عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 14-11-2025, 10:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,485
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس

صـــ 130 الى صـــ 139
(102)







ألا ترى أن الواطئ لو كان غير المولى كان المهر لها، فإن عتقت بعد هذا النكاح لم يجز ذلك النكاح؛ لأنه تعين فيه جهة البطلان لملكه رقبتها، فلا ينقلب صحيحا، وإن زال ذلك الملك، وكذلك إن تزوج المكاتب مولاته ودخل بها فعليه المهر لسقوط الحد بشبهة النكاح، ولا يجوز النكاح، وإن عتق لما قلنا، وإن تزوج المكاتب أو العبد بنت مولاه بإذنه جاز النكاح؛ لأنه لا ملك لها في رقبته، ولا حق ملك ما دام الأب حيا، فإن مات المولى فسد نكاح العبد لأنها ملكت رقبة زوجها إرثا، وملكها رقبة الزوج لو اقترن بالنكاح منع صحة النكاح، فإذا طرأ على النكاح يرفع النكاح أيضا؛ لأن المنافي يؤثر سواء كان طارئا أو مقارنا، فأما نكاح المكاتب لا يفسد بموت المولى عندنا وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يفسد وهو بناء على أن رقبة المكاتب لا تورث عندنا وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - تورث، وأصل المسألة أن المشغول بحاجة المورث لا يملكه الوارث عندنا كالتركة المستغرقة بالدين، والمكاتب أيضا مشغول بحاجته، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - كل ما كان مملوكا للمورث، فإذا لم يخرج بموته من أن يكون مملوكا للمورث يصير مملوكا لوارثه، وحجته على سبيل الابتداء في هذه المسألة أنها لو تزوجت به ابتداء بعد موت المولى لا يصح النكاح، فكذا لا يبقى النكاح كما في العبد، وتقريره أن الوارث خلافة، ورقبة المكاتب كانت مملوكة للمولى فيخلفه وارثه فيه بعد الموت.
ألا ترى أنه لو عجز كان مملوكا للوارث وعجزه ليس بموجب ملك الرقبة للوارث ابتداء، فعرفنا أنه كان مالكا قبل ذلك، وحجتنا في ذلك أن المكاتب لا يملك بسائر أسباب الملك فكذلك لا يملك بالإرث كالمدبر، والدليل عليه أنه لو أدى بدل الكتابة كان ولاؤه للمولى، وإنما يثبت الولاء لمن يعتق على ملكه، فتبين بهذا أنه باق على ملك المولى لحاجته إلى ذلك واستحقاقه ولاءه بعقد الكتابة، ولهذا يملك بعد العجز؛ لأن المانع حق المولى وقد زال فيكون ذلك السبب عاملا في إيجاب الملك بعد زوال المانع، وأما إذا تزوجت
به ابتداء بعد موت المولى إنما لا يجوز؛ لأنه ثبت لها حق أن تتملك رقبته عند زوال المانع، وحق الملك يمنع ابتداء النكاح، ولا يمنع بقاءه، ولهذا لو اشترى المكاتب امرأة مولاه لا يفسد النكاح، ولو تزوج أمة مكاتبه لا يجوز، وكذلك لو اشترى المكاتب امرأة نفسه لا يفسد النكاح، ولو تزوجها ابتداء لم يصح، وكذلك لو كفل رجل عن المكاتب بمال لابن مولاه فهو جائز، فإن مات أبوه كانت الكفالة على حالها، ولو كفل له بمال مستقبل عنه بعد موت أبيه لم يجز، ومن غير هذا الباب العدة تمنع ابتداء النكاح ولا تمنع البقاء، والإباق يمنع ابتداء البيع ولا يمنع البقاء، فالقياس في هذا كثير، وإذا ثبت بقاء النكاح قلنا: إن أعتق المكاتب فهي امرأته؛ لأنه بالعتق ازداد بعدا عنها، وإن عجز ورد في الرق بطل النكاح، ولا مهر لها إن لم يكن دخل بها؛ لأن بطلان النكاح يقرر المنافي، وذلك إذا وجد قبل الدخول أبطل النكاح من الأصل، فلا يوجب شيئا من المهر كالمحرمية، وإن كان قد دخل بها فلها المهر في رقبته يبطل منه بقدر حصتها؛ لأنها ملكت بعض رقبته، والمولى لا يستوجب على مملوكه دينا.
(قال رجل تزوج أمة رجل ثم اشترى بعضها قبل أن يدخل بها أو ملكها بوجه من الوجوه فسد النكاح لتقرر المنافي وهو ملكه جزءا من رقبتها، ولا مهر عليه إن لم يكن دخل بها، وإن كان قد دخل بها فعليه المهر لمولاها، وقد انتقض النكاح لملكه جزءا من رقبتها
وإن أتى العبد المرأة الحرة فأخبرها أنه حر فتزوجها على ذلك ثم علمت أنه عبد قد أذن له مولاه في التزوج فهي بالخيار إن شاءت أقامت معه، وإن شاءت فارقته؛ لأنه غرها، ولأنها ما رضيت أن يستفرشها مملوك، ولأنه ليس بكفء لها، وقد بينا أنه إذا كتم نسبه ثم ظهر أن نسبه المكتوم دون ما أظهره يكون لها الخيار، فإذا أظهر الحرية وتبين الرق لأن يثبت لها الخيار كان أولى، فإن اختارت الفرقة لا تكون هذه الفرقة إلا عند القاضي بمنزلة الرد بالعيب، والفسخ بعدم الكفاءة لا يثبت إلا بقضاء القاضي، ولا مهر لها عليه إن لم يكن دخل بها؛ لأنه فسخ لأصل النكاح بينهما.
(قال عبد تزوج امرأة بإذن مولاه ولم يخبرها أنه حر أو عبد، ثم علمت أنه عبد، فإن كان أولياء المرأة زوجوها منه برضاها فلا خيار لهم ولا لها؛ لأن مباشرة الأولياء العقد يكون مسقطا حقهم في طلب الكفاءة، والزوج ما شرط لها من نفسه شيئا فات عليها ذلك إنما ظنت أنه حر وظنها لا يلزم الزوج شيئا، فلهذا لا خيار لها، وإن كانت فعلته بدون الأولياء فلهم أن يفرقوا بينهما؛ لأنه غير كفء، والمرأة إذا زوجت نفسها من غير كفء فللأولياء
حق الاعتراض دفعا للعار عن أنفسهم والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
[باب الرضاع]
(قال بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وذكر عروة عن عائشة - رضي الله عنهما - هذا الحديث قال: «يحرم بالرضاع ما يحرم بالولادة»، وفيه دليل على أن الرضاع من أسباب التحريم، وأنه بمنزلة النسب في ثبوت الحرمة؛ لأن ثبوت الحرمة بالنسب لحقيقة البعضية أو شبهة البعضية، وفي الرضاع شبهة البعضية بما يحصل باللبن الذي هو جزء الآدمية في إنبات اللحم وإنشاز العظم وإليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» وفيه دليل على أن الحرمة بالرضاع كما تثبت من جانب الأمهات تثبت من جانب الآباء وهو الزوج الذي نزل لبنها بوطئه، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شبهه بالنسب في التحريم، والحرمة بالنسب تثبت من الجانبين فكذلك بالرضاع، بخلاف ما يقوله بعض العلماء - رحمهم الله تعالى - أن لبن الفحل لا يحرم وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله تعالى -، احتجوا بأن الله تعالى ذكر حرمة الرضاع في جانب النساء فقال: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] فلو كانت الحرمة تثبت من جانب الرجال لبينها الله تعالى كما بين الحرمة بالنسب، ولأن الحرمة في حق الرجل لا تثبت بحقيقة فعل الإرضاع، فإنه لو نزل اللبن في ثندوة الرجل فأرضع به صبيا لا تثبت الحرمة، فلأن لا تثبت في جانبه بإرضاع زوجته أولى، وحجتنا ذلك حديث عمرة عن عائشة - رضي الله عنهما - «قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي فسمعت صوت رجل يستأذن على حفصة - رضي الله عنها - فقلت هذا رجل يستأذن في بيتك يا رسول الله فقال: صلوات الله عليه ما أراه إلا فلانا - عما لحفصة من الرضاع - فقلت: لو كان فلان عمي من الرضاع حيا أكان يدخل علي.؟ فقال: نعم الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» وفي حديث آخر عن عائشة - رضي الله عنها - «قالت: يا رسول الله إن أفلح بن أبي قعيس يدخل علي وأنا في ثياب فضل فقال - صلى الله عليه وسلم: ليلج عليك أفلح، فإنه عمك من الرضاعة، فقلت: إنما أرضعتني المرأة لا الرجل، فقال صلوات الله عليه: ليلج عليك فإنه عمك» والعم من الرضاعة لا يكون إلا باعتبار لبن الفحل، والمعنى فيه أن سبب هذا اللبن فعل الواطئ، فالحرمة التي تنبني عليه تثبت من الجانبين كالولادة، فأما ما قالوا: إن الله تعالى بين حرمة
الرضاع في جانب النساء قلنا: من الأحكام ما يثبت بالقرآن، ومنها ما يثبت بالسنة، فحرمة الرضاع في جانب الرجل مما يثبت بالسنة، والمعنى الذي لأجله تثبت الحرمة بسبب الرضاع لا يوجد في إرضاع الرجل، فإن ما نزل في ثندوته لا يغذي الصبي، فلا يحصل به إنبات اللحم، فهذا نظير وطء الميتة في أنه لا يوجب الحرمة.
(قال ولا ينبغي للرجل أن يتزوج امرأة ابنه من الرضاعة، ولا امرأة أبيه من الرضاعة، وكذلك أجداده ونوافله وهو نظير الحرمة الثابتة بالنسب، وعلى هذا الأخوات من الرضاعة، أما إذا أرضعت امرأة واحدة ثنتين فهما أختان، فإن كان زوجها واحدا فهما أختان لأب وأم من الرضاعة، وإن كان زوجها مختلفا عن الإرضاعين فهما أختان لأم، وإن كان تحت الرجل امرأتان لكل واحدة لبن منه فأرضعت كل واحدة منهما صبية فهما أختان لأب من الرضاعة؛ لأن لبنهما من رجل واحد، وعموم قوله تعالى: {وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] يتناول ذلك كله، وكذلك بنات الأخ من الرضاع كبنات لأخ من النسب، ألا ترى أنه لما «عرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت أبي سلمة - رضي الله تعالى عنها - قال: لو لم تكن ربيبتي في حجري ما كانت تحل لي أرضعتني وأباها ثويبة، فقال علي - رضي الله تعالى عنه - يا رسول الله إنك ترغب في قريش وترغب عنا، فقال: هل فيكم شيء.؟ قال: نعم ابنة حمزة - رضي الله تعالى عنه -، فقال - صلى الله عليه وسلم: إنها ابنة أخي من الرضاعة».
(قال وإذا كان للمرأة لبن وطلقها زوجها وتزوجت آخر فحبلت من الآخر ونزل لها اللبن فاللبن من الأول حتى تلد في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، فإذا ولدت فاللبن بعد ذلك يكون من الثاني، وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - إذا عرف أن هذا اللبن من الحبل الثاني فهو من الآخر، وقد انقطع اللبن الأول، وعنه في رواية إذا حبلت من الثاني انقطع حكم لبن الأول، وقال محمد - رحمه الله تعالى - أستحسن أن يكون منهما جميعا حتى تضع من الآخر، وجه قوله أن ما كان بها من اللبن فهو من الأول وما ازداد بسبب الحبل فهو من الثاني، وباب الحرمة مبني على الاحتياط فتثبت الحرمة منهما جميعا، كما إذا حلب لبن امرأتين في قارورة وأوجر صبيا، فإذا وضعت من الثاني فقد انتسخ سبب لبن الأول باعتراض مثله عليه، فلهذا كان اللبن من الثاني بعده وأبو يوسف يقول: اللبن ينزل تارة بعد الولادة وتارة بعد الحبل قبل الولادة، فإذا عرف نزول اللبن من الثاني انتسخ به حكم اللبن من الأول كما ينتسخ بالولادة من الثاني، وعلى الرواية الأخرى يقول: لما كان الحبل سببا لنزول اللبن، وحقيقة نزول اللبن من الثاني باطل فيقام السبب
الظاهر مقام المعنى الباطن تيسيرا فينتسخ به حكم لبن الأول وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: كون اللبن من الأول ثابت بيقين، واللبن يزداد تارة وينقص أخرى باعتبار الغذاء، فهذه الزيادة تحتمل أن تكون من قوة الغذاء لا من الحبل الثاني، فلا ينتسخ به حكم اللبن من الأول حتى يتعرض مثل ذلك السبب من الثاني، وذلك يكون بالولادة.
(قال ولا يجتمع حكم الرضاع لرجلين على امرأة واحدة في حالة واحدة؛ لأن سببهما لا يجتمع حلالا شرعا فكذلك ما ينبني على ذلك السبب، ولكن ما بقي الأول لا يثبت الثاني وإذا ثبت الثاني انتفى الأول.
(قال ولا يجوز له أن يتزوج امرأة أرضعته رضاعا قليلا أو كثيرا عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - لا تثبت الحرمة إلا بخمس رضعات يكتفي الصبي بكل واحدة منها، ومن أصحاب الظواهر من اعتبر ثلاث رضعات لإيجاب الحرمة، واستدل من شرط العدد بقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان.» وفي حديث عمرة عن عائشة - رضي الله تعالى عنهما - قالت: كان فيما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخ بخمس رضعات معلومات يحرمن، وكان ذلك مما يتلى بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نسخ بعد ذلك، وحجتنا قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: 23] أثبت الحرمة بفعل الإرضاع فاشتراط العدد فيه يكون زيادة على النص، ومثله لا يثبت بخبر الواحد. وفي حديث علي - رحمه الله تعالى - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرضاع قليله وكثيره سواء» يعني في إيجاب الحرمة، ولأن هذا سبب من أسباب التحريم، فلا يشترط فيه العدد كالوطء، أما حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - فضعيف جدا؛ لأنه إذا كان متلوا بعد رسول الله، ونسخ التلاوة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز فلماذا لا يتلى الآن.؟ وذكر في الحديث «فدخل داجن البيت فأكله» وهذا يقوي قول الروافض الذين يقولون: كثير من القرآن ذهب بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يثبته الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في المصحف وهو قول باطل بالإجماع، ولو ثبت أن هذا كان في وقت من الأوقات، فإنما كان في الوقت الذي كان إرضاع الكبير مشروعا وعليه يحمل الحديث الثاني، فإن إنبات اللحم وإنشاز العظم في حق الكبير لا يحصل بالرضعة الواحدة، فكان العدد مشروعا فيه ثم انتسخ بانتساخ حكم إرضاع الكبير على ما نبينه إن شاء الله تعالى.
(قال والسعوط والوجور يثبت الحرمة؛ لأنه مما يتغذى به الصبي، فإن السعوط يصل إلى الدماغ فيتقوى به، والوجور يصل إلى الجوف
فيحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم، فأما الإقطار في الأذن لا يوجب الحرمة؛ لأن الظاهر أنه لا يصل إلى الدماغ لضيق ذلك الثقب، وكذلك الإقطار في الإحليل، فإن أكثر ما فيه أنه يصل إلى المثانة، فلا يتغذى به الصبي عادة، وكذلك الحقنة في ظاهر الرواية إلا في رواية عن محمد - رحمه الله تعالى - قال: إذا احتقن صبي بلبن امرأة تثبت به الحرمة؛ لأن ذلك يصل إلى الجوف، ألا ترى أنه يفسد به الصوم، ولكنا نقول: ليس الموجب للحرمة عين الوصول إلى الجوف بل حصول معنى الغذاء ليثبت به شبهة البعضية، وذلك إنما يحصل من الأعالي لا من الأسافل ثم بين من يحرم بسبب الرضاعة، والحاصل فيه ما بينا أنه بمنزلة النسب، فكما أن الحرمة الثابتة بالنسب في حق الأمهات والبنات تتعدى إلى الجدات والنوافل والعمات والخالات فكذلك بسبب الرضاع.
(قال ولا رضاع بعد الفصال بلغنا ذلك عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما -، وهكذا رواه جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا رضاع بعد الفصال، ولا يتم بعد الحلم، ولا صمات يوم إلى الليل، ولا وصال في صيام، ولا طلاق قبل النكاح، ولا عتق قبل الملك، ولا وفاء في نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة رحم، ولا تغرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح» والكلام هنا في فصول أحدها أن الحرمة لا تثبت بإرضاع الكبير عندنا، وعلى قول بعض الناس تثبت الحرمة لحديث «سهلة امرأة أبي حذيفة - رضي الله عنهما -، فإنها جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما انتسخ حكم التبني بقوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} [الأحزاب: 5] فقالت: يا رسول الله إن أبا حذيفة تبنى سالما فكنا نعده ولدا له، وإن لنا بيتا واحدا فماذا ترى في شأنه» وفي رواية «وإنه يدخل علي وأنا أرى الكراهة في وجه أبي حذيفة - رضي الله عنه -، فقال - صلى الله عليه وسلم: أرضعي سالما خمسا تحرمين بها عليه» وبهذا الحديث أخذت عائشة - رضي الله عنها - حتى كان إذا أراد أن يدخل عليها أحد من الرجال أمرت أختها أم كلثوم - رضي الله عنها - أو بعض بنات أختها أن ترضعه خمسا، ثم كان يدخل عليها إلا أن غيرها من نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كن يأبين ذلك ويقلن لا نرى هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا رخصة لسهلة خاصة، ثم هذا الحكم انتسخ بقوله - صلى الله عليه وسلم: «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» وذلك في الكبير لا يحصل، وقال - صلى الله عليه وسلم: «الرضاعة من المجاعة» يعني ما يرد الجوع، وذلك بإرضاع الكبير لا يحصل، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «الرضاع ما فتق الأمعاء وكان قبل الطعام» والصحابة - رضي الله عنهم -
اتفقوا على هذا، فقد ذكر في الكتاب عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهم - قالا: لا رضاع بعد الفصال، وروي أن أعرابيا ولدت امرأته ومات الولد فانتفخ ثديها من اللبن فجعل يمصه ويمج، فدخل بعض اللبن في حلقه فجاء إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - وسأله عن ذلك، فقال: حرمت عليك، فجاء إلى ابن مسعود - رضي الله عنه - وسأله عن ذلك فقال: هي حلال لك، فأخبره بفتوى أبي موسى فقام معه إلى أبي موسى ثم أخذ بأذنه وهو يقول: أرضيع فيكم هذا للحياني، فقال أبو موسى - رضي الله عنه - لا تسألوني عن شيء مادام هذا الحبر بين أظهركم وجاء رجل إلى عمر - رضي الله عنه - فقال: إن لي جارية فأرضعتها امرأتي فدخلت البيت فقالت: خذها دونك فقد والله أرضعتها، فقال عمر - رضي الله تعالى عنه - عزمت عليك أن تأتي امرأتك فتضربها ثم تأتي جاريتك فتطأها، وروي نحو هذا عن ابن عمر - رضي الله عنهما - فثبت بهذه الآثار انتساخ حكم إرضاع الكبير
ثم اختلف العلماء في المدة التي تثبت فيها حرمة الرضاع، فقدر أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بثلاثين شهرا وأبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - قدرا ذلك بحولين وزفر قدر ذلك بثلاث سنين، فإذا وجد الإرضاع في هذه المدة تثبت الحرمة وإلا فلا، واستدلا بظاهر قوله تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] ، ولا زيادة بعد التمام والكمال، وقال الله تعالى: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] ، ولا رضاع بعد الفصال، ولأن الظاهر أن الصبي في مدة الحولين يكتفي باللبن وبعد الحولين لا يكتفي به فكان هو بعد الحولين بمنزلة الكبير في حكم الرضاع وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - استدل بقوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] وظاهر هذه الإضافة يقتضي أن يكون جميع المذكور مدة لكل واحدة منهما إلا أن الدليل قد قام على أن مدة الحبل لا تكون أكثر من سنتين فبقي مدة الفصال على ظاهره، وقال الله تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} [البقرة: 233] الآية فاعتبر التراضي والتشاور في الفصلين بعد الحولين فذلك دليل على جواز الإرضاع بعد الحولين، وقال الله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} [البقرة: 233] قيل بعد الحولين إذا أبت الأمهات، ولأن اللبن كما يغذي الصبي قبل الحولين يغذيه بعده والفطام لا يحصل في ساعة واحدة لكن يفطم درجة فدرجة حتى ينسى اللبن ويتعود الطعام، فلا بد من زيادة على الحولين بمدة، وإذا وجبت الزيادة قدرنا تلك الزيادة بأدنى مدة الحبل، وذلك ستة أشهر اعتبارا للانتهاء بالابتداء، وبهذا يحتج زفر - رحمه الله تعالى -
أيضا إلا أنه يقول: لما وجب اعتبار بعض الحول وجب اعتبار كله، وتقدر مدة الفطام بحول؛ لأنه حسن للاختبار والتحول به من حال إلى حال.
(قال فإن فطم الصبي قبل الحولين ثم أرضع في مدة ثلاثين شهرا عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أو في مدة الحولين عندهما فالظاهر من مذهبهما وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه تثبت به الحرمة لوجود الإرضاع في المدة، فصار الفطام كأن لم يكن، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى قال: هذا إذا لم يتعود الصبي الطعام حتى لا يكتفي به بعد هذا الفطام، فأما إذا صار بحيث يكتفي بالطعام لا تثبت الحرمة برضاعه بعد ذلك؛ لأنه بعد ما صار بحيث يكتفي بالطعام فاللبن بعده لا يغذيه، فلا يحصل به معنى البعضية، بيانه في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: وكان قبل الطعام أي قبل أن يكتفي بالطعام.
(قال ولا بأس بأن يتزوج الرجل أم ابنه التي أرضعته؛ لأنه لا بأس بذلك من النسب فكذلك من الرضاعة، وكذلك لا بأس بأن يتزوج ابنتها، وهذا من النسب لا يحل أن يتزوج أخت ابنه لا لأجل النسب، ولكن لأنها ربيبته؛ لأنه وطئ أمها، وهذا لا يوجد في الرضاع فلهذا جاز له أن يتزوجها، وكذلك يتزوج أخت أخته من الرضاع ومثله من النسب يحل؛ لأنه إذا تزوج أخت أخته من النسب يحل ذلك بأن كان له أخ لأب وأخت لأم فلأخيه لأبيه أن يتزوج أخته لأمه؛ لأنه لا نسب بينهما موجب للحرمة فكذلك في الرضاع، وكذلك لا بأس بأن يتزوج ابنة عمه من الرضاعة أو ابنة عمته أو ابنة خاله أو ابنة خالته كما لا بأس به من النسب، وكذلك لا بأس بأن يتزوج التي أرضعت أخاه أو ما بدا له من ولدها؛ لأنه لا رضاع بينه وبينهم.
(قال ولا يجمع الرجل بين أختين من الرضاعة، ولا بين المرأة وابنة أختها أو ابنة أخيها، وكذلك كل امرأة ذات رحم محرم منها من الرضاعة للأصل الذي بينا في النسب أن كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا، والأخرى أنثى لم يجز للذكر أن يتزوج الأنثى، فإنه يحرم الجمع بينهما بالقياس على حرمة الجمع بين الأختين فكذلك من الرضاعة وتبين بهذا أن حرمة هذا الجمع ليس لقطيعة الرحم، فإنه ليس بين الرضيعتين رحم، وحرمة الجمع بينهما ثابتة.
(قال وإذا ولدت المرأة من الرجل ثم طلقها وتزوجت بزوج آخر وأرضعت بلبن الأول ولدا وهي تحت الزوج الثاني فالرضاع من الزوج الأول دون الثاني؛ لأن المعتبر من كان نزول اللبن منه لا من هي تحته، ونزول هذا اللبن كان من الأول.
(قال ولا يجوز شهادة امرأة واحدة على الرضاع أجنبية كانت أو أم أحد الزوجين، ولا
يفرق بينهما بقولها، ويسعه المقام معها حتى يشهد على ذلك رجلان أو رجل وامرأتان عدول، وهذا عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يثبت الرضاع بشهادة أربع نسوة بناء على مذهبه أن فيما لا يطلع عليه الرجال يعتبر فيه أربع نسوة لتقوم كل امرأتين مقام رجل، وزعم أن الرضاع مما لا يطلع عليه الرجال؛ لأنه يكون بالثدي، ولا تحل مطالعته للأجانب، ولكنا نقول الرضاع مما يطلع عليه الرجال؛ لأن ذا الرحم المحرم ينظر إلى الثدي وهو مقبول الشهادة في ذلك، ولأن الحرمة كما تحصل بالإرضاع من الثدي تحصل بالإيجار من القارورة، وذلك يطلع عليه الرجال، فلا تقبل فيه شهادة النساء وحدهن، وكان مالك - رحمه الله تعالى - يقول: تثبت حرمة الرضاع بشهادة امرأة واحدة إذا كانت عدلا، وهكذا روي عن عثمان - رضي الله تعالى عنه - واستدل بحديث عقبة بن الحارث - رحمه الله تعالى - «أنه تزوج ابنة أبي هانئ فجاءت امرأة سوداء وأخبرت أنها أرضعتهما فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعرض عنه ثم ذكر ثانيا فأعرض عنه ثم ثالثا فقال فارقها إذن، فقال: إنها سوداء يا رسول الله، قال كيف وقد قيل» وحجتنا في ذلك حديث عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: لا يقبل في الرضاع إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ولأن سبب نزول هذه الحرمة مما يطلع عليه الرجال، فلا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين كالحرمة بالطلاق، وحديث عقبة بن الحارث - رحمه الله تعالى - دليلنا، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أعرض عنه في المرة الأولى والثانية» فلو كانت الحرمة ثابتة لما فعل ذلك، ثم لما رأى منه طمأنينة القلب إلى قولها حيث كرر السؤال أمره أن يفارقها احتياطا، والدليل عليه أن تلك الشهادة كانت عن ضغن، فإنه قال: «جاءت امرأة سوداء تستطعمنا فأبينا أن نطعمها فجاءت تشهد على الرضاع» وبالإجماع بمثل هذه الشهادة لا تثبت الحرمة فعرفنا أن ذلك كان احتياطا على وجه التنزه وإليه أشار - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «كيف وقد قيل» وعندنا إذا وقع في قلبه أنها صادقة فالأحوط أن يتنزه عنها ويأخذ بالثقة، سواء أخبرت بذلك قبل عقد النكاح أو بعد عقد النكاح، وسواء شهد به رجل أو امرأة، فأما القاضي لا يفرق بينهما ما لم يشهد به رجلان أو رجل وامرأتان؛ لأن خبر الواحد إذا كان ثقة حجة في أمور الدين، وليس بحجة في الحكم والقاضي لا يفرق بينهما إلا بالحجة الحكمية، فأما إذا قامت عنده حجة دينية يفتي له بأن يأخذ بالاحتياط؛ لأنه إن ترك نكاح امرأة تحل له خير من أن يتزوج امرأة لا تحل له.
(قال وإذا نزل للمرأة لبن وهي بكر لم تتزوج فأرضعت
شخصا صغيرا فهو رضاع؛ لأن المعنى الذي يثبت به حرمة الرضاع حصول شبهة الجزئية بينهما والذي نزل لها من اللبن جزء منها سواء كانت ذات زوج أو لم تكن، ولبنها يغذي الرضيع فتثبت به شبهة الجزئية.
(قال وإذا حلب اللبن من ثدي المرأة ثم ماتت فشربه صبي تثبت به الحرمة لحصول المعنى الموجب للحرمة بهذا اللبن، ولا معتبر بفعلها في الإرضاع، ألا ترى أنها لو كانت نائمة فارتضع من ثديها الصبي تثبت الحرمة، وكذلك الإيجار لو حصل في حياتها تثبت الحرمة فكذلك بعد موتها.
(قال وكذلك لو حلب اللبن من ثديها بعد موتها فأوجر الصبي تثبت به الحرمة عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا تثبت وهو بناء على أصلين: أحدهما أن اللبن لا يموت عندنا؛ لأنه لا حياة فيه، ألا ترى أنه يحلب في حالة الحياة من الحيوان فيكون طاهرا وما فيه الحياة إذا بان من الحي يكون ميتا، فإذا لم يكن في اللبن حياة لا يتنجس بالموت بل عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يبقى طاهرا وعندهما يتنجس بنجاسة الوعاء كما في إنفحة الميتة، فكأنه حلب لبن امرأة في قارورة نجسة فأوجر الصبي به فيثبت به الحرمة، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - اللبن يموت فيكون نجس العين، وثبوت حرمة الرضاع باعتبار معنى الكرامة، فلا تثبت بما هو نجس العين، والأصل الثاني أن عنده الفعل الذي هو حرام بعينه وهو الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة؛ لأن ثبوتها بطريق الكرامة فكذلك إيجار لبن الميتة حرام، فلا تثبت به الحرمة، ثم قاس لبن الميتة بوطء الميتة، ولكن عندنا، وإن كان الفعل حراما تثبت به الحرمة إذا تحقق فيه المعنى الموجب للحرمة، ولهذا أثبتنا الحرمة بالزنا؛ لأن معنى البعضية لا ينعدم به حقيقة فكذا هنا ثبوت الحرمة باعتبار أن اللبن يغذي الصبي فيتقوى به، ولو سلمنا له حرمة اللبن بالموت فبالحرمة لا يخرج من أن يكون مغذيا.
ألا ترى أن لحم الميتة مغذ فكذلك لبنها وبه فارق وطء الميتة؛ لأن معنى البعضية ينعدم منه أصلا وهو معنى ما قال في الكتاب: الجماع بعد الموت ليس بجماع، وإيجار لبن الميتة رضاع، وشبه اللبن بالبيضة، فإن بالموت لا تخرج البيضة أن تكون مغذية فكذا اللبن.
(قال ولو أرضع الصبيان من بهيمة لم يكن ذلك رضاعا، وكان بمنزلة طعام أكلاه من إناء واحد، ومحمد بن إسماعيل صاحب الأخبار - رحمه الله تعالى - يقول، يثبت به حرمة الرضاع، فإنه دخل بخارى في زمن الشيخ الإمام أبي حفص - رحمه الله تعالى - وجعل يفتي فقال له الشيخ: - رحمه الله تعالى - لا تفعل فلست هنالك، فأبى أن يقبل نصحه حتى استفتي عن هذه المسألة، إذا أرضع صبيان بلبن شاة
فأفتى بثبوت الحرمة، فاجتمعوا وأخرجوه من بخارى بسبب هذه الفتوى، وهذا لأن ثبوت الحرمة بسبب الكرامة، وذلك يختص بلبن الآدمية دون لبن الأنعام، وشبهة الجزئية لا يثبت بين الآدمي والأنعام بشرب لبنها فكذلك لا تثبت بين الآدميين بشرب لبن بهيمة، وهذا قياس حرمة المصاهرة التي تثبت بالوطء، ولا تثبت بوطء البهائم فكذلك هنا.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.71 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]