
29-11-2025, 05:29 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,126
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء الرابع
تفسير سورة النساء
من صــ43 الى صــ 52
الحلقة (157)
وقال ابن أبي حاتم وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير في إحدى الروايات نحو ذلك وقال ابن عباس وجماعة : هو الضعيف وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة هو الرفيق في السفر وقال سعيد بن جبير هو الرفيق الصالح وقال زيد بن أسلم هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر .
وأما ابن السبيل فعن ابن عباس وجماعة هو الضيف وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر والحسن والضحاك ومقاتل هو الذي يمر عليك مجتازا في السفر وهذا أظهر وإن كان مراد القائل بالضيف المار في الطريق فهما سواء وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة وبالله الثقة وعليه التكلان .
وقوله تعالى "وما ملكت أيمانكم" وصية بالأرقاء لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس فلهذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوصي أمته في مرض الموت يقول "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه
وقال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا بقية حدثنا جبير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معديكرب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة وما أطعمت خادمك فهو لك صدقه" ورواه النسائي من حديث بقية وإسناده صحيح ولله الحمد .
وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له هل أعطيت الرقيق قوتهم ؟ قال لا : قال فانطلق فأعطهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كفى المرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم" رواه مسلم وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق" .
رواه مسلم أيضا عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي حره وعلاجه" أخرجاه ولفظه للبخاري ولمسلم "فليقعده معه فليأكل فإن كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده أكلة أو أكلتين" وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم" أخرجاه .
وقوله تعالى "إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا أي مختالا في نفسه معجبا متكبرا فخورا" على الناس يرى أنه خير منهم فهو في نفسه كبير وهو عند الله حقير وعند الناس بغيض قال مجاهد في قوله إن الله لا يحب من كان مختالا يعني متكبرا فخورا يعني بعد ما أعطي وهو لا يشكر الله تعالى يعني يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه وهو قليل الشكر على ذلك وقال ابن جرير حدثني القاسم حدثنا الحسين حدثنا محمد بن كثير عن عبد الله بن واقد عن أبي رجاء الهروي قال : لا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا وتلا
وما ملكت أيمانكم الآية ولا عاقا إلا وجدته جبارا شقيا وتلا "وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا" وروى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب مثله في المختال الفخور وقال حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم عن الأسود بن شيبان حدثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير قال : قال مطرف كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه فلقيته فقلت يا أبا ذر بلغني أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة قال : أجل فلا إخالك أكذب على خليلي ثلاثا ؟ قلت من الثلاثة الذين يبغض الله ؟ قال المختال الفخور أوليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل ثم قرأ الآية إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا"
وحدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن خالد عن أبي تميمة عن رجل من بني الهجيم قال : قلت يا رسول الله أوصني قال : "إياك إسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة والله لا يحب المخيلة" .
الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37)
الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا
يقول تعالى "ذاما الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به من بر الوالدين والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم من الأرقاء ولا يدفعون حق الله فيها ويأمرون الناس بالبخل أيضا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" وأي داء أدوأ من
البخل "."
وقال "إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا" .
وقوله تعالى "ويكتمون ما آتاهم الله من فضله" فالبخيل جحود لنعمة الله ولا تظهر عليه ولا تبين لا في مأكله ولا في ملبسه ولا في إعطائه وبذله كما قال تعالى "إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد" أي بحاله وشمائله "وإنه لحب الخير لشديد" وقال ههنا ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ولهذا توعدهم بقوله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والكفر هو الستر والتغطية فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها فهو كافر لنعمة الله عليه.
وفي الحديث "إن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه"
"وفي الدعاء النبوي" واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتممها علينا "وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك ولهذا قال تعالى" وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا "رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس وقاله مجاهد وغير واحد ."
ولا شك أن الآية محتملة لذلك والظاهر أن السياق في البخل بالمال وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء وكذلك الآية التي بعدها.
والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38)
والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا
وهي قوله "الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس" فإنه ذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم
السمعة وأن يمدحوا بالكرم ولا يريدون بذلك وجه الله وفي حديث "الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار وهم العالم والغازي والمنفق والمراءون بأعمالهم يقول صاحب المال ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك فيقول الله كذبت إنما أردت أن يقال جواد فقد قيل" أي فقد أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك .
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم "إن أباك أراد أمرا فبلغه" وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن عبد الله بن جدعان هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه ؟ فقال : لا : إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
"ولهذا قال تعالى" ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر "الآية أي إنما حملهم صنيعهم هذا القبيح وعدو لهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان فإنه سول لهم وأملى لهم وقارنهم فحسن لهم القبائح ولهذا قال تعالى" ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا "ولهذا قال الشاعر :"
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
.
وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39)
وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما
ثم قال تعالى "وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله" الآية .
أي وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطريق الحميدة وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله وأنفقوا مما رزقهم الله "في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها وقوله" وكان الله بهم عليما "أي وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه ويلهمه رشده ويقيضه لعلم صالح يرضى به عنه وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي الذي من طرد عن بابه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة عياذا بالله من ذلك ."
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (40)
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
يقول تعالى "مخبرا أنه لا يظلم أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل"
ولا مثقال ذرة بل يوفيها له ويضاعفها له "إن كانت حسنة كما قال تعالى" ونضع الموازين القسط "الآية وقال تعالى مخبرا عن لقمان أنه قال" يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله الآية .
وقال تعالى "يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" وفي الصحيحين من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل وفيه "فيقول الله عز وجل ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار" وفي لفظ "أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار" فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقول أبو سعيد اقرءوا إن شئتم إن الله لا يظلم مثقال ذرة الآية .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عيسى بن يونس عن هارون بن عنترة عن عبد الله بن السائب عن زاذان قال : قال عبد الله بن مسعود يؤتى بالعبد أو الأمة يوم القيامة فينادي مناد على رءوس الأولين والآخرين هذا فلان بن فلان من كان له حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها ثم قرأ "فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" فيغفر الله من حقه ما يشاء ولا
يغفر من حقوق الناس شيئا فينصب للناس فيقول ائتوا إلى الناس حقوقهم فيقول يا رب فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم فيقول خذوا من أعماله الصالحة فأعطوها كل ذي حق حقه بقدر مظلمته فإن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة ثم قرأ علينا "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها"
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|