عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 14-11-2025, 11:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس

صـــ 150 الى صـــ 159
(104)





وفي الرواية الأخرى لا تصح الخلوة اعتبارا للقضاء بالأداء، وفي صوم النفل رواية شاذة أيضا أنه يمنع صحة الخلوة بمنزلة حج النفل، وكذلك إن كانت رتقاء أو قرناء لا يحصل التسليم لقيام المانع حسا، بخلاف ما إذا كان الزوج مجبوبا أو عنينا وقد بيناه، ولو كان بينهما ثالث لا تصح الخلوة لقيام المانع إلا أن يكون الثالث ممن لا يشعر بذلك كصغير لا يعقل أو مغمى عليه أو نحو ذلك، وإن خلا بزوجته وهناك أمته وكان محمد - رحمه الله تعالى - يقول: لا تصح الخلوة، بخلاف ما إذا كان هناك أمتها؛ لأنه يحل له وطء أمته دون أمتها ثم رجع، وقال لا تصح الخلوة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله تعالى -؛ لأنه يمتنع من غشيانها بين يدي أمته طبعا، وعلى هذا لو خلا بزوجتيه لم تصح الخلوة لما قلنا، والمكان الذي لا تصح الخلوة فيه أن يأمنا فيه اطلاع غيرهما عليهما بغير إذن كالدار والبيت وما أشبه ذلك، ولهذا لا تصح الخلوة في المسجد والطريق الأعظم والسطح الذي ليس على جوانبه سترة، وبعد صحة الخلوة إذا تصادقا على أنه لم يدخل بها لا يكونا محصنين؛ لأن الخلوة إنما تجعل كالاستيفاء فيما هو من حكم العقد، والإحصان ليس من ذلك في شيء، فإن أقرا بالجماع لزمهما حكم الإحصان، وإن أقر به أحدهما صدق على نفسه دون صاحبه.
ولا يحصن الخصي إذا كان لا يجامع، وكذلك المجبوب والعنين، فإن جاءت بولد حتى ثبت به النسب من الزوج ففي الخصي والعنين يكونا محصنين؛ لأن الحكم بثبوت النسب حكم بالدخول، وفي المجبوب ذكر في اختلاف زفر ويعقوب - رحمهما الله تعالى - أن على قول زفر - رحمه الله تعالى - هي تصير محصنة لما حكمنا بثبوت النسب من الزوج، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لا تصير هي محصنة؛ لأنه لا تصور للجماع بدون الآلة، والحكم بثبوت النسب بطريق الإنزال بالسحق وليس
ذلك من الجماع في شيء، وثبوت حكم الإحصان يتعلق بعين الجماع، الرتقاء لا تحصن الرجل لانعدام الجماع مع الرتق، ولا إحصان بالجماع في النكاح الفاسد؛ لأن الإحصان عبارة عن كمال الحال، فإنما يحصل بوطء هو نعمة بل نهاية في النعمة، حتى لا يحصل بالوطء بملك اليمين، والوطء بالنكاح الفاسد حرام، فلا يوجب الإحصان.
(قال وإذا دخل الخنثى بامرأته أو دخل بالخنثى زوجها فهما محصنان؛ لأنه لما حكم بكونه رجلا أو امرأة فالجماع بالنكاح الصحيح تحقق بينهما فيثبت به حكم الإحصان.
(قال ولو دخل مسلم بامرأته المسلمة ثم ارتدا - والعياذ بالله تعالى - بطل إحصانهما؛ لأن الردة تحبط العمل ويلحق المرتد بمن لم يزل كافرا، فكما أن الكافر الأصلي لا يكون محصنا فالمرتد كذلك.
فإن أسلما جميعا لم يكونا محصنين إلا بجماع جديد بمنزلة زوجين حربيين أو ذميين أسلما
وكذلك العبد مع امرأته الأمة إذا أعتقها لم يكونا محصنين حتى يجامعها بعد العتق، فإن جامعها فهما محصنان علما بالعتق أو لم يعلما علمت المرأة أن لها الخيار أو لم تعلم، فإذا جامعها قبل أن تختار نفسها فقد جامعها بنكاح صحيح بعدما كمل حالهما بالعتق فكانا محصنين.
(قال وإذا ولدت المرأة من الرجل وهما ينكران الدخول فهما محصنان؛ لأن الولد شاهد على الدخول بينهما وهو أقوى من شهادة شاهدين، فإذا كان الإحصان يثبت بشهادة شاهدين فبثبوت النسب أولى، وهذا لأنهما مكذبان في إنكارهما الدخول شرعا، والمكذب شرعا لا يعتبر إنكاره.
(قال وإذا أقرت المرأة أن زوجها قد جامعها وأنكر الزوج ثم فارقها وانقضت عدتها حل لزوجها الأول الذي كان طلقها ثلاثا أن يصدقها ويتزوجها؛ لأنها أخبرت من أمر بينها وبين ربها وهو حلها للزوج الأول، ولا حق للزوج الثاني في ذلك، فإنكاره في ذلك الحكم وجودا وعدما بمنزلة، وكذلك إن أخبره بذلك ثقة، ولو أنكرت الدخول بعد إقرارها وقد تزوجها الزوج الأول لم تصدق في ذلك لأنها مناقضة، ولو كان زوجها الذي فارقها هو الذي أقر بالجماع ولم تقر هي لم يحل للزوج الأول أن يتزوجها، ولا يصدق الزوج الثاني عليها؛ لأنه لا حق له في حلها وحرمتها للزوج الأول، ولا قول له في ذلك أصلا، ويستوي إن كان خلا بها أو لم يخل بها، ألا ترى أنها لا تصير محصنة بإقرار الزوج الثاني أنه قد جامعها إذا أنكرت هي، فكذلك لا تصير محللة للزوج الأول.
(قال وإذا قالت: طلقني زوجي أو مات عنى وانقضت عدتي حل لخاطبها أن يتزوجها ويصدقها؛ لأن الحل والحرمة من حق الشرع وكل مسلم أمين مقبول القول فيما هو من حق الشرع، إنما
لا يقبل قوله في حق الغير إذا أكذبه من له الحق، ولا حق لأحد هنا فيما أخبرت به، فلهذا جاز قبول خبرها في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.
[باب نكاح المتعة]
(قال بلغنا «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أحل المتعة ثلاثة أيام من الدهر في غزاة غزاها اشتد على الناس فيها العزوبة ثم نهى عنها»، وتفسير المتعة أن يقول لامرأته: أتمتع بك كذا من المدة بكذا من البدل، وهذا باطل عندنا جائز عند مالك بن أنس وهو الظاهر من قول ابن عباس - رضي الله عنه - واستدل بقوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} [النساء: 24] ولأنا اتفقنا على أنه كان مباحا والحكم الثابت يبقى حتى يظهر نسخه ولكن قد ثبت نسخ هذه الإباحة بالآثار المشهورة، فمن ذلك ما روى محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب «أن منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نادى يوم خيبر ألا إن الله تعالى ورسوله ينهيانكم عن المتعة» ومنه حديث الربيع بن سبرة - رضي الله عنه - قال: «أحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتعة عام الفتح ثلاثة أيام، فجئت مع عم لي إلى باب امرأة ومع كل واحد منا بردة وكان بردة عمي أحسن من بردتي فخرجت امرأة كأنها دمية عيطاء فجعلت تنظر إلى شبابي وإلى بردته، وقالت هلا بردة كبردة هذا أو شباب كشباب هذا ثم آثرت شبابي على بردته فبت عندها فلما أصبحت إذا منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينادي ألا إن الله تعالى - ورسوله ينهيانكم عن المتعة فانتهى الناس عنها» ثم الإباحة المطلقة لم تثبت في المتعة قط إنما ثبتت الإباحة مؤقتة بثلاثة أيام، فلا يبقى ذلك بعد مضي الأيام الثلاثة حتى يحتاج إلى دليل النسخ وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول نسختها آية الطلاق والعدة والميراث وكان عمر - رضي الله عنه - يقول لو كنت تقدمت في المتعة لرجمت، وقال جابر بن يزيد - رضي الله عنه - ما خرج ابن عباس - رضي الله عنهما - من الدنيا حتى رجع عن قوله في الصرف والمتعة فثبت النسخ باتفاق الصحابة - رضي الله عنهم -، ولما سئلت عائشة - رضي الله عنها - عن ذلك فقالت بيني وبينكم كتاب الله تعالى وتلت قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] الآية، وهذه ليست بزوجة له، ولا ملك يمين له، وبيان أنها ليست بزوجة ما قال في الكتاب أنه لا يرث أحدهما من صاحبه بالزوجية، ولا يقع عليها الطلاق والظهار والإيلاء واستكثر من الشواهد لذلك في الكتاب، والمراد بقوله:
{فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24] الزوجات فإنه بناء على قوله {أن تبتغوا بأموالكم محصنين} [النساء: 24] والمحصن الناكح
(قال وإن قال: تزوجتك شهرا فقالت: زوجت نفسي منك، فهذا متعة وليس بنكاح عندنا، وقال زفر - رحمه الله تعالى - هو نكاح صحيح؛ لأن التوقيت شرط فاسد، فإن النكاح لا يحتمل التوقيت، والشرط الفاسد لا يبطل النكاح بل يصح النكاح ويبطل الشرط، كاشتراط الخمر وغيرها، توضيحه أنه لو شرط أن يطلقها بعد شهر صح النكاح وبطل الشرط، فكذا إذا تزوجها شهرا، وحجتنا في ذلك ما روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: لا أوتى برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمته، ولو أدركته ميتا لرجمت قبره والمعنى فيه أن النكاح لا يحتمل التوقيت إنما التوقيت في المتعة، فإذا وقتا فقد وجد منهما التنصيص على المتعة، فلا ينعقد به النكاح، وإن ذكر لفظ النكاح، وهذا لأنه لا يخلو إما أن ينعقد العقد مؤبدا أو في مدة الأول باطل فإنهما لم يعقدا العقد فيما وراء المدة المذكورة، ولا يجوز الحكم بانعقاد العقد فيما وراء المدة المذكورة، ولا يجوز الحكم بانعقاد الحكم في زمان لم يعقدا فيه العقد، ألا ترى أنهما لو أضافا النكاح إلى ما بعد شهر لم ينعقد في الحال؛ لأنهما لم يعقداه في الحال فكذلك هنا، ولا يجوز أن ينعقد في المدة؛ لأن النكاح لا يحتمل ذلك، وهذا يبين أن التوقيت ليس بمنزلة الشرط، ولكن ينعدم بالتوقيت أصل العقد في الزمان الذي لم يعقداه فيه، وهذا بخلاف ما إذا شرط أن يطلقها بعد شهر؛ لأن الطلاق قاطع للنكاح فاشتراط القاطع بعد شهر لينقطع به دليل على أنهما عقدا العقد مؤبدا، ألا ترى أنه لو صح الشرط هناك لا يبطل النكاح بعد مضي شهر، وهنا لو صح التوقيت لم يكن بينهما عقد بعد مضي الوقت كما في الإجارة. وقال الحسن بن زياد - رحمه الله تعالى - إن ذكرا من الوقت ما يعلم أنهما لا يعيشان أكثر من ذلك كمائة سنة أو أكثر يكون النكاح صحيحا؛ لأن في هذا تأكيد معنى التأبيد، فإن النكاح يعقد للعمر، بخلاف ما إذا ذكرا مدة قد يعيشان أكثر من تلك المدة، وعندنا الكل سواء؛ لأن التأبيد من شرط النكاح فالتوقيت يبطله طالت المدة أو قصرت، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
[باب الدعوى في النكاح]
(قال - رضي الله عنه - وإذا ادعى الرجل نكاح امرأة وأقام عليها البينة وأقامت أختها
عليه البينة أنها امرأته وأنه أتاها بزوج فالقول قول الرجل والبينة بينته صدقته أو لم تصدقه؛ لأن ملك النكاح على المرأة للزوج، ولهذا كان البدل عليه لها فالزوج يثبت ببينته ما هو حقه، والأخت الأخرى تثبت ببينتها حق لزوج وهو ملك النكاح له عليها، وبينة المرء على حق نفسه أولى بالقبول، ولأن عند تعارض البينتين لا وجه للعمل ببينة الأخت في إثبات نكاحها، فلو قبلناها إنما نقبلها في نفي النكاح على امرأة أثبت الزوج نكاحها، والبينات للإثبات لا للنفي، ومعنى هذا أن دعوى الزوج نكاح إحدى الأختين إقرار منه بحرمة الأخرى عليه في الحال، وإقراره موجب للفرقة فعرفنا أنه لا وجه للقضاء بنكاح الأخرى فبقيت تلك البينة قائمة على النفي، ولا مهر للأخرى إن لم يكن دخل بها؛ لأن أصل نكاحها لم يثبت.
ولو كان الزوج أقام البينة أنه تزوج إحداهما، ولا تعرف بعينها غير أن الزوج قال هي هذه، فإن صدقته، فهي امرأته لتصادقهما، فإن تصادقهما في حقهما أقوى من البينة، فإن جحدت ذلك فلا نكاح بينه وبين واحدة منهما؛ لأن الشهود لم يشهدوا على شيء بعينه، والشهادة بالمجهول لا تكون حجة ولأنه إما أن تزوج إحداهما بغير عينها فيكون ذلك باطلا أو تزوج إحداهما بعينها ثم نسيها الشهود فقد ضيعوا شهادتهم، فإذا بطلت الشهادة بقي دعوى الزوج، ولا يثبت النكاح بدعوته، ولا يمين له على التي يدعي النكاح عليها عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأنه لا يرى الاستحلاف في النكاح، ولا مهر عليه إن لم يكن دخل بها.
وكذلك لو قامت البينة لامرأة بعينها أن أحد هذين الرجلين تزوجها، ولا يعرفون أيهما هو والرجلان ينكران ذلك فهو باطل، ولا مهر على واحد منهما، فإن ادعت المرأة ذلك على أحدهما، فلا يمين عليه في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأن دعواها دعوى النكاح.
وإن ادعت أنه طلقها قبل الدخول وأن لها عليه نصف المهر استحلفته على نصف المهر؛ لأن دعواها الآن دعوى المال والاستحلاف مشروع في دعوى المال، فإن نكل عن اليمين لزمه ذلك، ولا يثبت النكاح؛ لأن الاستحلاف كان في المال لا في النكاح، وإنما يقضى عند النكول بما استحلف فيه خاصة كما في دعوى السرقة إذا استحلف فنكل يقضى بالمال دون القطع.
(قال وإن ادعت أختان أنه تزوجهما جميعا وكل واحدة منهما تقيم البينة أنه تزوجها أولا كان ذلك إلى الزوج فأيهما قال هي الأولى فهي الأولى، وهي امرأته؛ لأن المعارضة بين البينتين قد تحققت والعمل بهما غير ممكن لحرمة الجمع بين الأختين نكاحا، وقد علمنا أن الثابت أحدهما وهو السابق
منهما، فإما أن يكون بيان السابق منهما إلى الزوج؛ لأنه أعرف الناس بها ولأنه صاحب الملك، وإما أن يقال تصديقه إحداهما يرجح بينتها، فإذا ظهر الرجحان في بينة إحداهما قضى بنكاحها واندفعت بينة الأخرى، ولا مهر لها عليه إن لم يدخل بها، فإن جحد الزوج ذلك كله، وقال: لم أتزوج واحدة منهما أو قال: تزوجتهما جميعا، ولا أدرى أيتهما الأولى فهو سواء ويفرق بينه وبينهما؛ لأن العمل بالبينتين غير ممكن، فلا ترجيح لإحداهما فتعين التفريق بينه وبينهما وعليه نصف المهر بينهما إن كان لم يدخل بهما من قبل أنه كان يقدر على أن يبين، فإذا تجاهل في ذلك لم يبرأ من المهر، ومعنى هذا الكلام أن نكاح إحداهما صحيح بدليل أنه لو بين الزوج أن هذه هي الأولى حكمنا بصحة نكاحها، فإذا أبى أن يبين كان ذلك منه بمنزلة اكتساب سبب الفرقة بينه وبين التي صح نكاحها قبل الدخول فيلزمه نصف المهر، وليست إحداهما بأولى من الأخرى، فلهذا كان نصف المهر بينهما، ومن أصحابنا - رحمهم الله تعالى - من قال: جمع في السؤال بين فصلين وأجاب عن أحدهما، فإن هذا الجواب عما إذا قال: تزوجتهما جميعا، ولا أدري أيتهما الأولى، أما إذا قال: لم أتزوج واحدة منهما ينبغي أن لا يجب عليه شيء من المهر؛ لأن العمل بالبينتين تعذر للتعارض وهو منكر، ولا يجب المهر إلا بحجة، والأصح أن هذا جواب الفصلين؛ لأن المعارضة بين البينتين في حكم الحل دون المهر، ألا ترى أن البينتين لو قامتا بعد موت الزوج عمل بهما في حق المهر والميراث، فإذا لم يكن تعذر العمل والمعارضة في حكم المهر وجب نصف المهر في حق الزوج وليست إحداهما بأولى من الأخرى فكان بينهما، وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في الأمالي لا شيء عليه؛ لأن المقضي له بالمهر منهما مجهول، وجهالة المقضي له تمنع صحة القضاء، وعند محمد - رحمه الله تعالى - أنه قال: يقضى بجميع المهر؛ لأن النكاح لم يرتفع بجحوده فيقضى بمهر كامل للتي صح نكاحها.
(قال وإن كان دخل بإحداهما كان لها المهر وهي امرأته لترجح جانبها بالدخول، فإن البينتين إذا تعارضتا على العقد تترجح إحداهما بالقبض كما لو ادعى رجلان تلقي الملك في عين من ثالث بالشراء وأحدهما قابض وأقاما البينة كانت بينة صاحب اليد أولى، ولأن فعل المسلم محمول على الصحة والحل ما أمكن، والإمكان ثابت هنا بأن يجعل نكاح التي دخل بها سابقا، فإن قال الزوج: هي الأخيرة وتلك الأولى فرق بينه وبينها لإقراره بحرمتها عليه، وكان ذلك بمنزلة اكتساب سبب الفرقة بعد الدخول
بالنكاح الصحيح، حتى يلزمه المهر المسمى لها، ولا يصدق على أن ينقصها عن ذلك وكانت الأخرى امرأته أيضا لتصادقهما على النكاح بإقرار الزوج أنها هي الأولى.
(قال ولو تنازع رجلان في امرأة كل واحد منهما يدعي أنها امرأته ويقيم البينة، فإن كانت في بيت أحدهما وكان قد دخل بها، فهي امرأته لما أن الترجيح يحصل باليد عند تعارض البينتين على العقد، ولأن تمكنه من الدخول بها أو من نقلها إلى بيته دليل سبق عقده ودليل التاريخ كالتصريح بالتاريخ إلا أن يقيم الآخر البينة أنه تزوجها قبله فحينئذ يسقط اعتبار الدليل في مقابلة التصريح بالسبق، فإن لم تكن في يد أحدهما فأيهما أقام البينة أنه أول فهو أحق بها؛ لأن شهوده شهدوا بسبق التاريخ في عقده والثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة أو بإقرار الخصم، وإن لم يكن لهما على ذلك بينة فأيهما أقرت المرأة أنها تزوجته قبل الآخر، فهي امرأته، إما لأن بينته تترجح بإقرارها له كما بينا في جانب الزوج، أو لأن البينتين لما تعارضتا وتعذر العمل بهما بقي تصادق أحد الرجلين مع المرأة على النكاح فيثبت النكاح بينهما بتصادقهما، وإن لم تقر بشيء من ذلك فرق بينهما وبينها؛ لأن المعارضة والمساواة قد تحققت، والعمل بالبينتين غير ممكن؛ لأن ملك الحل لا يحتمل الشركة وليس أحدهما بأولى من الآخر فيبطل نكاحهما، بخلاف ملك اليمين، فإن الملك يتحمل الشركة فيجب العمل بالبينتين هناك بحسب الإمكان، وهذا لأن مقصود الملك هو التصرف، وذلك يثبت مع الشركة وهنا المقصود استباحة الوطء والنسل، وهذا يفوت بالشركة، فإذا تعذر العمل بهما وليس أحدهما بأولى من الآخر يتعين البطلان فيهما، فإن كانا لم يدخلا بها فلا مهر لها؛ لأن نكاح واحد منهما لم يثبت، ولأن الفرقة بمعنى من جهتها، فلا مهر لها قبل الدخول، وإن كانا قد دخلا بها جميعا ولا يدرى أيهما أول فعلى كل واحد منهما الأقل مما سمى، ومن مهر المثل؛ لأن كل واحد منهما إن تقدم نكاحه تأكد المسمى بالدخول، وإن تأخر فلها مهر المثل بالدخول لسقوط الحد بشبهة العقد، غير أن المال بالشك لا يجب، وإنما يجب القدر المتيقن والمتيقن هو الأقل، فلهذا كان على كل واحد منهما الأقل من المسمى، ومن مهر المثل.
(قال فإن جاءت بولد لزمهما جميعا وكان ولدهما يعقلان عنه بناء على قولنا: إن النسب يثبت من رجلين خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى -، وهي مسألة كتاب الدعوى، ويرثانه ميراث أب واحد بينهما نصفان؛ لأن الأب في الحقيقة أحدهما وهو من حق الولد من مائه فيجب ميراث أب واحد وليس أحدهما بأولى من الآخر
فيكون بينهما نصفين، ويرث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل عندنا، وقال زفر - رحمه الله تعالى - يرث من كل واحد منهما نصف ميراث ابن؛ لأنه ابن أحدهما فكما أن في جانبهما يرثانه ميراث أب واحد، فكذلك في جانبه يرث منهما ميراث ابن واحد ولكنا نقول: هو ابن لكل واحد منهما كما قال عمر وعلي - رضي الله تعالى عنهما - هو ابنهما ويرثهما، وهذا لأن البنوة لا تتحمل التجزؤ إلا أن في جانبهما تحققت المزاحمة فتثبت المناصفة، وفي جانبه لا مزاحمة فيرث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل، حتى لو انعدمت المزاحمة في جانبهما بأن مات أحدهما قبل الغلام أحرز الثاني من مال الغلام ميراث أب كامل، وهو معنى قول عمر وعلي - رضي الله تعالى عنهما - وهو للباقي منهما، ولو كانت المرأة أقرت أن أحد الرجلين هو الزوج لزمه الولد خاصة؛ لأن نكاح المقر له قد ثبت بإقرارهما، وثبوت نسب الولد منه باعتبار الفراش، ولا معارضة بين الفراش الصحيح والفاسد، فلهذا ثبت نسب الولد منه، فإن لم تقر بذلك حتى ماتت كان على كل واحد منهما نصف ما سمى لها من المهر، وكان ميراث الزوج من تركتها بينهما نصفين؛ لأن نكاح أحدهما صحيح منته بالموت فيكون له الميراث وعليه المسمى لها وليس أحدهما بأولى من الآخر فلذلك تنصف بينهما الميراث والمهر المسمى، وهذا لأن تعذر العمل بالبينتين ووجوب التوقف لمعنى الحل، وذلك يزول بموتها، ألا ترى أنه لو كان إقامة البينة من الرجلين بعد الموت وجب العمل بهذه الصفة، فكذلك إذا ماتت بعد إقامة البينتين، وهذا لأن المقصود من النكاح بعد الموت الميراث وهو مال يحتمل الشركة، وفي حال الحياة المقصود هو الحل وهو غير محتمل للشركة.
(قال ولو لم تمت هي ولكن مات أحد الرجلين، فإن قالت المرأة: هذا الميت هو الأول فلها في ماله المهر والميراث، فإن تصديقها بعد موت الزوج كتصديقها في حياته فيثبت النكاح بينهما فينتهي بالموت، ألا ترى أن رجلا لو أقر بنكاح امرأة فصدقته بعد الموت كان تصديقها صحيحا؛ لأن النكاح بموت الزوج يرتفع إلى خلف وهو العدة.
(قال) وإذا تزوجت المرأة زوجين في عقدة واحدة كان النكاح باطلا؛ لأن النكاح لا يحتمل الاشتراك وليس أحدهما بأولى من الآخر، ولا خيار لها في ذلك؛ لأن ثبوت الخيار ينبني على صحة السبب ولم يصح السبب في حق كل واحد منهما لاقتران المنافي به، وكذلك لو كانت ذمية أو حربية ثم أسلموا؛ لأن هذا لا يتجه عند أحد ممن يعتقد ملة فحكم أهل الملل في ذلك سواء.
(قال ولو كان أحد الزوجين له
أربع نسوة كان نكاح الذي ليس له نسوة منهما جائزا؛ لأنه لو انفرد نكاح الذي له أربع نسوة لم يصح، ولو انفرد نكاح الآخر كان صحيحا، فإذا اجتمعا صح نكاح من يصح نكاحه عند الانفراد، وهذا لأن المعارضة لا تتحقق بين ما له صحة وبين ما لا صحة له، وإذا صح نكاح أحدهما فعليه جميع ما سمي لها إن كانا سميا ألف درهم، وهذا على أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ظاهر، بمنزلة ما لو تزوج امرأتين وإحداهما لا تحل له بمهر واحد وأبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يفرقان بين هذه وبين تلك فيقولان: الألف هنا بمقابلة بضعها وقد سلم ذلك للذي صح نكاحه بكماله، فأما هناك الألف مسمى بمقابلة بضعين، فإذا لم يسلم له إلا أحدهما لا يلزمه إلا مقدار حصته من المهر، وإن كان سمى كل واحد منهما لنفسه خمسمائة لم يلزم هذا الزوج إلا خمسمائة؛ لأنه ما التزم إلا هذا المقدار، ولا يلزم من المهر إلا قدر ما التزمه، بخلاف الأول، فإن هناك كل واحد منهما قد سمى جميع الألف بمقابلة بضعها، فإذا سلم ذلك لأحدهما لزمه جميع المهر.
(قال والنكاح الفاسد إذا لم يكن فيه مسيس أو نظر لا يثبت حرمة المصاهرة؛ لأن النكاح إنما يقام مقام الوطء في إثبات حرمة المصاهرة؛ لأنه يتوصل به إلى الوطء شرعا، وذلك لا يحصل بالعقد الفاسد، فلهذا لا يثبت به الحرمة، ولأن النكاح الفاسد أصله غير منعقد فالسبب الفاسد لا يثبت إلا الملك الحرام، وموجب النكاح ملك الحل، وبين الحل والحرمة منافاة، فإذا انعدم إثبات الملك الحلال بالسبب الفاسد والملك الحرام بالنكاح لا يكون خلا السبب عن الحكم، والأسباب الشرعية إنما تعتبر لأحكامها فكل سبب خلا عن الحكم كان لغوا، وإذا أقامت المرأة البينة على النكاح والزوج جاحد يثبت نكاحها ولم يفسد بجحوده؛ لأن النكاح الثابت لا يرتفع إلا بالطلاق وجحوده ليس بطلاق، فإن الطلاق قطع للنكاح، والجحود نفي للنكاح أصلا، فلا يصير به قاطعا، فلهذا قضي بالنكاح بينهما والله تعالى أعلم بالصدق والصواب.
[باب الغرور في المملوكة]
(قال رجل تزوج امرأة على أنها حرة فولدت له أولادا، فإذا هي مكاتبة قد أذن لها مولاها في التزوج أخذت عقرها وقيمة ولدها إلا في رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - قال: لا تجب قيمة الولد أصلا لأنها تسعى لتحصيل الحرية لنفسها وولدها، وفي هذا تحصيل بعض مقصودها، وفي ظاهر الرواية يقول: هذا إن لو دخل الولد في كتابتها ولم يدخل؛ لأنه علق حرا
فوجب العقر، وقيمة الولد لها كما هو الحكم في المغرور، وهي بالكتابة صارت أحق بأجزائها ومنافعها، فما هو بدل جزء منها فهو لها ثم يرجع الأب بقيمة الولد على الذي غره إن كان رجل حر غره بأن زوجها منه على أنها حرة، فإن كانت المكاتبة هي التي غرته بأن زوجت نفسها منه على أنها حرة، فلا شيء لها عليه من قيمة الولد في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - الأول؛ لأنها لو رجعت عليه بقيمة الولد رجع هو عليها بذلك بسبب الغرور، فلا يكون مفيدا ثم رجع فقال لها أن تأخذ قيمة الولد وهو قول محمد - رحمه الله تعالى -؛ لأن رجوعه عليها بعد العتق، فإن ضمان الغرور بمنزلة ضمان الكفالة فيتأخر إلى ما بعد عتقها، والقيمة لها عليه في الحال فكان الرجوع مفيدا، وإن مات مولاها، وهي مكاتبة على حالها فورثه أب الولد خيرت بين أن تبطل الكتابة وبين أن تمضي عليها؛ لأنها إن أبطلت الكتابة صارت مملوكة لأب الولد بالميراث ولها منه ولد ثابت النسب فتصير أم ولد له فقد تلقاها جهتا حرية إحداهما مؤجلة بغير بدل وهو الاستيلاد والأخرى معجلة ببدل وهو الكتابة، فإن مضت على الكتابة فعتقت بالأداء، فإنما عتقت على ملك المولى الأول وكان ولاؤها له، وإن مات أب الولد قبل أن تؤدي عتقت وبطلت عنها المكاتبة؛ لأنها بمنزلة أم الولد فتعتق بموت السيد، فإن قيل: هو لم يملك رقبتها إذا اختارت المضي على الكتابة.
(قلنا نعم، ولكنه صار أحق الناس بها حتى لو أعتقها نفذ عتقه، فكذلك إذا مات؛ لأن عتق أم الولد متعلق بموت المولى شرعا على أن يصير المولى كالمعتق لها، ولأنها إنما اختارت الكتابة لما في العتق بجهة الاستيلاد من التأخير، فإذا تعجل ذلك بموت المولى فالظاهر أنها تختار هذه الجهة، فإذا عتقت سقط عنها بدل الكتابة إما لانفساخ العقد برضاها أو لوقوع الاستغناء لها عن أداء البدل وهو بمنزلة ما لو وهب لها المكاتبة، ومعنى هذا أن حق المستولد فيها إلى موته فبالموت يصير مسقطا حقه، فكأنه أبرأها عن بدل الكتابة، والوارث إذا كان واحدا فإبراء المكاتب عن المكاتبة يصح إبراؤه ويعتق، ولهذا لو كان معه شريك في الميراث سعت في مكاتبتها على حالها؛ لأن إبراء أحد الوارثين عن نصيبه من بدل الكتابة لا يوجب عتق شيء منها، وإنما جعلناه كالمبرئ لتعتق، فإذا كانت لا تعتق هنا لم يكن مبرئا، ولأنه لم يسلم لها العتق مجانا في الحال فبقيت على اختيارها الأول وهو المضي على الكتابة، فلهذا سعت في مكاتبتها وكان الولاء للأول إذا أدت، ألا ترى أن المكاتب إذا ورثه رجلان فأعتقه أحدهما كان عتقه باطلا، ولو كانت
المكاتبة حين ورثها رجلان اختارت أن تكون أم ولد بطلت الكتابة ويضمن أب الولد نصف قيمتها لشريكه؛ لأن حكم الاستيلاد كما ثبت في نصيبه ثبت في نصيب الشريك أيضا؛ لأنه لا يحتمل التجزؤ فصار هو متملكا نصيب شريكه بضمان القيمة، وضمان التملك لا يختلف باليسار والإعسار.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.08 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.67%)]