عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 14-11-2025, 10:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس

صـــ 60 الى صـــ 69
(96)







(قال والوسط من الخادم السندي؛ وهذا لأن أرفع الخدم الأتراك، وأدنى الخدم الهنود فالسندي هو الوسط فيما بين ذلك، ولكنه في بلادنا قلما يوجد السندي فالوسط أدنى الأتراك وأعلى الهنود.
(قال وإن كان تزوجها على وصيف أبيض فلها خمسون دينارا في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وهذا أيضا بناء على ما شاهد في زمانه من التفاوت بين قيمة الوسط والجيد، وذلك يختلف باختلاف الغلاء والرخص، ولكن في زمانه كان هذا التفاوت بقدر عشرة دنانير فلهذا قدره به، وإن أعطاها وصيفا أبيض لا يساوي ذلك فهو جائز؛ لأنه وفى لها بما شرط، واعتبار القيمة عند اختياره أداء القيمة فأما إذا اختار أداء العين فلا معتبر بالقيمة.
(قال وإن كانا من أهل البادية، وقد تزوجها على بيت فلها بيت من شعر من بيوت أهل البادية، وإن تزوجها على خادم فلها خادم وسط مما يعرف هناك؛ لأن المعتبر في التسمية العرف، ألا ترى أنه لو اشترى بدراهم مطلقا ينصرف إلى نقد البلد؛ للعرف فهنا في كل موضع يعتبر العرف أيضا، والمتعارف من تسمية البيت مطلقا فيما بين أهل البادية البيت من الشعر، وفي ما بين أهل الأمصار متاع البيت فصرفنا التسمية إلى ذلك في كل موضع.
(قال وإن تزوجها على شيء بعينه، ولم تره فليس لها في ذلك خيار الرؤية؛ لأن عدم الرؤية
لما لم يمنع ثبوت صفة اللزوم فيما هو المقصود بهذا العقد، وهي المنكوحة فكذلك في عوضه، وكان المعنى فيه أن الفائدة في إثبات خيار الرؤية أن يتمكن به من إعادة العوض الذي خرج منه إليه، وهذا في البيع يحصل؛ لأنه ينفسخ بالرد، وفي النكاح لا يحصل؛ لأنه لا ينفسخ برد المسمى بخيار الرؤية، ولكن تجب القيمة، والقيمة غير مرئية كالعين، فعرفنا أنه لا يستدرك بالرد فائدة، وكذلك لا ترد الصداق بالعيب إلا أن يكون فاحشا عندنا، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى: كل عيب يرد به في البيع يرد به في الصداق.
وهو بناء على أصل بيننا وبينه أن عنده بالرد بالعيب تبطل التسمية فيجب مهر المثل، وعندنا لا تبطل التسمية، ولكن تجب قيمة المسمى فإن كان العيب يسيرا لا تستدرك بالرد فائدة إذ لا فرق بين عين الشيء، وبه عيب يسير، وبين قيمته، وإذا كان العيب فاحشا فتستدرك بالرد فائدة؛ لأنها ترجع بقيمته صحيحا، وهذا هو حد الفرق بين اليسير والفاحش، أن كل عيب ينقص من المالية مقدار ما لا يدخل تحت تقويم المقومين في الأسواق فهو عيب فاحش، وإذا كان ينقص بقدر ما يدخل بين تقويم المقومين فهو عيب يسير، وحجته لإثبات أصله أن الصداق مال مملوك بعقد معاوضة، وهو مما ينفصل عن أصل العقد فتبطل التسمية بالرد كالبيع، ولكن بطلان التسمية في النكاح لا يبطل النكاح كانعدام التسمية في الابتداء، ولكنا نقول: السبب الموجب للمسمى هو العقد، فلا يجوز الحكم ببطلان التسمية مع بقاء السبب الموجب له، ولكن بالرد بالعيب يتعذر تسليم العين كما التزم، فتجب قيمته كالمغصوب إذا أبق.
وعلى هذا الأصل إذا هلك الصداق قبل التسليم عندنا لا تبطل التسمية، ولكن يجب على الزوج مثله إن كان من ذوات الأمثال، وقيمته إن لم يكن من ذوات الأمثال، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - تبطل التسمية كما يبطل البيع بهلاك المبيع قبل القبض فيكون لها مهر مثلها، وبعض أصحابه يقول: لا تبطل التسمية بالهلاك عندنا، ولكن تجب قيمة المسمى؛ لتعذر تسليم العين فأما الرد بالعيب لا يكون إلا لرفع تلك التسمية فتبطل به التسمية، وعلى هذا لو استحق المسمى بعينه لا تبطل التسمية؛ لأن شرط صحة التسمية كون المسمى مالا، وبالاستحقاق لا تنعدم المالية، ولكن يتعذر التسليم فيكون بمنزلة الهلاك في أنه يجب قيمته على الزوج.
(قال وإن كان الزوج أجر الصداق فالأجر له؛ لأن الصداق في يده مضمون بنفسه كالمغصوب، والغاصب إذا أجر المغصوب فالأجر له، ولكن يتصدق به؛ لأنه حصل له بكسب خبيث، فكذلك الزوج، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى -
الأجر لها بناء على أصله أن المنافع عنده مال، والأجر بدل ما هو مال لها، فيكون بمنزلة العقر وأرش الطرف، وعندنا المنافع ليست بمال متقوم، وإنما تتقوم بالعقد، والعاقد هو الزوج فكان الأجر له؛ لأنه بعقده صير ما ليس بمتقوم من ملك الغير متقوما، فهو كمن صنع كوزا من تراب غيره وباعه يكون الثمن له.
(قال فإن ولدت أو اكتسبت مالا قبل التسليم فذلك كله للمرأة معها.
والحاصل أن الزيادة في الصداق قبل القبض نوعان: متصلة ومنفصلة.
فالمتصلة: كالسمن في الجارية وانجلاء البياض عن العين.
والزيادة المنفصلة: إما متولدة من العين كالولد، والثمار، والعقر، وإما غير متولدة من العين كالكسب والغلة، وذلك كله يسلم للمرأة إذا دخل بها الزوج أو مات عنها؛ لأنه يملك بملك الأصل، وملك الأصل كان سالما لها، وقد تقرر ذلك بالموت والدخول، فكذلك الزيادة، وأما إذا طلقها قبل الدخول بها فالزيادة المتولدة منفصلة كانت أو متصلة تتنصف بالطلاق مع الأصل؛ لأنها في حكم جزء من العين، والحادث من الزيادة بعد العقد قبل القبض كالموجود وقت العقد بدليل المبيعة، فإن الزيادة المتولدة هناك كالموجود وقت العقد حتى يصير بمقابلتها شيء من الثمن عند القبض.
فأما الكسب والغلة لا تتنصف بالطلاق قبل الدخول بل يسلم الكل لها في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وأما في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تتنصف مع الأصل، وكذلك لو جاءت الفرقة من قبلها قبل الدخول حتى يبطل ملكها عن جميع الصداق يسلم لها الكسب في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعندهما يدور الكسب مع الأصل، وكذلك المبيع قبل القبض إذا اكتسب كسبا ثم انفسخ البيع بهلاك المبيع قبل القبض عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يسلم الكسب للمشتري، وعندهما هو للبائع، وحجتهما في ذلك أن الكسب زيادة منفصلة عن الأصل فيكون قياس الولد فكما لا يسلم ذلك لها بعد ما بطل ملكها عن الأصل، فكذلك هذا؛ وهذا لأن بطلان ملكها عن الأصل بحكم انفساخ السبب فيه، والزيادة إنما تملك بملك الأصل متولدة كانت أو غير متولدة، فبعد ما انفسخ سبب الملك لها في الأصل لا يبقى سببا لملك الزيادة لها وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: السبب الذي به ملكت الكسب لم ينفسخ فيبقى ملك الكسب لها كما قبل الطلاق، وبيان ذلك أن سبب ملك الكسب إما قبول العبد الهبة أو إجارته نفسه، واكتسابه من حيث الاحتطاب، والاحتشاش وشيء من هذه الأسباب لا ينفسخ بالطلاق، وتأثيره أن الاكتساب يوجب الملك للمكتسب، ولكن إذا لم يكن
المكتسب من أهل الملك فمن يخلفه، وهو مولاه يقوم مقامه في الملك بذلك السبب؛ لوصلة الملك بينهما وقت الاكتساب، ثم ببطلان ملكه في الأصل بعد ذلك لا يتبين أنه لم يخلفه في الملك بذلك السبب، وليس الكسب بمنزلة الزيادة المتولدة؛ لأن المتولد جزء من الأصل يسري إليه ملك الأصل إلا أن يكون مملوكا بسبب حادث، ألا ترى أن ولد المكاتبة يكون مكاتبا، وكسبها لا يكون مكاتبا، وولد المبيعة قبل القبض يكون مبيعا يقابله حصة من الثمن عند القبض، وكسب المبيع لا يكون مبيعا فلا يقابله شيء من الثمن، وإن قبض مع الأصل فظهر الفرق بينهما، وكذلك لو قبضت المرأة الأصل مع الزيادة المتولدة ثم طلقها قبل أن يدخل بها يتنصف الأصل والزيادة.
لأن حكم التنصف عند الطلاق ثبت في الكل حين كانت الزيادة حادثة قبل القبض فلا يسقط ذلك بقبضها، ولو كانت قبضت الأصل قبل حدوث الزيادة ثم حدثت الزيادة في يدها ثم طلقها قبل الدخول فإن كانت الزيادة غير متولدة كالكسب والغلة، فهو سالم لها وردت نصف الأصل على الزوج؛ لأن حدوث الكسب كان بعد تمام ملكها ويدها فيكون سالما لها، وإن لزمها رد الأصل أو بعضه كالمبيع إذا اكتسب في يد المشتري ثم رد الأصل بالعيب يبقى الكسب سالما له؛ وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الخراج بالضمان»، وقد كان الصداق في ضمانها فمنفعته تسلم لها، والكسب بدل المنفعة فأما إذا كانت الزيادة متولدة من العين فإن كانت منفصلة كالولد والثمار؛ يمنع تنصف الأصل بالطلاق وعود الكل إليه إذا جاءت الفرقة من قبلها، ولكن للزوج عليها نصف قيمة الأصل أو جميع قيمته يوم دفع إليها، وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى: يتنصف الأصل مع الزيادة بالطلاق، ويعود الكل إلى الزوج إذا جاءت الفرقة من قبلها؛ لأن بقبضها لا يتأكد ملكها ما لم يدخل بها، بل توهم عود النصف إلى الزوج بالطلاق أو الكل إذا جاءت الفرقة من قبلها ثابت فيسري ذلك الحق إلى الزيادة بمنزلة المشتراة شراء فاسدا إذا قبضها المشتري، وازدادت زيادة منفصلة فإن البائع يستردها بزيادتها وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى قال: في الطلاق يرجع الزوج عليها بنصف قيمة الأصل، وعند ردتها يسترد منها الأصل مع الزيادة؛ لأن الردة تفسخ السبب مع الأصل فيكون الرد بحكم انفساخ السبب بمنزلة الرد بسبب فساد البيع، وهنا كحكم الرد يثبت في الأصل والزيادة، فأما الطلاق حل العقد، وليس بفسخ له من الأصل فلا يثبت حق الزوج في الزيادة التي لم تكن في ملكه، ولا في يده.
ويتعذر
تنصف الزيادة بتعذر تنصف الأصل، ووجه ظاهر الرواية أنها ملكت الصداق بالعقد، وتم ملكها بالقبض فالزيادة حدثت على ملك تام لها، وحكم التنصف عند الطلاق إنما يثبت في المفروض في العقد، والزيادة ما كانت مسماة في العقد لا حقيقة، ولا حكما إذا لم يرد عليها القبض المستحق بالعقد فتعذر تنصفها، وهي جزء من العين فيتعذر تنصفها بتعذر تنصف العين كالزيادة المنفصلة في المبيع تمنع رد الأصل بالعيب إذا كان حادثا بعد القبض، وهذا بخلاف الزيادة المنفصلة في الموهوب فإنه لا يمنع الواهب من الرجوع في الأصل؛ لأن الهبة عقد تبرع، فإذا رجع في الأصل بقيت الزيادة للموهوب له بغير عوض، وقد كان الأصل سالما بغير عوض فيجوز أن تسلم الزيادة له أيضا بغير عوض، فأما البيع، والنكاح معاوضة فبعد تعذر رد الزيادة لو أثبتنا حكم الرد في الأصل بقيت الزيادة سالمة بغير عوض، وهو جزء من الأصل فلا يجوز أن يسلم الملك بغير عوض بعد رفع عقد المعاوضة بينهما فإذا تعذر تنصيف الأصل وجب عليها نصف القيمة للزوج؛ لتعذر رد العين بعد تقرر السبب الموجب له، وإنما دخل الصداق في ضمانها بالقبض فلهذا كان المعتبر القيمة وقت القبض، فأما إذا كانت الزيادة متصلة كالسمن، والجمال وانجلاء البياض فطلقها قبل أن يدخل بها عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى هذا، والزيادة المنفصلة سواء، وللزوج عليها نصف قيمة الصداق يوم قبضت، وعند محمد وزفر رحمهما الله تعالى يتنصف الأصل بزيادته، وحجتهما في ذلك أن النكاح عقد معاوضة، والزيادة المتصلة لا عبرة بها في عقود المعاوضات كما في البيع لو اشترى جارية بعبد، وقبض الجارية فازدادت زيادة متصلة ثم هلك العبد قبل التسليم أو رده المشتري بعيب يسترد الجارية بزيادتها بخلاف ما لو كانت الزيادة منفصلة.
وهذا لأن الزيادة المتصلة بمنزلة الشعر، ألا ترى أنها لو حدثت قبل القبض لا ينقسم الثمن باعتبارها كزيادة الشعر فكذلك في الصداق، وهذا بخلاف الموهوبة فإن الزيادة المتصلة فيها تمنع الرجوع؛ لأن الهبة ليست بعقد ضمان فالقبض بحكمه لما لم يوجب ضمان العين على الموهوب له لم يبق للواهب حق في العين حتى تسري إلى الزيادة، وإذا تعذر الرجوع في الزيادة تعذر في الأصل؛ لأن الأصل لا ينفصل عن الزيادة فأما قبضها الصداق قبض ضمان وثبوت الضمان لحق الزوج فيه يتبين بقاء حق الزوج في الأصل فيسري إلى الزيادة كما في البيع وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا: هذه الزيادة حدثت من ملك صحيح تام لها
فيكون سالما لها بكل حال كالزيادة المنفصلة.
وإذا تعذر تنصف الزيادة تعذر تنصف الأصل لما قال محمد - رحمه الله تعالى: والدليل عليه أن الصداق في حكم الصلة من وجه؛ لأنها تملكه لا عوضا عن مال يستحق عليها، والزيادة المتصلة في الصلات تمنع رد الأصل كالموهوب، وتأثير الزيادة المتصلة في الصلات أكثر من تأثير الزيادة المنفصلة حتى أن الزيادة المنفصلة في الهبة لا تمنع الرجوع، والمتصلة تمنع ثم الزيادة المنفصلة هنا تمنع تنصف الأصل فالمتصلة أولى، فأما البيع فالصحيح أن عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى الزيادة المتصلة هناك تمنع فسخ العقد من الأصل كالمنفصلة، وما ذكر في المأذون فهو قول محمد - رحمه الله تعالى - خاصة، وقد نص في كتاب البيوع على أن الزيادة المتصلة تمنع الفسخ بالتحالف عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى كالزيادة المنفصلة، ولو كان حدوث الزيادة في يدها بعدما طلقها الزوج قبل الدخول يتنصف الأصل مع الزيادة؛ لأن بالطلاق صار رد نصف الأصل مستحقا عليها فيسري ذلك إلى الزيادة كالمشترى شراء فاسدا يرد بزيادته المتصلة والمنفصلة، بخلاف ما قبل الطلاق.
فأما حكم النقصان فإن تعيب الصداق في يد الزوج بعيب يسير فلا خيار للمرأة؛ لأن العيب اليسير لو كان موجودا وقت العقد لم يثبت لها الخيار بسببه فكذا إذا حدث بعد العقد قبل القبض، وعن زفر - رحمه الله تعالى - أنه يثبت لها الخيار أيضا؛ لأنه تغير عليها شرط العقد فإنها استحقت الصداق بصفة السلامة، وبالتعيب قد تغير، ولكن هذا ينبغي على قوله في العيب الموجود وقت العقد أن يثبت لها الخيار أيضا إذ لا فرق بينهما
فأما إذا حدث بالصداق عيب فاحش في يد الزوج فهو على خمسة أوجه.
(أحدها): أن يكون العيب بآفة سماوية فيثبت لها الخيار إن شاءت رجعت بقيمة الصداق يوم تزويجها على الزوج، وإن شاءت أخذت المعيب، ولا شيء لها من ضمان النقصان؛ لأن الزوج عجز عن تسليم الصداق سليما كما أوجبه العقد فيثبت لها الخيار، وإذا أرادت رجعت بالقيمة؛ لأنه تعذر تسليم العين مع بقاء السبب الموجب له، فإن اختارت الأخذ فلا شيء لها من ضمان النقصان على الزوج؛ لأن الصداق مضمون عليه بالعقد، والأوصاف لا تكون مضمونة بالعقد وعن زفر - رحمه الله تعالى - أن لها أن تضمن الزوج النقصان؛ لأن الصداق مضمون في يد الزوج بنفسه كالمغصوب إذا تعيب في يد الغاصب كان للمغصوب منه أن يضمنه النقصان مع استرداد العين، ولكنا نقول: المغصوب مضمون بالقبض، والأوصاف تضمن بالقبض.
(والثاني): أن يكون التعيب بفعل
الزوج فيكون لها الخيار للتغير، وإن اختارت الأخذ ضمنت الزوج النقصان، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه ليس لها حق تضمين النقصان؛ لأنه مضمون على الزوج بالعقد فكان بمنزلة المبيع، والبائع إذا عيب المبيع قبل القبض لا يلزمه ضمان النقصان للمشتري فهذا مثله، ووجه ظاهر الرواية أن الزوج أتلف جزءا من الصداق، ولو أتلف الكل ضمن قيمة الكل، فكذلك إذا أتلف جزءا منه، وبه فارق البيع فإن البائع هناك لو أتلف الكل لم يضمنه فكذا إذا أتلف الجزء.
ثم المعنى فيه: أن المبيع مضمون بالثمن، وفي ما هو مضمون به فصلنا بين العيب بفعل البائع وبآفة سماوية حتى إنه إذا تعيب بفعل البائع سقطت حصته من الثمن عن المشتري، بخلاف ما إذا تعيب بآفة سماوية فهنا أيضا يفصل بينهما فيما إذا كان الصداق مضمونا به، وهو القيمة؛ وهذا لأن الإتلاف من الزوج يتحقق في الأوصاف كما يتحقق في الأصل بخلاف ما إذا تعيب بغير فعله فإن الضمان هناك بالعقد، والعقد لا يتناول الأوصاف مقصودا.
(الثالث): أن يكون التعيب بفعل الصداق بنفسه ففي ظاهر الرواية هذا كالعيب بآفة سماوية؛ لأن فعله بنفسه هدر، وقد روي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن هذا بمنزلة تغيب الزوج؛ لأنه مضمون عليه، وفعل المضمون كفعل الضامن في استحقاق موجبه عليه كما في المغصوب.
(الرابع): إن حصل التعيب بفعل الأجنبي يجب عليه ضمان النقصان، ويكون ضمان النقصان بمنزلة الزيادة المتولدة قبل القبض فيثبت لها الخيار للتغير فإذا اختارت الأخذ رجعت على الجاني بضمان النقصان، وإن اختارت تضمين الزوج القيمة رجع الزوج على الجاني بضمان النقصان، ولو أرادت أن تأخذ العين، وتضمن الزوج النقصان لم يكن لها؛ لانعدام الصنع من الزوج في التعيب.
(الخامس): أن يكون التعيب بفعل المرأة فتصير به قابضة للصداق؛ لأنها أتلفت جزءا منه فتكون قابضة لذلك الجزء بالإتلاف، ولما وراء ذلك بالتخلي، ولا خيار لها في ذلك، والذي بينا في هذه الفصول فيما إذا دخل بها الزوج أو مات عنها فأما إذا لم يدخل بها فهي في حق النصف إذا طلقها قبل الدخول كما في الكل إذا طلقها بعد الدخول
فأما إذا تعيب في يد المرأة بعد ما قبضت الصداق فهو على خمسة أوجه أيضا: أما إذا تعيب بآفة سماوية ثم طلقها الزوج قبل أن يدخل بها فهو بالخيار إن شاء ضمنها نصف قيمته يوم قبضت؛ لتعذر رد النصف كما قبضت، وإن شاء أخذ النصف ناقصا، وليس عليها من ضمان النقصان شيء؛ لأن الصداق كان مملوكا لها ملكا تاما فتعيبه في يدها
لا يلزمها شيئا من ضمان النقصان.
وكذلك لو كان التعيب بفعل الصداق بنفسه فهو كالتعيب بآفة سماوية؛ لأن فعله بنفسه هدر، وكذلك لو كان التعيب بفعل المرأة؛ لأن فعلها صادف ملكا صحيحا لها فلا يكون موجبا ضمان النقصان عليها بخلاف فعل الزوج قبل القبض فإنه صادف ملكها فيصلح أن يكون موجبا للضمان عليه، فأما إذا كان التعيب في يدها بفعل أجنبي فإن الأجنبي ضامن للنقصان، وذلك بمنزلة الزيادة المنفصلة المتولدة؛ لأنه بدل جزء من عينها فيمنع تنصف الأصل بالطلاق، وإنما يرجع الزوج عليها بنصف قيمة الصداق يوم قبضت، وكذلك إن كان التعيب بفعل الزوج؛ لأن الزوج بمنزلة الأجنبي في جنايته على الصداق بعد التسليم إليها فكان فعله كفعل أجنبي آخر في إيجاب الأرش، وذلك يمنع تنصف الصداق بالطلاق، وإن كان التعيب في يدها بعد الطلاق كان للزوج أن يأخذ نصف الأصل مع نصف النقصان؛ لأن السبب فسد في النصف بالطلاق، وصار مستحق الرد على الزوج فكان في يدها في هذه الحالة بمنزلة المقبوض بحكم شراء فاسد فيلزمها ضمان النقصان إذا تعيب بآفة سماوية أو بفعله بنفسه أو بفعلها؛ لأنه مضمون عليها بالقبض، والأوصاف تضمن بالقبض كالمغصوب، وإن كان التعيب بفعل الأجنبي فالأرش بمنزلة الزيادة المنفصلة، وقد بينا حكمه.
ووقع في المختصر أن التعيب في يدها قبل الطلاق وبعده في الحكم سواء، وهو غلط، بل الصحيح من الجواب في كل فصل ما ذكرنا.
(قال): وإن كان المهر جارية فلم تقبضها المرأة حتى وطئها الزوج فولدت فادعى ولدها لم يصدق على ذلك؛ لأنها مملوكة للمرأة، والاستيلاد في ملكها غير صحيح إلا أن الحد سقط عن الزوج؛ لأن الصداق مضمون عليه بالعقد بمنزلة المبيع في يد البائع فيصير ذلك شبهة في إسقاط الحد، وإذا سقط الحد لزمه العقر فكان العقر مع الولد زيادة منفصلة متولدة من الأصل؛ لأن المستوفى بالوطء في حكم جزء من العين، والعقر بدل عن ذلك فإذا طلقها قبل الدخول تنصف الكل، فتكون الجارية بينهما، ولا تصير أم ولد للزوج؛ لأن حق أمومية الولد يثبت لها باعتبار ثبوت نسب الولد، ونسب الولد غير ثابت هنا فكذلك لا يثبت لها حق أمومية الولد، ولكن نصف الولد يعتق على الزوج؛ لأنه ملك ولده من الزنا فيعتق عليه باعتبار الجزئية، ويسعى للمرأة في نصف القيمة؛ لأن نصيبها احتبس عند الولد، ولا يصير الزوج ضامنا؛ لأنه ما صنع في الولد شيئا إنما صنعه في الطلاق، وذلك ليس بمباشرة لإعتاق الولد، بل من حكم الطلاق عود النصف إلى الزوج، ثم يعتق عليه حكما
لملكه، ولكنها ترجع عليه بنصف العقر؛ لأن العقر تنصف بينهما فإن قتلت الخادم أو ماتت عند المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فللزوج عليها نصف القيمة يوم قبضت؛ لأنه تعذر عليها رد نصف الصداق بعد تقرر السبب الموجب له، ولا سبيل للزوج على القاتل؛ لأن فعله ما لاقى ملك الزوج فإنه حين قتلها كان الخادم ملكا للمرأة فلهذا لم يكن للزوج أن يضمن القاتل شيئا.
(قال وإن كانت ازدادت في يدها زيادة متصلة فهلكت ثم طلقها قبل الدخول فإنه يرجع عليها بنصف قيمة الصداق يوم قبضت، وكذلك إن استهلكت؛ لأنها أتلفت ملك نفسها فلا يلزمها بالإتلاف شيء، ولكنها بالقبض تصير ضامنة للزوج نصف قيمتها حين قبضت.
(قال ولو كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل فهلكت في يدها ثم طلقها قبل أن يدخل بها تنصف الأصل؛ لأن المانع من تنصيف الأصل هو الزيادة فحين مات، ولم يخلف بدلا صار كأن لم يكن فيتنصف الأصل إلا أنه إن كانت الزيادة ولدا، وقد نقصتها الولادة ثبت للزوج الخيار؛ للنقصان الحادث في يدها في الصداق، وإن لم يتمكن نقصان بسبب الولادة فلا خيار له إلا أن تكون المرأة هي التي استهلكت الولد، فحينئذ يكون له الخيار بمنزلة الجارية المبيعة إذا ولدت فأتلف المشتري ولدها، ثم أراد رد الأصل بالعيب، ولو كانت الولادة في يد الزوج فهلك الولد لم يضمن الزوج شيئا؛ لأن الولد حدث بغير صنعه، وهلك بغير صنعه بمنزلة ولد المغصوبة، ولكن إن تمكن نقصان بسبب الولادة يثبت لها الخيار؛ لأجل النقصان، وإن كان الزوج هو الذي أتلف الأصل، والزيادة ضمن قيمتها للمرأة؛ لأن الزيادة أمانة في يده فيضمنها بالإتلاف كالمغصوبة، وإن طلقها قبل الدخول ضمن لها نصف الأصل والزيادة.
(قال وإن كانت الجارية قائمة عند الزوج فأعتقها الزوج لم يجز عتقه؛ لأنه أعتق ما لا يملك، وكذلك لو طلقها قبل الدخول لم ينفذ ذلك العتق؛ لأنه سبق ملكه، ولو كانت المرأة هي التي أعتقها نفذ عتقها في الكل لمصادفته ملكها ثم إذا طلقها الزوج ضمنها نصف قيمتها يوم أعتقها؛ لأنها بالإعتاق تصير قابضة متلفة.
(قال): وإن كانت المرأة قبضت الصداق، وهو جارية ثم طلقها قبل أن يدخل بها ثم أعتقها الزوج لم ينفذ عتقه في شيء منها، وعند زفر - رحمه الله تعالى - ينفذ عتقه في نصفها؛ لأن من أصله أن حكم التنصيف يثبت بنفس الطلاق، ويعود نصفها إلى ملك الزوج كما لو كان قبل القبض فينفذ عتقه في نصيبه، ولكنا نقول: سبب ملكها في النصف يفسد بالطلاق حتى يستحق عليها رد النصف، ولكن لا يبطل ملكها في شيء إلا بالرد بقضاء أو رضاء
لأن فساد السبب في الابتداء لا يمنع ثبوت الملك بالقبض فلأن لا يمنع بقاء الملك أولى، فإذا لم يعد شيء من العين إلى الزوج لا ينفذ عتقه.
(قال ولو قضى القاضي له بنصفها بعد ذلك لا ينفذ ذلك العتق السابق؛ لأنه سبق ملكه بمنزلة المشتراة شراء فاسدا، وقد قبضها المشتري، وأعتقها البائع ثم ردت عليه لم ينفذ العتق، وإن كان أعتقها بعد ما قضى له القاضي بنصفها أو ردت المرأة عليه النصف بالتراضي نفذ عتقه فيكون حكمه كحكم جارية بين رجلين أعتقها أحدهما، ولو كانت هي التي أعتقت الجارية بعد الطلاق نفذ عتقها في الكل، وكذلك إن باعت أو وهبت؛ لأن الملك في الكل باق لها قبل قضاء القاضي، وإذا نفذ تصرفها فقد تعذر عليها رد النصف بعد تقرر السبب الموجب له فتضمن نصف قيمتها للزوج يوم قبضت، ولو وطئت الجارية بالشبهة حتى غرم الواطئ عقرها فحكم العقر كحكم الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل وكحكم الأرش؛ لأنه بدل جزء من عينها فإن المستوفى بالوطء في حكم العين دون المنفعة.
(قال ولا شفعة في الدار التي تتزوج عليها المرأة، وهو مذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - أيضا؛ لأن الشفعة في الدار لو وجبت إنما تجب للجار، وهو لا يوجب الشفعة للجار أصلا، وعلى قول ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى - تجب الشفعة.
(قال، ولو تزوجها على شقص من دار لم تجب فيه الشفعة عندنا، وعند ابن أبي ليلى والشافعي رحمهما الله تعالى تجب؛ لأن النصف ملك بعقد معاوضة فكان كالمملوك بالشراء، فتجب فيه الشفعة بقيمة العوض، والعوض هو البضع، وقيمته مهر المثل، وهو كمن اشترى دارا بعبد يأخذها الشفيع بقيمة العبد، وعندنا وجوب الشفعة يختص بمعاوضة مال بمال مطلق، والبضع ليس بمال مطلق فكان المملوك صداقا بمنزلة الموهوب، فلا تجب فيها الشفعة؛ وهذا لأن الشفيع إنما يتملك بمثل السبب الذي به تملك المشتري، فإن الشرع قدم الشفيع على المشتري في إثبات حق الأخذ له بذلك السبب لا في إنشاء سبب آخر، ولهذا لا تجب الشفعة في الموهوب؛ لأنه لو أخذه أخذه بعوض فكان سببا آخر غير السبب الذي تملك به المتملك، فكذلك هنا المرأة إنما ملكت الدار بالنكاح صداقا فلو أخذها الشفيع كان شراء فكان سببا آخر بخلاف ما إذا اشتراها بعبد فإن الشفيع يأخذها بمثل ذلك السبب لأن الشراء بقيمة العبد بمنزلة الشراء بعين العبد في أنه شراء مطلق.
(قال وإذا تزوجها على دار على أن ترد المرأة عليه ألف درهم لم يجب للشفيع الشفعة في شيء من الدار في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعندهما تقسم الدار على الألف




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.36 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]