عرض مشاركة واحدة
  #220  
قديم 03-12-2025, 04:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,623
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 406 الى صــ 420
الحلقة (220)






فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء
وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحرابي عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق به فذكره وعنده فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فأنزل الله هذه الآية إلى قوله "أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم" فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء ثم قال هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي يكنى أبا النضر وقد تركه أهل العلم بالحديث وهو صاحب التفسير سمعت محمد بن إسماعيل يقول : محمد بن السائب الكلبي يكنى أبا النضر ثم قال ولا نعرف لأبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا يحيى بن آدم عن ابن أبي زائدة عن محمد بن أبي القاسم عن
عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدوا الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم وفيهم نزلت "يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" الآية

وكذا رواه أبو داود عن الحسن بن علي عن يحيى بن آدم به .
ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وهو حديث ابن أبي زائدة ومحمد بن أبي القاسم الكوفي قيل إنه صالح الحديث وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر رواه ابن جرير .
وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا ما رواه أبو جعفر بن جرير حدثني يعقوب حدثنا هشيم قال : أخبرنا زكريا عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه قال فحضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب قال فقدما الكوفة فأتيا الأشعري يعني أبا موسى الأشعري رضي الله عنه فأخبراه وقدما الكوفة بتركته ووصيته فقال الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وأنها لوصية الرجل وتركته قال فأمضى شهادتهما ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي داود الطيالسي عن شعبة عن مغيرة الأزرق عن الشعبي أن أبا موسى قضى به وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري

فقوله هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الظاهر والله أعلم أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء قد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه كان سنة تسع من الهجرة فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرا يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام والله أعلم .
وقال أسباط عن السدي في الآية "يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم" قال هذا في الوصية عند الموت يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ماله وما عليه قال هذا في الحضر أو آخرون من غيركم في السفر إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت هذا الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه فيقبلان به فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا ما لصاحبهم تركوهما وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان فذلك قوله تعالى "تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم ' قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه كأني أنظر إلى العلجين حين انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره ففتح الصحيفة فأنكر أهل الميت وخوفوهما فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر فقلت إنهما لا يباليان صلاة العصر ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين أن صاحبهم لبهذا أوصى وإن هذه لتركته فيقول لهما الإمام بل أن يحلفا إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما فإذا قال لهما ذلك فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها"

رواه ابن جرير وقال ابن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا هشيم أخبرنا مغيرة عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية "يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ' الآية قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فليشهد رجلين من المسلمين فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب فإذا قدما بتركته فإن صدقهما الورثة قبل قولهما وإن اتهموهما حلفا بعد صلاة العصر بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا ولا غيرنا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية فإن ارتبتم في شهادتهما استحلفا بعد العصر بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلا فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة وإنا لم نعتد فذلك قوله" فإن عثر على أنهما استحقا إثما "يقول إن اطلع على أن الكافرين كذبا"
فآخران يقومان مقامهما يقول من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة وإنا لم نعتد فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء وهكذا روى العوفي عن ابن عباس رواهما ابن جرير وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف رضي الله عنهم وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (108)
ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين
قوله "ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها" أي شرعية هذا الحكم على هذا

الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين واستريب بهما أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي وقوله "أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم" أي يكون الحامل لهم على الإتيان بها على وجهها هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله والخوف من الفضيحة بين الناس إن ردت اليمين على الورثة فيحلفون ويستحقون ما يدعون ولهذا قال "أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم" ثم قال "واتقوا الله" أي في جميع أموركم "واسمعوا" أي وأطيعوا "والله لا يهدي القوم الفاسقين" أي الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته .
يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب (109)
يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب
عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم كما قال تعالى "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين" وقال تعالى "فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" وقول الرسل لا علم لنا قال مجاهد والحسن البصري والسدي إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم قال عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن مجاهد يوم "يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم" فيفزعون فيقولون "لا علم لنا" رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد حدثنا حكام حدثنا عنبسة قال : سمعت

شيخا يقول سمعت الحسن يقول في قوله "يوم يجمع الله الرسل" الآية قال من هول ذلك اليوم .
وقال أسباط عن السدي "يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا" ذلك أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول فلما سئلوا قالوا لا علم لنا ثم نزلوا منزلا آخر فشهدوا على قومهم رواه ابن جرير ثم قال ابن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا الحجاج عن ابن جريج قوله "يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم" أي ماذا عملوا بعدكم وماذا أحدثوا بعدكم قالوا "لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب" يقولون للرب عز وجل لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا .
رواه ابن جرير ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة ولا شك أنه قول حسن وهو من باب التأدب مع الرب جل جلاله .
أي لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء فنحن وإن كنا قد أجبنا وعرفنا من أجابنا ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره لا علم لنا بباطنه وأنت العليم بكل شيء المطلع على كل شيء فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم فإنك أنت علام الغيوب .
إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110)
إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني

وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر
يذكر تعالى ما امتن به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام مما أجراه على يديه من المعجزات الباهرات وخوارق العادات فقال اذكر نعمتي عليك أي في خلقي إياك من أم بلا ذكر وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء وعلى والدتك حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة إذ أيدتك بروح القدس وهو جبريل عليه السلام وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك فأنطقتك في المهد صغيرا فشهدت ببراءة أمك من كل عيب واعترفت لي بالعبودية وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوت إلى عبادتي ولهذا قال "تكلم الناس في المهد وكهلا" أي تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك وضمن تكلم تدعو لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب وقوله "وإذ علمتك الكتاب والحكمة" أي الخط والفهم والتوراة وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم وقد يرد لفظ التوراة في الحديث ويراد به ما هو أعم من ذلك وقوله "وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني" أي تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك فتنفخ فيها "فتكون طيرا بإذني" أي فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك فتكون طيرا ذا روح تطير بإذن الله وخلقه .
وقوله تعالى "وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني" قد تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته.
وقوله "وإذ تخرج الموتى بإذني" أي تدعوهم فيقومون من

قبورهم بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا محمد بن طلحة يعني ابن مصرف عن أبي بشر عن أبي الهذيل قال : كان عيسى ابن مريم عليه السلام إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى تبارك الذي بيده الملك وفي الثانية الم تنزيل السجدة فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء : يا قديم يا خفي يا دائم يا فرد يا وتر يا أحد يا صمد وكان إذا أصابته شدة دعا بسبعة أخر : يا حي يا قيوم يا الله يا رحمن يا ذا الجلال والإكرام يا نور السموات والأرض وما بينهما ورب العرش العظيم يا رب وهذا أثر عظيم جدا .
وقوله تعالى "وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين" أي واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم فكذبوك واتهموك بأنك ساحر وسعوا في قتلك وصلبك فنجيتك منهم ورفعتك إلي وطهرتك من دنسهم وكفيتك شرهم وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا أو يكون هذا الامتنان واقعا يوم القيامة وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم .
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون (111)
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون
وقوله "وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي" وهذا أيضا من الامتنان عليه عليه السلام بأن جعل له أصحابا وأنصارا ثم قيل إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام كما قال تعالى "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه" الآية وهو وحي إلهام بلا خلاف وكما قال تعالى "وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا" الآية وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية وإذ "أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا"

آمنا واشهد بأننا مسلمون "أي ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا قال الحسن البصري ألهمهم الله عز وجل ذلك وقال السدي قذف في قلوبهم ذلك ويحتمل أن يكون المراد وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك فقالوا آمنا بالله واشهد بأننا مسلمون."
إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112)
إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم
هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة فيقال سورة المائدة وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها فأنزلها الله آية باهرة وحجة قاطعة وقد ذكر بعض الأئمة أن قصتها ليست مذكورة في الإنجيل ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين فالله أعلم فقوله تعالى "إذ قال الحواريون" وهم أتباع عيسى عليه السلام "يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك" هذه قراءة كثيرين وقرأ آخرون "هل تستطيع ربك" أي هل

تستطيع أن تسأل ربك "أن ينزل علينا مائدة من السماء" والمائدة هي الخوان عليه الطعام وذكر بعضهم أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم فسألوه أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها ويتقوون بها على العبادة "قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين" أي فأجابهم المسيح عليه السلام قائلا لهم اتقوا الله ولا تسألوا هذا فعساه أن يكون فتنة لكم وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين .

"ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين" قال أبو جعفر بن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثني حجاج عن ليث عن عقيل عن ابن عباس أنه كان يحدث عن عيسى أنه قال لبني إسرائيل هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم فإن أجر العامل على من عمل له ففعلوا ثم قالوا يا معلم الخير قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا حين نفرغ طعاما فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ؟ قال عيسى اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين قال فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم كذا رواه ابن جرير.
ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال : كان ابن عباس يحدث فذكر نحوه .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبو زرعة وهبة الله بن راشد حدثنا عقيل بن خالد أن ابن شهاب أخبره عن ابن

عباس أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء قال فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي حدثنا سفيان بن حبيب حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جلاس عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "نزلت المائدة من السماء عليها خبز ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة وخنازير" وكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن قزعة .
ثم رواه ابن جرير عن ابن بشار عن ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن جلاس عن عمار قال : نزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة فأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا ولا يدخروا قال فخان القوم وخبئوا وادخروا فمسخهم الله قردة وخنازير وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا داود عن سماك بن حرب عن رجل من بني عجل قال : صليت إلى جانب عمار بن ياسر فلما فرغ قال هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل ؟ قال قلت لا قال : إنهم سألوا عيسى ابن

مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد قال فقيل لهم فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا أو ترفعوا فإن فعلتم فإني معذبكم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين قال : فما مضى يومهم حتى خبئوا ورفعوا وخانوا فعذبوا عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين وإنكم يا معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم تعرفون حسبه ونسبه وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم ونهاكم أن تكنزوا الذهب والفضة وأيم الله لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما ويعذبكم الله عذابا أليما.
وقال : حدثنا القاسم حدثنا حسين حدثني حجاج عن أبي معشر عن إسحاق بن عبد الله أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات يأكلون منها ما شاءوا قال : فسرق بعضهم منها وقال لعلها لا تنزل غدا فرفعت وقال العوفي عن ابن عباس : نزل على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاءوا .
وقال خصيف عن عكرمة ومقسم عن ابن عباس كانت المائدة سمكة وأرغفة وقال مجاهد هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا .
وقال أبو عبد الرحمن السلمي : نزلت المائدة خبزا وسمكا .
قال عطية العوفي : المائدة سمك فيه طعم كل شيء.
وقال وهب بن منبه أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة فأكلوا ما شاءوا من ضروب شتى فكان يقعد عليها أربعة آلاف وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم فلبثوا على ذلك ما شاء الله عز وجل .
وقال وهب بن منبه : نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات وحشا الله بين أضعافهن البركة

فكان قوم يأكلون ثم يخرجون ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون حتى أكل جميعهم وأفضلوا.
وقال الأعمش عن مسلم عن سعيد بن جبير : أنزل عليها كل شيء إلا اللحم .
وقال سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة وجرير عن عطاء عن ميسرة قال : كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي بكل طعام إلا اللحم .
وعن عكرمة كان خبز المائدة من الأرز رواه ابن أبي حاتم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن علي فيما كتب إلي حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن أبي عبيد الله بن مرداس العبدري مولى عبد الدار عن إبراهيم بن عمر عن وهب بن منبه عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الخير أنه قال : لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة كره ذلك جدا فقال اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض ولا تسألوا المائدة من السماء فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها.
فأبوا إلا أن يأتيهم بها فلذلك قالوا "نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا" الآية فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم فألقى عنه الصوف ولبس الشعر الأسود وجبة من شعر وعباءة من شعر ثم توضأ واغتسل ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله فلما قضى صلاته قام قائما مستقبل القبلة وصف قدميه حتى استويا فألصق الكعب بالكعب

وحاذى الأصابع ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره وغض بصره وطأطأ رأسه خشوعا ثم أرسل عينيه بالبكاء فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه فلما رأى ذلك دعا الله فقال اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وغمامة تحتها وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم وعيسى يبكي خوفا من أجل الشروط التي أخذها الله عليهم فيها أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين وهو يدعو الله في مكانه ويقول اللهم اجعلها رحمة لهم ولا تجعلها عذابا إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني إلهي اجعلنا لك شاكرين اللهم إني أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبا ورجزا إلهي اجعلها سلامة وعافية ولا تجعلها فتنة ومثلة .
فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى والحواريين وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط وخر عيسى والحواريون لله سجدا شكرا له لما رزقهم من حيث لم يحتسبوا وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمرا عجيبا أورثهم كمدا وغما ثم انصرفوا بغيظ شديد وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة فإذا عليها منديل مغطى فقال عيسى من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه فليكشف عن هذه الآية حتى نراها ونحمد ربنا ونذكر باسمه ونأكل من رزقه الذي رزقنا فقال الحواريون : يا روح الله وكلمته أنت أولانا بذلك وأحقنا بالكشف عنها .
فقام عيسى عليه السلام واستأنف وضوءا جديدا ثم دخل مصلاه فصلى كذلك ركعات ثم بكى بكاء طويلا ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقا ثم انصرف وجلس إلى السفرة وتناول المنديل وقال : بسم الله خير الرازقين وكشف عن السفرة فإذا هو عليها بسمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير وليس في جوفها شوك يسيل السمن منها سيلا قد تحدق بها بقول من كل صنف غير الكراث وعند رأسها خل وعند ذنبها ملح وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الآخر




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.59 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.60%)]