عرض مشاركة واحدة
  #57  
قديم 21-11-2025, 05:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء الثانى

سورة البقرة
من صــ21 الى صــ 30

الحلقة (57)






وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (110)
وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير
وقوله تعالى "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله" يحثهم تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد "يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار" ولهذا قال تعالى "إن الله بما تعملون بصير" يعني أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل ولا يضيع لديه سواء كان خيرا أو شرا فإنه سيجازي كل عامل بعمله .
وقال أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى "إن الله بما تعملون بصير" هذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين أنهم مهما فعلوا من خير أو شر سرا وعلانية فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء فيجزيهم بالإحسان خيرا وبالإساءة مثلها وهذا الكلام وإن كان قد خرج مخرج الخبر فإنه وعد أو وعيد أو أمر أو زجر وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه كما قال تعالى "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله" وليحذروا معصيته قال وأما قوله "بصير" فإنه مبصر صرف إلى بصير كما صرف مبدع إلى بديع ومؤلم إلى أليم والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبو زرعة أخبرنا ابن بكير حدثني أبي لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية "سميع بصير" يقول "بكل شيء بصير" .
وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111)
وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين

يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا "نحن أبناء الله وأحباؤه" فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك وكما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة ثم ينتقلون إلى الجنة ورد عليهم تعالى في ذلك وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة فقال تلك أمانيهم وقال أبو العالية أماني تمنوها على الله بغير حق وكذا قال قتادة والربيع بن أنس ثم قال تعالى "قل" أي يا محمد "هاتوا برهانكم" قال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس حجتكم وقال قتادة بينتكم على ذلك "إن كنتم صادقين" أي فيما تدعونه قال تعالى "بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن" أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له كما قال تعالى "فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن" الآية .
بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112)
بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
قال أبو العالية والربيع "بلى من أسلم وجهه لله" يقول من أخلص لله .
وقال سعيد بن جبير "بلى من أسلم" أخلص "وجهه" قال دينه "وهو محسن" أي اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فإن للعمل المتقبل شرطين : أحدهما أن يكون خالصا لله وحده والآخر أن يكون صوابا موافقا للشريعة فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" رواه مسلم من حديث عائشة عنه عليه الصلاة والسلام

فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعا للرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث إليهم وإلى الناس كافة وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا" وقال تعالى "والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا" وقال تعالى "وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية" وروي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المرائين والمنافقين كما قال تعالى "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا" وقال تعالى "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون" ولهذا قال تعالى "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" وقال في هذه الآية الكريمة "بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن" وقوله "فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور وآمنهم مما يخافونه من المحذور "فلا خوف عليهم" فيما يستقبلونه "ولا هم يحزنون" على ما مضى مما يتركونه كما قال سعيد بن جبير "فلا خوف عليهم" يعني في الآخرة "ولا هم يحزنون" يعني لا يحزنون للموت .
وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113)
وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون
وقوله تعالى "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب" بين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم كما قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أبو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رافع بن حرملة : ما أنتم على شيء وكفر بعيسى وبالإنجيل وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود : ما أنتم على شيء وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة فأنزل الله

في ذلك من قولهما "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب" قال إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به أن يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى وما جاء من التوراة من عند الله وكل يكفر بما في يد صاحبه وقال مجاهد في تفسير هذه الآية قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء وقال قتادة "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء" قال : بلى قد كانت أوائل النصارى على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا "وقالت النصارى ليست اليهود على شيء" قال بلى قد كانت أوائل اليهود على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا وعنه رواية أخرى كقول أبي العالية والربيع بن أنس في تفسير هذه الآية "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء" هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوا من علمهم بخلاف ذلك ولهذا قال تعالى "وهم يتلون الكتاب" أي وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل كل منهما قد كانت مشروعة في وقت ولكنهم تجاهدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد بالفاسد كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها والله أعلم وقوله "كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم" بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوه من القول وهذا من باب الإيماء والإشارة وقد اختلف فيما عنى بقوله تعالى "الذين لا يعلمون" فقال الربيع بن أنس وقتادة "كذلك قال"
الذين لا يعلمون "قالا : وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم"

وقال ابن جريج : قلت لعطاء من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل وقال السدي كذلك "قال الذين لا يعلمون" فهم العرب قالوا ليس محمد على شيء واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع وليس ثم دليل قاطع يعين واحدا من هذه الأقوال والحمل على الجميع أولى والله أعلم وقوله تعالى "فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون" أي أنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد" وكما قال تعالى "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" .
ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (114)
ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم
اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها على قولين : أحدهما ما رواه العوفي في تفسيره عن ابن عباس في قوله "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه" قال هم النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه .
وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في قوله "وسعى في خرابها" قال هو بختنصر وأصحابه خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك النصارى وقال سعيد عن قتادة : قال أولئك أعداء الله النصارى حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس .

وقال السدي : كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه وأمر أن تطرح فيه الجيف وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا وروي نحوه عن الحسن البصري "القول الثاني" ما رواه ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها" قال هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وبين أن يدخلوا مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم وقال لهم "ما كان أحد يصد عن هذا البيت وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده" فقالوا لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق وفي قوله "وسعى في خرابها" قال إذا قطعوا من يعمرها بذكره ويأتيها للحج والعمرة.
وقال ابن أبي حاتم ذكر عن سلمة قال : قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام فأنزل الله "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه" ثم اختار ابن جرير القول الأول واحتج بأن قريشا لم تسع في خراب الكعبة وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس "قلت" والذي يظهر - والله أعلم - القول الثاني كما قاله ابن زيد .
وروي عن ابن عباس لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس كأن دينهم أقوم من دين اليهود وكانوا أقرب منهم ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولا إذ ذاك لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون وأيضا فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول وأصحاب من مكة ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة فأي خراب أعظم مما فعلوا ؟ أخرجوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم

أن وشركهم كما قال تعالى "وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون" وقال تعالى "ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين" وقال تعالى "هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما" فقال تعالى "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله" فإذا كان من هو كذلك مطرودا منها مصدودا عنها فأي خراب لها أعظم من ذلك ؟ وليس المراد بعمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها ورفعها عن الدنس والشرك .
وقوله تعالى "أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين" هذا خبر معناه الطلب أي لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية ولهذا لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى "ألا لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ومن كان له أجل فأجله إلى مدته" وهذا إذا كان تصديقا وعملا بقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا" وقال بعضهم ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها .
والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وغيرهم وقيل إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم.
وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان وأن يجلى اليهود والنصارى منها ولله الحمد والمنة .

وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا صلوات الله وسلامه عليه وهذا هو الخزي لهم في الدنيا لأن الجزاء من جنس العمل فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صدوا عنه وكما أجلوهم من مكة أجلوا عنها "ولهم في الآخرة عذاب عظيم" على ما انتهكوا من حرمة البيت وامتهنوه من نصب الأصنام حوله ودعاء غير الله عنده والطواف به عرايا وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله وأما من فسر بيت المقدس فقال كعب الأحبار إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل عليه "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين" الآية فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفا وقال السدي فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها وقال قتادة لا يدخلون المساجد إلا مسارقة قلت وهذا لا ينفي أن يكون داخلا في معنى عموم الآية فإن النصارى ما ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة التي كانت تصلي إليها اليهود عوقبوا شرعا وقدرا بالذلة فيه إلا في أحيان من الدهر أشحن بهم بيت المقدس وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم والله أعلم وفسر هؤلاء الخزي من الدنيا بخروج المهدي عند السدي وعكرمة ووائل بن داود وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة كما قال الإمام أحمد أخبرنا الهيثم بن خارجة أخبرنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس سمعت أبي يحدث عن

بشر بن أرطاة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة" وهذا حديث حسن وليس في شيء من الكتب الستة وليس لصحابيه وهو بشر بن أرطاة حديث سواه وسوى حديث لا تقطع الأيدي في الغزو .
ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115)
ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم
وهذا والله أعلم فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة إلى بيت

المقدس والكعبة بين يديه فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد ولهذا يقول تعالى "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله" قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ : أخبرنا حجاج بن محمد أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس قال : أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا والله أعلم شأن القبلة قال الله تعالى "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله" فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه إلى بيته العتيق ونسخها فقال "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : "كان أول ما نسخ من القرآن القبلة وذلك أن رسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى السماء فأنزل الله" قد نرى تقلب وجهك في السماء "إلى قوله" فولوا وجوهكم شطره "فارتاب من ذلك اليهود وقالوا" ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها "فأنزل الله" قل لله المشرق والمغرب "وقال" فأينما تولوا فثم وجه الله "وقال عكرمة عن ابن عباس" فأينما تولوا فثم وجه الله "قال قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا وقال مجاهد فأينما تولوا فثم وجه الله حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها"

الكعبة وقال ابن أبي حاتم بعد رواية الأثر المتقدم عن ابن عباس في نسخ القبلة عن عطاء عنه وروي عن أبي العالية والحسن وعطاء الخراساني وعكرمة وقتادة والسدي وزيد بن أسلم نحو ذلك وقال ابن جرير وقال آخرون : بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة وإنما أنزلها ليعلم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية إلا
كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية لأن له تعالى المشارق والمغارب وإنه لا يخلو منه مكان كما قال تعالى "ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا" قالوا : ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام هكذا قال وفي قوله وأنه تعالى لا يخلو منه مكان إن أراد علمه تعالى فصحيح فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
قال ابن جرير وقال آخرون بل نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذنا من الله أن يصلي المتطوع حيث توجه من شرق أو غرب في مسيره في سفره وفي حال المسايفة وشدة الخوف حدثنا أبو كريب أخبرنا ابن إدريس حدثنا عبد الملك هو ابن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ويتأول هذه الآية "فأينما تولوا فثم وجه الله" ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان به وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة من غير ذكر الآية




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.68 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.73%)]