عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 22-11-2025, 10:13 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء الثانى

سورة البقرة
من صــ271 الى صــ 280
الحلقة (82)






وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206)
وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد
وقوله "وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم" أي إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله وقيل له اتق الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم أي بسبب ما اشتمل عليه من الآثام وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير" ولهذا قال في هذه الآية "فحسبه جهنم ولبئس المهاد" أي هي كافيته عقوبة في ذلك .
ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد (207)
ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد
وقوله "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله" لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله" قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة نزلت في صهيب بن سنان الرومي وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل فتخلص منهم وأعطاهم ماله فأنزل الله فيه هذه الآية فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له ربح البيع فقال وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك فأخبروه أن الله أنزل هذه
الآية .
ويروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له "ربح البيع صهيب" قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة حدثنا سليمان بن داود حدثنا جعفر بن سليمان الضبي حدثنا عوف عن أبي عثمان النهدي عن صهيب قال : لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت لي قريش يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك وتخرج أنت ومالك والله لا يكون ذلك أبدا فقلت لهم أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني ؟ قالوا نعم فدفعت إليهم مالي فخلوا عني فخرجت حتى قدمت المدينة فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال "ربح صهيب ربح صهيب" مرتين وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال : أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وأنثل ما في كنانته ثم قال : يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلا وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي قالوا نعم فلما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "ربح البيع" قال ونزلت "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد"

وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم" ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما وتلوا هذه الآية "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد" .
يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (208)
يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو
يقول الله تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه والعمل بجميع أوامره وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك .
قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد وطاوس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله "ادخلوا في السلم" يعني الإسلام .
وقال الضحاك عن ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس "ادخلوا في السلم" يعني الطاعة .
وقال قتادة أيضا الموادعة وقوله "كافة" قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة والضحاك جميعا وقال مجاهد أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر .
وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن يسبتوا وأن يقوموا بالتوراة ليلا فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام.
ومن المفسرين من يجعل قوله "كافة" حالا من الداخلين أي ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول وهو أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جدا ما استطاعوا منها كما قال ابن أبي حاتم : أخبرنا علي بن الحسين أخبرنا أحمد بن الصباح أخبرني الهيثم بن يمان حدثنا إسماعيل

بن زكريا حدثني محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس "يا أيها الذين امنوا ادخلوا في السلم كافة" كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب فإنهم كانوا مع الإيمان مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم فقال الله "ادخلوا في السلم كافة" يقول ادخلوا في شرائع دين محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا تدعوا منها شيئا وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها .
وقوله "ولا تتبعوا خطوات الشيطان" أي اعملوا بالطاعات واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان ف "إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" و "إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" ولهذا قال "إنه لكم عدو مبين" قال مطرف : أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان ؟ .
فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209)
فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم
وقوله "فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات" أي عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج فاعلموا أن الله عزيز أي في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس : عزيز في نقمته حكيم في أمره وقال محمد بن إسحاق : العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.
هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210)
هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور
يقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة" يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين فيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر ولهذا قال تعالى "وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور" كما قال تعالى "كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى" وقال هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك "الآية ."
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير هاهنا حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد

وغيرهم وفيه - أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدا واحدا من آدم فمن بعده فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فإذا جاءوا إليه قال "أنا لها أنا لها" فيذهب فيسجد لله تحت العرش فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة ثم الثانية ثم الثالثة إلى السابعة وينزل حملة العرش والكروبيون قال وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة ولهم زجل في تسبيحهم يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت سبحان ذي العزة والجبروت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبوح قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي السلطان والعظمة سبحانه سبحانه أبدا أبدا .
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا أحاديث فيها غرابة والله أعلم .
فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ميسرة عن مسروق عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي" وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم حدثنا

معتمر بن سليمان سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد الله بن عمرو "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام" الآية .
قال يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع له القلوب .
قال : وحدثنا أبي حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي حدثنا الوليد قال : سألت زهير بن محمد عن قول الله "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام" قال : ظلل من الغمام منظوم من الياقوت مكلل بالجوهر والزبرجد .
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في ظلل من الغمام قال : هو غير السحاب ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا .
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية : "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة" يقول : والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام والله تعالى يجيء فيما يشاء وهي في بعض القراءات "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام" وهي كقوله "ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا" .
سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب (211)
سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب
يقول تعالى مخبرا عن بني إسرائيل كم شاهدوا مع موسى من آية بينة أي حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به كيده وعصاه وفلقه البحر وضربه الحجر وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر ومن إنزال المن والسلوى وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه ومع هذا أعرض كثير

منهم عنها وبدلوا نعمة الله كفرا أي استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها "ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب" كما قال تعالى إخبارا عن كفار قريش "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار" .
زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212)
زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب
ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها مما يرضي الله عنهم وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم وبذلوه ابتغاء وجه الله فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين ؟ ولهذا قال تعالى "والله يرزق من يشاء بغير حساب" أي يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاء كثيرا جزيلا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة كما جاء في الحديث "ابن آدم أنفق أنفق عليك" وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا" وقال تعالى "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه" وفي الصحيح "أن ملكين ينزلان من السماء صبيحة كل يوم فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا" وفي الصحيح "يقول ابن آدم : مالي مالي"

وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت وما لبست فأبليت وما تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس "وفي مسند الإمام أحمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال" الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له "."
كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213)
كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو داود أخبرنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله "كان الناس أمة واحدة فاختلفوا" ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار عن محمد بن بشار ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه وكذا روى أبو جعفر الرازي عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها "كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين"

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله "كان الناس أمة واحدة" قال : كانوا على الهدى جميعا "فاختلفوا فبعث الله النبيين" فكان أول من بعث نوحا .
وهكذا قال مجاهد كما قال ابن عباس أولا .
وقال العوفي عن ابن عباس "كان الناس أمة واحدة" يقول : كانوا كفارا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين والقول الأول عن ابن عباس أصح سندا ومعنى لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحا عليه السلام فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
ولهذا قال تعالى "وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم" أي من بعد ما قامت الحجج عليهم وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض "فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" وقال عبد الرزاق : حدثنا معمر عن سليمان الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في قوله "فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه" الآية قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة نحن أول الناس دخولا الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع فغدا لليهود وبعد غد للنصارى" ثم رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة .
وقال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله "فهدى الله"

ا2?ذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه "فاختلفوا في يوم الجمعة فاتخذ اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد فهدى الله أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ليوم الجمعة واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس فهدى الله أمة محمد للقبلة واختلفوا في الصلاة فمنهم من يركع ولا يسجد ومنهم من يسجد ولا يركع ومنهم من يصلي وهو يتكلم ومنهم من يصلي وهو يمشي فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك ."
واختلفوا في الصيام فمنهم من يصوم بعض النهار ومنهم من يصوم عن بعض الطعام فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.
واختلفوا في إبراهيم عليه السلام فقالت اليهود : كان يهوديا .
وقالت النصارى : كان نصرانيا وجعله الله حنيفا مسلما فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك .
واختلفوا في عيسى عليه السلام : فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانا عظيما وجعلته النصارى إلها وولدا وجعله الله روحه وكلمته فهدى الله أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - للحق من ذلك وقال الربيع بن أنس في قوله "فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه" أي عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف أقاموا على الإخلاص لله عز وجل وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون أن رسلهم قد بلغوهم وأنهم قد كذبوا رسلهم وفي قراءة أبي بن كعب وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وكان أبو العالية يقول في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن .
وقوله "بإذنه" أي بعلمه بهم وبما هداهم له قاله ابن جرير "والله يهدي من يشاء" أي من خلقه "إلى صراط مستقيم" أي وله الحكمة والحجة البالغة .
وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول : "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات"

والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم "وفي الدعاء المأثور" اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله متلبسا علينا فنضل واجعلنا للمتقين إماما ".




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.32 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.75%)]