
01-12-2025, 10:47 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,680
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء الرابع
تفسير سورة النساء
من صــ153 الى صــ 162
الحلقة (168)
قال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو سعيد مولى أبي هاشم حدثنا ابن لهيعة عن زياد بن قائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا إن شاء الله"
"وروى الترمذي من طريق سفيان الثوري عن أبي حمزة عن الحسن البصري عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء "ثم قال : هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه وأبو حمزة اسمه عبد الله بن"جابر شيخ بصري .
وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم فقال "المرء مع من أحب" قال أنس : فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث .
وفي رواية عن أنس أنه قال : إني لأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وأرجو أن الله يبعثني معهم وإن لم أعمل كعملهم .
قال الإمام مالك بن أنس عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا : يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال "بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك واللفظ لمسلم ورواه الإمام أحمد حدثنا فزارة أخبرني فليح عن هلال يعني ابن
علي عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون - أو ترون - الكوكب الدري الغابر في الأفق الطالع في تفاضل الدرجات" قالوا : يا رسول الله أولئك النبيون قال "بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" قال الحافظ الضياء المقدسي : هذا الحديث على شرط البخاري والله أعلم .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير : حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا محمد بن عمار الموصلي حدثنا علي بن عفيف بن سالم عن أيوب عن عتبة عن عطاء عن ابن عمر قال : أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "سل واستفهم" فقال : يا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة ثم قال : أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بما عملت به إني لكائن معك في الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم والذي نفسي بيده أنه ليضيء بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قال لا إله إلا الله كان له بها عهد عند"
الله ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له بها مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة "فقال رجل : كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله ؟ فقال رسول الله :" إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتغمده الله برحمته "ونزلت هذه الآيات هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا - إلى قوله - نعيما وملكا كبيرا فقال الحبشي : وإن عيني لتريان ما ترى عيناك في الجنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" نعم "فاستبكى حتى فاضت نفسه قال ابن عمر : فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيديه فيه غرابة ونكارة وسنده ضعيف ."
ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (70)
ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما
ولهذا قال تعالى ذلك الفضل من الله أي من عند الله برحمته وهو الذي أهلهم لذلك لا بأعمالهم "وكفى بالله عليما" أي هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق .
يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71)
يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيل الله ثبات أي جماعة بعد جماعة وفرقة بعد فرقة وسرية بعد سرية والثبات جمع ثبة وقد تجمع الثبة على ثبين قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله "فانفروا ثبات" أي عصبا يعني سرايا متفرقين "أو انفروا جميعا" يعني كلكم وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وخصيف الجزري .
وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (72)
وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا
وقوله تعالى "وإن منكم لمن ليبطئن" قال مجاهد وغير واحد نزلت في المنافقين وقال مقاتل بن حيان : "ليبطئن" أي ليتخلفن عن الجهاد ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه ويبطئ غيره عن الجهاد كما كان عبد الله بن أبي سلول قبحه الله يفعل يتأخر عن الجهاد ويثبط الناس عن الخروج فيه وهذا قول ابن جريج وابن جرير ولهذا قال تعالى إخبارا عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد "فإن أصابتكم مصيبة" أي قتل وشهادة وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة قال "قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا" أي إذ لم أحضر معهم وقعة القتال بعد ذلك من نعم الله عليه ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل .
ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73)
ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا
"ولئن أصابكم فضل من الله" أي نصر وظفر وغنيمة "ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة" أي كأنه ليس من أهل دينكم "يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما" أي بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه وهو أكبر قصده وغاية مراده .
فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74)
فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما
ثم قال تعالى "فليقاتل" أي المؤمن النافر في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا
بالآخرة "أي يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا وما ذلك إلا لكفرهم وعدم إيمانهم ثم قال تعالى" ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما "أي كل من قاتل في سبيل الله سواء قتل أو غلب فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل كما ثبت في الصحيحين وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة ."
وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75)
وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا
يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها ولهذا قال تعالى "الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية" يعني مكة كقوله تعالى "وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك" ثم وصفها بقوله "الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا أي سخر لنا من عندك وليا ناصرا ."
قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن عبيد الله قال : سمعت ابن عباس قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين.
حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس تلا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان قال : كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل .
الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76)
الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا
ثم قال تعالى الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت أي المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله "فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ."
ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77)
ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا
كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النصب وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديدا وقالوا "ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب" أي لولا أخرت فرضه إلى مدة أخرى فإن فيه سفك الدماء ويتم الأولاد وتأيم النساء وهذه الآية كقوله تعالى "ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة"
فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال "الآيات ."
قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن عبد العزيز عن أبي زرعة وعلي بن رمحة قالا : حدثنا علي بن الحسن عن الحسين بن واقد عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا : يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة قال "إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم" فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا فأنزل الله "ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم" الآية ورواه النسائي والحاكم وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به وقال أسباط عن السدي لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال فلما فرض عليهم القتال "إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب" وهو الموت قال الله تعالى "قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى" وقال مجاهد إن هذه الآية نزلت في اليهود رواه ابن جرير وقوله قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى أي آخرة المتقي خير من دنياه "ولا تظلمون فتيلا" أي من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء وهذه تسلية لهم عن الدنيا وترغيب لهم في الآخرة وتحريض لهم على الجهاد .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا
عبد الرحمن بن مهدي حدثنا حماد بن زيد عن هشام قال : قرأ الحسن "قل متاع الدنيا" قليل قال : رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه.
وقال ابن معين : كان أبو مصهر ينشد :
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار المقام نصيب
فإن تعجب الدنيا رجالا فإنها ... متاع قليل والزوال قريب
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|