عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 14-11-2025, 10:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس

صـــ 78 الى صـــ 87
(97)






وعلى مهر مثلها، فما يخص الألف تجب الشفعة فيه للشفيع؛ لأن العقد فيما يخص الألف شراء، وفي ما يخص البضع نكاح.
ألا ترى أنه يثبت فيه حكم الشراء من الرد بالعيب اليسير والفاحش، وغيره من أحكام البيع، وكذلك حكم الصرف يثبت فيه لو تزوجها على مائة دينار على أن ترد عليه ألف درهم يجب التقابض في حصة الصرف، ويجوز أن تستحق الشفعة في بعض ما تتناوله الصفقة دون البعض كما لو اشترى دارا وعبدا صفقة واحدة، فإنه تجب الشفعة في الدار دون العبد.
ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن البيع هنا تبع للنكاح؛ لأن البيع لم يكن مقصودا بهذه الصفقة، وإنما كان المقصود النكاح، ألا ترى أنه تتوقف حصة البيع على قبول المرأة إذا حصل العقد من فضولي، والشراء مقصودا لا يتوقف، وكذلك ينعقد بلفظة الرد، ولا يحتاج فيه إلى القبول حتى إذا قال: زوجيني نفسك على هذه الدار على أن تردي علي ألفا فقالت: فعلت يتم بدون قبول الزوج، وإنها لو قبلت حصة النكاح دون البيع صح، ولو قبلت حصة البيع دون النكاح لم يصح، وإذا ثبت أن الشراء تبع للنكاح فنقول: إذا لم تجب الشفعة باعتبار الأصل لا تجب باعتبار التبع كالعرصة الموقوفة إذا كان عليها بناء لم تجب الشفعة في ذلك البناء؛ وهذا لأن المقصود بالأخذ بالشفعة دفع ضرر الجار الحادث، ولا يحصل هذا المقصود إذا لم تجب الشفعة فيما هو الأصل بخلاف الرد بالعيب فإنه يثبت باعتبار البيع؛ لأن العيب في الأصل فوات وصف هو تبع، وكذلك حكم الصرف يثبت فيما هو تبع كالصفائح من الذهب في الدار المشتراة بالفضة يثبت فيها حكم الصرف.
(قال ولو تزوج امرأة على كذا من الإبل أو البقر أو الغنم فلها العدد المسمى من الوسط من ذلك الجنس، وإن أتى بقيمة ذلك أجبرت على القبول بمنزلة ما لو تزوجها على عبد، وقد بيناه.
(قال والأثواب الهروية وغيرها من أجناس الثياب كذلك، وهذه المسألة على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتزوجها على ثوب هروي بعينه فلها ذلك الثوب إن كان هرويا، وإن لم يكن هرويا، وعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى: لها قيمة ثوب هروي وسط، وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى: لها الخيار إن شاءت أخذت الثوب بعينه، وإن شاءت طالبت الزوج بقيمة ثوب هروي وسط؛ لأن العقد أضيف إلى عين ذلك الثوب، ولكنها وجدته على خلاف شرطها فلها الخيار كما لو وجدته معيبا، ولكنا نقول: المشار إليه ليس من جنس المسمى فيتعلق العقد بالمسمى دون المشار إليه، وهو أصل معروف نقرره في موضعه إن شاء الله
تعالى، ولو تزوجها على ثوب هروي بغير عينه، ولم يبين الصفة فإن أتاها بالثوب أجبرت على القبول، وإن أتاها بالقيمة أجبرت أيضا بمنزلة العبد المطلق؛ لأن الثوب الذي هو غير موصوف لا تثبت عينه في الذمة ثبوتا صحيحا وزفر يقول: الثوب يثبت في الذمة موصوفا ثبوتا صحيحا، وإنما صحت هذه التسمية باعتبار المالية، والثوب في ذلك وقيمته سواء، وإن بين صفة هذا الثوب فعلى قول زفر - رحمه الله تعالى: تجبر على قبول القيمة إذا أتاها بها، وعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى: إن ذكر الأجل مع ذلك لم تجبر على قبول القيمة، وإن لم يذكر الأجل أجبرت عليه؛ لأن الثياب لا تثبت في الذمة ثبوتا صحيحا إلا مؤجلا، ألا ترى أنه لا يجوز استقراضها، ويجوز السلم فيها؛ لأن القرض لا يكون إلا حالا، والسلم لا يكون إلا مؤجلا فعند ذكر الأجل يثبت الثوب دينا ثبوتا صحيحا، فلا تجبر على قبول القيمة، وعند عدم ذكر الأجل لا يثبت ثبوتا صحيحا؛ لأن بالمبالغة في ذكر وصفه يلتحق بذوات الأمثال، ولهذا يجوز السلم فيه.
واشتراط الأجل هناك من حكم السلم لا من حكم ثبوت الثياب دينا في الذمة فيستوي في هذا إن ذكر الأجل، أو لم يذكر، ولكنا نقول: لو باع عبدا بثياب موصوفة في الذمة لا يجوز إلا مؤجلا، وإن لم يكن العقد سلما فعرفنا أن الثياب لا تثبت دينا ثبوتا صحيحا إلا مؤجلا.
(قال فإن تزوجها على مكيل أو موزون فإن سمى جنسه وصفته ومقداره؛ لم تجبر على قبول القيمة إذا أتاها بها؛ لأن المكيل، والموزون يثبت في الذمة موصوفا ثبوتا صحيحا حالا كان أو مؤجلا بدليل جواز استقراضها، والسلم فيها، فإن لم يذكر الصفة ففي ظاهر الرواية إذا أتاها بالقيمة أجبرت على القبول؛ لأنها بتسمية الجنس بدون الصفة لا تثبت في الذمة ثبوتا صحيحا، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أنها لا تجبر على قبول القيمة؛ لأن التسمية متى صحت بذكر الجنس تعين الوسط من ذلك الجنس كما في العبد، والثوب الهروي فما تعين من الوصف شرعا يكون كالمذكور نصا فلا تجبر على قبول القيمة.
(قال فإن تزوجها على دراهم أو شيء من العروض لا تبلغ قيمته عشرة دراهم فإنه يكمل لها عشرة دراهم عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لها ما سمى، والأصل عنده أن كل ما يصلح ثمنا في البيع يصلح صداقا في النكاح، وعندنا أدنى المهر عشرة دراهم من الفضة أو مما تكون الفضة فيه غالبة على الغش، واستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «المهر جائز قليله وكثيره»، وفي رواية «المهر ما تراضى عليه الأهلون»، وفي رواية «من استحل بدرهم فقد استحل»، وروي «أن امرأة
عرضت نفسها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ير فيها رغبة فقال: مالي حاجة إلى النساء فقالت: زوجني ممن شئت فقام رجل فقال: زوجها مني فقال: ماذا تصدقها؟ فقال: إزاري هذه فقال: إذا قعدت، ولا إزار لك التمس، ولو بفلس التمس ولو خاتما من حديد فقال: لا أجد فقال: هل تحسن شيئا من القرآن؟ فقال: نعم سورة كذا فقال: زوجتكها بما عندك من القرآن» فهذه الآثار تدل على أن المهر لا يتقدر بشيء، وكذلك في الكتاب الشرط هو المال المطلق قال الله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] فتقييد ذلك المال بالعشرة يكون زيادة على النص، وحجتنا في ذلك حديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن إلا من الأكفاء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم»، وفي حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا قطع في أقل من عشرة دراهم، ولا مهر أقل من عشرة دراهم»، وفي الكتاب قال: بلغنا ذلك عن علي وابن عمر وعائشة وعامر وإبراهيم - رضوان الله عليهم أجمعين -.
والمعنى فيه: أنه بدل في عقد لم يجعل إيجاب أصله إلى المتعاقدين فيكون مقدرا شرعا كالدية، وبيان ذلك أن النكاح لا ينعقد صحيحا إلا موجبا للعوض إما في الحال، أو في الثاني على ما بينا، وإنما كان اشتراط العوض فيه شرعا؛ لإظهار خطر البضع، ولا يحصل هذا المقصود بأصل المالية فاسم المال يتناول الخطير، والحقير، وإنما يحصل إظهار الخطر بمال مقدر وإليه أشار الله تعالى في قوله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} [الأحزاب: 50] ، والبضع من وجه في حكم النفوس حتى لا يسقط حكم الفعل فيه بالبدل؛ ولأن الوطء سبب؛ لإعلاق النفس، وإذا كان بغير ملك يضيع؛ لانعدام من ينفق عليه فكان الخطر هنا في معنى الخطر في النفوس، والمال الذي هو بدل عن النفوس مقدر شرعا، وهو الدية؛ وهذا لأن كل مال أوجبه الشرع تولى بيان مقداره كالزكاة وغيرها، فكذا الصداق مما أوجبه الشرع، فيكون مقدرا شرعا، وإليه أشار الله تعالى في قوله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم} [الأحزاب: 50] الآية معناه ما قدرنا فإن الفرض عبارة عن التقدير، وعلى هذا نصاب السرقة يدخله التقدير بالاتفاق؛ لأنه يستباح به ما لا يستباح بالبدل فكذلك الصداق.
وتأويل الآثار المروية فيما يجعله لها باليد، ألا ترى أنه أمر ذلك الرجل بالالتماس، والصداق يمكن إثباته في الذمة فعرفنا أن المراد ما يجعله لها باليد، وذلك غير مقدر شرعا عندنا، وإذا ثبت هذا فنقول: إذا تزوجها على خمسة دراهم فلها عشرة دراهم استحسانا في قول علمائنا الثلاثة إن دخل بها أو مات
عنها، وإن طلقها قبل الدخول بها فلها خمسة، وفي القياس لها مهر مثلها إن دخل بها، والمتعة إن طلقها قبل الدخول بها، وهو قول زفر - رحمه الله تعالى -.
وجه القياس أنه سمى ما لا يصلح أن يكون صداقا لها شرعا فيكون بمنزلة ما لو سمى لها خمرا أو خنزيرا وللاستحسان وجهان.
(أحدهما): أن العشرة في كونها صداقا لا تتجزأ وذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله كما لو تزوج نصفها صح النكاح في الكل جميعا.
(الثاني): أن الإمهار إلى تمام العشرة حق الشرع، وما زاد على ذلك حقها فإذا رضيت بالخمسة فقد أسقطت ما هو حقها، وبعض ما هو حق الشرع فيعمل إسقاطها فيما هو حقها، وهو الزيادة على العشرة، ولا يعمل في حق الشرع، وعلى هذا لو تزوجها على ثوب يساوي خمسة فلها الثوب وخمسة دراهم، وإن طلقها قبل أن يدخل بها فلها نصف الثوب ودرهمان ونصف، وإنما تعتبر قيمة الثوب يوم تزوجها عليه، وكذلك إن سمى لها مكيلا أو موزونا؛ لأن تقدير المهر واعتباره عند العقد.
وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى في الثوب تعتبر قيمته يوم القبض، وفي المكيل والموزون يوم العقد؛ لأن المكيل والموزون يثبت في الذمة ثبوتا صحيحا بنفس العقد، والثوب لا يثبت ثبوتا صحيحا بل يتردد بينه وبين القيمة فلهذا يعتبر قيمته وقت القبض.
(قال وإذا تزوجها على غير مهر مسمى ثم طلقها قبل الدخول فلها المتعة؛ لقوله تعالى {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء} [البقرة: 236] إلى قوله {ومتعوهن} [البقرة: 236] ، وأدنى المتعة درع وخمار، وملحفة هكذا روي عن ابن عباس وعائشة - رضي الله تعالى عنهما - أن المتعة ثلاثة أثواب؛ لأن المرأة تصلي في ثلاثة أثواب وتخرج في ثلاثة أثواب عادة فيكون ذلك متعة لها تذكرة من الزوج إذا فارقها قبل أن يدخل بها، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - المتعة شيء نفيس من ثوب أو خادم أو فرس أو نحو ذلك إلا أن يكون مهر مثلها أقل من قيمة المتعة فحينئذ يكون لها نصف مهر مثلها لا ينقص من خمسة دراهم عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لها المتعة، ولا معتبر بمهر المثل؛ لأنه سقط بالطلاق قبل الدخول فلا معنى لاعتباره بعد ذلك، ولكنا نقول: النكاح الذي فيه تسمية في حكم الصداق أقوى مما لا تسمية فيه فإذا كان في العقد الذي فيه التسمية لا يجب لها بالطلاق أكثر من نصف ما كان واجبا قبله فكذلك في النكاح الذي لا تسمية فيه، وقد كان الواجب قبل الطلاق مهر المثل فلا تزاد المتعة على نصف مهر المثل، وإن كانا سواء فالواجب هو المتعة؛ لأنها فريضة في كتاب الله تعالى فعند المساواة تترجح المتعة
(قال ولو تزوجها على ما في بطن جاريته أو على ما في
بطن أغنامه لم تصح التسمية؛ لأن شرط صحة التسمية كون المسمى مالا، وما في البطن ليس بمال متقوم، وهذا بخلاف الخلع فإنه لو خالعها على ما في بطن جاريتها صحت التسمية؛ لأن ما في البطن بغرض أن يصير مالا بالانفصال، وأحد العوضين في الخلع يحتمل الإضافة، وهو الطلاق فالعوض الآخر كذلك يحتمل الإضافة فإذا سمى ما في البطن فكأنه أضاف التسمية إلى ما بعد الانفصال، وفي النكاح أحد العوضين لا يحتمل الإضافة فالعوض الآخر كذلك، والمسمى في الحال ليس بمال فكان لها مهر مثلها، وكذلك لو تزوجها على ما تحمل نخلة أو تخرج أرضه العام أو على ما يكتسب غلامه؛ لأن المسمى معدوم، وتأثير العدم أبلغ من تأثير الجهالة فإذا كان لا يصح تسمية مجهول الجنس كالثوب، والدابة فتسمية المعدوم أولى أن لا تصح.
(قال ولو تزوجها على عبد بعينه فوجدته حرا فلها مهر مثلها في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وهو قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - الأول، وفي قوله الآخر قيمة ذلك الشخص أن لو كان عبدا، وكذلك لو تزوجها على هذه الشاة المذبوحة فإذا هي ميتة أو تزوجها على هذا الدن من الخل فإذا هو خمر فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لها مهر مثلها، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لها مثل ذلك الدن من خل وسط أبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول: سمى لها في العقد مالا، وهو العبد، والذكية، والخل فصحت التسمية ثم تعذر تسليم المسمى بما ظهر فتجب القيمة فيما ليس من ذوات الأمثال، والمثل فيما هو من ذوات الأمثال كما لو تعذر تسليم المسمى بالهلاك في يد الزوج؛ وهذا لأنه حين ظهر حرا فقد استحق نفسه فيجعل كاستحقاق الغير إياه، ولو تزوجها على عبد فاستحق كان لها قيمته فكذلك إذا استحق نفسه بالحرية وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا الأصل أن الإشارة، والتسمية إذا اجتمعتا فإن كان المشار إليه من جنس المسمى يتعلق العقد بالمشار إليه، وإن كان من غير جنس المسمى يتعلق بالمسمى، ألا ترى أنه لو اشترى فصا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج كان البيع باطلا؛ لأن المشار إليه من غير جنس المسمى، فيتعلق العقد بالمسمى، والمسمى معدوم، وبيع المعدوم باطل، ولو اشترى فصا على أنه ياقوت أحمر فإذا هو ياقوت أصفر جاز البيع؛ لأن المشار إليه من جنس المسمى فيتعلق العقد بالمشار إليه؛ لأن الإشارة أبلغ في التعريف؛ لأنها تقطع الشركة من كل وجه إذا عرفنا هذا فنقول: الحر والعبد جنس واحد فإن الآدمي باعتبار الأصل حر ثم يتعرض الرق فيه، والإعتاق إتلاف لذلك الرق العارض
فلا يوجب تبديل الجنس، واختلاف الجنس إما باختلاف الأصل أو الهيئة أو المقصود، وذلك لا يوجد بين الأحرار والعبيد، فإذا اتحد الجنس تعلق العقد بالمشار إليه، وهو الحر دون المسمى، والمشار إليه ليس بمال فلا يصح تسميته بخلاف عبد الغير فإنه مال متقوم، وإن كان لا يقدر على تسليمه، وعلى هذه الذكية والميتة، فإن الجنس واحد فيتعلق العقد بالمشار إليه.
فأما محمد - رحمه الله تعالى - في الخمر، والخل قال: هما جنسان مختلفان؛ لأن المقصود منهما يختلف، وكذلك الخل فقط لا يصير في مثل حال الخمر، والخمر اسم لعين حرام، والخل اسم لمطعوم حلال فكانا جنسين فيتعلق العقد بالمسمى، والمسمى هو الخل فلهذا كان لها مثل ذلك الدن من الخل وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: الخل والخمر جنس واحد، فإن الأصل واحد، والهيئة واحدة، وهذه أوصاف تتعرض على العين فلا توجب تبديل الجنس كالصغر، والكبر في الآدمي فإن الحلاوة في العصير بمنزلة الحلاوة التي تكون في الصغر، ثم الشدة في الخمر بمنزلة الحدة، والقوة التي تكون في الشباب، ثم الحموضة في الخل بمنزلة حال الشيخوخة فكما أن بتبدل الأحوال لا يختلف جنس الآدمي، فكذلك بتبدل الأحوال في العصير، فإذا كان الجنس واحدا تعلق العقد بالمشار إليه، والمشار إليه ليس بمال فلهذا كان لها مثلها.
(قال فإن تزوجها على أمة فولدت عنده ثم مات ولدها فليس على الزوج في الولد ضمان؛ لأنه لم يصنع في الولد شيئا، ولا يكون حاله أعلى من حال ولد المغصوبة، ولكن لها الأمة إن دخل بها، ولا خيار لها إن كان نقصان الولادة يسيرا كما لو تعيبت في يد الزوج بعيب يسير سوى نقصان الولادة، وإن كان النقصان فاحشا فلها الخيار إن شاءت أخذت الجارية، ولا يضمن الزوج شيئا من النقصان، وإن شاءت قيمتها يوم تزوجها عليها؛ لأن نقصان الولادة كالعيب السماوي، وقد كان الولد جابرا لذلك النقصان.
فأما إذا مات الولد ظهر النقصان؛ لانعدام ما يجبره، وقد بينا ثبوت الخيار لها في العيب السماوي بهذه الصفة، وإن كان الزوج قتل الولد ضمن لها قيمته؛ لأنه كان أمانة في يده فيضمنه بالإتلاف فإن كان في قيمته وفاء نقصان الولادة لم يضمن نقصان الولادة؛ لأن قيمة الولد قائمة مقام الولد، فيكون جابرا للنقصان، وإن لم يكن فيها وفاء فعليه تمام ذلك به أجاب في الكتاب، وهو غلط فقد بين في الابتداء أن الزوج لا يضمن نقصان الولادة عند موت الولد فكذلك لا يضمن ما زاد على قيمة الولد من قدر النقصان، ولكنه إذا كان يسيرا فلا خيار لها، وإن كان فاحشا فلها الخيار كما بينا.
(قال وإذا أخذت المرأة
رهنا بصداقها، وقيمته مثل الصداق فهلك عندها فهو كما فيه؛ لأن دين الصداق يستوفى كسائر الديون، والرهن يثبت يد الاستيفاء ويتم الاستيفاء به عند هلاك الرهن قال: - صلى الله عليه وسلم - «الرهن بما فيه» فصارت عند هلاك الرهن مستوفية لصداقها بمنزلة ما لو استوفت حقيقة فإن طلقها قبل أن يدخل بها ضمنها نصف الصداق كما لو كانت استوفت حقيقة، وإن كان هلاك الرهن بعد الطلاق فلا ضمان عليها في ذلك؛ لأن بالطلاق قبل الدخول سقط نصف الصداق من غير عوض غرمه الزوج، ولو سقط الكل بإبرائها خرج الرهن من أن يكون مضمونا في الكل، فكذلك إذا سقط النصف فإنما يبقى ضمان الرهن بما بقي، وعند هلاكه إنما صارت مستوفية لما بقي فلهذا لا تغرم له شيئا بخلاف الأول، فإن عند هلاك الرهن كان جميع الصداق واجبا هناك فصارت مستوفية للكل فلهذا لزمها رد النصف بعد الطلاق.
(قال ولو لم يكن في النكاح تسمية ورهن عندها بمهر المثل رهنا صح الرهن؛ لأن مهر المثل كالمسمى في كونه دينا واجب الاستيفاء فإن هلك الرهن، وفي قيمته وفاء بمهر المثل صارت مستوفية، وإن طلقها قبل أن يدخل بها فعليها أن ترد ما زاد على قدر المتعة؛ لأن قدر المتعة هنا كنصف المسمى هناك فعليها أن ترد ما زاد على ذلك، وإن طلقها قبل الدخول بها، والرهن قائم فليس لها أن تحبس الرهن بالمتعة في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - الآخر، وهو القياس، وفي قوله الأول، وهو الاستحسان، وهو قول محمد - رحمه الله تعالى - لها أن تحبس الرهن بالمتعة لوجهين.
(أحدهما): أن المتعة بمنزلة جزء من أجزاء مهر المثل، ألا ترى أن في النكاح الذي فيه التسمية ما يجب بعد الطلاق جزء مما كان فيه، فكذا في النكاح الذي لا تسمية فيه، وهذا لأن الطلاق مسقط فلا يصلح أن يكون موجبا فعرفنا أن ما بقي بعض ما كان واجبا قبل الطلاق، والرهن بالدين يكون محبوسا بكل جزء منه.
(والثاني): أن المتعة خلف عن مهر المثل؛ لأنه يجب عند سقوط مهر المثل بالسبب الذي كان يجب به مهر المثل، وهو النكاح، وهذا هو حد الأصل، والخلف، ثم الرهن بالشيء يكون محبوسا بما هو خلف عنه كالرهن بالعين المغصوبة يكون محبوسا بقيمتها، ووجه قوله الآخر أن المتعة دين حادث سوى مهر المثل، والمحبوس بدين لا يكون محبوسا بدين آخر سواه، والدليل على أنه من خلاف جنس مهر المثل، فإن المتعة ثياب ومهر المثل من النقود؛ ولأن مهر المثل قيمة بضعها، والمتعة تذكرة لها، ولا يلتقيان بحال فإن مهر المثل يجب في حال قيام النكاح، والمتعة تجب بعد
ارتفاع النكاح.
والدليل عليه أن الكفيل بمهر المثل لا يكون كفيلا بالمتعة فإذا ثبت أنهما دينان مختلفان لم يكن الرهن بأحدهما محبوسا بالآخر فإذا هلك الرهن في يدها قبل أن تمنعه لم يكن عليها ضمان، ولكنها في قوله الأول تصير مستوفية للمتعة، وفي قوله الآخر لا تصير مستوفية فلها أن تطالب الزوج بالمتعة، وإن منعت الرهن على الزوج بعد مطالبته حتى هلك ففي قوله الأول: لا ضمان عليها؛ لأنها حبسته لحق، وفي قوله الآخر: هي ضامنة للزوج قيمة المرهون؛ لأنها حبسته بغير حق فصارت غاصبة ضامنة
(قال فإن تزوجها على غير مهر مسمى ثم فرض لها بعد العقد دارا فلا شفعة للشفيع فيها؛ لأن الفرض بعد العقد تقدير مهر المثل، ومهر المثل بدل البضع فلا شفعة فيه، ولهذا لو طلقها قبل الدخول بها كان عليها أن ترد الدار وترجع على الزوج بالمتعة، وإن كان سمى في العقد مهرا ثم باعها داره به كان للشفيع فيها الشفعة؛ لأنها ملكت الدار شراء بالمهر، ولو طلقها قبل أن يدخل بها كانت الدار سالمة لها؛ لأن الشراء لا يبطل بالطلاق، ولكنها ترد نصف المسمى على الزوج؛ لأنها صارت مستوفية للصداق بالشراء.
(قال ولو تزوجها على أن يشتري لها هذه الدار ويعطيها إياها مهرا أو قال: أتزوجك على هذه الدار على أن أشتريها فأسلمها إليك كان لها أن تأخذه بذلك؛ لأنه شرط لها ذلك، والوفاء بالشرط واجب، فإن عجز عن ذلك فعليه قيمة الدار لها، وإن طلقها قبل الدخول فلها نصف القيمة؛ لأن التسمية صحيحة فإن المسمى مال، وإن كان الزوج عاجزا عن تسليمه وقت العقد؛ لأن القدرة على تسليم الصداق لا تشترط لصحة التسمية، فإن القدرة على التسليم فيما يقابل الصداق ليس بشرط لصحة العقد، ولكن شرط صحة العقد فيه صفة الحل، فكذا في الصداق شرط صحة التسمية صفة المالية، وقد وجد فإذا تحقق عجزه عن تسليم المسمى تلزمه قيمته، وهذا بخلاف الكتابة فإنه لو كاتب عبده على عبد الغير، فإنه لا يجوز على الرواية التي تجوز الكتابة على العين؛ لأن عقد الكتابة كالبيع من حيث إنه يحتمل الفسخ، ولا يصح إلا بتسمية البدل فكما أن العجز عن التسليم في البيع يمنع صحة العقد فكذا في الكتابة.
(قال وإن تزوجها على دار فاستحق نصفها خيرت في النصف الباقي؛ لأن التشقيص في الأملاك المجتمعة عيب فاحش، فإن نصف الدار لا يشترى بنصف ما يشترى به جميع الدار عادة، وقد بينا أن ما لا يدخل تحت تقويم المقومين فهو عيب فاحش، فإن شاءت ردت النصف الباقي بالعيب ورجعت بجميع قيمة الدار، وإن شاءت أمسكت ورجعت بنصف قيمة الدار، وإن طلقها قبل الدخول
كان لها النصف الذي في يدها؛ لأن حقها بعد الطلاق في نصف الدار، ونصف الدار سالم لها فلا ترجع بشيء آخر عليه
(قال ولو تزوجها على مهر مسمى ثم زاد فيه جازت الزيادة إن دخل بها أو مات عنها إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى - أصله الزيادة في الثمن بعد العقد، وهي مسألة البيوع، ودليلنا لجواز الزيادة هنا لقوله تعالى {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} [النساء: 24] معناه من فريضة بعد الفريضة، ولو طلقها قبل الدخول بها بطلت الزيادة إلا في قول أبي يوسف الأول، وقد بيناه.
(قال وإذا تزوجها على مهر في السر وسمع في العلانية بأكثر منه يؤخذ بالعلانية، وهذا على وجهين: إن كانا تواضعا في السر على مهر ثم تعاقدا في العلانية بأكثر منه فالمهر مهر العلانية؛ لأن تلك المواضعة ما كانت لازمة وجعل ما عقدا عليه في العلانية بمنزلة الزيادة في مهرها إلا أن يكون أشهد عليها أو على وليها الذي زوجها منه أن المهر هو الذي في السر، والعلانية سمعة فحينئذ المهر ما سمى لها في السر؛ لأنهما في الإشهاد أظهرا أن مرادهما الهزل بالزيادة على مهر السر، والهزل ببعض المسمى مانع من الوجوب إلا على قول ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى - فإنه يقول: كما لا يعمل الهزل في جانب المنكوحة فكذلك في جانب الصداق فيكون مهرها مهر العلانية فأما إذا تعاقدا في السر بألف وأشهدا أنهما يجددان العقد بألفين سمعة، فالمهر هو الأول؛ لأن العقد الثاني بعد الأول لغو وبالإشهاد علمنا أنهما قصدا الهزل بما سمعا فيه، وإن لم يشهدا في ذلك فالذي أشار إليه في الكتاب أن المهر هو مهر العلانية، ويكون هذا منه زيادة لها في المهر قالوا: وهذا عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فأما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى المهر هو الأول؛ لأن العقد الثاني لغو فما ذكر فيه من الزيادة أيضا يلغو، وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أصل العقد الثاني، وإن صار لغوا فما ذكر فيه من الزيادة يكون معتبرا بمنزلة من قال لعبده، وهو أكبر سنا منه: هذا ابني فإنه لما لغا صريح كلامه عندهما لم يعتق العبد، وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وإن لغي صريح كلامه في حكم النسب بقي معتبرا في حق العتق.
(قال وإذا تزوجها على ألف درهم على أن ردت عليه عبدا فهو جائز؛ لأنها بذلت شيئين بإزاء الألف البضع، والعبد فيقسم الألف على قيمة العبد ومهر مثلها، فما أصاب العبد يكون شراء حتى إذا مات العبد قبل التسليم، أو وجد الزوج به عيبا فرده بطل ذلك القدر، وما أصاب مهر المثل فهو صداق لها حتى إذا طلقها قبل الدخول كان لها نصف ذلك.
(قال): وإن تزوجها على أبيها، وقيمته ألف درهم على أن ردت عليه أمة


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.84 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.22 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]