عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 14-11-2025, 05:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,369
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع
صـــ 220 الى صـــ 228
(89)






(قال): فإن زوجها الأبعد والأقرب حاضر توقف على إجازة الأقرب؛ لأن الأبعد كالأجنبي عند حضرة الأقرب فيتوقف عقده على إجازة الولي، فإن كان الأقرب غائبا غيبة منقطعة فللأبعد أن يزوجها عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: يزوجها السلطان، وقال زفر - رحمه الله تعالى: لا يزوجها أحد حتى يحضر الأقرب، وحجتهم في ذلك أن الأبعد محجوب بولاية الأقرب وولايته باقية بعد الغيبة إذ لا تأثير للغيبة في قطع الولاية، ألا ترى أنه لا ينقطع التوارث وأن الولاية من حق الولي ليطلب به الكفاءة فلا يبطل شيء من حقوقه بالغيبة، والدليل عليه أنه لو زوجها حيث هو جاز النكاح فدل أن ولاية الأقرب باقية إذا ثبت هذا فالشافعي - رحمه الله تعالى - يقول: تعذر عليها الوصول إلى حقها من جهة الأقرب مع بقاء ولايته فيزوجها السلطان كما لو عضلها الأقرب بخلاف ما إذا كان
الأقرب صغيرا أو مجنونا؛ لأنه لا ولاية له عليها والأبعد محجوب بولاية الأقرب إلا بالغيبة وزفر - رحمه الله تعالى - يقول: الأبعد لا يزوجها لبقاء ولاية الأقرب، وكذلك السلطان لا يزوجها؛ لأن ولاية السلطان متأخرة عن ولاية الأبعد فإذا لم تثبت الولاية للأبعد هنا فالسلطان أولى بخلاف ما إذا عضلها؛ لأن هناك هو ظالم في الامتناع من إيفاء حق مستحق عليه فيقوم السلطان مقامه في دفع الظلم؛ لأنه نصب لذلك وهنا الأقرب غير ظالم في سفره خصوصا إذا سافر للحج، وهو غير ممتنع من إيفاء حق مستحق عليه ليقوم السلطان مقامه في الإيفاء فيتأخر إلى حضوره، وحجتنا في ذلك أن ثبوت الولاية لمعنى النظر للمولى عليه حتى لا يثبت إلا على من هو عاجز عن النظر لنفسه وجعل الأقرب مقدما؛ لأن نظره لها أكثر لزيادة القرب، ثم النظر لها لا يحصل بمجرد رأي الأقرب بل رأي حاضر منتفع به، وقد خرج رأيه من أن يكون منتفعا به في هذه الحال بهذه الغيبة فالتحق بمن لا رأي له أصلا كالصغير والمجنون ورأي الأبعد خلف عن رأي الأقرب، وفي ثبوت الحكم للخلف لا فرق بين انعدام الأصل وبين كونه غير منتفع به.
ألا ترى أن التراب لما كان خلفا عن الماء في حكم الطهارة فمع وجود الماء النجس يكون التراب خلفا كما أن عند عدم الماء يكون التراب خلفا؛ لأن الماء النجس غير منتفع به في حكم الطهارة فهو كالمعدوم أصلا ونظيره الحضانة والتربية يقدم فيه الأقرب فإذا تزوجت الأقرب حتى اشتغلت بزوجها كانت الولاية للأبعد، وكذلك النفقة في مال الأقرب فإذا انقطع ذلك ببعد ماله وجبت النفقة في مال الأبعد، فأما إذا زوجها الأقرب حيث هو فإنما يجوز؛ لأنها انتفعت برأيه، ولكن هذه المنفعة حصلت لها اتفاقا فلا يجوز بناء الحكم عليه فلهذا تثبت الولاية للأبعد توضيحه أن للأبعد قرب التدبير وبعد القرابة وللأقرب قرب القرابة وبعد التدبير وثبوت الولاية بهما جميعا فاستويا من هذا الوجه فكانا بمنزلة وليين في درجة واحدة فأيهما زوجها يجوز والولاية إنما تثبت للقاضي عند الحاجة، ولا حاجة إلى ذلك لما ثبتت الولاية للأبعد بالطريق الذي قلنا، ثم تكلموا في حد الغيبة المنقطعة فكان أبو عصمة سعد بن معاذ - رحمه الله تعالى - يقول: أدنى مدة السفر تكفي لذلك، وهو ثلاثة أيام ولياليها؛ لأنه ليس لأقصى مدة السفر نهاية فيعتبر الأدنى وإليه يشير في الكتاب فيقول: أرأيت لو كان في السواد ونحوه أما كان يستطلع رأيه فهذا دليل على أنه إذا جاوز السواد تثبت للأبعد وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - فيه
روايتان في إحدى الروايتين قال: من جابلقا إلى جابلتا وهما قريتان إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب فقالوا هذا رجوع منه إلى قول زفر - رحمه الله تعالى - أن الولاية لا تثبت للأبعد، وإنما ذكر هذا على طريق المثل، وفي الرواية الأخرى قال: من بغداد إلى الري، وهكذا روي عن محمد - رحمه الله تعالى -، وفي رواية قال: من الكوفة إلى الري ومن مشايخنا - رحمهم الله تعالى - من يقول: حد الغيبة المنقطعة أن يكون جوالا من موضع إلى موضع فلا يوقف على أثره أو يكون مفقودا لا يعرف خبره، وقيل: إن كان في موضع يقطع الكرى إلى ذلك الموضع فليست الغيبة بمنقطعة، وإن كان إنما يقطع الكرى إلى ذلك الموضع بدفعتين أو أكثر فالغيبة منقطعة، وقيل: إن كانت القوافل تنفر إلى ذلك الموضع في كل عام فالغيبة ليست بمنقطعة وإن كانت لا تنفر فالغيبة منقطعة. والأصح أنه إذا كان في موضع لو انتظر حضوره أو استطلاع رأيه فات الكفء الذي حضر لها فالغيبة منقطعة، وإن كان لا يفوت فالغيبة ليست بمنقطعة وبعد ما تثبت الولاية للأبعد إذا زوجها، ثم حضر الأقرب فليس له أن يرد نكاحها؛ لأن العقد عقد بولاية تامة
(قال): ولا يجوز لغير الولي تزويج الصغير والصغيرة لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا نكاح إلا بولي» قال: والوصي ليس بولي عندنا في التزويج، وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى - للوصي ولاية التزويج؛ لأن وصي الأب قائم مقام الأب فيما يرجع إلى النظر للمولى عليه.
ألا ترى أنه في التصرف في المال يقوم مقامه، فكذلك في التصرف في النفس ومالك - رحمه الله تعالى - يقول: إن نص في الوصاية على التزويج فله أن يزوجها كما لو وكل بذلك في حياته، وإن لم ينص على ذلك فليس له أن يزوج، ولكنا نستدل بما روينا «النكاح إلى العصبات» والوصي ليس بعصبة إذا لم يكن من قرابته فهو كسائر الأجانب في التزويج، وإن كان الوصي من القرابة بأن كان عما أو غيره فله ولاية التزويج بالقرابة لا بالوصاية، ولهذا يثبت لهما الخيار إذا أدركا، وإن حصل التزويج ممن له ولاية التصرف في المال والنفس جميعا؛ لأن ولايته في المال بسبب الوصاية، ولا تأثير للوصاية في ولاية التزويج فكان وجوده كعدمه، وكذلك إن كانا في حجر رجل يعولهما فحال هذا الرجل دون حال الوصي فلا يثبت له ولاية التزويج، ولأن من يعول الصغير إنما يملك عليه ما يتمحض منفعة للصغير كالحفظ وقبول الهبة والصدقة والنكاح ليس بهذه الصفة
(قال): ومولى العتاقة تثبت له الولاية إذا لم يكن هناك أحد من القرابة؛ لأن العصوبة تستحق بولاء
العتاقة وعليه ينبني ولاية التزويج.
(قال): والرجل من عرض النسب إذا لم يكن أقرب منه يعني به العصبات، فأما ذوو الأرحام كالأخوال والخالات والعمات فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يثبت لهم ولاية التزويج عند عدم العصبات استحسانا، وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - لا يثبت، وهو القياس، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة وقول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - مضطرب فيه، وذكر في كتاب النكاح قوله مع أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وفي كتاب الولاء ذكر في الأم قوله مع محمد - رحمه الله تعالى - أن الأم إذا عقدت الولاء على ولدها لم يصح عندهما والخلاف في التزويج وعقد الولاء سواء، وكذلك في الأم وعشيرتها من ذوي الأرحام، وجه قولهما الحديث «النكاح إلى العصبات» وإدخال الألف واللام دليل على أن جميع الولاية في باب النكاح إنما تثبت لمن هو عصبة دون من ليس بعصبة والدليل عليه أنه لا يثبت لغير العصبات ولاية التصرف في المال بحال وأن مولى العتاقة مقدم عليهم فلو كان لقرابتهم تأثير في استحقاق الولاية بها لكانوا مقدمين على مولى العتاقة إذ لا قرابة لمولى العتاقة، وحجة أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في إجازته تزويج امرأته ابنتها على ما روينا فإن الأصح أن ابنتها لم تكن من عبد الله فإنما جوز نكاحها بولاية الأمومة، والمعنى فيه وهو أن استحقاق الولاية باعتبار الشفقة الموجودة بالقرابة، وهذه الشفقة توجد في قرابة الأم كما توجد في قرابة الأب فيثبت لهم ولاية التزويج أيضا إلا أن قرابة الأب يقدمون باعتبار العصوبة، وهذا لا ينفي ثبوته لهؤلاء عند عدم العصبات كاستحقاق الميراث يكون بسبب القرابة ويقدم في ذلك العصبات، ثم يثبت بعد ذلك لذوي الأرحام وبه ينتقض قولهم أن مولى العتاقة في الولاية مقدم على ذوي الأرحام فإن في الإرث أيضا يقدم مولى العتاقة، ولا يدل ذلك على أنه لا يثبت لذوي الأرحام أصلا، فكذا هنا وعلى هذا الخلاف مولى الموالاة له ولاية التزويج على الصغير والصغيرة إذا لم يكن لهما قريب عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وليس له ذلك عند محمد - رحمه الله تعالى -؛ لأنه مؤخر عن ذوي الأرحام
(قال): ولا ولاية للأب الكافر والمملوك على الصغير والصغيرة إذا كان حرا مسلما؛ لأن اختلاف الدين يقطع التوارث، فكذلك يقطع ولاية التزويج قال الله تعالى {والذين آمنوا ولم يهاجروا} [الأنفال: 72] الآية نص على قطع الولاية بين من هاجر وبين من لم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة فكان ذلك تنصيصا على انقطاع الولاية بين الكفار والمسلمين بطريق الأولى، وكذلك
الرق ينفي الولاية حتى يقطع التوارث، ولأنه ينفي ولايته عن نفسه فلأن ينفي ولايته عن غيره أولى. وأما الكافر فثبت له ولاية التزويج على ولده الكافر كما تثبت للمسلم، قال الله تعالى {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] والدليل عليه جريان التوارث فيما بينهم كما جرى فيما بين المسلمين
(قال): ولأنكحة الكفار فيما بينهم حكم الصحة إلا على قول مالك - رحمه الله تعالى - فإنه يقول: أنكحتهم باطلة؛ لأن الجواز نعمة وكرامة ثابتة شرعا والكافر لا يجعل أهلا لمثله، ولكنا نستدل بقوله تعالى {وامرأته حمالة الحطب} [المسد: 4] ، ولو لم يكن لهم نكاح لما سماها امرأته، وقال - صلى الله عليه وسلم - «ولدت من نكاح، ولم أولد من سفاح»، وهذه نعمة كما قال: ولكن الأهلية لهذه النعمة باعتبار صفة الآدمية وبالكفر لم يخرج من أن يكون من بني آدم فلا يخرج من أن يكون أهلا لهذه النعمة
(قال): ولو زوج الأب ابنته الصغيرة ممن لا يكافئها أو زوج ابنه الصغير امرأة ليست بكفء له جاز في قول أبي حنيفة استحسانا، ولم يجز عندهما، وهو القياس، وكذلك لو زوج ابنته بأقل من صداق مثلها أو ابنه بأكثر من صداق مثلها بقدر ما لا يتغابن الناس فيه لا يجوز عندهما، هكذا قال في الكتاب، ولم يبين لماذا لا يجوز حتى ظن بعض أصحابنا أن الزيادة والنقصان لا يجوز، فأما أصل النكاح صحيح؛ لأن المانع هنا من قبل المسمى، وفساد التسمية لا يمنع صحة النكاح كما لو ترك التسمية أصلا أو زوجها بخمر أو خنزير، ولكن الأصح أن النكاح لا يجوز، هكذا فسره في الجامع الصغير وجه قولهما أن ولاية الأب مقيدة بشرط النظر، ومعنى الضرر في هذا العقد ظاهر فلا يملكها الأب بولايته كما لا يملك البيع والشراء في ماله بالغبن الفاحش. والدليل عليه أنه لو زوج أمتها بمثل هذا الصداق لا يجوز فإذا زوجها أولى وولايته عليها دون ولاية المرأة على نفسها، ولو زوجت هي نفسها من غير كفء أو بدون صداق مثلها يثبت حق الاعتراض للأولياء فهذا أولى، ولكن أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - ترك القياس بما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج عائشة - رضي الله عنها - على صداق خمسمائة درهم زوجها منه أبو بكر - رضي الله عنه - وزوج فاطمة - رضي الله عنها - من علي - رضي الله عنه - على صداق أربعمائة درهم».
ومعلوم أن ذلك لم يكن صداق مثلهما؛ لأنه إن كان صداق مثلهما هذا المقدار مع أنهما مجمع الفضائل فلا صداق في الدنيا يزيد على هذا المقدار والمعنى فيه أن النكاح يشتمل على مصالح وأغراض ومقاصد جمة والأب وافر الشفقة ينظر لولده فوق ما ينظر لنفسه فالظاهر أنه إنما قصر في الكفاءة
والصداق ليوفر سائر المقاصد عليها، وذلك أنفع لها من الصداق والكفاءة فكان تصرفه واقعا بصفة النظر فيجوز كالوصي إذا صانع في مال اليتيم جاز ذلك لحصول النظر في تصرفه، وإن كان هو في الظاهر يعطي مالا غير واجب، وهذا بخلاف تصرف الأب في المال إذ لا مقصود هناك سوى المالية فإذا قصر في المالية فليس بإزاء هذا النقصان ما يجبره، وهذا بخلاف ما إذا زوج أمتهما؛ لأن سائر مقاصد النكاح لا تحصل للصغير والصغيرة هنا إنما يحصل للأمة ففي حق الصغير قد انعدم ما يكون جبرا للنقصان وبخلاف العم والأخ؛ لأنه ليس لهما شفقة وافرة فيحمل تقصيرهما في الكفاءة والمهر على معنى ترك النظر والميل إلى الرشوة لا لتحصيل سائر المقاصد وبخلاف المرأة في نكاح نفسها؛ لأنها سريعة الانخداع ضعيفة الرأي متابعة للشهوة عادة فيكون تقصيرها في الكفاءة والصداق لمتابعة الهوى لا لتحصيل سائر المقاصد على أن سائر المقاصد تحصل لها دون الأولياء وبسبب عدم الكفاءة والنقصان في الصداق يتعير الأولياء، وليس بإزاء هذا النقصان في حقهم ما يكون جابرا فلهذا يثبت لهم حق الاعتراض
(قال) وإذا أقر الوالد على الصغير أو الصغيرة بالنكاح لم يثبت النكاح بإقراره ما لم يشهد به شاهدان عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يثبت النكاح بإقراره، وإنما يتبين هذا الخلاف فيما إذا أقر الولي عليهما، ثم أدركا وكذباه وأقام المدعي عليهما بعد البلوغ شاهدين بإقرار الولي بالنكاح في الصغر وعلى هذا الخلاف الوكيل من جهة الرجل والمرأة إذا أقر على موكله بالنكاح، وكذلك المولى إذا أقر على عبده بالنكاح فهو على هذا الخلاف أيضا أما إذا أقر على أمته بالنكاح صح إقراره بالاتفاق فهما يقولان أقر بما يملك إنشاءه فيصح كالمولى إذا أقر على أمته، وهذا؛ لأن الإقرار خبر متمثل بين الصدق والكذب فإذا حصل بما لا يملك إنشاءه تتمكن التهمة في إخراج الكلام مخرج الإخبار وإذا حصل بما لا يملك إنشاءه لا يكون متهما في إخراج الكلام مخرج الإخبار لتمكنه من تحصيل المقصود بطريق الإنشاء.
ألا ترى أن المطلق إذا قال قبل انقضاء العدة: كنت راجعتها كان مصدقا بخلاف ما لو أقر بذلك بعد انقضاء العدة وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: هذا إقرار على الغير والإقرار على الغير لا يكون حجة؛ لأنه شهادة وشهادة الفرد لا تثبت الحكم، بقي كونه مالكا للإنشاء فنقول هو لا يملك إنشاء هذا العقد إلا بشاهدين كما قال - صلى الله عليه وسلم - «لا نكاح إلا بشهود» فلا يملك الإقرار به إلا من
الوجه الذي يملك الإنشاء، وهكذا نقول إذا ساعده شاهدان على ذلك كان صحيحا اعتبارا للإقرار بالإنشاء، وهذا بخلاف الأمة فإن المولى هناك يقر على نفسه؛ لأن بضعها مملوك للمولى، وإقرار الإنسان على نفسه صحيح مطلقا من غير أن يكون ذلك معتبرا بالإنشاء، فأما في حق العبد الإقرار عليه لا على نفسه فلا يملك إلا من الوجه الذي يملك الإنشاء. وأصل كلامهم يشكل بإقرار الوصي بالاستدانة على اليتيم فإنه لا يكون صحيحا، وإن كان هو يملك إنشاء الاستدانة
(قال): وإن كان للصغيرة وليان فزوجها كل واحد منهما رجلا، فإن علم أيهما أول جاز نكاح الأول منهما لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أنكح الوليان فالأول أحق»، وهذا لأن الأول صادف عقده محله وعقد الثاني لم يصادف محله؛ لأنها بالعقد الأول صارت مشغولة، وإن لم يعلم أيهما أول أو وقع العقدان معا بطلا جميعا؛ لأنه لا وجه لتصحيحهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر فتعين جهة البطلان فيهما
(قال): وإذا تزوج الصغير امرأة فأجاز ذلك وليه جاز عندنا؛ لأن الصبي العاقل من أهل العبارة عندنا، ولكن يحتاج إلى انضمام رأي الولي إلى مباشرته ليحصل تمام النظر فإذا أجاز الولي جاز ذلك، وكان ذلك كمباشرة الولي بنفسه حتى يثبت له الخيار إذا بلغ، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - لا ينفذ بإجازة الولي؛ لأن من أصله أن عبارة الصبي غير معتبرة في العقود، وكذلك من أصله أن العقود لا تتوقف على الإجازة وعلى هذا لو زوجت الصغيرة نفسها فأجاز الولي ذلك جاز عندنا، ولم يجز عند الشافعي - رحمه الله تعالى - لهذين المعنيين ومعنى ثالث أن عبارة النساء عنده لا تصلح لعقد النكاح، وإن كان المجيز غير الأب والجد فلمعنى رابع على قوله أيضا، وهو أن هذا المجيز لا يملك مباشرة التزويج، وإن أبطل الولي عقدهما بطل، وإن لم يتعرض له بالإجازة، ولا بالإبطال حتى بلغا فالرأي إليهما إن أجازا ذلك العقد جاز كما لو أجاز الولي في صغرهما، ولا ينفذ بمجرد بلوغهما إلا أن يجيز؛ لأن النظر عند مباشرتهما ما تم لصغرهما ونفوذ هذا العقد يعتمد تمام النظر فلهذا يعتمد إجازتهما بعد البلوغ
(قال): وإذا زوج الأب ابنته الصغيرة وضمن لها المهر عن زوجها فهو جائز؛ لأنه صير نفسه زعيما والزعيم غارم بخلاف ما إذا باع مال ولده الصغير وضمن الثمن عن المشتري لا يصح الضمان؛ لأن ثبوت حق قبض الثمن للأب هناك بحكم العقد لا بولايته عليه، ألا ترى أن بعد بلوغه الأب هو الذي يقبض الثمن دون الصبي، وفيما يكون وجوبه بحكم عقده فهو كالمستحق؛ لأن حقوق ذلك العقد تتعلق بالعاقد، ولهذا لو أبرأ المشتري عن الثمن
كان صحيحا فإذا ضمن الثمن عن المشتري كان في معنى الضامن لنفسه فلا يصح، فأما ثبوت حق قبض الصداق للأب بولاية الأبوة لا بمباشرته عقد النكاح؛ لأن حقوق العقد في النكاح لا يتعلق بالعاقد.
ألا ترى أنها لو بلغت كان القبض إليها دون الأب فكان الأب في هذا الضمان كسائر الأجانب، ولو ضمن الصداق لها أجنبي آخر وقبل الأب ذلك كان الضمان صحيحا، فكذلك إذا ضمنه الأب، فإذا بلغت إن شاءت طالبت الزوج بالصداق بحكم النكاح، وإن شاءت طالبت بحكم الضمان، وإذا أداه الأب لم يرجع على الزوج؛ لأنه ضمن بغير أمره وإن كان ضمن عن الزوج بأمره فحينئذ يكون له أن يرجع عليه إذا أدى، فإن كان هذا الضمان في مرض الأب ومات منه فهو باطل؛ لأنه قصد إيصال النفع إلى وارثه وتصرف المريض فيما يكون فيه إيصال النفع إلى وارثه باطل
(قال): وإذا زوج ابنه الصغير في صحته وضمن عنه المهر جاز يعني إذا قبلت المرأة الضمان، ثم إذا أدى الأب لم يرجع بما أدى على الابن استحسانا، وفي القياس يرجع عليه؛ لأن غيره لو ضمن بأمر الأب وأدى كان له أن يرجع به في مال الابن، فكذلك الأب إذا ضمن؛ لأن قيام ولايته عليه في حالة الصغر بمنزلة أمره إياه بالضمان عنه بعد البلوغ.
ألا ترى أن الوصي لو كان هو الضامن بالمهر عن الصغير وأدى من مال نفسه يثبت له الرجوع في ماله، فكذلك الأب. وجه الاستحسان أن العادة الظاهرة أن الآباء بمثل هذا يتبرعون، وفي الرجوع لا يطمعون والثابت بدلالة العرف كالثابت بدلالة النص فلا يرجع به إلا أن يكون شرط ذلك في أصل الضمان فحينئذ يرجع؛ لأن العرف إنما يعتبر عند عدم التصريح بخلافه كتقديم المائدة بين يدي الإنسان يكون إذنا له في التناول بطريق العرف، فإن قال له: لا تأكل، لم يكن ذلك إذنا له فهذا مثله بخلاف الوصي فإن عادة التبرع في مثل هذا غير موجودة في حق الأوصياء بل يكتفى من الوصي أن لا يطمع في مال اليتيم فلهذا ثبت له حق الرجوع إذا ضمن وأدى من مال نفسه وإن مات الأب قبل أن يؤدي فهذه صلة لم تتم؛ لأن تمام الصلة يكون بالقبض، ولم يوجد، ولكنها بالخيار إن شاءت أخذت الصداق من الزوج، وإن شاءت من تركة الأب بحكم الضمان؛ لأن الاستحقاق كان ثابتا لها في حياة الأب بحكم الكفالة فلا يبطل ذلك بموته، وإذا استوفت من تركة الأب رجع سائر الورثة بذلك في نصيب الابن أو عليه إن كان قبض نصيبه، وقال زفر - رحمه الله تعالى: لا يرجعون؛ لأن أصل الكفالة انعقدت غير موجبة للرجوع عند الأداء بدليل أنه لو
أداه في حياته لم يرجع عليه فبموته لا يصير موجبا للرجوع، ولكنا نقول إنما لا يرجع في حياته إذا أدى لمعنى الصلة، وقد بطل ذلك بموته قبل التسليم فكان هذا بمنزلة ما لو ضمن عنه بعد البلوغ بأمره واستوفاه من تركته بعد وفاته، وإن كان هذا الضمان في مرض الأب الذي مات فيه فهو باطل؛ لأنه تبرع منه على ولده بضمان الصداق منه وتبرع الوالد على ولده في مرضه باطل، وكذلك كل من ضمن عن وارثه أو لوارثه، ثم مات فضمانه باطل لما بينا
(قال): والمجنون المغلوب بمنزلة الصبي في جميع ذلك؛ لأنه مولى عليه كالصغير ويستوي إن كان جنونه أصليا أو طارئا وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - في الجنون الأصلي كذلك الجواب بأن بلغ مجنونا، فأما في الجنون الطارئ لا يكون للمولى عليه ولاية التزويج؛ لأنه ثبت له الولاية على نفسه عند بلوغه والنكاح يعقد للعمر، ولا تتجدد الحاجة إليه في كل وقت فبصيرورته من أهل النظر لنفسه يقع الاستغناء فيه عن نظر الولي بخلاف المال فإن الحاجة إليه تتجدد في كل وقت، ولكنا نقول: ثبوت الولاية لعجز المولى عليه عن النظر لنفسه والجنون الأصلي والعارض في هذا سواء فربما لم يتفق له كفء في حال إفاقته حتى جن أو ماتت زوجته بعد ما جن فتتحقق الحاجة في الجنون الطارئ كما تتحقق في الجنون الأصلي، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.73 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.10 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.92%)]