
14-11-2025, 10:53 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس
صـــ 120 الى صـــ 129
(101)
بأن زوجها منه حر على أنها حرة، فهذا وما تقدم سواء إلا أن الأب يرجع بقيمة الولد على المزوج في الحال؛ لأن ضمان الغرور كضمان الكفالة، والحر يؤاخذ بضمان الكفالة في الحال، وإن كان الذي غره فيها عبدا أو مكاتبا فلا رجوع له عليهم حتى يعتقوا سواء كان العبد مأذونا أو لم يكن؛ لأن المأذون إنما يؤاخذ بضمان التجارة في الحال لا بضمان الكفالة فيتأخر إلى عتقهم إلا أن يكون المولى أمر العبد أو المدبر بذلك فحينئذ يؤاخذ به في الحال؛ لأن كفالة العبد بإذن المولى موجب للضمان عليه في الحال، فأما المكاتب لا يؤاخذ به حتى يعتق سواء فعله بإذن المولى أو بغير إذنه؛ لأن المولى ليس له حق التصرف في كسبه، فلا يعتبر إذنه فيه، وإن كان المتزوج المغرور عبدا أو مدبرا أو مكاتبا بأن تزوج أحد من هؤلاء بإذن المولى امرأة على أنها حرة فولدت له ثم ظهر أنها أمة فالولد رقيق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر - رحمهما الله تعالى -، نص على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في كتاب الدعوى، وفي قوله الأول وهو قول محمد - رحمه الله تعالى - الولد حر بقيمته على الأب إذا عتق، ويرجع بذلك على الذي غره، وجه قول محمد - رحمه الله تعالى - أن السبب الموجب للحرية الغرور، واشتراط الحرية فيها عند النكاح، وهذا يتحقق من الرقيق كما يتحقق من الحر، وكما يحتاج الحر إلى حرية الولد فالمملوك محتاج إلى ذلك بل حاجته أظهر؛ لأنه ربما يتطرق به إلى حرية نفسه، توضيحه أنه لا معتبر برق الزوج وحريته في رق الولد بل المعتبر فيه جانب الأم.
ألا ترى أن الحر إذا تزوج أمة وهو يعلم بحالها كان ولده رقيقا، فإذا كان المعتبر رق الأم وقد سقط اعتبار رقها في حق الولد عند اشتراط الحرية إذا كان الزوج حرا فكذلك إذا كان الزوج عبدا؛ لأن ما شرط من الحرية يجعل كالمتحقق في حرية الولد، فأما أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهم الله تعالى - قالا: هذا الولد مخلوق من ماء رقيقين فيكون رقيقا، وهذا لأن الولد متفرع من الأصل، فإنما يتفرع بصفة الأصل، وإذا كان الأصلان رقيقين لا تثبت الحرية للولد من غير عتق، وأما إذا كان الزوج حرا فقد ثبت حرية الولد هناك باتفاق الصحابة - رضي الله عنهم -، بخلاف القياس، وهذا ليس في معنى ذاك؛ لأن ماء الرجل هناك بصفته حر، فإنه جزء منه، وإنما يصير رقيقا باتصاله برحم الأمة فتأثير الغرور في المنع من ثبوت الرق في مائه بالاتصال برحم الأمة، وهنا ماء العبد رقيق كنفسه، فالحاجة إلى إثبات الحرية لمائه وما لا يصلح لإبقاء ما كان على ما كان لا يصلح لإيجاب ما لم يكن، يوضحه أن
الحاجة هناك إلى الترجيح عند التعارض؛ لأن اعتبار جانب مائه يوجب حرية الولد، واعتبار جانب مائها يوجب رق الولد فجعلنا الغرور دليلا مرجحا، وهنا الحاجة إلى إثبات الحرية دون الترجيح، وما يصلح مرجحا لا يصلح موجبا، توضيحه أنه هناك ثبت حرية الولد بضمان قيمته على الأب في الحال فيندفع الضرر به عنه، وهنا لو ثبت حرية الولد إنما تثبت بضمان قيمته بعد العتق فيتضرر به المستحق في الحال، فإذا ثبت أن هذا ليس في معنى المنصوص وجب الرجوع فيه إلى الأصل فكان الولد رقيقا بمنزلة أمه ثم على قول محمد - رحمه الله تعالى - إن كان التزوج من هؤلاء بإذن السيد فعليهم قيمة الولد والمهر في الحال، وإن كان بغير إذن السيد فعليهم قيمة الولد والمهر بعد العتق؛ لأن كل دين وجب على المملوك بسبب مأذون من جهة المولى يؤاخذ به في الحال، وكل دين وجب عليه بسبب غير مأذون فيه، فإنما يؤاخذ به بعد العتق.
(قال وإذا تزوجها وهو يعلم أنها أمة أو تزوجها وهو يحسب أنها حرة ولم يغره فيها أحد فأولاده أرقاء؛ لأن هذا ظن منه والظن لا يغني من الحق شيئا، ولأن الموجب لحرية الولد الغرور ولم يتحقق الغرور هنا، ولو كانت أمة بين رجلين زوجها أحدهما من رجل ودخل الزوج بها فللآخر أن يبطل النكاح؛ لأن المزوج لا يملك إلا نصفها، وملك نصف الأمة ليس بسبب لولاية التزويج، فلم ينفذ عقده عليها، وقد تناول عقده نصيب الشريك فكان له أن يفسخ عقده دفعا للضرر عن نفسه وقد سقط الحد عن الزوج لشبهة النكاح فيجب المهر عليه، إلا أن في نصيب المزوج يجب الأقل من نصف المسمى، ومن نصف مهر مثلها؛ لأنه راض بالمسمى ورضاه صحيح في نصيب نفسه، فأما في نصيب الشريك يجب نصف مهر المثل بالغا ما بلغ؛ لأنه لم يرض بسقوط شيء من حقه، وإن كان إبطال النكاح قبل الدخول، فلا مهر لواحد منهما سواء خلا بها الزوج أو لم يخل؛ لأن الخلوة إنما تعتبر في النكاح الصحيح، وهذا العقد لم يكن صحيحا، فلا تعتبر الخلوة فيه.
(قال وإذا زوج أمة ابنه الصغير فذلك جائز، وكذلك الوصي إذا زوج أمة اليتيم، وكذلك المكاتب إذا زوج أمته، وكذلك المفاوض إذا زوج أمة من الشركة؛ لأن تزويج الأمة من عقود الاكتساب، فإنه يكتسب به المهر ويسقط به نفقتها عنه، وهؤلاء الأربعة يملكون الاكتساب، أما المكاتب فهو منفك الحجر عنه في اكتساب المال، وأما الأب والوصي، فإنهما أمرا بالنظر للصغير، وعقد اكتساب المال من النظر، وأما المفاوض فإن المتفاوضين إنما عقدا المفاوضة لاكتساب المال، ولا يملك هؤلاء تزويج العبد؛ لأنه ليس فيه
اكتساب المال بل فيه تعييب العبد وشغل ذمته بالمهر والنفقة من غير منفعة لهم في ذلك.
(قال ولو زوج الأب أو الوصي أمة الصبي من عبده لا يجوز ذلك أيضا نص عليه في المأذون، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه يجوز؛ لأنه لا ضرر فيه على الصبي، فإن المهر لا يجب بهذا العقد، ونفقتهما عليه بعد النكاح كما كانا قبله، وفيه منفعة للصبي من حيث النسل فيجوز ذلك من الأب والوصي كإنزاء الفحل من مال الصبي على أتانه، ووجه ظاهر الرواية أن في هذا تعييبا لهما؛ لأن النكاح عيب في العبيد والإماء جميعا، ومنفعة النسل موهوبة والمنفعة الموهوبة لا تكون جائزة للضرر المتحقق، فلهذا لا يصح هذا العقد منهما، وأما العبد المأذون أو المضارب أو الشريك شركة عنان إذا زوج واحد منهما الأمة لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وفي قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يجوز؛ لأنه عقد اكتساب المال وهؤلاء يملكون ذلك، ولأن المستوفى بالوطء في الحقيقة منفعة، ولهذا سمى الله تعالى المهر أجرا، وهؤلاء يملكون الإجارة فكذلك يملكون التزويج وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - قالا: المأذون إنما كان منفك الحجر عنه في التجارة، والتزويج ليس من جملة التجارة، فإن التجار لا يعتادون اكتساب المال بتزويج الإماء، والدليل عليه أن المرأة لو زوجت نفسها من رجل بعبد ونوت التجارة عند العقد لا يصير العبد به للتجارة، ولو كان النكاح من التجارة لصار العبد به للتجارة، فإن نية التجارة متى اقترنت بعمل التجارة يصير للتجارة وإذا لم يكن النكاح من التجارة، فلا يملكه هؤلاء كالكتابة وبه فارق الأربعة التي تقدمت، فإن أولئك يملكون الكتابة فعرفنا أن تصرفهم غير مقصور على التجارة، وهؤلاء الثلاثة لا يملكون الكتابة فعرفنا أن تصرفهم مقصور على التجارة، ولا شك أن هؤلاء الثلاثة لا يزوجون العبد؛ لأن تزويج العبد ليس من الاكتساب، ولا من التجارة.
(قال وإذا تزوج الحر أمة ابنه جاز النكاح عندنا، ولا يجوز عند الشافعي - رحمه الله تعالى -، وقيل هذا بناء على الأصل الذي تقدم أن عنده لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا عند عدم طول الحرة، وعلى الابن أن يعف أباه فيستغني به عن نكاح الأمة، ولكن هذا ليس بصحيح، فإنه لو تزوج أمة غيره صح النكاح إذ لم يكن في ملكه ما يتزوج به الحرة، والأصح أنه هذه مسألة مبتدأة، فوجه قوله أن للأب حق الملك في مال ولده حتى لو وطئ جارية ابنه مع علمه بحرمتها لا يلزمه الحد، فلا يجوز له أن يتزوجها، كالمولى إذا تزوج أمة من كسب مكاتبه بل أولى؛ لأن حق الملك في مال ولده أظهر.
ألا ترى أن استيلاده في جارية الابن صحيح، واستيلاد
المولى أمة مكاتبه لا يصح، توضيحه أن الولد كسبه قال - صلى الله عليه وسلم: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» فجارية الابن كسب كسبه، فلا يملك التزوج كأمة عبده، ولكنا نقول: ليس له في جارية ولده ملك، ولا حق ملك، فيجوز له أن يتزوجها كأمة أبيه وأخيه، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه يحل للابن أن يطأ جاريته بالاتفاق، ولو كان لأبيه فيها حق الملك لم يحل له وطؤها كالمكاتب، فإنه لا يحل له أن يطأ أمته لما كان للمولى فيها حق الملك، فأما سقوط الحد، فليس لقيام حق الملك له في الجارية، ولكن لظاهر الإضافة في قوله - صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك» وهذا الظاهر وإن كان لم يكن معمولا به في إيجاب ملك أو حق ملك له فيها يصير شبهة في إسقاط الحد كالبيع بشرط الخيار لا يوجب الملك ولا حق الملك للمشتري ثم يسقط الحد به، وكذلك العقد الفاسد من نكاح أو بيع قبل القبض، والولد وإن كان كسبا له فهو كسب حر، فلا يثبت له حق الملك في كسبه، بمنزلة مال المعتق لا حق للمعتق فيه، وإن كان المعتق كسبا له؛ لأنه كسب حر، فأما صحة الاستيلاد ليس باعتبار حق الملك له فيها بل بولاية التملك عند الحاجة وتقرر حاجته إلى صيانة مائه كي لا يضيع نسله، فإن تزوجها فولدت له ولدا كان الولد حرا؛ لأن الولد يتبع الأم في الملك فمولى الجارية هنا ملك أخاه فيعتق عليه بالقرابة، ولا تصير الجارية أم ولد له عندنا، وعند زفر - رحمه الله تعالى - تصير أم ولد له، وكذا إذا استولدها بنكاح فاسد أو وطء بشبهة عندنا لا تصير أم ولد له خلافا لزفر - رحمه الله تعالى -، وحجته أنه لو استولدها بفجور صارت أم ولد له، فإذا استولدها بنكاح أو بشبهة نكاح أولى أن تصير أم ولد له، ولكنا نقول إذا استولدها بغير شبهة فهناك يصير متملكا لحاجته إلى ذلك كي لا يضيع ماؤه، فإن إثبات النسب غير ممكن بدون التملك؛ لأنه ليس له فيها ملك ولا حق ملك، فإذا تملكها سابقا على الاستيلاد كان الاستيلاد في ملك نفسه، فلهذا صارت أم ولد له وهنا غير محتاج إلى تملكها لإثبات النسب بل النكاح أو شبهة النكاح يكفي؛ لذلك فلم يصر متملكا لها، فلهذا لا تصير أم ولد له.
(قال ولو كان الابن هو الذي تزوج أمة أبيه بتزويج الأب إياها منه جاز النكاح، فإذا ولدت فالولد حر؛ لأن الأب ملك الابن أمته، ولا تصير الجارية أم ولد له؛ لأنه لا ملك له فيها، وإن كان الابن وطئها بغير نكاح أو شبهة نكاح لم يثبت نسبه منه، وإن ادعاه لأنه ليس له حق التملك في جارية أبيه، ولكن لا حد عليه إن قال: ظننت أنها تحل لي، وإن قال: علمت أنها علي حرام فعليه الحد؛ لأن
عند الظن اشتبه عليه ما يشتبه فيسقط الحد به، وعند العلم بالحرمة لا شبهة له في المحل حقيقة ولا صورة ولم يشتبه عليه أمرها فلزمه الحد، وإن صدقه الأب في أنه وطئها وأن الولد منه عتق الولد بإقراره؛ لأنه إذا ملك ابنه من الزنا عتق عليه، فكذلك إذا ملك ابن ابنه من الزنا، ولكن لا يثبت النسب لما بينا، بخلاف الأب إذا كان هو الذي استولد جارية ابنه، فإنه لا حاجة إلى تصديق الولد؛ لأن الأب له ولاية تملك جارية الابن، فإنما يكون مستولدا لها في ملك نفسه، ولهذا ضمن قيمتها لابنه، وليس للابن هذه الولاية في جارية أبيه، فلهذا لا يعتق الولد إلا إذا صدقه الأب فيه.
(قال ولا يتزوج العبد أكثر من اثنتين، وقال مالك - رحمه الله تعالى - له أن يتزوج أربعا؛ لأن الرق لا يؤثر في مالكية النكاح حتى لا يخرج من أن يكون أهلا لملك النكاح وما لا يؤثر فيه الرق فالعبد والحر فيه سواء كملك الطلاق وملك الدم في الإقرار بالعقود، ومذهبنا مروي عن عمر - رضي الله عنه - قال: لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين ولأن الرق مؤثر في تنصيف ما كان متعددا في نفسه كالجلدات في الحدود وعدد الطلاق وأقراء العدة، وهذا لأن ملك النكاح مبني على الحل الذي يصير به أهلا للنكاح، وذلك الحل يتسع بزيادة الفضيلة ويتضيق بنقصان الحال.
ألا ترى «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصا بإباحة تسع نسوة» لفضيلة النبوة التي اختص بها، فكان الحل في حقه متسعا لتسع نسوة، ولا يجوز لأحد غيره أكثر من أربع نسوة، فكذلك يتسع الحل لفضيلة الحرية فيتزوج الحر أربعا، ولا يتزوج العبد إلا اثنتين، يوضحه أن الرق ينصف الحل، ألا ترى أن في جانب الأمة يتنصف حلها بالرق، حتى أن ما ينبني على الحل وهو القسم يكون حالها فيه على النصف من حال الحرة، وكذلك ما يجب على المستوفي لهذا الحل بغير طريقه وهو الحل يتنصف بالرق حتى يجب على العبد بالزنا خمسون جلدة، وعلى الحر مائة جلدة، وإذا ثبت أن الحل يتنصف بالرق وعليه ينبني عدد المنكوحات فقلنا: حال العبد فيه على النصف من حال الحر فيتزوج ثنتان الحرتان والأمتان في ذلك سواء والشافعي - رحمه الله تعالى - هنا لا يخالفنا؛ لأن في حق العبد نكاح الأمة أصل وليس ببدل، إذ ليس فيه تعريض شيء للرق، فإنه رقيق بجميع أجزائه، فلهذا جوز له نكاح الأمتين، وعلى هذا الأصل يقول الشافعي - رضي الله تعالى عنه - للعبد أن يتزوج أمة على حرة، ولكنا نقول: لا يجوز؛ لأن الأمة ليست من المحللات مضمومة إلى الحرة في حق الحر فكذلك في حق العبد والمدبر والمكاتب، وابن أم الولد في هذا كالعبد
لأن الرق المنصف للحل فيهم قائم.
(قال ولا يجوز للعبد أن يتزوج بغير إذن مولاه عندنا، وعلى قول مالك - رحمه الله تعالى - يجوز؛ لأن الرق لم يؤثر في مالكية النكاح فيستبد العبد به كالطلاق، وأصحابنا - رحمهم الله تعالى - استدلوا بظاهر قوله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] والنكاح شيء، فلا يملكه العبد بنفسه، ومذهبنا مروي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر والمعنى فيه أن في النكاح تعييبه، وفيه شغل ماليته بالمهر والنفقة وماليته ملك مولاه، فلا يملك شغل ذلك بتصرفه بغير إذن المولى، يوضحه أنه لو باع رقبته أو رهنه بمال لم يجز، وإن كان منفعة ذلك ترجع إلى المولى، فإذا تزوج ولا منفعة في عقده للمولى أولى أن لا يجوز، وكذلك المدبر وابن أم الولد والمكاتب لا يتزوج أحد من هؤلاء بغير إذن المولى؛ لأن الرق الموجب للحجر فيهم، فإن أذن المولى لهم في ذلك جاز العقد، فإن المولى لو باشر تزويجهم جاز فكذلك إذا أذن لهم فيه، إلا أن في المكاتب يحتاج إلى رضاه إذا باشره المولى، فإن أذن له المولى فباشره المكاتب يجوز أيضا، وهذا بخلاف تزويج الأمة، فإن المكاتب يزوج أمته بغير رضا المولى؛ لأن أمته غير مملوكة للمولى وتزويجها من عقود الاكتساب فيملكه المكاتب، فأما تزويجه لنفسه ليس من عقود الاكتساب ورقبته مملوكة، وعلى هذا لو أن المكاتبة زوجت أمتها جاز ذلك، ولو تزوجت بنفسها لم يجز إلا بإذن المولى لقيام ملك المولى في رقبتها.
(قال ولو تزوج العبد بغير إذن مولاه فأجازه جاز؛ لأن الإجازة في الانتهاء كإذنه في الابتداء، فإن طلقها العبد ثلاثا بعد إجازة المولى طلقت ثلاثا ولم يجز للعبد أن يتزوج حتى تنكح زوجا غيره؛ لأن النكاح لما صح كان العبد في إيقاع الطلاق عليها كالحر، ولو طلقها ثلاثا قبل إجازة المولى النكاح لم يقع النكاح، ولكن يكون هذا متاركة للنكاح؛ لأن وقوع الطلاق يختص بنكاح صحيح، ونكاحه بغير إذن المولى لم يكن صحيحا، فلا يقع الطلاق، ولكن إيقاع الطلاق يؤثر في إزالة الحل عن المحل وإيقاع الفرقة إذا كان صحيحا، فإذا لم يكن النكاح نكاحا صحيحا، فلا يؤثر في هذين الحكمين، ولكن يؤثر في رفع الشبهة حتى لو وطئها قبل الطلاق لا يلزمه الحد، ولو وطئها بعد الطلاق يلزمه الحد، وإن لم يجز المولى ذلك العقد، ولكن أذن له أن يتزوجها ابتداء، فلا بأس بأن يتزوجها؛ لأن حرمة المحل بوقوع التطليقات على المحل ولم يقع هنا، فلا بأس بأن يتزوجها كالصبي والمجنون إذا طلق امرأته ثلاثا لا يثبت به حرمة المحل، ولأن النكاح لما لم يصح كان
هذا طلاقا قبل النكاح، وقال - عليه الصلاة والسلام: «لا طلاق قبل النكاح» ولو أجاز المولى ذلك النكاح فإجازته باطلة؛ لأن الإجازة إنما تعمل في حال توقف العقد وقد ارتفع العقد بما أوقعه العبد؛ لأنه يستبد بالطلاق لو أوقعه في نكاح صحيح ارتفع النكاح، فإذا أوقعه في العقد الموقوف أولى أن يرتفع العقد به، فإن أذن له أن يتزوجها بعد هذا كرهت له أن يتزوجها.
ولو فعل لم يفرق بينهما في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وفي قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لا يكره ذلك، وجه قوله ظاهر، فإن الطلاق غير واقع على المحل، وحرمة المحل باعتبار وقوع الطلاق، ولأن إجازة المولى للعقد باطل فوجوده كعدمه، ولو لم يجز العقد كان له أن يتزوجها بإذنه فكذلك بعد إجازته، وجه قولهما أن الطلاق تصرف ينبني على النكاح، وإجازة العقود يتضمن إجازة ما ينبني عليه، فاعتبار هذا المعنى يوجب نفوذ الطلاق وحرمة المحل فجعلناه معتبرا في الكراهة، وإن لم يكن معتبرا في حقيقة حرمة المحل، ولكن هذا على أصل محمد - رحمه الله تعالى - غير صحيح، فإن عنده المشترى من الغاصب إذا أعتق ثم أجاز المولى لا ينفذ عتقه، وعلى أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إنما يصح هذا أن لو كان الطلاق يتوقف على إجازة المولى، وقد بينا أن طلاق العبد لا يتوقف على إجازة المولى، لكن الوجه فيه أن نقول: الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء، والإذن في الابتداء لو كان موجودا تثبت به حرمة المحل حقيقة فكذلك بوجود صورة الإجازة في الانتهاء تثبت الكراهة، توضيحه أن العبد أهل للنكاح في حق نفسه، ولهذا لو أعتق قبل إجازة المولى نفذ نكاحه فاعتبار هذا الجانب يوجب نفوذ طلاقه، واعتبار جانب حق المولى يمنع نفوذ طلاقه، فلتعارض الأدلة قلنا لا تثبت الحرمة حقيقة، ولكن تثبت صفة الكراهة احتياطا؛ لأنه إن ترك نكاح امرأة تحل له كان خيرا له من أن يتزوج امرأة لا تحل له.
(قال وإذا تزوج العبد حرة بغير إذن مولاها ثم أعتقه المولى جاز النكاح؛ لأنه مخاطب له قول ملزم، وإنما امتنع نفوذ نكاحه لحق مولاه، فإذا أسقط المولى حقه بالعتق فينفذ النكاح لزوال المانع، وكذلك لو باعه فأجاز المشتري؛ لأن المشتري قام مقام البائع في ملكه رقبته فكذلك في إجازة عقده، وهذا لأنه ما طرأ بالبيع حل نافذ على الحل الموقوف، فإن العبد لا يحل للمشتري فلهذا كانت إجازته كإجازة البائع، وعند زفر - رحمه الله تعالى - لا ينفذ بإجازة المشتري وقد بينا هذا، وكذلك لو أجاز وارثه بعد موته.
(قال ولو أذن لعبده في النكاح لم يملك أن يتزوج إلا امرأة واحدة عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى -
له أن يتزوج اثنتين، وهذا بناء على الأصل الذي تقدم بيانه أن النكاح مملوك للمولى على عبده عندنا حتى يزوجه من غير رضاه فيكون العبد فيه نائبا عن مولاه، فهو كالحر يأمر غيره أن يزوجه فلا يزوجه بمطلق الوكالة إلا امرأة واحدة، وعندهما النكاح غير مملوك للمولى على عبده، ولكن العبد هو المالك له إلا أنه لا ينفذ منه بدون إذن المولى؛ لأن ضرره يتعدى إلى حق المولى، فإذا أذن المولى له في ذلك فقد رضي بالتزام هذا الضرر وأسقط حق نفسه فكان للعبد أن يتزوج اثنتين، ولو تزوج امرأتين في عقدة لا يجوز نكاح واحدة منهما إلا في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - الأول، فإنه يقول: يجوز نكاح إحداهما والبيان فيه إلى العبد بمنزلة من وكل وكيلا أن يزوجه امرأة فزوجه امرأتين عنده يصح نكاح إحداهما والخيار إلى الزوج، وقد تقدم بيان هذه المسألة، فإن قال المولى: عنيت نكاح امرأتين جاز نكاحهما؛ لأنه لو أجاز نكاح امرأتين جاز، فكذلك إذا قال: نويت ذلك عند الإذن؛ لأن المنوي من محتملات لفظه وهو غير متهم في هذا البيان.
(قال وإذا أذن له أن يتزوج واحدة فتزوجها نكاحا فاسدا ودخل بها أخذ بالمهر في حالة الرق في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - لا يؤخذ به حتى يعتق، وأصل المسألة أن عندهما إذن المولى لعبده في النكاح ينصرف إلى العقد الصحيح دون الفاسد؛ لأن مقصوده تحصيل العفة به للعبد، وذلك إنما يحصل بالعقد الصحيح دون الفاسد، واستدلالا بما لو حلف أن لا يتزوج ينصرف يمينه إلى العقد الصحيح دون الفاسد، فعرفنا به أن الفاسد ليس بنكاح فلا يتناوله إذن المولى وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: الفساد والصحة صفة العقد والإذن من المولى في أصل العقد، فلا يتقيد بصفة دون صفة، كالإذن في البيع والشراء للوكيل أو للعبد يتناول الفاسد والصحيح جميعا، وهذا لأن بعض المقاصد يثبت بالعقد الفاسد نحو النسب والمهر والعدة عند الدخول، وهذا لو حلف أنه ما تزوج في الماضي وقد كان تزوج فاسدا أو صحيحا كان حانثا في يمينه، وفي المستقبل إنما حملناه على العقد الصحيح لدلالة العرف، فإن الأيمان تنبني على العرف، فأما هنا اعتبار إذن المولى لدفع الضرر عنه، وذلك يعم العقد الصحيح والفاسد، إذا عرفنا هذا فنقول: عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا دخل بها بالنكاح الفاسد فقد لزمه المهر بسبب كان مأذونا فيه من جهة المولى فيؤاخذ به في الحال، وعندهما إذن المولى لا يتناول العقد الفاسد، فإنما لزمه المهر بسبب غير مأذون فيه من جهة المولى فيتأخر إلى ما بعد العتق
وعلى هذا لو تزوجها نكاحا صحيحا بعد هذا يجوز عندهما؛ لأن حكم إذن المولى ما انتهى بالعقد الفاسد فيكون مباشرا العقد الثاني بإذنه، وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا يصح العقد الثاني؛ لأن حكم إذن المولى انتهى بالعقد الأول فيحتاج في العقد الثاني إلى إذن جديد.
(قال وإذا تزوج العبد بغير إذن مولاه ودخل بها ثم أجاز المولى ذلك النكاح فعليه مهر واحد وهو الذي سماه لها استحسانا؛ لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء، وفي القياس عليها مهران مهر المثل بالدخول والمسمى بنفوذ العقد بالإجازة، وقد بينا نظير هذا في جانب الأمة فهو كذلك في العبد، وعلى هذا لو أعتقه المولى حتى نفذ العقد بعد عتقه.
(قال وإذا تزوج المكاتب بغير إذن السيد أو العبد أو المدبر ودخل بها ثم فرق بينهما السيد، فلا مهر عليها حتى يعتق؛ لأن النكاح في حق المكاتب ليس من عقود التجارة ولا من اكتساب المال، والمهر عند الدخول إنما يجب بسبب ذلك العقد، فإذا لم يكن عقد الكتابة متنا، ولا لذلك العقد يتأخر المال الواجب بسببه إلى ما بعد العتق، وهذا بخلاف جناية المكاتب، فإن موجبه في كسبه يثبت في الحال؛ لأن وجوب ذلك باعتبار الفعل، والرق لا يؤثر في الحجر عن الأفعال، وأما وجوب المهر هنا باعتبار العقد؛ لأن الدخول بدون العقد غير موجب للمهر، ولأنها راضية بهذا الدخول فلهذا يتأخر الواجب إلى ما بعد العتق، بمنزلة المال الواجب عليه بسبب الكفالة.
(قال وإذا زوج الرجل عبده أمته بشهود فهو جائز، ولا مهر لها عليه؛ لأن المهر لو وجب كان للمولى، وإنما يجب في مالية العبد وماليته مملوكة للمولى، فلا فائدة في وجوبه أصلا، وقد بينا أن على طريق بعض أصحابنا يجب ابتداء لحق الشرع ثم يسقط لقيام ملك المولى في رقبة الزوج، فإن كان العبد نصرانيا أذن له مولاه في التزوج فأقامت عليه امرأة نصرانية شاهدين من النصارى أنه تزوجها وهو جاحد أجزت ذلك عليه؛ لأن الخصم هو العبد.
ألا ترى أنه لو أقر بهذا النكاح ثبت بإقراره فكذلك يثبت بشهادة النصارى عليه؛ لأنه نصراني، ألا ترى أنهم لو شهدوا عليه بيع أو شراء وهو مأذون له في التجارة كانت الشهادة مقبولة فكذلك بالنكاح، فإن قيل النكاح مملوك للمولى على العبد، فهذه الشهادة إنما تقوم على المولى وهو مسلم، قلنا: أصل العقد مملوك للمولى عليه، ولكن حكمه وهو ملك الحل يثبت للعبد، والشهود إنما يشهدون لها بذلك على العبد فلهذا اعتبرنا فيه دين العبد، وقلنا: لو كان المولى كافرا والعبد مسلما لم تجز شهادتهما لأنها تقوم على العبد وهو مسلم، وشهادة الكافر ليس بحجة على المسلم.
(قال
، ولا يحل للعبد أن يتسرى، وإن أذن له مولاه عندنا، وعلى قول مالك - رحمه الله تعالى - يحل؛ لأن ملك المتعة يثبت بطريقين إما عقد النكاح أو التسري، فإذا كان العبد أهلا لملك المتعة بأحد الطريقين وهو النكاح فكذلك بالطريق الآخر بل أولى؛ لأن ملك المتعة الذي يثبت بالنكاح أقوى مما يثبت بملك اليمين، وحجتنا في ذلك قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] وهذه ليست بزوجة له ولا مملوكة له، وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: لا يحل فرج مملوكة إلا لمن إذا أعتق أو وهب جاز، والعبد لا يجوز عتقه ولا هبته، فلا يحل الفرج له بملك اليمين، وهذا لأن العبد مملوك مالا، فلا يجوز أن يكون مالكا للمال لما بين المالكية والمملوكية من المنافاة، وملك المتعة لا يثبت إلا بثبوت سببه، فإذا كان سببه وهو ملك الرقبة لا يثبت في حق العبد فكذلك حكمه، بخلاف النكاح ولأن العبد ليس بأهل لملك المال قبل إذن المولى، ولا تأثير للإذن في جعل من ليس بأهل أهلا، وإنما تأثير إذن المولى في إسقاط حقه عند قيام أهلية العبد فكان ينبغي أن لا يجعل العبد أهلا لملك المتعة أصلا؛ لأن بين المالكية والمملوكية منافاة، ولكن الشرع جعله أهلا لملك المتعة بسبب النكاح لضرورة حاجته إلى قضاء الشهوة وإبقاء النسل، وهذه الضرورة ترتفع بثبوت الحل له بالنكاح، فلا حاجة هنا إلى أن نجعله أهلا لملك المتعة بسبب ملك الرقبة، وكذلك المدبر والمكاتب والمستسعى في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - كالمكاتب.
(قال ولو أن عبدا بين رجلين زوجه أحدهما بغير إذن الآخر لم يجز لما بينا أن ولاية النكاح إنما تستفاد بملك رقبة العبد، وكل واحد منهما غير مالك لما يسمى عبدا.
(قال ولا يحل للعبد أن يتزوج مولاته ولا امرأة لها في رقبته شقص عندنا، وعلى قول نفاة القياس - رضي الله عنهم - يجوز، وكذلك الحر إذا تزوج أمته أو أمة له فيها شقص فهو على هذا الخلاف، واستدلوا بظاهر قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وبقوله: {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] وحجتنا في ذلك قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] الآية، فإنما خاطب الله تعالى الموالي بإنكاح الإماء لا بنكاحهن، ولأن العبد إذا تزوج بمولاته فهي تستوجب عليه النفقة بالنكاح وهو يستوجب عليها النفقة بملك اليمين فيتقاصان ويموتان جوعا، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى، والحر إذا تزوج أمته، فهذا العقد غير مفيد؛ لأن موجب النكاح ملك الحل، ومحل الحل ثابت له تبعا لملك الرقبة، ولأن النكاح إنما شرع في الأصل لضرورة الحاجة إليه، وعند ملكه رقبتها لا حاجة فلم يكن
مشروعا أصلا، ثم قيام الملك في شقص منها ينزل منزلة قيام الملك في جميعها في حرمة النكاح احتياطا، وإن كان لا ينزل منزلة ذلك في حل الوطء، وعلى هذا لو تزوج مكاتبته فالنكاح باطل لقيام الملك له في رقبتها، وإن كان هو ممنوعا من وطئها بسبب الكتابة، فإن وطئها كان لها المهر بمنزلة ما لو وطئها قبل النكاح، وهذا لأن الحد يسقط للشبهة فيجب المهر، وهي بعقد الكتابة صارت أحق بنفسها ومكاسبها، والمستوفى بالوطء في حكم جزء من عينها، ولو قطع المولى يدها كان الأرش لها فكذلك إذا وطئها.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|