
03-12-2025, 08:08 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (5)
سورة الأعراف .
من صـ 471 الى صــ 474
الحلقة (244)
قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88)
قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا
هذا خبر من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبيه شعيبا ومن معه من المؤمنين في توعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه وهذا خطاب مع الرسول والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة وقوله "أولو كنا كارهين" يقول أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه فإنا إن رجعنا إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أندادا وهذا تنفير منه من اتباعهم.
قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89)
قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين
"وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا" وهذا رد إلى الله مستقيم فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علما "على الله توكلنا" أي في أمورنا ما نأتي منها وما نذر "ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق" أي احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم "وأنت خير الفاتحين" أي خير الحاكمين فإنك العادل الذي لا يجور أبدا .
وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90)
وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون
يخبر تعالى عن شدة كفرهم وتمردهم وعتوهم وما هم فيه من الضلال وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق ولهذا أقسموا وقالوا "لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون" .
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91)
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين
قوله "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين" أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة وذلك كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء كما أخبر عنهم في سورة هود فقال "ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين" والمناسبة هناك والله أعلم أنهم لما تهكموا به في قولهم "أصلاتك تأمرك" الآية .
فجاءت الصيحة فأسكتتهم وقال تعالى إخبارا عنهم في سورة الشعراء "فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم" وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة "فأسقط علينا كسفا من السماء" الآية "فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة وقد اجتمع عليهم ذلك كله" أصابهم عذاب يوم الظلة "وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام" فأصبحوا في دارهم جاثمين "."
الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92)
الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين
قال تعالى "كأن لم يغنوا فيها" أي كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها ثم قال تعالى مقابلا لقيلهم "الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين" .
فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93)
فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم
أي فتولى عنهم شعيب عليه السلام بعدما أصابهم ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال وقال مقرعا لهم وموبخا "يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم" أي قد أديت إليكم ما أرسلت به فلا آسف عليكم وقد كفرتم بما جئتم به فلهذا قال "فكيف آسى على قوم كافرين" .
وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون (94)
وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون
يقول تعالى مخبرا عما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء يعني بالبأساء ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام والضراء ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك "لعلهم يضرعون" أي يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم .
وتقدير الكلام أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا فما فعلوا شيئا من الذي أراد منهم فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه .
ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95)
ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون
قال "ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة" أي حولنا الحال من شدة إلى رخاء ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية ومن فقر إلى غنى ليشكروا على ذلك فما فعلوا وقوله "حتى عفوا" أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم يقال عفا الشيء إذا كثر "وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون" يقول تعالى ابتليناهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا ولا انتهوا بهذا ولا بهذا قالوا قد مسنا من البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر وإنما هو الدهر تارات وتارات بل لم يتفطنوا لأمر الله فيهم ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء ويصبرون على الضراء كما ثبت في الصحيحين "عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له" فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء ولهذا جاء في الحديث "لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه والمنافق مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله ولا فيم أرسلوه" أو كما قال ولهذا عقب هذه الصفة بقوله "فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون" أي أخذناهم بالعقوبة بغتة أي على بغتة وعدم شعور منهم أي أخذناهم فجأة كما في الحديث "موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر" .
ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96)
ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون
يخبر تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل كقوله تعالى "فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين" أي ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا وذلك بعدما عاينوا العذاب كما قال تعالى "وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين" وقال تعالى "ما أرسلنا في قرية من نذير" الآية وقوله تعالى "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا" أي آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل وصدقت به واتبعوه واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات "لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" أي قطر السماء ونبات الأرض قال تعالى "ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" أي ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم .
أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97)
أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون
قال تعالى مخوفا ومحذرا من مخالفة أوامره والتجرؤ على زواجره "أفأمن أهل القرى" أي الكافرة "أن يأتيهم بأسنا" أي عذابنا ونكالنا "بياتا" أي ليلا "وهم نائمون" .
أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98)
أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون
"أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون" أي في حال شغلهم وغفلتهم .
أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99)
أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون
"أفأمنوا مكر الله" أي بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم "فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون" ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله : المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن .
أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100)
أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون
قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله "أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها" أولم يتبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم .
وكذا قال مجاهد وغيره وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيرها يقول تعالى أولم يتبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم وعتوا على ربهم "أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم" يقول أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم "ونطبع على قلوبهم" يقول ونختم على قلوبهم "فهم لا يسمعون" موعظة ولا تذكيرا "قلت" وهكذا قال تعالى "أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى" وقال تعالى "أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون" وقال "أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم" الآية وقال تعالى "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا" أي هل ترى لهم شخصا أو تسمع لهم صوتا وقال تعالى "أولم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين" وقال تعالى بعد ذكره إهلاك عاد "فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون" وقال تعالى "وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير" وقال تعالى "ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير" وقال تعالى "فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" وقال تعالى "ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون" إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه وحصول نعمه لأوليائه ولهذا عقب ذلك بقوله وهو أصدق القائلين ورب العالمين.
تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101)
تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين
لما قص تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين قال تعالى "تلك القرى نقص عليك" أي يا محمد "من أنبائها" أي من أخبارها "ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات" أي الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به كما قال تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" وقال تعالى "ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم" وقوله تعالى "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل" الباء سببية أي فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم حكاه ابن عطية رحمه الله وهو متجه حسن كقوله "وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة" الآية ولهذا قال هنا "كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين" .
وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102)
وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين
"وما وجدنا لأكثرهم" أي لأكثر الأمم الماضية "من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين" أي ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال والعهد الذي أخذه هو ما جبلهم عليه وفطرهم عليه وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو وأقروا بذلك وشهدوا على أنفسهم به وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة لا من عقل ولا شرع وفي الفطر السليمة خلاف ذلك وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك كما جاء في صحيح مسلم "يقول الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم" وفي الصحيحين "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" الحديث وقال تعالى في كتابه العزيز "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" وقوله تعالى "واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون" وقال تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" إلى غير ذلك من الآيات وقد قيل في تفسير قوله تعالى "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل" ما روى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل" قال كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق أي فما كانوا ليؤمنوا لعلم الله منهم ذلك وكذا قال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب عن أنس واختاره ابن جرير وقال السدي "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل" قال ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرها وقال مجاهد في قوله "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل" هذا كقوله "ولو ردوا لعادوا" الآية .
ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (103)
ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين
يقول تعالى "ثم بعثنا من بعدهم" أي الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين "موسى بآياتنا" أي بحججنا ودلائلنا البينة إلى فرعون وهو ملك مصر في زمن موسى "وملئه" أي قومه "فظلموا بها" أي جحدوا وكفروا بها ظلما منهم وعنادا كقوله تعالى "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين" أي الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله أي انظر يا محمد كيف فعلنا بهم وأغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه وأشفى لقلوب أولياء الله موسى وقومه من المؤمنين به .
وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (104)
وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب
يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وإلجامه إياه بالحجة وإظهاره الآيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر فقال تعالى "وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين" أي أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه .
حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (105)
حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل
"حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق" فقال بعضهم معناه حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق أي جدير بذلك وحري به قالوا والباء وعلى يتعاقبان يقال رميت بالقوس وعلى القوس وجاء على حال حسنة وبحال حسنة وقال بعض المفسرين معناه حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق وقرأ آخرون من أهل المدينة حقيق على بمعنى واجب وحق على ذلك أن لا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه "قد جئتكم ببينة من ربكم" أي بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلا على صدقي فيما جئتكم به "فأرسل معي بني إسرائيل" أي أطلقهم من أسرك وقهرك ودعهم وعبادة ربك وربهم فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|