عرض مشاركة واحدة
  #90  
قديم 14-11-2025, 04:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس
صـــ 2 الى صـــ 14
(90)






[باب نكاح البكر]
(قال) - رضي الله عنه: وإذا زوج الرجل ابنته الكبيرة، وهي بكر فبلغها فسكتت فهو رضاها، والنكاح جائز عليها وإذا أبت وردت لم يجز العقد عندنا وعلى قول ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى - يجوز العقد وهو قول الشافعي - رحمه الله تعالى - احتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - «ليس للولي مع الثيب أمر» فتخصيص الثيب بالذكر عند نفي ولاية الاستبداد للولي بالتصرف دليل على أنه يستبد بتزويج البكر؛ ولأن هذه بكر فيملك أبوها تزويجها كما لو كانت صغيرة.
وهذا لما بينا أن بالبلوغ لا يحدث لها رأي في باب النكاح، فإن طريق معرفة ذلك التجربة فكأن بلوغها مع صفة البكارة كبلوغها مجنونة بخلاف المال والغلام، فإن الرأي هناك يحدث بالبلوغ عن عقل، والدليل عليه أن للأب أن يقبض صداقها بغير أمرها إذا كانت بكرا فإذا جعل في حق قبض الصداق كأنها صغيرة حتى يستبد الأب بقبض صداقها فكذا في تزويجها.
وحجتنا في ذلك حديث أبي هريرة وأبي موسى الأشعري - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد نكاح بكر زوجها أبوها وهي كارهة» وفي حديث آخر قال «في البكر يزوجها وليها: فإن سكتت فقد رضيت وإن أبت لم تكره» وفي رواية: فلا جواز عليها.
والدليل عليه حديث الخنساء «فإنها جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه وأنا لذلك كارهة فقال: - صلى الله عليه وسلم - أجيزي ما صنع أبوك فقالت ما لي رغبة فيما صنع أبي فقال - صلى الله عليه وسلم: اذهبي فلا نكاح لك انكحي من شئت فقالت أجزت ما صنع أبي ولكني أردت أن يعلم النساء أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء»، ولم ينكر عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالتها، ولم يستفسر أنها بكر أو ثيب فدل أن الحكم لا يختلف، وفي الحديث المعروف: «البكر تستأمر في نفسها وسكوتها رضاها».
فدل أن أصل الرضا منها معتبر والشافعي - رحمه الله تعالى - لا يعمل بهذا الحديث أصلا فإنه يقول في حق الأب والجد لا يشترط رضاها
وفي تزويج غير الأب والجد لا يكتفى بسكوتها وما علق في حديث آخر من الحق لها بصفة الثيوبة المراد به في حق الضم والتفرد بالسكنى.
يعني أن للولي أن يضم البكر إلى نفسه؛ لأنه يخاف عليها أن تخدع فإنها لم تمارس الرجال ولم تعرف كيدهم، وللثيب أن تنفرد بالسكنى؛ لأنها آمنة من ذلك، والمعنى فيه أنها حرة مخاطبة فلا يجوز تزويجها بغير رضاها كالثيب، وتأثيره أن الحرية والخطاب وصفان مؤثران في استبداد المرء بالتصرف وزوال ولاية الافتيات عليه كما في حق المال والغلام.
وبقاء صفة البكارة تأثيره في عدم الاهتداء بسبب انعدام التجربة والامتحان، ولهذا لا تثبت ولاية الافتيات عليه كما في المال، فإن الظاهر أن من يبلغ لا يكون مهتديا إلى التصرفات قبل التجربة والامتحان ولكن الاهتداء وعدم الاهتداء لا يوقف على حقيقته وتختلف فيه أحوال الناس فأقام الشرع البلوغ عن عقل مقام حقيقة الاهتداء تيسيرا للأمر على الناس، وسقط اعتبار الاهتداء الذي يحصل قبل البلوغ بسبب التجربة، ويسقط اعتبار الجهل الذي يبقى بعد البلوغ؛ لعدم التجربة.
ألا ترى أن البكر التي لا أب لها غير مهتدية كالتي لها أب ثم اعتبر رضاها في تزويجها بالاتفاق وكذلك إقرارها بالنكاح يصح، فلو كان بقاء صفة البكارة في حقها كبقاء صفة الصغر لم يجز إقرارها بالنكاح.
وأما قبض الصداق فعندنا لو نهت الأب عن قبض صداقها لم يكن له أن يقبض، ولكنه عند عدم النهي له أن يقبض لوجود الإذن دلالة فإن الظاهر أن البكر تستحي من قبض صداقها، وأن الأب هو الذي يقبض؛ لتجهيزها بذلك مع مال نفسه إلى بيت زوجها فكان له أن يقبض لهذا، وبعد الثيوبة لا توجد هذه العادة؛ لأن التجهيز من الآباء بالإحسان مرة بعد مرة لا يكون فصار الأب في المرة الثانية كسائر الأولياء
(قال): وإن سكتت حين بلغها عقد الأب فالنكاح جائز عليها؛ لأن الشرع جعل السكوت منها رضا؛ لعلة الحياء فإن ذلك يحول بينها وبين النطق فتكون بمنزلة الخرساء فكما تقوم إشارة الخرساء مقام عبارتها فكذلك يقام سكوت البكر مقام رضاها.
وكان محمد بن مقاتل - رحمه الله تعالى - يقول إذا استأمرها قبل العقد فسكتت فهو رضا منها بالنص، فأما إذا بلغها العقد فسكتت لا يتم العقد؛ لأن الحاجة إلى الإجازة هنا، والسكوت لا يكون إجازة منها؛ لأن هذا ليس في معنى المنصوص فإن السكوت عند الاستئمار لا يكون ملزما وحين يبلغها العقد الرضا يكون ملزما فلا يثبت ذلك بمجرد السكوت، ولكنا نقول هذا في معنى المنصوص؛ لأن عند الاستئمار لها جوابان نعم أو لا فيكون
سكوتها دليلا على الجواب الذي يحول الحياء بينها وبين ذلك، وهو نعم؛ لما فيه من إظهار الرغبة إلى الرجال.
وكذلك إذا بلغها العقد فلها جوابان أجزت أو رددت فيجعل السكوت دليلا على الجواب الذي يحول الحياء بينها وبين ذلك وهو الإجازة
(قال): وكذلك لو ضحكت؛ لأن الضحك أدل على الرضا بالتصرف من السكوت بخلاف ما إذا بكت فإن البكاء دليل السخط والكراهية، وقد قال بعض المتأخرين: هذا إذا كان لبكائها صوت كالويل فأما إذا خرج الدمع من عينها من غير صوت البكاء لم يكن هذا ردا بل هي تحزن على مفارقة بيت أبويها، وإنما يكون ذلك عند الإجازة وكذلك قالوا: إن ضحكت كالمستهزئة؛ لما سمعت لا يكون رضا والضحك الذي يكون بطريق الاستهزاء معروف بين الناس
(قال فإن قال قبل النكاح: إن فلانا يخطبك وأنا مزوجك إياه فسكتت ثم ذهب فزوجها جاز النكاح؛ لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب إليه بنت من بناته دنا من خدرها وقال إن فلانا يخطب فلانة ثم ذهب فزوجها إن سكتت وإن نكتت خدرها بأصبعها لم يزوجها»
وفي رواية «أنه كان يقول إن فلانا يخطب فلانة فإن كرهتيه قولي لا» فإنما طلب منها جواب الرد لا جواب الرضا فدل أن السكوت يكفي للرضا وفي الكتاب لم يشترط تسمية الصداق في الاستئمار وإنما اشترط تسمية الزوج؛ لأن الظاهر أن اختلاف رغبتها يكون باختلاف الزوج، وأن الأب لا يقف على مرادها في حق الزوج فأما في حق الصداق فالأب يعلم بمرادها في ذلك وهو صداق مثلها، فلا حاجة إلى تسمية ذلك مع أن في أصل النكاح الشرط تسمية الزوجين لا المهر ففي الاستئمار أولى.
وبعض المتأخرين يقولون: لا بد من تسمية المهر في الاستئمار؛ لأن رغبتها تختلف باختلاف الصداق والقلة والكثرة والذي بيناه في الأب هو الحكم في سائر الأولياء فهذا دليل على أن الاستئمار إنما يكون معتبرا من الولي الذي يملك مباشرة العقد، فأما الأجنبي إذا استأمرها فسكتت لم يكن له أن يزوجها؛ لأن سكوتها؛ لعدم الالتفات إلى استئمار الأجنبي فكأنها قالت مالك؟ وللاستئمار حين لم تكن بسبيل من العقد إلا أن يكون الذي استأمرها رسول الولي فحينئذ الرسول قائم مقام المرسل وحكي عن الكرخي - رحمه الله تعالى - أن سكوتها عند استئمار الأجنبي يكون رضا؛ لأنها تستحي من الأجنبي أكثر مما تستحي من الولي.
(قال وإذا قالت البكر: لم أرض حين بلغني وادعى الزوج رضاها فالقول قولها عندنا وقال زفر - رحمه الله تعالى: القول قول الزوج؛ لأنه متمسك بما هو الأصل
وهو السكوت والمرأة تدعي عارضا وهو الرد فيكون القول قول من يتمسك بالأصل كالمشروط له الخيار مع صاحبه إذا اختلفا بعد مضي المدة فادعى المشروط له الخيار الرد وأنكره صاحبه فالقول قوله؛ لتمسكه بالأصل وهو السكوت.
وكذلك الشفيع مع المشتري إذا اختلفا فقال الشفيع: علمت بالبيع أمس فطلبت الشفعة، وقال المشتري: بل سكت فالقول قول المشتري؛ لتمسكه بما هو الأصل ولكنا نقول: الزوج يدعي ملك بضعها وهذا ملك حادث، وهي تنكر ثبوت ملكه عليها فكانت هي المتمسكة بالأصل فكان القول قولها كما لو ادعى أصل العقد وأنكرت هي، وهذا؛ لأن ما قاله زفر - رحمه الله تعالى - نوع ظاهر، والظاهر يكفي لدفع الاستحقاق لا لإثبات الاستحقاق، وحاجة الزوج هنا إلى إثبات الاستحقاق.
وفي الحقيقة المسألة تنبني على مسألة أخرى، وهو أنه إذا قال لعبده: إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فمضى اليوم وقال العبد: لم أدخل وقال المولى: قد دخلت عند زفر - رحمه الله تعالى - القول قول العبد؛ لتمسكه بما هو الأصل وعندنا القول قول المولى؛ لأن حاجة العبد إلى إثبات الاستحقاق، والظاهر لهذا لا يكفي؛ ولأن عدم الدخول شرط للعتق ولا يكتفى بثبوت الشرط بطريق الظاهر فكذا هنا رضاها شرط؛ لثبوت النكاح والظاهر لا يكفي؛ لذلك فأما الشفيع إذا قال: طلبت الشفعة حين علمت فالقول قوله وإن قال: علمت أمس وطلبت الآن فالقول قول المشتري؛ لأن حاجة المشتري إلى دفع استحقاق الشفيع، والظاهر يكفي للدفع.
وكذلك في باب البيع فإن سبب لزوم العقد وهو مضي مدة الخيار قد ظهر فحاجة الآخر إلى دفع استحقاق مدعي الفسخ، والظاهر يكفي لذلك، فإن أقام الزوج البينة على سكوتها ثبت النكاح وإلا فلا نكاح بينهما ولا يمين عليها في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تستحلف فإن نكلت قضي عليها بالنكاح.
وأصل المسألة أن عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا يستحلف في ستة أشياء: في النكاح والرجعة والفيء في الإيلاء والرق والنسب والولاء وعندهما يستحلف في ذلك كله فيقضى بالنكول وقد ذكر في الدعوى فصلا شائعا إذا ادعت الأمة على مولاها أنها أسقطت سقطا مستبين الخلق وصارت أم ولد له بذلك، وحجتهما في ذلك أن هذه الحقوق تثبت مع الشبهات فيجوز القضاء فيها بالنكول كالأموال، وهذا؛ لأن النكول قائم مقام الإقرار، ولكن فيه نوع شبهة؛ لأنه سكوت والسكوت محتمل فإنما يثبت به ما يثبت مع الشبهات، ولهذا لا يثبت القصاص
بالنكول؛ لأنه يندرئ بالشبهات، وإنما يثبت بالنكول ما يثبت بالإبدال من الحجج نحو كتاب القاضي إلى القاضي والشهادة على الشهادة.
وهذه الحقوق تثبت بذلك فكذلك بالنكول؛ لأنه بدل عن الإقرار وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول هذه الحقوق لا يجزي فيها البدل فلا يقضى فيها بالنكول كالقصاص في النفس، وبيان الوصف ظاهر فإن المرأة لو قالت لا نكاح بيني وبينك، ولكن بذلت لك نفسي لا يعمل بذلها وكذلك لو قال: لست بابن لك ولا مولى ولكن أبذل لك نفسي أو قال: أنا حر الأصل ولكن أبذل لك نفسي؛ لتسترقني لا يعمل بذله أصلا.
بخلاف المال فإنه لو قال: هذا المال ليس لك، ولكن أبذله لك؛ لأتخلص من خصومتك كان بذله صحيحا، وتأثيره أن النكول بمنزلة البذل لا بمنزلة الإقرار فإنا لو جعلناه بذلا يتوصل المدعي إلى حقه مع بقاء المدعى عليه محقا في إنكاره وإذا جعلناه إقرارا يجعل المدعى عليه مبطلا في إنكاره وذلك لا يجوز إلا بحجة؛ ولأن النكول سكوت فهو إلى ترك المنازعة أقرب منه إلى الإقرار فإنما يثبت به أدنى ما يثبت بترك المنازعة وهو البذل، فرق أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بين هذا وبين القصاص في النفس فإن هناك يستحلف وإن كان لا يقضى بالنكول؛ لأن اليمين في النفس مقصودة؛ لعظم أمر الدم ألا ترى أن الأيمان في القسامة شرعت مكررة وفي هذه المسائل اليمين ليست بحق له مقصودا وإنما المقصود منه القضاء بالنكول فإذا لم يجز القضاء بالنكول لا حاجة إلى الاستحلاف؛ لكونه غير مفيد وبأن كان يثبت بالإبدال من الحجج فذلك لا يدل على أنه يستحلف فيه كتصديق المقذوف القاذف يثبت بالإبدال من الحجج ولا يجري فيه الاستحلاف
(قال وإن كان الزوج قد دخل بها ثم قالت: لم أرض لم تصدق على ذلك؛ لأن تمكينها الزوج من نفسها أدل على الرضا من سكوتها إلا أن يكون دخل بها وهي مكرهة فحينئذ القول قولها؛ لظهور دليل السخط منها دون دليل الرضا، ولا يقبل عليها قول وليها بالرضا؛ لأنه يقر عليها بثبوت الملك للزوج، وإقراره عليها بالنكاح بعد بلوغها غير صحيح بالاتفاق، وهذا؛ لأنه لا يملك إلزام العقد عليها فلا يعتبر إقراره في لزوم العقد عليها أيضا
(قال وإذا زوج ابنه الكبير فبلغه فسكت لم يكن رضا حتى يرضى بالكلام أو بفعل يكون دليل الرضا؛ لأن في حق الأنثى السكوت جعل رضا؛ لعلة الحياء، وذلك لا يوجد في الغلام فإنه لا يستحي من الرغبة في النساء؛ ولأن السكوت من البكر محبوب في الناس عادة، وفي حق الغلام السكوت مذموم؛ لأنه دليل على التخنث فلهذا لا يقام سكوته مقام رضاه
قال وإذا مات زوج البكر قبل أن يدخل بها بعد ما خلا بها، زوجها أبوها بعد انقضاء العدة كما تزوج البكر؛ لأن صفة البكارة قائمة؛ والحياء الذي هو علة قائم فإن بوجوب العدة والمهر لا يزول الحياء فلهذا يكتفى بسكوتها وإن جومعت بشبهة أو نكاح فاسد لم يجز تزويجها بعد ذلك إلا برضاها، ولا يكتفى بسكوتها في هذا الموضع؛ لأنها ثيب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «والثيب تشاور» فأما إذا زنت يكتفى بسكوتها عند التزويج عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله تعالى لا يكتفى بسكوتها؛ لأنها ثيب؛ لأن الثيب اسم لامرأة يكون مصيبها عائدا إليها مشتق من قولهم ثاب أي: رجع والبكر اسم لامرأة مصيبها يكون أول مصيب لها؛ لأن البكارة عبارة عن أولية الشيء، ومنه يقال لأول النهار: بكرة، وأول الثمار: باكورة.
والدليل عليه أنها تستحق من الوصية للثيب دون الوصية للإبكار، وإذا كانت ثيبا وجب مشورتها بالنص، ولا يجوز الاشتغال بالتعليل مع هذا؛ لأنه يكون تعليلا لإبطال حكم ثابت بالنص؛ ولأن الحياء بعد هذا يكون رعونة منها فإنها لما لم تستح من إظهار الرغبة في الرجال على أفحش الوجوه كيف تستحي من إظهار الرغبة على أحسن الوجوه بخلاف حياء البكر؛ لأنه حياء كرم الطبيعة، وذلك أمر محمود وهذه لو كان فيها حياء إنما هو استحياء من ظهور الفاحشة وذلك غير ما ورد فيه النص، ولكن أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول صاحب الشرع إنما جعل سكوتها رضا لا للبكارة بل لعلة الحياء، فإن عائشة - رضي الله تعالى عنها - لما أخبرت أنها تستحي فحينئذ قال: سكوتها رضاها، وغلبة الحياء هنا موجودة فإنها وإن ابتليت بالزنا مرة؛ لفرط الشبق أو أكرهت على الزنا لا ينعدم حياؤها بل يزداد؛ لأن في الاستنطاق ظهور فاحشتها، وهي تستحي من ذلك غاية الاستحياء، وهذا الاستحياء محمود منها؛ لأنها سترت ما على نفسها، وقد أمرت بذلك قال: - صلى الله عليه وسلم - «من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله»، وقبل هذا الفعل إنما كانت لا تستنطق؛ لأن الاستنطاق دليل ظهور رغبتها في الرجال فإذا سقط نطقها في موضع يكون النطق دليل رغبتها في الرجال على أحسن الوجوه فلأن يسقط نطقها في موضع يكن النطق دليل الرغبة في الرجال على أفحش الوجوه كان أولى.
بخلاف ما إذا وطئت بشبهة أو بنكاح فاسد؛ لأن الشرع أظهر ذلك الفعل عليها حين ألزم المهر والعدة وأثبت النسب بذلك الفعل، وهنا الشرع ما أظهر ذلك عليها إذ لم يعلق به شيئا من الأحكام، وأمرها بالستر على نفسها فإن
أخرجت وأقيم عليها الحد فالصحيح أنه لا يكتفى بسكوتها أيضا بعد ذلك.
وكذلك إذا صار الزنا عادة لها، وبعض مشايخنا رحمهم الله تعالى يقول في هذين الفصلين: يكتفى بسكوتها أيضا؛ لأنها بكر شرعا، ألا ترى أنها تدخل تحت قوله - صلى الله عليه وسلم - «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» ولكن هذا ضعيف فإن في الموطوءة بالشبهة والنكاح الفاسد هذا موجود ولا يكتفى بسكوتها فعرفنا أن المعتبر بقاء صفة الحياء.
ولو زالت بكارتها بالوثبة أو الطفرة أو بطول التعنيس يكتفى بسكوتها عندنا وفي أحد قولي الشافعي - رحمه الله تعالى - هي بمنزلة الثيب استدلالا بالبيع فإنه لو باع جارية بشرط أنها بكر فوجدها المشتري بهذه الصفة كان له أن يردها، فدل أنها ليست ببكر بعدما أصابها ما أصابها، ولكنا نقول: هي بكر؛ لأن مصيبها أول مصيب لها إلا أنها ليست بعذراء، والعادة بين الناس أنهم باشتراط البكارة في السرائر يريدون صفة العذرة فلهذا ثبت حق الرد، فأما هذا الحكم تعلق بالحياء أو بصفة البكارة وهما قائمان ألا ترى «أن عائشة - رضي الله تعالى عنها - لما افتخرت بالبكارة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشارت إلى هذا المعنى فقالت: أرأيت لو وردت واديين إحداهما رعاها أحد قبلك والأخرى لم يرعها أحد قبلك إلى أيهما تميل؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: إلى التي لم يرعها أحد قبلي فقالت: أنا ذاك» فعرفنا أنها ما لم توطأ فهي بكر
(قال وإذا زوج البكر أبوها من رجل وأخوها من رجل آخر بعده فأجازت نكاح الأخ جاز ذلك عليها ولم يجز نكاح الأب، وهو بناء على أصلنا أن العقد لا يجوز إلا برضاها، سواء كان المباشر أبا أو أخا فإنما وجد شرط نفوذ نكاح الأخ، وهو رضاها بذلك ومن ضرورة رضاها بنكاح الأخ رد نكاح الأب فلهذا يبطل نكاح الأب
(قال وإذا زوجها وليها بغير أمرها فلم يبلغها حتى ماتت هي أو مات الزوج لم يتوارثا؛ لأن النكاح لا ينفذ عليها إلا برضاها، والإرث حكم يختص بالنكاح الصحيح المنتهي بالموت ولم يوجد فهو بمنزلة النكاح الفاسد إذا مات فيه أحدهما لم يتوارثا
(قال وإن زوجها أبوها، وهو عبد أو كافر ورضيت به جاز؛ لأن العقد كان موقوفا على إجازتها ألا ترى أنها لو أذنت في الابتداء نفذ عقده بإذنها فكذلك إذا أجازت في الانتهاء، ولكن لا نقول: سكوتها رضا منها؛ لأن العاقد لم يكن وليا لها، والحاجة في عقد غير الولي إلى توكيلها لا إلى رضاها، والتوكيل غير الرضا فإن التوكيل إنابة والرضا إسقاط حق الرد فلهذا لا يثبت التوكيل بالسكوت، يبين لك ما قلنا: إن الصحيح في استئمار الأجنبي أنه لا يكتفى بسكوتها
(قال وإذا زوج البكر
وليها بأمرها وزوجت هي نفسها فإن قالت: هو الأول فالقول قولها، وهو الزوج؛ لأنها أقرت بملك النكاح له على نفسها، وإقرارها حجة تامة عليها، وإن قالت: لا أدري أيهما أول، ولا يعلم ذلك فرق بينهما؛ لأنه لا يمكن تصحيح نكاحهما فإن المرأة لا تحل لرجلين بالنكاح، وليس أحدهما بأولى من الآخر فيفرق بينها وبينهما لهذا، وكذلك لو زوجها وليان بأمرها، والثيب والبكر في هذا سواء؛ لما بينا
(قال وإذا زوج البكر وليها فأخبرها بذلك فقالت: لا أرضى ثم قالت: قد رضيت فلا نكاح بينهما؛ لأن العقد قد بطل بينهما بردها فإنما رضيت بعد ذلك بالعقد المفسوخ، وذلك باطل، ولهذا جرى الرسم بتجديد العقد عند الزفاف؛ لأنها في المرة الأولى تظهر الرد، وغير ذلك لا يحمد منها ثم لا يزال بها أولياؤها يرغبونها حتى رضيت فلو لم يتجدد العقد كانت تزف إلى أجنبي فلهذا استحسنا تجديد العقد عند الزفاف
(قال وإذا استؤمرت في نكاح رجل خطبها فأبت ثم زوجها الولي منه فسكتت فهو رضاها؛ لأنها لما أبت بطل استئمارها فكأنه زوجها من غير استئمار فيكون سكوتها رضاها وكان محمد بن مقاتل - رحمه الله تعالى - يقول هنا: لا يجوز ولا يكون سكوتها رضا؛ لأنها قد صرحت بالسخط فكيف يكون سكوتها بعد ذلك دليل رضاها، ولكنا نقول: قد يسخط المرء الشيء في وقت ويرضى به في وقت آخر فسخطها قبل العقد لا يمنعنا أن نجعل سكوتها رضا بعد العقد، والله تعالى أعلم بالصواب.
[باب نكاح الثيب]
(قال قد «بلغنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا زوج ابنته، وهي كارهة، وهي تريد عم صبيانها ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينها وبين الذي زوجها منه أبوها ثم زوجها عم ولدها»، وهذه المرأة كانت ثيبا؛ لأن الراوي قال: وهي تريد عم صبيانها فهذا دليل على أن نكاح الأب الثيب لا ينفذ بدون رضاها، وهو مجمع عليه، ولا يكون للشافعي في هذا الحديث حجة علينا في البكر؛ لأن ضد هذا الحكم في حق البكر مفهوم، والمفهوم عندنا ليس بحجة؛ ولأنه خص الثيب بالذكر، وتخصيص الثيب بالذكر لا يدل على أن الحكم في غيرها بخلافه ثم في هذا الحديث دليل على أن الولي إذا امتنع عن التزويج زوجها الإمام فإن الأب هنا امتنع من تزويجها ممن أرادت فزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بولاية الإمامة وفيه دليل على أن اختيار الأزواج إليها لا إلى الولي؛ لأنها هي التي تعاشر الأزواج فإنما تحسن
العشرة مع من تختاره دون من يختاره الولي
(قال وإذا زوج الثيب أبوها فبلغها فسكتت لم يكن سكوتها رضا بالنكاح؛ لأن الأصل في السكوت أن لا يكون رضا؛ لكونه محتملا في نفسه وإنما أقيم مقام الرضا في البكر؛ لضرورة الحياء، والثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة، ولا ضرورة في حق الثيب فلهذا لا يكتفى بسكوتها عند الاستئمار، ولا إذا بلغها العقد، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
[باب النكاح بغير ولي]
(قال - رضي الله عنه - بلغنا عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن امرأة زوجت ابنتها برضاها فجاء أولياؤها فخاصموها إلى علي - رضي الله عنه - فأجاز النكاح، وفي هذا دليل على أن المرأة إذا زوجت نفسها أو أمرت غير الولي أن يزوجها فزوجها جاز النكاح وبه أخذ أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - سواء كانت بكرا أو ثيبا إذا زوجت نفسها جاز النكاح في ظاهر الرواية سواء كان الزوج كفؤا لها أو غير كفء فالنكاح صحيح إلا أنه إذا لم يكن كفؤا لها فللأولياء حق الاعتراض، وفي رواية الحسن - رضي الله عنه - إن كان الزوج كفؤا لها جاز النكاح، وإن لم يكن كفؤا لها لا يجوز وكان أبو يوسف - رحمه الله تعالى - أولا يقول: لا يجوز تزويجها من كفء أو غير كفء إذا كان لها ولي ثم رجع وقال: إن كان الزوج كفؤا جاز النكاح، وإلا فلا ثم رجع فقال: النكاح صحيح سواء كان الزوج كفؤا لها أو غير كفء لها، وذكر الطحاوي قول أبي يوسف رحمهما الله تعالى إن الزوج إن كان كفؤا أمر القاضي الولي بإجازة العقد فإن أجازه جاز، وإن أبى أن يجيزه لم ينفسخ ولكن القاضي يجيزه فيجوز.
وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - يتوقف نكاحها على إجازة الولي سواء زوجت نفسها من كفء أو غير كفء فإن أجازه الولي جاز وإن أبطله بطل إلا أنه إذا كان الزوج كفؤا لها ينبغي للقاضي أن يجدد العقد إذا أبى الولي أن يزوجها منه، وعلى قول مالك والشافعي رحمهما الله تعالى تزويجها نفسها منه باطل على كل حال، ولا ينعقد النكاح بعبارة النساء أصلا سواء زوجت نفسها أو بنتها أو أمتها أو توكلت بالنكاح عن الغير، ومن العلماء رحمهم الله تعالى من يقول: إذا كانت غنية شريفة لم يجز تزويجها نفسها بغير رضا الولي، وإن كانت فقيرة خسيسة يجوز لها أن تزوج نفسها من غير رضا الولي، ومنهم من فصل بين البكر والثيب، وهم أصحاب الظواهر أما من شرط الولي استدل بقوله
تعالى {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة: 232] .
وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: وهذه أبين آية في كتاب الله تعالى تدل على أن النكاح لا يجوز بغير ولي؛ لأنه نهى الولي عن المنع وإنما يتحقق المنع منه إذا كان الممنوع في يده وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل وإذا دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها لا وكس، ولا شطط فإن تشاجرا فالسلطان ولي من لا ولي له»، وفي الحديث المشهور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا نكاح إلا بولي»، وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح خاطب وولي وشاهدا عدل»، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تنكح المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها وإنما الزانية هي التي تنكح نفسها»، وأن عائشة - رضي الله عنها - كانت تحضر النكاح وتخطب ثم تقول اعقدوا فإن النساء لا يعقدن.
والمعنى فيه أنها ناقصة بنقصان الأنوثة فلا تملك مباشرة عقد النكاح لنفسها كالصغيرة والمجنونة، وهذا لأن النكاح عقد عظيم خطره كبير، ومقاصده شريفة ولهذا أظهر الشرع خطره باشتراط الشاهدين فيه من بين سائر المعاوضات فلإظهار خطره تجعل مباشرته مفوضة إلى أولي الرأي الكامل من الرجال؛ لأن النساء ناقصات العقل والدين فكأن نقصان عقلها بصفة الأنوثة بمنزلة نقصان عقلها بصفة الصغر ولهذا قال محمد - رحمه الله تعالى: إن عقدها يتوقف على إجازة الولي كما أن عقد الصغيرة التي تعقل يتوقف على إجازة الولي وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - لا ينعقد العقد بعبارتها أصلا كما لا ينعقد التصرف بعبارة الصغيرة عنده، والدليل عليه ثبوت حق الاعتراض للأولياء إذا وضعت نفسها في غير كفء، ولو ثبتت لها ولاية الاستبداد بالمباشرة لم يثبت للأولياء حق الاعتراض كالرجل، وكذلك تملك مطالبة الولي بالتزويج، ولو كانت مالكة للعقد على نفسها لما كان لها أن تطالب الولي به.
، والدليل على اعتبار نقصان عقلها أنه لم يجعل إليها من جانب رفع العقد شيء بل الزوج هو الذي يستبد بالطلاق، وأما من جوز النكاح بغير ولي استدل بقوله تعالى {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن} [البقرة: 234] ، وبقوله تعالى {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] لقوله تعالى {أن ينكحن أزواجهن} [البقرة: 232] أضاف العقد إليهن في هذه الآيات فدل أنها تملك المباشرة، والمراد بالعضل المنع حبسا بأن يحبسها في بيت ويمنعها من أن تتزوج، وهذا خطاب للأزواج فإنه قال في أول الآية: {وإذا طلقتم النساء} [البقرة: 231]
وبه نقول: أن من طلق امرأته وانقضت عدتها فليس له أن يمنعها من التزوج بزوج آخر، وأما الأخبار فقوله - صلى الله عليه وسلم: «الأيم أحق بنفسها من وليها» والأيم: اسم لامرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، وهذا هو الصحيح عند أهل اللغة، وهو اختيار الكرخي - رحمه الله تعالى - قال: الأيم من النساء كالأعزب من الرجال بخلاف ما ذكر محمد - رحمه الله تعالى - أن الأيم: اسم للثيب، وقد بينا هذا في شرح الجامع.
وقال - صلى الله عليه وسلم: «ليس للولي مع الثيب أمر»، وحديث الخنساء حيث «قالت: بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكني أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من أمور بناتهم شيء» «ولما خطب رسول الله أم سلمة - رضي الله عنها - اعتذرت بأعذار من جملتها أن أولياءها غيب فقال: - صلى الله عليه وسلم - ليس في أوليائك من لا يرضى بي قم يا عمر فزوج أمك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاطب به عمر بن أبي سلمة وكان ابن سبع سنين» وعن عمر وعلي وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - جواز النكاح بغير ولي، وأن عائشة - رضي الله تعالى عنها - زوجت ابنة أخيها حفصة بنت عبد الرحمن من المنذر بن الزبير، وهو غائب فلما رجع قال: أومثلي يفتات عليه في بناته، فقالت عائشة - رضي الله تعالى عنها: أوترغب عن المنذر؟ والله لتملكنه أمرها، وبهذا تبين أن ما رووا من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - غير صحيح فإن فتوى الراوي بخلاف الحديث دليل وهن الحديث، ومدار ذلك الحديث على الزهري وأنكره الزهري، وجوز النكاح بغير ولي.
ثم هو محمول على الأمة إذا زوجت نفسها بغير إذن مولاها أو على الصغيرة أو على المجنونة وكذلك سائر الأخبار التي رووا على هذا تحمل أو على بيان الندب أن المستحب أن لا تباشر المرأة العقد ولكن الولي هو الذي يزوجها، والمعنى فيه أنها تصرفت في خالص حقها ولم تلحق الضرر بغيرها فينعقد تصرفها كما لو تصرفت في مالها، وبيان الوصف أن النكاح من الكفء بمهر المثل خالص حقها بدليل أن لها أن تطالب الولي به، ويجبر الولي على الإيفاء عند طلبها، وهي من أهل استيفاء حقوق نفسها فإنما استوفت بالمباشرة حقها وكفت الولي الإيفاء فهو نظير صاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه فاستوفى كان استيفاؤه صحيحا فكذلك هنا، والدليل عليه أن اختيار الأزواج إليها بالاتفاق، والتفاوت في حق الأغراض والمقاصد إنما يقع باختيار الزوج لا بمباشرة العقد، ولو كان لنقصان عقلها عبرة لما كان لها اختيار الأزواج، وكذلك إقرارها بالنكاح صحيح على نفسها ولو كانت بمنزلة الصغيرة ما صح
إقرارها بالنكاح.
وكذلك يعتبر رضاها في مباشرة الولي العقد ولو كانت بمنزلة الصغيرة لما اعتبر رضاها، ويجب على الولي تزويجها عند طلبها، ولو كانت كالصغيرة لما وجب الإيفاء بطلبها وإنما يثبت لها حق مطالبة الولي؛ لنوع من المروءة، وهو أنها تستحي من الخروج إلى محافل الرجال لتباشر العقد على نفسها، ويعد هذا رعونة منها ووقاحة، ولكن هذا لا يمنع صحة مباشرتها كما ورد الشرع بالنهي عن أن يخطب على خطبة غيره، ولو فعل جاز؛ لأن هذا النهي؛ لنوع من المروءة فلا يمنع جواز المنهي عنه، وإذا زوجت نفسها من غير كفء فقد ألحقت الضرر بالأولياء فيثبت لهم حق الاعتراض؛ لدفع الضرر عن أنفسهم كما أن الشفيع يثبت له حق الأخذ بالشفعة؛ لدفع الضرر عن نفسه؛ ولأن طلب الكفاءة لحق الأولياء فلا تقدر على إسقاط حقهم، وهذا لا يمنع وجود أصل عقدها في حق نفسها كأحد الشريكين إذا كاتب للآخر أن يفسخ دفعا للضرر عن نفسه وعلى رواية الحسن - رحمه الله تعالى - قال: إذا زوجت نفسها من غير كفء لم يجز النكاح أصلا.
وهو أقرب إلى الاحتياط فليس كل ولي يحتسب في المرافعة إلى القاضي، ولا كل قاض يعدل فكان الأحوط سد باب التزويج من غير كفء عليها وبهذا الطريق قال أبو يوسف: الأحوط أن يجعل عقدها موقوفا على إجازة الولي؛ ليندفع الضرر عن الولي إلا أن الولي إذا قصد بالفسخ دفع الضرر عن نفسه بأن لم يكن كفؤا لها صح فسخه، وإن قصد الإضرار بها بأن كان الزوج كفؤا لها لم يصح فسخه، ولكن القاضي يقوم مقامه في الإجازة كما يقوم مقامه في العقد إذا عضلها ومحمد - رحمه الله تعالى - يقول: لما توقف العقد على إجازة الولي؛ لتمام الاحتياط فكما ينعقد بإجازته ينفسخ بفسخه، وبعد ما يفسخ فليس للقاضي أن يجيزه، ولكن يستقبل العقد إذا تحقق العضل من الولي، وعلى هذا الأصل يقول: إذا زوجت نفسها من كفء ثم مات أحدهما قبل المرافعة إلى القاضي توارثا أما على قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فظاهر وأما على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - فلأن تصرفها في حق نفسها صحيح، ومعنى التوقف لدفع الضرر عن الولي، ولهذا لا ينفسخ بفسخ الولي، وإنما انتهى النكاح الصحيح بالموت فيجري التوارث بينهما، وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - لا يتوارثان؛ لأن أصل العقد كان موقوفا، وفي العقد الموقوف لا يجري التوارث، وعلى هذا لو ظاهر منها أو آلى منها صح عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى خلافا لمحمد - رحمه الله تعالى -.
وإن كانت قصرت في مهرها فزوجت نفسها بدون صداق مثلها كان للأولياء حق الاعتراض حتى
يبلغ بها مهر مثلها أو يفرق بينهما في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يثبت للأولياء حق الاعتراض إلا أن قول محمد - رحمه الله تعالى - لا يتحقق في تزويجها نفسها، وإنما يتحقق فيما قال في كتاب الإكراه: وإذا أكرهت المرأة الولي على أن يزوجها بأقل من مهر مثلها فزوجها ثم زال الإكراه فرضيت المرأة، وأبى الولي أن يرضى فليس له ذلك في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لأن المهر من خالص حقها فإنه بدل ما هو مملوك لها ألا ترى أن الاستيفاء والإبراء إليها والتصرف فيه كيف شاءت، وتصرفها فيما هو خالص حقها صحيح فلا يكون للأولياء حق الاعتراض وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: إنها ألحقت الضرر بالأولياء فيكون لهم حق الاعتراض كما لو زوجت نفسها من غير كفء، وبيان ذلك أن الأولياء يتفاخرون بكمال مهرها ويعيرون بنقصان مهرها فإن ذلك مهر المومسات الزانيات عادة وفيه يقول القائل:
وما علي أن تكون جاريه ... تمشط رأسي وتكون فاليه
حتى ما إذا بلغت ثمانيه ... زوجتها مروان أو معاويه
أختان صدق ومهور غاليه
، ومع لحوق العار بالأولياء فيه إلحاق الضرر بنساء العشيرة أيضا فإن من تزوج منهن بعد هذا بغير مهر فإنما يقدر مهرها بمهر هذه فعرفنا أن في ذلك ضررا عليهن، وإنما يذب عن نساء العشيرة رجالها فكان لهم حق الاعتراض فأما بعد تسمية الصداق كاملا صار حق العشيرة مستوفى، وبقاء المهر يخلص لها فإن شاءت استوفت وإن شاءت أبرأت، وهو نظير حق الشرع في تسمية أصل المهر في الابتداء وإن كان البقاء يخلص لها
وإن طلقها قبل أن يدخل بها كان لها نصف ما سمى لها؛ لأن الطلاق قبل الدخول مسقط للصداق قياسا فإن المعقود عليه يعود إليها كما خرج عن ملكها، وذلك سبب لسقوط البدل إلا أنا أوجبنا لها نصف المسمى بالنص، وهو قوله تعالى {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] فلا تجب الزيادة على ذلك، وإن فرق القاضي بينهما فإن كان قبل الدخول بها فلا شيء عليها؛ لأنه فسخ أصل النكاح بهذا التفريق فلا يجب لها شيء
وإن ولت المرأة أمرها رجلا فزوجها كفؤا فهو بمنزلة تزويجها نفسها وفي قول محمد - رحمه الله تعالى - لا يجوز ذلك كما لا يجوز تزويجها نفسها زاد في نسخ أبي حفص - رضي الله عنه - وقال: إلا أن يكون لها ولي فحينئذ يجوز، وهذا شيء رواه أبو رجاء بن أبي رجاء عن محمد
رحمهما الله تعالى أنه قال: سألته عن النكاح بغير ولي فقال: لا يجوز قلت: فإن لم يكن لها ولي؟ قال: يرفع أمرها إلى الحاكم؛ ليزوجها قلت: فإن كانت في موضع لا حاكم في ذلك الموضع؟ قال: يفعل ما قال: سفيان - رحمه الله تعالى - قلت: وما فعل سفيان قال: تولي أمرها رجلا ليزوجها ثم قد صح رجوع محمد إلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في النكاح بغير ولي وعلى ذلك تنبني مسائل الجامع.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]