
03-12-2025, 08:43 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,715
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (5)
سورة الأعراف .
من صـ 459 الى صــ 461
الحلقة (236)
وقال حسن ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعلي بن حجر ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر عن العلاء وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي وعنه أيضا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية من أن تصيبه .
رواه مسلم . آخر تفسير سورة الأنعام ولله الحمد والمنة .
المص (1)
المص
سورة الأعراف .
قد تقدم الكلام في أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف الناس فيه قال ابن جرير : حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس "المص" أنا الله أفصل .
كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2)
كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين
قال سعيد بن جبير "كتاب أنزل إليك" أي هذا كتاب أنزل إليك أي من ربك "فلا يكن في صدرك حرج منه" قال مجاهد وقتادة والسدي شك منه وقيل لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به "فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل" ولهذا قال "لتنذر به" أي أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين "وذكرى للمؤمنين" .
اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون (3)
اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون
قال تعالى مخاطبا للعالم "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم" أي اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه "ولا تتبعوا من دونه أولياء" أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره "قليلا ما تذكرون" كقوله "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وقوله "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" الآية .
وقوله "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" .
وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4)
وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون
يقول الله تعالى "وكم من قرية أهلكناها" أي بمخالفة رسلنا وتكذيبهم فأعقبهم ذلك خزي في الدنيا موصولا بذل الآخرة كما قال تعالى "ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون" وكقوله "فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد" وقال تعالى "وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين" وقوله "فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون" أي فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته بياتا أي ليلا أو هم قائلون من القيلولة وهي الاستراحة وسط النهار وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو كما قال "أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون" وقال "أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم" .
فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5)
فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين
إنا كنا ظالمين "قوله" فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين "أي فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم وأنهم حقيقون بهذا كقوله تعالى" وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة - إلى قوله - خامدين "قال ابن جرير : في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله" ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم "حدثنا بذلك ابن حميد حدثنا جرير عن أبي سنان عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال : قال عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم "قال : قلت لعبد الملك كيف يكون ذاك قال فقرأ هذه الآية" فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين "."
فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (6)
فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين
قوله "فلنسألن الذين أرسل إليهم" الآية .
كقوله "ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين" وقوله "يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب" فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين" قال عما بلغوا وقال ابن مردويه حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن حدثنا أبو سعيد الكندي حدثنا المحاربي عن ليث عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام يسأل عن رعيته والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده" .
قال الليث وحدثني ابن طاوس مثله ثم قرأ "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين" وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة .
فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7)
فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين
قال ابن عباس في قوله "فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين" يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون "وما كنا غائبين" يعني أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير لأنه تعالى الشهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يغفل عن شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين" .
والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8)
والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون
يقول تعالى "والوزن" أي للأعمال يوم القيامة "الحق" أي لا يظلم تعالى أحدا كقوله "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين" وقال تعالى "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" وقال تعالى "فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية" .
وقال تعالى "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون" .
"فصل" والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما قال البغوي يروى نحو هذا عن ابن عباس كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف .
ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وإنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون فيقول من أنت فيقول أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك .
وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر "فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول من أنت ؟ فيقول أنا عملك الصالح" وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق وقيل يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله فيقول يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول الله تعالى إنك لا تظلم .
فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه وقيل يوزن صاحب العمل كما في الحديث "يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة" ثم قرأ "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا" وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أتعجبون من دقة ساقيه والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد" وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا فتارة توزن الأعمال وتارة توزن محالها وتارة يوزن فاعلها والله أعلم .
ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9)
ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون
يقول تعالى "والوزن" أي للأعمال يوم القيامة "الحق" أي لا يظلم تعالى أحدا كقوله "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين" وقال تعالى "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" وقال تعالى "فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية" .
وقال تعالى "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون" .
"فصل" والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما قال البغوي يروى نحو هذا عن ابن عباس كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف .
ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وإنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون فيقول من أنت فيقول أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك .
وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر "فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول من أنت ؟ فيقول أنا عملك الصالح" وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق وقيل يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله فيقول يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول الله تعالى إنك لا تظلم.
فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه وقيل يوزن صاحب العمل كما في الحديث "يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة" ثم قرأ "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا" وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أتعجبون من دقة ساقيه والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد" وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا فتارة توزن الأعمال وتارة توزن محالها وتارة يوزن فاعلها والله أعلم .
ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10)
ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون
يقول تعالى ممتنا على عبيده فيما مكن لهم من أنه جعل الأرض قرارا وجعل فيها رواسي وأنهارا وجعل لهم فيها منازل وبيوتا وأباح لهم منافعها وسخر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها وجعل لهم فيها معايش أي مكاسب وأسبابا يكسبون بها ويتجرون فيها ويتسببون أنواع الأسباب وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك كقوله "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار" وقد قرأ الجميع معايش بلا همز إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فإنه همزها والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز لأن معايش جمع معيشة من عاش يعيش عيشا ومعيشة أصلها معيشة فاستثقلت الكسرة على الياء فنقلت إلى العين فصارت معيشة فلما جمعت رجعت الحركة إلى الياء لزوال الاستثقال فقيل معايش ووزنه مفاعل لأن الياء أصلية في الكلمة بخلاف مدائن وصحائف وبصائر جمع مدينة وصحيفة وبصيرة من مدن وصحف وأبصر فإن الياء فيها زائدة ولهذا تجمع على فعائل وتهمز لذلك والله أعلم .
ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11)
ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين
ينبه تعالى بني آدم في هذا المقام على شرف أبيهم آدم ويبين لهم عداوة عدوهم إبليس وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه فقال تعالى "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا" وهذا كقوله تعالى "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" وذلك أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام بيده من طين لازب وصوره بشرا سويا ونفخ فيه من روحه أمر الملائكة بالسجود له تعظيما لشأن الله تعالى وجلاله فسمعوا كلهم وأطاعوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين وقد تقدم الكلام على إبليس في أول سورة البقرة .
وهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير أن المراد بذلك كله آدم عليه السلام .
وقال سفيان الثوري عن الأعمش عن منهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" قال خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء .
رواه الحاكم .
وقال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ونقل ابن جرير عن بعض السلف أيضا أن المراد بخلقناكم ثم صورناكم الذرية.
وقال الربيع بن أنس والسدي وقتادة والضحاك في هذه الآية "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" أي خلقنا آدم ثم صورنا الذرية وهذا فيه نظر لأنه قال بعده "ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" فدل على أن المراد بذلك آدم وإنما قيل ذلك بالجمع لأنه أبو البشر كما يقول الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم "وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى" والمراد بالآباء آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل صار كأنه واقع على الأبناء وهذا بخلاف قوله "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" الآية .
فإن المراد منه آدم المخلوق من السلالة وذريته مخلوقون من نطفة وصح هذا لأن المراد من خلقنا الإنسان الجنس لا معينا والله أعلم .
قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12)
قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين
قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك" لا هنا زائدة وقال بعضهم زيدت لتأكيد الجحد كقول الشاعر : ما إن رأيت ولا سمعت بمثله .
فأدخل "أن" وهي للنفي على ما النافية لتأكيد النفي قالوا وكذا هنا "ما منعك ألا تسجد" مع تقدم قوله "لم يكن من الساجدين" حكاهما ابن جرير وردهما واختار أن منعك مضمن معنى فعل آخر تقديره ما أحرجك وألزمك واضطرك ألا تسجد إذ أمرتك ونحو هذا .
وهذا القول قوي حسن والله أعلم .
وقول إبليس لعنه الله "أنا خير منه" من العذر الذي هو أكبر من الذنب كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له ؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص قوله تعالى "فقعوا له ساجدين" فشذ من بين الملائكة لترك السجود فلهذا أبلس من الرحمة أي أويس من الرحمة فأخطأ قبحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضا فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة ولهذا خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" .
هكذا رواه مسلم وقال ابن مردويه حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خلق الله الملائكة من نور العرش وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" .
قلت لنعيم بن حماد أين سمعت هذا من عبد الرزاق ؟ قال باليمن وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح "وخلقت الحور العين من الزعفران" وقال ابن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا محمد بن كثير عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن الحسن في قوله "خلقتني من نار وخلقته من طين" .
قال قاس إبليس وهو أول من قاس إسناده صحيح وقال حدثني عمر بن مالك حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن هشام عن ابن سيرين قال أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقايس إسناد صحيح أيضا .
قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13)
قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين
يقول تعالى مخاطبا لإبليس بأمر قدري كوني "فاهبط منها" أي بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي فما يكون لك أن تتكبر فيها قال كثير من المفسرين الضمير عائد إلى الجنة ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى "فاخرج إنك من الصاغرين" أي الذليلين الحقيرين معاملة له بنقيض قصده ومكافأة لمراده بضده فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين .
قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14)
قال أنظرني إلى يوم يبعثون
قال "أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين" أجابه تعالى إلى ما سأل لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه "وهو سريع الحساب" .
قال إنك من المنظرين (15)
قال إنك من المنظرين
قال "أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين" أجابه تعالى إلى ما سأل لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه "وهو سريع الحساب" .
قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16)
قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم
يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس "إلى يوم يبعثون" واستوثق إبليس بذلك أخذ في المعاندة والتمرد فقال "فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم" أي كما أغويتني قال ابن عباس كما أضللتني وقال غيره كما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على "صراطك المستقيم" أي طريق الحق وسبيل النجاة ولأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي وقال بعض النحاة الباء هنا قسمية كأنه يقول فبأغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم .
قال مجاهد صراطك المستقيم يعني الحق .
وقال محمد بن سوقة عن عون بن عبد الله يعني طريق مكة قال ابن جرير الصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك .
"قلت" لما روى الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل يعني الثقفي عبد الله بن عقيل حدثنا موسى بن المسيب أخبرني سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي الفاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك قال فعصاه وأسلم" قال "قعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول فعصاه وهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال فقال : تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال قال فعصاه وجاهد" .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة وإن قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة" .
ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17)
ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين
قوله "ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم" الآية .
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ثم لآتينهم من بين أيديهم" أشككهم في آخرتهم "ومن خلفهم" أرغبهم في دنياهم "وعن أيمانهم" أشبه عليهم أمر دينهم "وعن شمائلهم" أشهي لهم المعاصي .
وقال ابن أبي طلحة في رواية العوفي كلاهما عن ابن عباس أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم وأما من خلفهم فأمر آخرتهم وأما عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم وأما عن شمائلهم فمن قبل سيئاتهم وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها آتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله .
وكذا روي عن إبراهيم النخعي والحكم بن عيينة والسدي وابن جريج إلا أنهم قالوا من بين أيديهم الدنيا ومن خلفهم الآخرة وقال مجاهد من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون واختار ابن جرير أن المراد جميع طرق الخير والشر فالخير يصدهم عنه والشر يحسنه لهم وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله "ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم" ولم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل من فوقهم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ولا تجد أكثرهم شاكرين" قال موحدين وقول إبليس هذا إنما هو ظن منه وتوهم وقد وافق في هذا الواقع كما قال تعالى "ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ" .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|