري عن أبى اليمان عن شعيب عن أبي حمزة عن أبي الزناد به وأخرجه الترمذي في جامعه عن الجوزجاني عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن شعيب فذكر بسننه مثله وزاد بعد قوله "يحب الوتر" : هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد الفرد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي

المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرءوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور "ثم قال الترمذي هذا حديث غريب وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق صفوان به وقد رواه ابن ماجه في سننه من طريق آخر عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا فسرد الأسماء كنحو مما تقدم بزيادة ونقصان والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه وإنما ذلك"
ملحوظة صفحة462 غارغة
كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك أي أنهم جمعوها من القرآن كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي والله أعلم ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن

القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه قال "ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدل مكانه فرحا" فقيل يا رسول الله أفلا نتعلمها ؟ فقال "بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها" وقد أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه بمثله وذكر الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم فالله أعلم وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى "وذروا الذين يلحدون في أسمائه" قال

إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء الله وقال ابن جريج عن مجاهد "وذروا الذين يلحدون في أسمائه" قال اشتقوا اللات من الله والعزى من العزيز وقال قتادة : يلحدون : يشركون في أسمائه .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : الإلحاد التكذيب وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد والميل والجور والانحراف ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر .
وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181)
وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون
يقول تعالى "وممن خلقنا" أي بعض الأمم "أمة" قائمة بالحق قولا وعملا "يهدون بالحق" يقولونه ويدعون إليه "وبه يعدلون" يعملون ويقضون وقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية قال سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية "هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها" "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في قوله تعالى "وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل"

وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة" وفي رواية "حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" وفي رواية "وهم بالشام" .
والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182)
والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون
يقول تعالى "والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" ومعناه أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء .
كما قال تعالى "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين" .
وأملي لهم إن كيدي متين (183)
وأملي لهم إن كيدي متين
قال تعالى "وأملي لهم" أي وسأملي لهم أي أطول لهم ما هم فيه "إن كيدي متين" أي قوي شديد .
أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184)
أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين
يقول تعالى "أولم يتفكروا" هؤلاء المكذبون بآياتنا "ما بصاحبهم" يعني محمدا صلى الله عليه وسلم "من جنة" أي ليس به جنون بل هو رسول الله حقا دعا إلى حق "إن هو إلا نذير مبين" أي ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به كما قال تعالى "وما صاحبكم بمجنون" وقال تعالى "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد" يقول إنما أطلب منكم أن تقوموا قياما خالصا لله ليس فيه تعصب ولا عناد مثنى وفرادى أي مجتمعين ومتفرقين ثم تتفكروا في هذا الذي جاءكم بالرسالة من الله أبه جنون أم لا فإنكم إذا فعلتم ذلك بان لكم وظهر أنه

وقال قتادة بن دعامة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان على الصفا فدعا قريشا فجعل يفخذهم فخذا فخذا يا بني فلان يا بني فلان فحذرهم بأس الله ووقائع الله فقال قائلهم إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح فأنزل الله تعالى "أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين" .
أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185)
أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون
يقول تعالى : أولم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه في السماوات والأرض وفيما خلق من شيء فيهما فيتدبروا ذلك ويعتبروا به ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه ومن فعل من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له فيؤمنوا به ويصدقوا رسوله وينيبوا إلى طاعته ويخلعوا الأنداد والأوثان ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فيهلكوا على كفرهم ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه وقوله "فبأي حديث بعده يؤمنون" يقول فبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد صلى الله عليه وسلم وترهيبه الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه يصدقون إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند الله عز وجل ؟ وقد روى الإمام أحمد عن حسن بن موسى وعثمان بن مسلم وعبد الصمد بن

عبد الوارث كلهم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي الصلت عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأيت ليلة أسري بي كذا فلما انتهينا إلى السماء السابعة فنظرت فوقي فإذا أنا برعد وبرق وصواعق" وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم قلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء أكلة الربا فلما نزلت إلى السماء الدنيا فنظرت إلى أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت ما هذا يا جبريل ؟ قال هؤلاء الشياطين يحومون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض ولولا ذلك لرأوا العجائب "علي بن زيد بن جدعان له منكرات ."
ثم قال تعالى : .
من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186)
من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون
يقول تعالى من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد ولو نظر لنفسه فيما نظر قاله لا يجزي عنه شيئا "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا" وكما قال تعالى "قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون" .
يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187)
يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون
يقول تعالى "يسألونك عن الساعة" كما قال تعالى "يسألك الناس عن الساعة"

قيل نزلت في قريش وقيل في نفر من اليهود والأول أشبه لأن الآية مكية وكانوا يسألون عن وقت الساعة استبعادا لوقوعها وتكذيبا بوجودها كما قال تعالى "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" وقال تعالى "يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد" وقوله "أيان مرساها" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس منتهاها أي متى محطها وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة "قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو" أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن وقت الساعة أن يرد علمها إلى الله تعالى فإنه هو الذي يجليها لوقتها أي يعلم جلية أمرها ومتى يكون على التحديد لا يعلم ذلك إلا هو تعالى ولهذا قال "ثقلت في السماوات والأرض" قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله "ثقلت في السماوات والأرض" قال ثقل علمها على أهل السماوات والأرض أنهم لا يعلمون .
قال معمر قال الحسن : إذا جاءت ثقلت على أهل السماوات والأرض يقول كبرت عليهم وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله "ثقلت في السماوات والأرض" قال ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة وقال ابن جريج "ثقلت في السماوات والأرض" قال إذا جاء انشقت السماء , وانتثرت النجوم وكورت الشمس وسيرت الجبال وكان ما قاله الله عز وجل فذلك ثقلها واختار ابن جرير رحمه الله أن المراد ثقل علم وقتها على أهل السماوات والأرض كما قال قتادة

وهو كما قالاه كقوله "لا تأتيكم إلا بغتة" ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السماوات والأرض والله أعلم .
وقال السدي "ثقلت في السماوات والأرض" يقول خفيت في السماوات والأرض فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل "لا تأتيكم إلا بغتة" يبغتهم قيامها تأتيهم على غفلة .
وقال قتادة في قوله تعالى "لا تأتيكم إلا بغتة" قضى الله أنها "لا تأتيكم إلا بغتة" قال وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه" وقال البخاري : حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب أنبأنا أبو الزناد عن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها" وقال مسلم في صحيحه حدثني زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به قال تقوم الساعة

والرجل يحلب لقحته فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم الساعة والرجل يلوط حوضه فما يصدر حتى تقوم .
وقوله "يسألونك كأنك حفي عنها" اختلف المفسرون في معناه فقيل معناه كما قال العوفي عن ابن عباس "يسألونك كأنك حفي عنها" يقول كأن بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم قال ابن عباس لما سأل الناس النبي صلى الله عليه وسلم الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدا حفي بهم فأوحى الله إليه إنما علمها عنده استأثر به فلم يطلع الله عليها ملكا مقربا ولا رسولا وقال قتادة : قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة فقال الله عز وجل "يسألونك كأنك حفي عنها" وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك والسدي وهذا قول والصحيح عن مجاهد من رواية ابن أبي نجيح وغيره "يسألونك كأنك حفي عنها" قال استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها وكذا قال الضحاك عن ابن عباس "يسألونك كأنك حفي عنها" يقول كأنك عالم بها لست تعلمها "قل إنما علمها عند الله" وقال معمر عن بعضهم "كأنك حفي عنها" كأنك عالم بها وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم "كأنك حفي عنها" كأنك بها عالم وقد أخفى الله علمها على خلقه وقرأ "إن الله عنده علم الساعة" الآية وهذا القول أرجح في المقام من الأول والله أعلم .
ولهذا قال "قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون" ولهذا لما جاء جبريل عليه السلام في صورة أعرابي ليعلم الناس أمر دينهم فجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس السائل المسترشد وسأله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ثم عن الإيمان .
ثم عن الإحسان .
ثم قال فمتى الساعة ؟ قال له رسول الله صلى الله

عليه وسلم "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" أي لست أعلم بها منك ولا أحد أعلم بها من أحد ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله عنده علم الساعة" الآية وفي رواية فسأله عن أشراط الساعة فبين له أشراط الساعة ثم قال "في خمس لا يعلمهن إلا الله" وقرأ هذه الآية وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب صدقت ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله يصدقه ثم لما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" وفي رواية قال "وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا صورته هذه" وقد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال يا محمد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "هاؤم" على نحو من صوته قال يا محمد متى الساعة ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها" قال ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولكن أحب الله ورسوله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "المرء مع من أحب" فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث

وهذا له طرق متعددة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "المرء مع من أحب" وهي متواترة عند كثير من الحفاظ المتقنين ففيه أنه عليه السلام كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم وهو الاستعداد لوقوع ذلك والتهيؤ له قبل نزوله وإن لم يعرفوا تعيين وقته ولهذا قال مسلم في صحيحه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة متى الساعة فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول "إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم" يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة ثم قال مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يونس بن محمد عن حماد بن سلامة




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.46 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.57%)]