
03-12-2025, 09:21 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,411
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (5)
سورة الأعراف .
من صـ 478 الى صــ 480
الحلقة (248)
والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (153)
والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم
قوله "والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك" أي يا محمد يا رسول التوبة ونبي الرحمة "من بعدها" أي من بعد تلك الفعلة "لغفور رحيم" .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا أبان ثنا قتادة عن عزرة عن الحسن العرني عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن ذلك يعني عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها فتلا هذه الآية "والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم" فتلاها عبد الله عشر مرات فلم يأمرهم بها ولم ينههم عنها .
ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون (154)
ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون
يقول تعالى "ولما سكت عن موسى الغضب" أي غضبه على قومه "أخذ الألواح" أي التي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل غيرة لله وغضبا له "وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون" يقول كثير من المفسرين إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك ولهذا قال بعض السلف فوجد فيها هدى ورحمة وأما التفصيل فذهب وزعموا أن رضاضها لم يزل موجودا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية والله أعلم بصحة هذا.
وأما الدليل الواضح على أنها تكسرت حين ألقاها وهي من جوهر الجنة فقد أخبر تعالى أنه لما أخذها بعدما ألقاها وجد فيها "هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون" ضمن الرهبة معنى الخضوع ولهذا عداها باللام .
وقال قتادة في قوله تعالى "أخذ الألواح" قال رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد : قال رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون أي آخرون في الخلق سابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد .
قال رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم قال رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد .
قال رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلون الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها وكان من قبلهم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله نارا فأكلتها وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم قال رب فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد .
قال رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد .
قال رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفوعون والمشفوع لهم فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد .
قال قتادة فذكر لنا أن نبي الله موسى نبذ الألواح وقال اللهم اجعلني من أمة أحمد .
واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين (155)
واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختار سبعين رجلا فبرزهم ليدعوا ربهم وكان فيما دعوا الله قالوا : اللهم أعطنا ما لم تعط أحدا قبلنا ولا تعطه أحدا بعدنا فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة "قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي" الآية .
وقال السدي إن الله أمر موسى أن يأتيه في ثلاثين من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدا "واختار موسى قومه سبعين رجلا" على عينيه ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا "لن نؤمن لك" يا موسى "حتى نرى الله جهرة" فإنك قد كلمته فأرناه "فأخذتهم الصاعقة" فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم "رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي" وقال محمد بن إسحاق اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وطهروا ثيابكم فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم فقال السبعون - فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه - لموسى اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم ادنوا وكان موسى إذا كلم الله وقع على جبهة موسى نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا وقعوا سجودا سمعوه وهو يكلم يأمره وينهاه افعل ولا تفعل فلما فرغ إليه من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا يا موسى "لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفة" وهي الصاعقة فالتقت أرواحهم فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول "رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي" قد سفهوا أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل.
وقال سفيان الثوري حدثني أبو إسحاق عن عمارة بن عبيد السلولي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : انطلق موسى وهارون وشبر وشبير فانطلقوا إلى سفح جبل فقام هارون على سرير فتوفاه الله عز وجل فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له أين هارون قال توفاه الله عز وجل قالوا أنت قتلته حسدتنا على خلقه ولينه أو كلمة نحوها قال فاختاروا من شئتم قال فاختاروا سبعين رجلا قال فذلك قوله تعالى "واختار موسى قومه سبعين رجلا" فلما انتهوا إليه قالوا يا هارون من قتلك قال ما قتلني أحد ولكن توفاني الله قالوا يا موسى لن تعصى بعد اليوم فأخذتهم الرجفة قال فجعل موسى عليه السلام يرجع يمينا وشمالا وقال يا رب "لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء" قال فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم هذا أثر غريب جدا وعمارة بن عبيد هذا لا أعرفه وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق عن رجل من بني سلول عن علي فذكره وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جرير أنهم أخذتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل ولا نهوهم ويتوجه هذا القول بقول موسى "أتهلكنا بما فعل السفهاء منا" وقوله "إن هي إلا فتنتك" أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية وربيع بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف ولا معنى له غير ذلك يقول إن الأمر إلا أمرك وإن الحكم إلا لك فما شئت كان تضل من تشاء وتهدي من تشاء ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت فالملك كله لك والحكم كله لك لك الخلق والأمر وقوله "أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين" الغفر هو الستر وترك المؤاخذة بالذنب والرحمة إذا قرنت مع الغفر يراد بها أن لا يوقعه في مثله في المستقبل "وأنت خير الغافرين" أن لا يغفر الذنوب إلا أنت .
واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (156)
واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون
"واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة" الفصل الأول من الدعاء دفع لمحذور وهذا لتحصيل المقصود "واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة" أي أوجب لنا وأثبت لنا فيهما حسنة وقد تقدم تفسير الحسنة في سورة البقرة "إنا هدنا إليك" أي تبنا ورجعنا وأنبنا إليك قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية والضحاك وإبراهيم التيمي والسدي وقتادة وغير واحد وهو كذلك لغة وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا أبي عن شريك عن جابر عن عبد الله بن يحيى عن علي قال إنما سميت اليهود لأنهم قالوا "إنا هدنا إليك" جابر بن يزيد الجعفي ضعيف .
يقول تعالى مجيبا لنفسه في قوله "إن هي إلا فتنتك" الآية .
قال "عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء" أي أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد ولي الحكمة والعدل في كل ذلك سبحانه لا إله إلا هو وقوله تعالى "ورحمتي وسعت كل شيء" الآية عظيمة الشمول والعموم كقوله تعالى إخبارا عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما" .
وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا أبي حدثنا الجريري عن أبي عبد الله الجشمي حدثنا جندب هو ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها ثم نادى اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتقولون هذا أضل أم بعيره ألم تسمعوا ما قال ؟" قالوا بلى قال "لقد حظرت الرحمة الواسعة إن الله عز وجل خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها وأخر عنده تسعا وتسعين رحمة أتقولون هو أضل أم بعيره ؟" .
رواه أحمد وأبو داود عن علي بن نصر عن عبد الصمد بن عبد الوارث به وقال أحمد أيضا حدثنا يحيى بن سعيد عن سليمان عن أبي عثمان عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن لله عز وجل مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة" .
تفرد بإخراجه مسلم فرواه من حديث سليمان هو ابن طرخان وداود بن أبي هند كلاهما عن أبي عثمان واسمه عبد الرحمن بن مل عن سلمان هو الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم به وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن لله مائة رحمة عنده تسعة وتسعون وجعل عندكم واحدة تتراحمون بها بين الجن والإنس وبين الخلق فإذا كان يوم القيامة ضمها إليه" تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لله مائة رحمة فقسم منها جزءا واحدا بين الخلق به يتراحم الناس والوحش والطير" .
ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن الأعمش به وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن يونس حدثنا سعد أبو غيلان الشيباني عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن صلة بن زفر عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه الأحمق في معيشته والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه" .
هذا حديث غريب جدا وسعد هذا لا أعرفه وقوله "فسأكتبها للذين يتقون" الآية .
يعني فسأوجب حصول رحمتي منة مني وإحسانا إليهم كما قال تعالى "كتب ربكم على نفسه الرحمة" وقوله "للذين يتقون" أي سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات وهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم "الذين يتقون" أي الشرك والعظائم من الذنوب قوله "ويؤتون الزكاة" قيل زكاة النفوس وقيل الأموال ويحتمل أن تكون عامة لهما فإن الآية مكية "والذين هم بآياتنا يؤمنون" أي يصدقون .
الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157)
الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون
"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل" وهذه صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتب الأنبياء بشروا أممهم ببعثه وأمروهم بمتابعته ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم.
كما روى الإمام أحمد حدثنا إسماعيل عن الجريري عن أبي صخر العقيلي حدثني رجل من الأعراب قال جلبت حلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغت من بيعي قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه قال فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي ؟" فقال برأسه هكذا أي لا فقال ابنه إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فقال "أقيموا اليهودي عن أخيكم" ثم تولى كفنه والصلاة عليه هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح عن أنس وقال الحاكم صاحب المستدرك أخبرنا محمد بن عبد الله بن إسحاق البغوي حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس حدثنا عبد الله بن إدريس عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام فخرجنا حتى قدمنا الغوطة يعني غوطة دمشق فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني فدخلنا عليه فإذا هو على سرير له فأرسل إلينا برسوله نكلمه فقلنا والله لا نكلم رسولا وإنما بعثنا إلى الملك فإن أذن لنا كلمناه وإلا لم نكلم الرسول فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك قال فأذن لنا فقال تكلموا فكلمه هشام بن العاص ودعاه إلى الإسلام فإذا عليه ثياب سود فقال له هشام وما هذه التي عليك ؟ فقال لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام قلنا ومجلسك هذا والله لآخذنه منك ولآخذن ملك الملك الأعظم إن شاء الله أخبرنا بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال "لستم بهم بل هم قوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل فكيف صومكم ؟ فأخبرناه فملئ وجهه سوادا فقال قوموا وبعث معنا رسولا إلى الملك فخرجنا حتى إذا كنا قريبا من المدينة قال لنا الذي معنا إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال قلنا والله لا ندخل إلا عليها فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك فأمرهم أن ندخل على رواحلنا فدخلنا عليها متقلدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة له"
فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا فقلنا لا إله إلا الله والله أكبر فالله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح .
قال فأرسل إلينا ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم وأرسل إلينا أن ادخلوا فدخلنا عليه وهو على فراش له وعنده بطارقة من الروم وكل شيء في مجلسه أحمر وما حوله حمرة وعليه ثياب من الحمرة فدنونا منه فضحك فقال ما عليكم لو جئتموني بتحيتكم فيما بينكم ؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية كثير الكلام فقلنا إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك وتحيتك التي تحيا بها لا يحل لنا أن نحييك بها قال كيف تحيتكم فيما بينكم ؟ قلنا السلام عليك قال فكيف تحيون ملككم ؟ قلنا بها قال فكيف يرد عليكم ؟ قلنا بها قال فما أعظم كلامكم ؟ قلنا لا إله إلا الله والله أكبر فلما تكلمنا بها والله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها قال فهذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضت الغرفة أكلما قلتموها في بيوتكم انتفضت عليكم غرفكم قلنا لا ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك قال لوددت أنكم كلما قلتم انتفض كل شيء عليكم وإني قد خرجت من نصف ملكي قلنا لم ؟ قال لأنه كان أيسر لشأنها وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة وأنها تكون من حيل الناس ثم سألنا عما أراد فأخبرناه ثم قال كيف صلاتكم وصومكم ؟ فأخبرناه فقال قوموا فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير فأقمنا ثلاثا فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأعدناه ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب ففتح بيتا وقفلا فاستخرج حريرة سوداء فنشرناها فإذا فيها صورة حمراء وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه وإذا ليست له لحية وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله فقال أتعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا آدم عليه السلام وإذا هو أكثر الناس شعرا ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء وإذا له شعر كشعر القطط أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية فقال هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا نوح عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج حريرة سوداء وإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين طويل الخد أبيض اللحية كأنه يبتسم فقال هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا إبراهيم عليه السلام ثم فتح بابا آخر فإذا فيه صورة بيضاء وإذا والله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتعرفون هذا ؟ قلنا نعم هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وبكينا قال والله
يعلم أنه قام قائما ثم جلس وقال والله إنه لهو قلنا نعم إنه لهو كأنك تنظر إليه فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال أما إنه كان آخر البيوت ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة أدماء سحماء وإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان متقلص الشفة كأنه غضبان فقال هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا موسى عليه السلام وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه مدهان الرأس عريض الجبين في عينيه قبل فقال هل تعرقون هذا ؟ قلنا لا قال هذا هارون بن عمران عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان فقال هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا لوط عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة أقنى خفيف العارضين حسن الوجه فقال هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا إسحاق عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته خال فقال هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا يعقوب عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف في وجهه الخشوع يضرب إلى الحمرة قال هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا إسماعيل جد نبيكم صلى الله عليه وسلم ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة كصورة آدم كأن وجهه الشمس فقال هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا يوسف عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أحمر حمش الساقين أخفش العينين ضخم البطن ربعة متقلد سيفا فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا داود عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل ضخم الأليتين طويل الرجلين راكب فرسا فقال هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا سليمان بن داود عليهما السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء وإذا شاب شديد سواد اللحية كثير الشعر حسن العينين حسن الوجه فقال هل تعرفون هذا ؟ قلنا لا قال هذا عيسى ابن مريم عليه السلام قلنا من أين لك هذه الصور لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء عليهم السلام لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله فقال إن
آدم عليه السلام سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم فكانت في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال ثم قال أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي وإني كنت عبدا لأشرككم ملكه حتى أموت ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا فلما أتينا أبا بكر الصديق رضي الله عنه فحدثناه بما أرانا وبما قال لنا وما أجازنا قال فبكى أبو بكر وقال مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل ثم قال أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم وهكذا أورده الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي رحمه الله في كتاب دلائل النبوة عن الحاكم إجازة فذكره وإسناده لا بأس به .
وقال ابن جرير حدثنا المثنى حدثنا عثمان بن عمر حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا" وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي اسمك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح به قلوبا غلفا وآذانا صما وأعينا عميا .
قال عطاء ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلف حرفا إلا أن كعبا قال بلغته قال قلوبا غلوفيا وآذانا صموميا وأعينا عموميا .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|