عرض مشاركة واحدة
  #231  
قديم 03-12-2025, 08:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,319
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة الأنعام
من صـ 450 الى صــ 452
الحلقة (231)







قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال : قال رجل لابن عمر إن المختار يزعم أنه يوحى إليه قال صدق وتلا هذه الآية "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم" وحدثنا أبي حدثنا أبو حذيفة حدثنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل قال : كنت قاعدا عند ابن عباس وحج المختار ابن أبي عبيد فجاءه رجل فقال يا ابن عباس زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة فقال ابن عباس صدق فنفرت وقلت يقول ابن عباس صدق فقال ابن عباس هما وحيان وحي الله ووحي الشيطان فوحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ووحي الشيطان إلى أوليائه ثم قرأ "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم" وقد تقدم عن عكرمة في قوله "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" نحو هذا وقوله "ليجادلوكم" قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال : خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله ؟ فأنزل الله "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم"
الله عليه وإنه لفسق " هكذا رواه مرسلا ورواه أبو داود متصلا فقال حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله ؟ فأنزل الله "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" الآية وكذا رواه ابن جرير عن محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع كلاهما عن عمران بن عيينة به ."
ورواه البزار عن محمد بن موسى الجرسي عن عمران بن عيينة به وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة "أحدها" أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا "الثاني" أن الآية من الأنعام وهي مكية .
"الثالث" أن هذا الحديث رواه الترمذي عن محمد بن موسى الجرسي عن زياد بن عبد الله البكائي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ورواه الترمذي بلفظ : أتى ناس النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقال حسن غريب .
وروي عن سعيد بن جبير مرسلا وقال الطبراني : حدثنا علي بن المبارك حدثنا زيد بن المبارك حدثنا موسى بن عبد العزيز حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدا وقولوا له فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال وما ذبح الله عز وجل بشمشير من ذهب يعني الميتة فهو حرام فنزلت هذه الآية "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" أي وإن الشياطين من فارس ليوحون إلى أوليائهم من قريش وقال أبو داود : حدثنا محمد بن كثير أخبرنا إسرائيل حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم" يقولون ما ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم فكلوه فأنزل الله "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم عن عمرو بن عبد الله عن وكيع عن إسرائيل به وهذا إسناد صحيح .
ورواه ابن جرير من طرق متعددة عن ابن عباس وليس فيه ذكر اليهود فهذا هو المحفوظ لأن الآية مكية واليهود لا يحبون الميتة .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا جرير عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" إلى قوله "ليجادلوكم" قال : يوحي الشياطين إلى أوليائهم تأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله ؟ وفي بعض ألفاظه عن ابن عباس أن الذي قتلتم ذكر اسم الله عليه وأن الذي قد مات لم يذكر اسم الله عليه وقال ابن جريج : قال عمرو بن دينار عن عكرمة إن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم وكاتبتهم فارس فكتب فارس إليهم أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكلونه وما ذبحوه هم يأكلونه فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله "وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" ونزلت "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" وقال السدي في تفسير هذه الآية إن المشركين قالوا للمسلمين كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضات الله فما قتل الله فلا تأكلونه وما ذبحتم أنتم تأكلونه ؟ فقال الله تعالى "وإن أطعتموهم" في أكل الميتة "إنكم لمشركون" وهكذا قاله مجاهد والضحاك وغير واحد من علماء السلف .
وقوله تعالى "وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك كقوله تعالى "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" الآية .
وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال : يا رسول الله ما عبدوهم فقال بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم .
أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122)
أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون
هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا أي في الضلالة هالكا حائرا فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له ووفقه لاتباع رسله "وجعلنا له نورا يمشي به في الناس" أي يهتدي كيف يسلك وكيف يتصرف به والنور هو القرآن كما رواه العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس وقال السدي : الإسلام والكل صحيح "كمن مثله في الظلمات" أي الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة "ليس بخارج منها" أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل" كما قال تعالى "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" وقال تعالى "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم" وقال تعالى "مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون" وقال تعالى "وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير" والآيات في هذا كثيرة ووجه المناسبة في ضرب المثلين ههنا بالنور والظلمات ما تقدم في أول السورة "وجعل الظلمات والنور" وزعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان فقيل عمر بن الخطاب هو الذي كان ميتا فأحياه الله وجعل له نورا يمشي به في الناس وقيل عمار بن ياسر وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه الله .
والصحيح أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر .
وقوله تعالى "كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون" أي حسنا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة قدرا من الله وحكمة بالغة لا إله إلا هو وحده لا شريك له .
وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون (123)
وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون
يقول تعالى : وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين ورؤساء ودعاة إلى الكفر والصد عن سبيل الله وإلى مخالفتك وعداوتك كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك ثم تكون لهم العاقبة كما قال تعالى "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين" الآية وقال تعالى "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها" الآية قيل معناه أمرناهم بالطاعة فخالفوا فدمرناهم وقيل أمرناهم أمرا قدريا كما قال ههنا "ليمكروا فيها" وقوله تعالى "أكابر مجرميها ليمكروا فيها" قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس "أكابر مجرميها ليمكروا فيها" قال سلطنا شرارهم فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب .
وقال مجاهد وقتادة "أكابر مجرميها" عظماؤها قلت : وهكذا قوله تعالى "وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين" وقال تعالى "وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" والمراد بالمكر ههنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال كقوله تعالى إخبارا عن قوم نوح "ومكروا مكرا كبارا" وكقوله تعالى "ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا" الآية وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان قال : كل مكر في القرآن فهو عمل وقوله تعالى "وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون" أي وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم كما قال تعالى "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم" وقال "ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون" .
وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124)
وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون

وقوله تعالى "وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله" أي إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة قالوا "لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله" أي حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة كما تأتي إلى الرسل كقوله جل وعلا "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا" الآية وقوله "الله أعلم حيث يجعل رسالته" أي هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه كقوله تعالى "وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك" الآية يعنون لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير جليل مبجل في أعينهم "من القريتين" أي من مكة والطائف وذلك أنهم قبحهم الله كانوا يزدرون بالرسول صلوات الله وسلامه عليه بغيا وحسدا وعنادا واستكبارا كقوله تعالى مخبرا عنه "وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا" وقال تعالى "وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون" وقال تعالى "ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون" هذا وهم معترفون بفضله وشرفه ونسبه وطهارة بيته ومرباه ومنشئه صلى الله وملائكته والمؤمنون عليه حتى أنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه الأمين "وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان حين سأله هرقل ملك الروم وكيف نسبه فيكم ؟ قال هو فينا ذو نسب قال هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال لا - الحديث بطوله الذي استدل ملك الروم بطهارة صفاته عليه السلام على صدق نبوته وصحة ما جاء به وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن مصعب حدثنا الأوزاعي عن شداد أبي عمار عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم انفرد بإخراجه مسلم من حديث الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام به نحوه وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن يزيد بن أبي زياد"
عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن أبي وداعة قال : قال العباس بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس فصعد المنبر فقال من أنا ؟ قالوا : أنت رسول الله فقال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه وجعلهم فريقين فجعلني في خير فرقة وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا ; فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا صدق صلوات الله وسلامه عليه وفي الحديث أيضا المروي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم رواه الحاكم والبيهقي .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو بكر حدثنا عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال : إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ .
وقال أحمد : حدثنا شجاع بن الوليد قال : ذكر قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن سلمان قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هدانا الله ؟ قال تبغض العرب فتبغضني وذكر ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية ذكر عن محمد بن منصور الجواز حدثنا سفيان عن أبي حسين قال : أبصر رجل ابن عباس وهو داخل من باب المسجد فلما نظر إليه راعه فقال من هذا قالوا ابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "الله أعلم حيث يجعل رسالته" وقوله تعالى "سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد" الآية هذا وعيد شديد من الله وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما جاءوا به فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله صغار وهو الذلة الدائمة كما أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذلا يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا كقوله تعالى "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" أي صاغرين ذليلين حقيرين وقوله تعالى "وعذاب شديد بما كانوا يمكرون" لما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا وهو التلطف في التحيل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقا "ولا يظلم ربك أحدا" كما قال تعالى "يوم تبلى السرائر" أي تظهر المستترات والمكنونات والضمائر وجاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل .
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125)
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون
يقول تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام أي ييسره له وينشطه ويسهله لذلك فهذه علامات على الخير كقوله تعالى "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" الآية وقال تعالى "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون" وقال ابن عباس في قوله "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" يقول تعالى يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به وكذا قال أبو مالك وغير واحد وهو ظاهر .
وقال عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن عمرو بن قيس عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المؤمنين أكيس ؟ قال "أكثرهم ذكرا للموت وأكثرهم لما بعده استعدادا" قال : وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" قالوا : كيف يشرح صدره يا رسول الله ؟ قال نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت وقال ابن جرير : حدثنا هناد حدثنا قبيصة عن سفيان يعني الثوري عن عمرو بن مرة عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" فذكر نحو ما تقدم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن إدريس عن الحسن بن الفرات القزاز عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب وانشرح قالوا : يا رسول الله هل لذلك من أمارة ؟ قال نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل الموت وقد رواه ابن جرير عن سوار بن عبد الله العنبري حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن مرة عن أبي جعفر فذكره .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن مسعود قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" قالوا : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ قال نور يقذف في القلب قالوا : يا رسول الله فهل لذلك من أمارة تعرف ؟ قال نعم قالوا : وما هي ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل الموت .
وقال ابن جرير أيضا : حدثني هلال بن العلاء حدثنا سعيد بن عبد الملك بن وافد حدثنا محمد بن مسلم عن أبي عبد الرحمن عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا : فهل لذلك من علامة يعرف بها ؟ قال الإنابة إلى دار الخلود والتنحي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت وقد رواه من وجه آخر عن ابن مسعود متصلا مرفوعا فقال : حدثني ابن سنان القزاز حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي عن يونس عن عبد الرحمن بن عبيد بن عتبة عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" قالوا : يا رسول الله وكيف يشرح صدره ؟ قال يدخل فيه النور فينفسح قالوا : وهل لذلك علامة يا رسول الله ؟ قال التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا والله أعلم .
وقوله تعالى "ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا" قرئ بفتح الضاد وتسكين الياء والأكثرون ضيقا بتشديد الياء وكسرها وهما لغتان كهين وهين وقرأ بعضهم حرجا بفتح الحاء وكسر الراء قيل بمعنى أثم قاله السدي.
وقيل بمعنى القراءة الأخرى حرجا بفتح الحاء والراء وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان ولا ينفذ فيه وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا من الأعراب من أهل البادية من مدلج عن الحرجة فقال هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء فقال عمر رضي الله عنه : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير .
وقال العوفي عن ابن عباس يجعل الله عليه الإسلام ضيقا والإسلام واسع وذلك حين يقول "ما جعل عليكم في الدين من حرج" يقول ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق وقال مجاهد والسدي : ضيقا حرجا شاكا .
وقال عطاء الخراساني ضيقا حرجا أي ليس للخير فيه منفذ وقال ابن المبارك عن ابن جريج ضيقا حرجا بلا إله إلا الله حتى يستطيع أن تدخل قلبه كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه .
وقال سعيد بن جبير يجعل صدره ضيقا حرجا قال : لا يجد فيه مسلكا إلا صعدا وقال السدي "كأنما يصعد في السماء" من ضيق صدره .
وقال عطاء الخراساني "كأنما يصعد في السماء" يقول مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء.
وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس "كأنما يصعد في السماء" يقول فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه وقال الأوزاعي "كأنما يصعد في السماء" كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقا أن يكون مسلما.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه يقول فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه لأنه ليس في وسعه وطاقته وقال في قوله "كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون" يقول كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقا حرجا كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل الله وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : الرجس الشيطان وقال مجاهد : الرجس كل ما لا خير فيه وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الرجس العذاب.
وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126)
وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون
لما ذكر تعالى طريق الضالين عن سبيله الصادين عنها نبه على شرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق فقال تعالى "وهذا صراط ربك مستقيما" منصوب على الحال أي هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن هو صراط الله المستقيم كما تقدم في حديث الحارث عن علي في نعت القرآن : هو صراط الله المستقيم وحبل الله المتين وهو الذكر الحكيم رواه أحمد والترمذي بطوله "قد فصلنا الآيات" أي وضحناها وبيناها وفسرناها "لقوم يذكرون" أي لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله .
لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127)
لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون
"لهم دار السلام" وهي الجنة "عند ربهم" أي يوم القيامة وإنما وصف الله الجنة ههنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام "وهو وليهم" أي حافظهم وناصرهم ومؤيدهم "بما كانوا يعملون" أي جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة بمنه وكرمه .
ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128)
ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم

يقول تعالى : واذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به "ويوم يحشرهم جميعا" يعني الجن وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم ويطيعونهم ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا "يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس" أي يقول يا معشر الجن وسياق الكلام يدل على المحذوف ومعنى قوله "قد استكثرتم من الإنس" أي من إغوائهم وإضلالهم كقوله تعالى "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس" يعني أضللتم منهم كثيرا وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة "وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض" يعني أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن الحسن في هذه الآية قال : استكثرتم من أهل النار يوم القيامة فقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض قال الحسن : وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس .
وقال محمد بن كعب في قوله "ربنا استمتع بعضنا ببعض" قال الصحابة في الدنيا.
وقال ابن جريج : كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول أعوذ بكبير هذا الوادي فذلك استمتاعهما فاعتذروا به يوم القيامة وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان فيما ذكر ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم فيقولون قد سدنا الإنس والجن "وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا" قال السدي يعني الموت "قال النار مثواكم" أي مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم "خالدين فيها" أي ماكثين فيها مكثا مخلدا إلا ما شاء الله قال بعضهم يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ وقال بعضهم : هذا رد إلى مدة الدنيا وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها عند قوله تعالى في سورة هود "خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد" وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث : حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي حاتم بن أبي طلحة عن ابن عباس قال "النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم" قال إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا .
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129)
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون
قال سعيد عن قتادة في تفسيرها إنما يولي الله الناس أعمالهم فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي واختاره ابن جرير وقال معمر عن قتادة في تفسير الآية يولي الله بعض الظالمين بعضا في النار يتبع بعضهم بعضا وقال : مالك بن دينار قرأت في الزبور إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين ثم أنتقم من المنافقين جميعا وذلك في كتاب الله قول الله تعالى "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا" وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا" قال ظالمي الجن وظالمي الإنس وقرأ "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين" قال ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس .
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن ذر عن ابن مسعود مرفوعا من أعان ظالما سلطه الله عليه وهذا حديث غريب وقال بعض الشعراء :
وما من يد إلا يد الله فوقها ... ولا ظالم إلا سيبلى بظالم
ومعنى الآية الكريمة كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض ونهلك بعضهم ببعض وننتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.42%)]