الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس
صـــ 140 الى صـــ 149
(103)
(قال ولو صنع لبن امرأة في طعام فأكله الصبي، فإن كانت النار قد مست اللبن وأنضجت الطعام حتى تغير، فليس ذلك برضاع، ولا يحرم؛ لأن النار غيرته فانعدم بها معنى التغذي باللبن، وإنبات اللحم، وإنشاز العظم، وإن كانت النار لم تمسه، فإن كان الطعام هو الغالب لا تثبت به الحرمة أيضا؛ لأن المغلوب في حكم المستهلك، ولأن هذا أكل والموجب للحرمة شرب اللبن دون الأكل، وإن كان اللبن هو الغالب فكذلك في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا تثبت به الحرمة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تثبت به الحرمة؛ لأن الحكم للغالب، والغالب هو اللبن ولم يغيره شيء عن حاله وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: إلقاء الطعام في اللبن يغيره، ألا ترى أنه يرق به وربما يتغير به لونه فكان بمنزلة ما لو غيرته النار، وقيل هذا إذا كان لا يتقاطر اللبن من الطعام عند حمل اللقمة، وأما إذا كان يتقاطر منه اللبن تثبت به الحرمة عنده؛ لأن القطرة من اللبن إذا دخلت حلق الصبي كانت كافية لإثبات الحرمة، والأصح أنه لا تثبت على كل حال عنده؛ لأن التغذي كان بالطعام دون اللبن.
(قال وإذا جعل لبن امرأة في دواء فأوجر منه صبيا أو أسعط منه واللبن غالب، فهذا رضاع؛ لأنه إنما يجعل في الدواء ليصل بقوة الدواء إلى ما لا يصل إليه وحده فكان هذا أبلغ في حصول معنى التغذي به فلهذا تثبت به الحرمة.
(قال وإن جعل اللبن في ماء فشربه الصبي، فإن كان اللبن هو الغالب تثبت به الحرمة، وإن كان الماء غالبا لا تثبت به الحرمة، وكذلك إن خلط لبن الآدمية بلبن الأنعام، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - قدر ما يحصل به خمس رضعات من اللبن، إذا جعل في جب من الماء فشربه الصبي تثبت به الحرمة
فأما إذا خلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى ثم أوجر منه صبيا فعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - تثبت الحرمة منهما جميعا؛ لأن الشيء يكثر بجنسه، ولا يصير مستهلكا به، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - تثبت به الحرمة بينه وبين من يكون لبنها غالبا؛ لأن المغلوب لا يظهر حكمه في مقابلة الغالب، وعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيه روايتان في إحداهما اعتبر الأغلب كما هو قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى -، وفي الأخرى قال:
تثبت الحرمة منهما وهو قول زفر - رحمه الله تعالى -، وأصل المسألة فيما إذا حلف لا يشرب من لبن هذه البقرة فخلط لبنها بلبن بقرة أخرى فشربه فهو على هذا الخلاف.
(قال الرضاع بمنزلة النسب والوطء في إثبات حرمة المصاهرة لا فرق بين أن يوجد في دار الحرب أو في دار الإسلام.
(قال وإذا جامع الرجل المرأة أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة لم تحل لابنه، ولا لأبيه من الرضاعة، ولا تحل له أمها، ولا ابنتها من الرضاعة كما لا تحل لابنه وأبيه نسبا، فإن هذه الحرمة تعلقت بأسام تثبت تلك الأسامي بالرضاعة وهي الأبوة والأمومة، وكذلك لا يتزوج على المعتدة منه أختها من الرضاعة، ولا ذات رحم محرم منها؛ لأن حرمة الجمع متعلقة باسم الأختية، وذلك يتحقق بالرضاع كما يتحقق بالنسب، والعدة تعمل عمل صلب النكاح في المنع من النكاح.
(قال وإذا تزوج الرجل الصبية فأرضعتها أمه من الرضاعة أو أمه التي ولدته أو أخته من نسب أو رضاع أو امرأة ابنه بلبن ابنه من نسب أو رضاع حرمت عليه؛ لأن المحرمية تمنع النكاح بعلة المنافاة، فإن بين الحل والحرمة في المحل منافاة والمنافي كما يؤثر إذا اقترن بالنسب ينافي البقاء إذا طرأ عليه، فإذا حرمت عليه لزمه بذلك نصف المهر لها؛ لأن الفرقة قبل الدخول حصلت لا بمعنى من جهتها أو حصلت بمعنى من جهة الزوج وهي المحرمية، فيجب نصف الصداق لها ويرجع بذلك على التي أرضعتها إن كانت أرادت الفساد أو عمدت ذلك، وإن كانت أخطأت أو أرادت الخير بأن خافت على الرضيع الهلاك من الجوع لم يرجع به عليها، والقول فيه قولها إن لم يظهر منها تعمد الفساد؛ لأنه شيء في باطنها لا يقف عليه غيرها، فلا بد من قبول قولها فيه، وإنما يختلف الجواب في نيتها إذا أرادت الفساد أو لم ترد؛ لأنها مسببة لهذه الفرقة لا مباشرة، فإنها مباشرة للإرضاع وهو ليس بسبب موضوع للفرقة، والمسبب إذا كان متعديا في تسببه يكون ضامنا، وإن لم يكن متعديا لا يضمن كحافر البئر في ملك نفسه لا يضمن ما يسقط فيه، بخلاف الحافر في ملك الغير، فإذا أرادت الفساد كانت متعدية في السبب وإذا لم ترد الفساد لم تكن متعدية في السبب، وقد روي عن محمد - رحمه الله تعالى - أنه يرجع عليها بنصف الصداق على كل حال، فإن من أصله أن المتسبب كالمباشر، ولهذا جعل فتح باب القفص والإصطبل وحل قيد الآبق موجبا للضمان، وفي المباشرة المتعدي وغير المتعدي سواء فكذلك في التسبب على قوله، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - يرجع بمهر مثل المنكوحة؛ لأنها أتلفت ملك نكاحه فيها، وملك
النكاح عنده مضمون بالإتلاف حتى قال في شاهدي الطلاق بعد الدخول إذا رجعا ضمنا مهر المثل، وهذا لأن ملك البضع يتقوم عند دخوله في ملك الزوج بمهر المثل فكذلك عند خروجه عن ملكه، ولكنا نقول: إن ملك النكاح ليس بمتقوم في نفسه؛ لأنه ليس بملك عين، ولا منفعة إنما هو ملك ضروري لا يظهر إلا في حق الاستيفاء.
ألا ترى أنه لا يظهر في حق النقل إلى الغير والانتقال إلى الورثة فكذلك في حق التقوم بالمال، ولأنه ليس بمال في نفسه، فلا يكون مضمونا بالمال؛ لأن ضمان الإتلاف مقدر بالمثل بالنص، وتقوم البضع عند دخوله في ملك الزوج للضرورة؛ لأنه تملك للبضع وهو محترم، فلا يثبت إلا بعوض، وهذه الضرورة لا توجد عند الخروج من ملكه؛ لأنه إبطال للملك لا تمليك منها، وإبطال الملك لا يستدعي التقوم، والدليل على الفرق أن الأب يزوج ابنه الصغير بمال الصغير، وليس له أن يخلع ابنته الصغيرة بمالها، فإذا ثبت أنه غير متقوم عند خروجه من ملكه لم يجب الضمان عليها بإتلاف البضع، ولكنها قررت عليه ما كان على شرف السقوط، فإن الصداق وإن وجب بالعقد فهو بعرض السقوط ما لم يدخل بها إذا جاءت الفرقة من قبلها فهي قررت النصف عليه بما فعلته وهي متسببة في ذلك متعدية إذا تعمدت الفساد فلهذا رجع عليها بذلك.
(قال وإذا تزوج الرجل الصبية ثم تزوج عمتها فنكاح العمة باطل للنهي، فإن أرضعت أم العمة الصبية لم يفرق بينه وبينها؛ لأن الصبية وإن صارت أختا للعمة بالرضاعة، ولكن لم يصح نكاح العمة فلم يتحقق الجمع الحرام فلهذا بقي نكاح الصبية.
(قال وإذا تزوج صبيتين رضيعتين فأرضعتهما امرأة معا أو إحداهما بعد الأخرى بانتا جميعا لأنهما صارتا أختين حين أرضعت الثانية منهما فتقرر الجمع المنافي، وليست إحداهما ببطلان نكاحها بأولى من الأخرى، فإذا بانتا فلكل واحدة منهما نصف الصداق يرجع بذلك على المرضعة إن تعمدت الفساد لما قلنا، ولو كن ثلاثا فأرضعتهن معا بأن حلبت لبنها في قارورة وألقمت إحدى ثدييها إحداهن والأخرى للأخرى، وأوجرت الثلاثة معا بن جميعا منه؛ لأنهن صرن أخوات معا، وإن أرضعتهن واحدة بعد الأخرى بانت الأوليان والثالثة امرأته؛ لأنها حين أرضعت الثانية فقد تحققت الأختية بينها وبين الأولى فتقع الفرقة بينه وبينهما، ثم أرضعت الثالثة، وليس في نكاحه غيرها ففي نكاحها، وإن كن أربعا فأرضعتهن معا أو واحدة ثم الثلاث معا بن جميعا، وكذلك إن أرضعتهن جميعا واحدة بعد الأخرى؛ لأنه حين أرضعت الثانية بانت الأوليان للأختية وحين أرضعت الثالثة والرابعة بانت الأخريان أيضا
للأختية، وإن أرضعت الثلاث أولا معا ثم الرابعة بانت الثلاثة الأول دون الرابعة؛ لأنها حين أرضعتها فليس في نكاحه غيرها.
(قال وإن تزوج امرأة وصبيتين فأرضعتهما المرأة إحداهما قبل الأخرى ولم يدخل بالمرأة حرمت المرأة والصبية الأولى؛ لأنها حين أرضعت إحداهما فقد صارتا أما وابنة فتقع الفرقة بينه وبينهما ثم أرضعت الثانية، وليس في نكاحه غيرها فبقي نكاحها؛ لأن السابق مجرد العقد على الأم، وذلك لا يوجب حرمة البنت ثم لا مهر للكبيرة؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل الدخول وللصغيرة نصف المهر؛ لأن الفرقة ليست من قبلها إنما كانت من جهة الكبيرة حين أرضعتها، فإن اللبن يصل إلى جوفها من غير فعل منها في الارتضاع، ويرجع بذلك على الكبيرة إن كانت تعمدت الفساد لما قلنا، ولا تحل له هذه الكبيرة أبدا؛ لأن مجرد العقد على البنت يوجب حرمة الأم، وأما الصبية فإنها تحل له إذا فارقته التي عنده؛ لأن العقد على الأم لا يوجب حرمة البنت، وإن كان بعد ما دخل بالكبيرة حرمن عليه لأنهما صارتا ابنتها من الرضاعة، والدخول بالأم يحرم البنت ثم للكبيرة مهرها ولكل واحدة من الصغيرتين نصف المهر، ولا يحل له واحدة منهن أبدا لوجود الدخول بالأم وصحة العقد على البنت.
(قال وإذا تزوج كبيرتين وصغيرتين فأرضعت كل واحدة من الكبيرتين صغيرة وقعت الفرقة بينه وبينهن؛ لأن كل صغيرة صارت بنتا لمن أرضعتها، والجمع بين الأم والبنت في النكاح حرام، فإن كانت أرضعت إحدى الكبيرتين الصغيرتين ثم أرضعت الكبيرة الأخرى الصغيرتين، وذلك قبل الدخول بالكبيرتين، فأما الكبيرة الأولى مع الصغيرة الأولى فقد بانتا لما قلنا، والصغيرة الثانية لم تبن منه بإرضاع الكبيرة الأولى، فأما بإرضاع الكبيرة الثانية، فإن بدأت بإرضاعها بانت منه، وإن بدأت بإرضاع الأولى فالصغيرة الثانية امرأته لأنها حين أرضعت الأولى صارت أما لها وفسد نكاحها لصحة العقد على الصغيرة الأولى فيما سبق ثم أرضعت الثانية، وليس في نكاحه غيرها فلهذا لا تقع الفرقة بينه وبينها.
(قال وإذا أقر الرجل أن هذه المرأة أخته أو أمه أو ابنته من الرضاعة ثم أراد بعد ذلك أن يتزوجها، وقال: أوهمت أو أخطأت أو نسيت وصدقته المرأة فهما مصدقان على ذلك وله أن يتزوجها، وإن ثبت على قوله الأول، وقال: هو حق كما قلت ثم تزوجها فرق بينهما، ولا مهر لها عليه إن لم يكن دخل بها، وهذا استحسان، وفي القياس الجواب في الفصلين سواء؛ لأنه أقر بأنها محرمة عليه على التأبيد، والمقر به يجعل في حق المقر كالثابت بالبينة أو بالمعاينة، والرجوع عن الإقرار
باطل؛ لأنه ملزم بنفسه فسواء رجع أو ثبت كان النكاح باطلا بزعمه فيفرق بينهما، ولا مهر لها عليه، ولكنه استحسن فقال: هذا شيء يقع فيه الاشتباه فقد يقع عند الرجل أو بينه وبين امرأته رضاع فيخبر بذلك ثم يتفحص عن حقيقة الحال فيتبين له أنه قد غلط في ذلك، وفيما يقع الاشتباه إذا أخبر أنه غلط فيه يجب قبول قوله شرعا لوجهين:
(أحدهما) أن الحل والحرمة من حق الشرع، فإذا تصادقا على أنهما قد غلطا، فليس هنا من يكذبهما في خبرهما.
(والثاني) أن إقراره في الابتداء لم يكن على نفسه إنما كان عليها بحرمتها عليه والحل والحرمة صفة المحل وإقرار الإنسان على الغير لا يكون لازما، فإذا ذكر أنه غلط فيه فهو لا يريد بهذا إبطال شيء لزمه فلهذا قبل قوله في ذلك، وإن أقرت المرأة بذلك وأنكر الزوج ثم أكذبت المرأة نفسها، وقالت أخطأت فالنكاح جائز، وكذلك لو تزوجها قبل أن تكذب نفسها فالنكاح جائز، ولا تصدق المرأة على قولها؛ لأن حقيقة المحرمية لا تثبت بالإقرار، فإنه خبر محتمل متمثل بين الصدق والكذب، ولكن الثابت على الإقرار كالمجدد له بعد العقد، وإقرارها بالمحرمية بعد العقد باطل فكذلك إقرارها به قبل العقد، وأما إقراره بالحرمة بعد العقد صحيح موجب للفرقة، وكذلك إذا أقر به قبل العقد وثبت على ذلك حتى تزوجها، فإن قيل كان ينبغي أن يجب لها نصف المهر كما لو ابتدأ بعد النكاح قلنا إنما لا يجب لوجود التصديق منها على بطلان أصل النكاح، أو لأنه غير متهم بالقصد إلى إسقاط المهر إذ سبق الإقرار منه بوجوب المهر بالنكاح، يوضح الفرق بينهما أن الإقرار إنما يصح إذا كان مؤثرا في الملك، إما بالمنافاة أو بالإزالة، وإقرار الرجل مؤثر في ذلك فكان معتبرا في المنع من صحة النكاح إذا ثبت عليه، وإقرار المرأة غير مؤثر في ذلك، فلا يمنع صحة النكاح.
(قال وإذا أقر الزوج بهذه المقالة وثبت عليها وأشهد الشهود ثم تزوجته المرأة ولم يعلم بذلك ثم جاءت بهذه الحجة بعد النكاح فرق بينهما، ولا ينفعه جحوده؛ لأنه لما ثبت على مقالته في الابتداء وزعم أنه حق لا غلط فيه فقد لزمه حكم إقراره وصار كالمجدد لذلك الإقرار بعد النكاح فيفرق بينهما، ولا ينفعه الجحود، ولو أقرا بذلك جميعا ثم كذبا أنفسهما، وقالا: أخطأنا ثم تزوجها فالنكاح جائز، وكذلك هذا الباب في النسب ليس يلزم من هذا إلا ما بينا عليه؛ لأن الغلط والاشتباه فيه أظهر، فإن سبب النسب أخفى من سبب الرضاع فكما أن هناك الإقرار بدون الثبات عليه لا يوجب الحرمة فكذلك هنا.
(قال ولو تزوج امرأة ثم قال لها بعد
النكاح هي أختي أو ابنتي أو أمي من الرضاعة ثم قال: أخطأت أو أوهمت فالنكاح باق استحسانا، ولو ثبت على هذا النطق، وقال هو حق فشهدت عليه الشهود بذلك فرق بينهما، ولو جحد ذلك لم ينفعه جحوده؛ لأن إقراره إنما كان موجبا للفرقة بشرط الثبات عليه، فإن قال: أوهمت فقد انعدم ما هو شرطه، فلا يوجب الفرقة، وإذا ثبت على ذلك وجد ما هو شرط الإقرار فثبت حكمه وهو الفرقة ثم لا ينفعه جحوده بعد ذلك، وكذلك لو قال: هذه أختي أو هذه ابنتي، وليس لها نسب معروف ثم قال: أوهمت يصدق في ذلك، بخلاف ما إذا قال لعبده أو أمته هذا ابني أو هذه ابنتي ثم قال: أوهمت، فإنه يعتق عليه، ولا يصدق في ذلك والفرق من وجهين: أحدهما أن إقراره بالنسب في عبده وأمته ملزم بنفسه؛ لأن لما أقر به موجبا في ملكه وهو زوال الملك، فإن من اشترى ابنه يصح الشراء ويعتق عليه، فإذا كان لما أقر به موجب في ملكه كان هو مقرا به في ملك نفسه، وإقرار الإنسان في ملك نفسه ملزم فلهذا يتم بنفسه ثبت عليه أو لم يثبت، فأما إقراره بنسب زوجته لا موجب له في ملكه؛ لأن من تزوج ابنته لا يصح النكاح أصلا لا أن يثبت النكاح ثم يزول، وإنما لا يصح النكاح بحرمة المحل، فموجب إقراره هنا لا يظهر في ملكه، وإنما يظهر في المحل، ولا حق له في المحل؛ لأن الحل والحرمة صفة المحل فلم يكن إقراره متناولا لملكه ابتداء، فلا يكون ملزما إلا إذا ثبت عليه فحينئذ بحكم الثبات عليه يتعدى ضرره إلى ملكه فيلزمه من هذا الوجه. والثاني أن الاشتباه لا يقع بين العبد والابن بل عبده في الغالب مباين لابنه في المطعم والملبس والمجلس، فإذا كان الاشتباه يندر فيه لا يعتبر، فأما الاشتباه قد يقع بين زوجته وابنته لتقاربهما في المطعم والملبس والمجلس فلهذا يعذر إذا قال: أوهمت.
(قال ولو قال لامرأته: هذه ابنتي وثبت على ذلك ولها نسب معروف لم يفرق بينهما، وكذلك لو قال: هي أمي وله أم معروفة؛ لأنه مكذب شرعا فيما أقر به وتكذيب الشرع إياه أقوى من تكذيبه نفسه، ولو كذب نفسه، وقال: أوهمت لم يفرق بينهما فكذا إذا أكذبه الشارع وبه فارق العبد؛ لأن هناك لو أكذب نفسه كان حرا فكذلك إذا أكذبه الشرع بأن كان ثابت النسب من غيره، والمعنى ما قلنا إن إقراره بنسب العبد مصادف ملكه وهو مصدق فيما يقر به في ملك نفسه فيثبت به العتق، وإن امتنع بثبوت النسب لكونه معروف النسب من الغير، فأما إقراره بنسب امرأته لا يصادف ملكه ابتداء، وإنما يصادف المحل فيثبت به حرمة المحل ثم ينبني عليه انتفاء الملك
وهنا حرمة المحل لم تثبت حين كانت معروفة النسب من الغير فلهذا لا يبطل النكاح، وإن لم تكن معروفة النسب من الغير، ومثلها يولد لمثله وثبت على ذلك فرق بينهما، ولكنه لا يثبت النسب حقيقة إلا بتصديق المرأة إياه بذلك؛ لأن المقر يعامل في حقه وكأن ما أقر به حق، ولكن لا يصدق في حق الغير فيجعل النسب في حقه كالثابت حتى ينتفي ملكه عنها، ولكنه لا يثبت في حقها إلا بتصديقها، فلا يلزمها الانتساب إليه إلا أن تصدقه في ذلك، وإذا كان مثلها لا يولد لمثله لم يثبت النسب، ولا يفرق بينهما؛ لأن تكذيب الحقيقة إياه أقوى من تكذيبه نفسه، والفرق لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - بين هذا وبين العتق ما قلنا إن لإقراره بالنسب في ملكه موجبا فيجعل ذلك الإقرار كناية عن موجبه مجازا، وليس لإقراره بالنسب في ملك النكاح موجب من حيث الإزالة، فلا يمكن إعماله بطريق المجاز، وأكثر ما في الباب أن يقال: موجبه نفي أصل النكاح فيجعل كأنه صرح بذلك، وجحوده لأصل النكاح لا يكون موجبا للفرقة فكذلك إقراره بذلك، وكذلك لو قال: أرضعتني ومثلها لا يرضع، ولا لبن لها، فإنه مكذب في ذلك حقيقة فينزل في ذلك منزلة تكذيبه نفسه، فلهذا لا يفرق بينهما، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
[باب الإحصان]
(قال لا يحصن الرجل المسلم إلا المرأة الحرة المسلمة إذا دخل بها، هكذا نقل عن الشعبي والنخعي رحمهما الله تعالى، ومعنى هذا أنه إذا تزوج أمة ودخل بها لا يصير محصنا لقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يحصن المسلم اليهودية، ولا النصرانية، ولا الحر الأمة، ولا الحرة العبد» وكان المعنى فيه أن ثبوت الإحصان يختص بالوطء بالنكاح حتى لا يثبت بملك اليمين، وفي معنى قضاء الشهوة لا فرق بينهما فعرفنا أن الموجب للفرق أن الإحصان إنما يثبت بوجود الوطء بين مستوى الحال في صفة الكمال، فإن النكاح في العادة يكون بين مستوى الحال، ولا مساواة بين المالك والمملوك، فلا يتحقق هذا المعنى إذا وجد الدخول بالأمة بالنكاح؛ لأنه لا مساواة بين الأمة والحر، فأما إذا دخل بالكتابية بالنكاح لم يصر محصنا في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يصير محصنا قيل: هذا بناء على الرواية
التي تروى عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن الكتابية محصنة، وأنها ترجم إذا زنت، وقيل: بل هي مسألة مبتدأة، فوجه قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن ملك النكاح على الكتابية، وعلى المسلمة بصفة الكمال بدليل جواز نكاح كل واحدة منهما على الأخرى والمساواة بينهما في القسم وولاية المباشرة لكل واحدة منهما بنفسها، فكما يصير محصنا بالدخول بالمسلمة، فكذلك بالكتابية، بخلاف الأمة فإنه لا مساواة بينها وبين الحرة في حكم النكاح بل حالها على النصف من حال الحرة، وبخلاف الصغيرة والمجنونة، فإنه لا مساواة بينها وبين البالغة العاقلة في ولاية المباشرة، وفي معنى قضاء الشهوة لما في طبعه من النفرة عن المجنونة، وحجتهما ما روينا، وكذلك لما «أراد حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أن يتزوج يهودية قال له النبي - صلى الله عليه وسلم: دعها فإنها لا تحصنك» ولما أراد كعب بن مالك - رحمه الله تعالى - أن يتزوج يهودية قال له عمر - رضي الله عنه - دعها فإنها لا تحصنك ولأن الرق أثر من آثار الكفر فإذا كان الإحصان لا يثبت بوطء الأمة بالنكاح لما فيه من الرق فلأن لا يثبت بوطء الكافرة أولى، وهذا لأن معنى الازدواج لا يتم مع الاختلاف في الدين فقل ما يركن كل واحد منها إلى صاحبه فكانت بمنزلة الصغيرة والمجنونة توضيحه أن الزوجين إذا كانا كافرين لا يصيران محصنين بالدخول، ومعنى المساواة فيما بينهما أظهر، فإذا لم يثبت الإحصان بالوطء هناك فلأن لا يثبت هنا كان أولى
وكذلك المسلمة لا يحصنها الزوج إذا كان كافرا بأن أسلمت المرأة ثم دخل بها الزوج الكافر قبل أن يفرق بينهما لم تصر هي بهذا الدخول محصنة في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - على ما قلنا، وكذلك لا يحصنها العبد والمجنون وغير البالغ اعتبارا لجانبها بجانبه، فإن الإحصان عبارة عن كمال الحال، فلا يثبت إلا بوطء موصوف بكونه نعمة كاملة من الجانبين.
(قال وجماع هؤلاء يحلها للزوج الذي قد طلقها ثلاثا قبل ذلك حتى إن المطلقة ثلاثا إذا كانت ذمية فتزوجت ذميا ثم أسلمت فدخل بها زوجها قبل أن يفرق بينهما حلت للزوج الأول بهذا الدخول؛ لأن النكاح صحيح بينهما قبل تفريق القاضي، حتى لو أسلم فهما على نكاحهما، والدخول بالنكاح الصحيح يحلها للزوج الأول.
وكذلك إن كان الزوج عبدا تزوجها بإذن المولى ودخل بها حلت للزوج الأول؛ لأن إصابة الزوج الثاني إنما كان مشروعا لرفع الطلقات مغايظة للزوج الأول، وذلك يحصل بدخول العبد والكافر بها كما يحصل بدخول الحر المسلم بل معنى المغايظة في هذا أكثر، بخلاف الإحصان، فإنه
إنما يثبت بالوطء بالنكاح لاعتبار معنى كمال النعمة، والعبد والكافر في هذا ليس نظير الحر المسلم.
وعلى هذا دخول الصبي الذي يجامع مثله بالمرأة يحلها للزوج الأول عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يحلها للزوج الأول؛ لأن ثبوت الحل للأول يستدعي كمال الفعل، ألا ترى أنه لا يحصل بالجماع فيما دون الفرج، وفعل الصبي دون فعل البالغ فلانعدام صفة الكمال لا يثبت به الحل للزوج الأول، ولكنا نستدل بقوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] واسم الزوج يتناول الصبي كما يتناول البالغ ثم هذا حكم مختص بالوطء بالنكاح فيتعلق بوطء الصبي كتقرير المسمى والعدة وما هو المعنى فيه وهو مغايظة الزوج الأول حاصل أيضا، فإن استدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا حتى تذوقي من عسيلته» قلنا: ليس المراد بذوق العسيلة الإنزال بل هي اللذة، وهي تنال ذلك بوطء الصبي الذي يجامع، ولهذا يلزمها الاغتسال بنفس الإيلاج وبه يتبين كمال فعل الصبي في الوطء.
(قال وكذلك فعل هؤلاء يوجب من التحريم ما يوجبه جماع البالغ المحصن حتى إن الصبي الذي يجامع مثله يتعلق بوطئه حرمة المصاهرة، وكذا الصبية التي يجامع مثلها ثبت حرمة المصاهرة بوطئها، وإنما يختلفون فيما إذا وطئ صغيرة لا يجامع مثلها فعلى قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - لا يثبت به حرمة المصاهرة، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يثبت لوجود فعل الوطء حقيقة وهو كامل في نفسه حتى يتعلق به الاغتسال بالإيلاج من غير إنزال، ويثبت به سائر أحكام الوطء أيضا، واعتبر الوطء بالعقد، فكما أن العقد على الصغيرة كالعقد على البالغة في إيجاب الحرمة، فكذلك الواطئ وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - قالا: ثبوت حرمة المصاهرة ليس لعين الوطء. ألا ترى أنه لا يثبت بالوطء في غير المأتى، ولكن ثبوته باعتبار معنى البعضية، ولا تصور لذلك إذا كانت لا يجامع مثلها، بخلاف ما إذا كانت يجامع مثلها؛ لأن حقيقة البعضية وإن كانت باعتبار الماء فهو باطن لا يمكن الوقوف عليه فيقام السبب الظاهر مقامه، وهو بلوغها حد الشهوة، فإذا كانت ممن يشتهى أنزلت منزلة البالغة في ثبوت الحرمة بوطئها، بخلاف ما إذا كانت لا تشتهى. ألا ترى أن إباحة هذا الفعل شرعا لمقصود النسل ثم جعل بلوغها حد الشهوة في حكم إباحة هذا الفعل قائما مقام حقيقة البلوغ، فكذلك هنا، بخلاف وجوب الاغتسال، فإنه متعلق باستطلاق وكاء المني بمعنى الحرارة واللين في المحل، فلهذا يستوي فيه التي يجامع مثلها والتي لا يجامع، كما يستوي فيه الفعل في المأتى وغير المأتى. .
(قال والخلوة بين الزوجين البالغين
المسلمين وراء ستر أو باب مغلق يوجب المهر والعدة عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يوجب لقوله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237] الآية والمراد بالمسيس الجماع هكذا قال ابن عباس - رضي الله عنه - إن الله تعالى يكني القبيح بالحسن كما كنى بالمس عن الجماع ولأن هذه خلوة خلت عن الإصابة، فلا توجب المهر والعدة كالخلوة الفاسدة، وهذا لأن تقرر البدل في عقود المعاوضات بقبض المعقود عليه، والمعقود عليه معنى في باطنها لا يصير مستوفى إلا بالآلة التي تصل إلى ذلك الموضع، فلا تكون الخلوة فيها قبضا كالقصاص، فإن حق من له القصاص في الباطن لا يصير مستوفى إلا بالآلة الجارحة فلم تكن الخلوة فيه قبضا، والدليل عليه حكم الرجعة وبقاء المطالبة بالوطء، فإن الخلوة في هذين الحكمين لا تجعل كاستيفاء المعقود عليه، فكذلك في حكم المهر والعدة، وحجتنا في ذلك قوله تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء: 21] نهى عن استرداد شيء من الصداق بعد الخلوة، فإن الإفضاء عبارة عن الخلوة، ومنه يسمى المكان الخالي فضاء، ومنه قول القائل أفضيت إليه بشغري أي خلوت به، وذكرت له سري، وتبين بهذا أن المراد بما تلي المسيس أو ما يقوم مقامه وهي الخلوة، وعن عبد الرحمن بن ثوبان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من كشف قناع امرأته وقبلها فلها المهر كاملا دخل بها أو لم يدخل» ولما فرق عمر وعلي - رضي الله عنهما - ما بين العنين وامرأته ألزماه كمال المهر، وقالا ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم وعن زرارة بن أبي أوفى أنه قال: مضت السنة من الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - أن من أغلق على امرأته بابا أو أرخى حجابا كان عليه المهر كاملا دخل بها أو لم يدخل بها، ولأنها أتت بتسليم المستحق عليها بالعقد فيتقرر حقها في البدل كما إذا وطئها الزوج.
وهذا لأن البدل في عقود المعاوضات يتقرر بتسليم من له البدل لا باستيفاء من عليه كما في البيع والإجارة إذا خلى البائع بين المبيع والمشتري أو خلى الآجر بين الدار والمستأجر في المدة يتقرر البدل وإن لم يستوف، وهذا لأنا لو علقنا تقرر البدل بالاستيفاء امتنع من ذلك قصدا منه إلى الإضرار بمن له البدل، وإذا ثبت أن المعتبر التسليم فالمستحق بالعقد عليها ما في وسعها، وفي وسعها تسليم النفس في حال زوال المانع لا حقيقة استيفاء الوطء، فإذا أتت بما هو المستحق تقرر حقها في البدل على أن تقام نفسها مقام حقيقة المعقود عليه، كما أنها في جواز العقد أقيمت نفسها مقام المعقود عليه، فكذلك في حكم التسليم؛ لأن تقرر البدل بتسليم ما باعتباره يجوز العقد، وهذا
بخلاف حق الرجعة، فإن ذلك من حق الزوج وهو متمكن من حقيقة الاستيفاء، فإذا لم يفعل فهو الذي أبطل حق نفسه وليس من ضرورة وجوب العدة ثبوت الرجعة، ألا ترى أن بالموت يتقرر المهر والعدة وليس فيه تصور الرجعة، ومطالبتها بالوطء ليستعف به ويحصل لنفسها صفة الإحصان بسببه، وذلك لا يحصل بالخلوة إذا ثبت هذا فنقول: حد الخلوة الصحيحة أن لا يكون هناك مانع يمنعه من وطئها طبعا ولا شرعا، حتى إذا كان أحدهما مريضا مرضا يمنع الجماع أو صائما في رمضان أو محرما أو كانت هي حائضا لا تصح الخلوة لقيام المانع طبعا أو شرعا، وفي صوم القضاء روايتان في أصح الروايتين تصح الخلوة؛ لأن الذي يجب بالفطر قضاء يوم وهو يسير كما في صوم النفل.