
14-11-2025, 05:15 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,351
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع
صـــ 190 الى صـــ 199
(86)
(قال): وإن دل محرم على صيد رجلا، وهو يعلم به ويراه فقتله لم يكن على الدال شيء؛ لأن تمكن القاتل من قتل الصيد لم يكن بدلالته فقد كان متمكنا منه قبل دلالته
(قال): محرم استعار من محرم سكينا ليذبح بها صيدا فأعاره إياه فذبح الصيد فلا جزاء على صاحب السكين ويكره له ذلك، أما الكراهة بالإعانة على المعصية بما أعطاه من الآلة، وأما حكم الجزاء فأكثر مشايخنا يقولون تأويل هذه المسألة أنه إذا كان مع المحرم القاتل سلاح يقتل بذلك السلاح الصيد فحينئذ لا يلزم الجزاء على من أعطى السكين؛ لأنه وإن لم يعطه كان متمكنا من قتله فإذا لم يكن تمكنه بما أعطي لا يجب عليه الجزاء كما لا يجب الجزاء على الدال إذا كان للمدلول علم بمكان الصيد، فأما إذا لم يكن مع المحرم القاتل ما يقتل به الصيد ينبغي أن يجب الجزاء على هذا المعير؛ لأن التمكن من قتل الصيد كان بإعارته السكين، وإلى هذا أشار في السير الكبير، والأصح عندي أنه لا يجب الجزاء على المعير للسكين على كل حال لوجهين: (أحدهما) أن الصيد مأخوذ المستعير قبل إعارة السكين منه، وكان قد تلف معنى الصيدية بأخذ المستعير إياه حكما وبقتله حقيقة، فأما إعارة السكين ليس بإتلاف معنى الصيدية عليه لا حقيقة، ولا حكما بخلاف الدلالة فإنه إتلاف لمعنى الصيدية من وجه حين أعلم بمكانه من لا يقدر الصيد على الامتناع منه فإن امتناع الصيد ممن يقدر على الامتناع منه يكون بجناحه ومن لا يقدر على الامتناع منه يكون بتواريه عن عينه فإذا أعلمه بمكانه صار متلفا معنى الصيدية حكما.
(والثاني) أن الإعارة تتصل بالسكين لا بالصيد فإنها صحيحة، وإن لم يكن هناك صيد، ولا يتعين استعماله في حق قتل الصيد بخلاف
الإشارة إلى قتل الصيد فإنها متصلة بالصيد ليس فيها فائدة أخرى سوى ذلك، ولا يتم ذلك إلا بصيد هناك فلهذا يتعلق وجوب الجزاء بها
ولم يذكر في الكتاب مسألة نكاح المحرم وهي مسألة خلافية معروفة عندنا يجوز للمحرم أن يتزوج وأن يزوج وليته، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - ليس للمحرم أن يتزوج، ولا أن يزوج، ولو فعل لم ينعقد النكاح لحديث عثمان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح»، ولأن المقصود من النكاح الوطء وبسبب الإحرام يحرم عليه الوطء بدواعيه فيحرم العقد الذي لا يقصد به إلا هذا وهذا بخلاف شراء الأمة فإن الشراء غير مقصود للوطء بل للتجارة والمحرم غير ممنوع عنه، ألا ترى أن المسلم لا يتزوج المجوسية، ولا أخته من الرضاعة؛ لأنه لما حرم عليه وطؤها حرم عليه العقد أيضا وله أن يشتري هؤلاء، وحجتنا حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة - رضي الله عنها -، وهو محرم»، وهكذا روي عن عائشة - رضي الله عنها - واختلفت الروايات في حديث أبي رافع قال في بعض الروايات «تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو حلال»، وفي بعضها «تزوجها، وهو محرم وبنى بها، وهو حلال وكنت أنا السفير فيما بينهما» ويتبين بهذا الحديث أن المراد من حديث عثمان - رضي الله عنه - الوطء دون العقد فإنه للوطء حقيقة، وإن كان مستعارا للعقد مجازا على ما نبينه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، ومن حيث المعنى الكلام واضح في المسألة فإن النكاح عقد معاوضة والمحرم غير ممنوع عن مباشرة المعاوضات كالشراء ونحوه، ولو جعل عقد النكاح بمنزلة ما هو المقصود به، وهو الوطء لكان تأثيره في إيجاب الجزاء أو إفساد الإحرام به لا في بطلان عقد النكاح توضيحه أن بعد الإحرام يبقى النكاح بينه وبين امرأته صحيحا، ولو كان عقد الإحرام ينافي ابتداء النكاح لكان منافيا للبقاء كتمجسها والحرمة بسبب الرضاع ولما لم يناف بقاء النكاح، فكذلك الابتداء وبهذا فارق شراء الصيد أيضا؛ لأن الإحرام يمنع استدامة اليد على الصيد فيمنع إثبات اليد بالشراء ابتداء بخلاف النكاح والدليل عليه أنه لو راجعها، وهو محرم كان صحيحا بالاتفاق وعلى أصل الشافعي - رحمه الله تعالى - الرجعة سبب يحل الوطء به، ثم لم يكن المحرم ممنوعا عنه، فكذلك النكاح وأصل كلامه يشكل بالظهار فإن الظهار يحرم الوطء بدواعيه، ولا يمنع العقد ابتداء بأن ظاهر منها، ثم فارقها، ثم تزوجها ثم الشافعي - رحمه الله تعالى - يمنع المحرم
من تزويج وليته، وليس في هذا تطرق المحرم إلى استباحة الوطء فعرفنا أن كلامه من حيث المعنى ضعيف جدا، والله أعلم.
(قال): - رحمه الله تعالى - وغفر له: هذا آخر شرح العبادات بأوضح المعاني وأوجز العبارات أملاه المحبوس عن الجمع والجماعات مصليا على سيد السادات محمد المبعوث بالرسالات وعلى أهله من المؤمنين والمؤمنات. تم كتاب المناسك ولله المنة وله الحمد الدائم الذي لا يفنى أمده، ولا ينقضي عدده.
[كتاب النكاح]
(كتاب النكاح) (قال) : الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمهما الله تعالى إملاء - اعلم بأن النكاح في اللغة عبارة عن الوطء، تقول العرب: تناكحت العرى أي تناتجت ويقول: أنكحنا العرى فسنرى لأمر يجتمعون عليه وينظرون ماذا يتولد منه، وحقيقة المعنى فيه هو الضم ومنه يقال: أنكح الظئر ولدها أي ألزمه، ويقال انكح الصبر أي الزمه، وقال القائل:
إن القبور تنكح الأيامى ... والنسوة الأرامل اليتامى
أي تضمهن إلى نفسها واحد الواطئين ينضم إلى صاحبه في تلك الحالة فسمي فعلهما نكاحا قال القائل
كبكر تحب لذيذ النكاح
أي الجماع، وقال القائل
التاركين على طهر نساءهم ... والناكحين بشطي دجلة البقرا
أي الواطئين، ثم يستعار للعقد مجازا إما لأنه سبب شرعي يتوصل به إلى الوطء، أو لأن في العقد معنى الضم، فإن أحدهما ينضم به إلى الآخر ويكونان كشخص واحد في القيام بمصالح المعيشة. وزعم الشافعي - رحمه الله تعالى - أن اسم النكاح في الشريعة يتناول العقد فقط، وليس كذلك فقد قال الله تعالى {حتى إذا بلغوا النكاح} [النساء: 6] يعني الاحتلام فإن المحتلم يرى في منامه صورة الوطء، وقال الله تعالى {الزاني لا ينكح إلا زانية} [النور: 3] والمراد الوطء، وفي الموضع الذي حمل على العقد فذلك لدليل اقترن به من ذكر العقد أو خطاب الأولياء في قوله {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] أو اشتراط إذن الأهل في قوله تعالى {فانكحوهن بإذن أهلهن} [النساء: 25] ، ثم يتعلق بهذا العقد أنواع من المصالح الدينية والدنيوية من ذلك حفظ النساء والقيام عليهن والإنفاق، ومن ذلك صيانة النفس عن الزنا، ومن ذلك تكثير عباد الله تعالى وأمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتحقيق مباهاة الرسول
صلى الله عليه وسلم - بهم كما قال: «تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة» وسببه تعلق البقاء المقدور به إلى وقته فإن الله تعالى حكم ببقاء العالم إلى قيام الساعة وبالتناسل يكون هذا البقاء.
وهذا التناسل عادة لا يكون إلا بين الذكور والإناث، ولا يحصل ذلك بينهما إلا بالوطء فجعل الشرع طريق ذلك الوطء النكاح؛ لأن في التغالب فسادا، وفي الإقدام بغير ملك اشتباه الأنساب، وهو سبب لضياع النسل لما بالإناث من بني آدم من العجز عن التكسب والإنفاق على الأولاد فتعين الملك طريقا له حتى يعرف من يكون منه الولد فيوجب عليه نفقته لئلا يضيع، وهذا الملك على ما عليه أصل حال الآدمي من الحرية لا يثبت إلا بطريق النكاح، فهذا معنى قولنا: إنه تعلق به البقاء المقدور به إلى وقته. ثم هذا العقد مسنون مستحب في قول جمهور العلماء - رحمهم الله تعالى - وعند أصحاب الظواهر واجب لظاهر الأمر به في الكتاب والسنة ولما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعكاف بن خالد ألك امرأة، فقال: لا، فقال - صلى الله عليه وسلم - تزوج فإنك من إخوان الشياطين»، وفي رواية «إن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم وإن كنت منا فتزوج فإن المهاجر من أمتي من مات وله زوجة أو زوجتان أو ثلاث زوجات»، ولأن التحرز من الزنا فرض، ولا يتوصل إليه إلا بالنكاح، وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضا.
وحجتنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أركان الدين من الفرائض وبين الواجبات، ولم يذكر من جملتها النكاح، وقد كان في الصحابة - رضي الله عنهم - من لم يتزوج، ولم ينكر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، والصحابة - رضي الله عنهم - فتحوا البلاد ونقلوا ما جل ودق من الفرائض، ولم يذكروا من جملتها النكاح وكما يتوصل بالنكاح إلى التحرز عن الزنا يتوصل بالصوم إليه، قال - صلى الله عليه وسلم - «يا معشر الشبان عليكم بالنكاح فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» وتأويل ما روي في حق من تتوق نفسه إلى النساء على وجه لا يصبر عنهن وبه نقول إذا كان بهذه الصفة لا يسعه ترك النكاح، فأما إذا لم يكن بهذه الصفة فالنكاح سنة له قال - صلى الله عليه وسلم - «ثلاث من سنن المرسلين النكاح والتعطر وحسن الخلق» وقال - صلى الله عليه وسلم - «، النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني أي ليس على طريقتي».
ولهذا قال علماؤنا - رحمهم الله تعالى: النكاح أفضل من التخلي لعبادة الله في النوافل، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - التخلي لعبادة الله تعالى أفضل إلا أن تتوق نفسه إلى النساء، ولا يجد الصبر على التخلي لعبادة الله واستدل
بقوله تعالى {وسيدا وحصورا} [آل عمران: 39] فقد مدح يحيى - صلى الله عليه وسلم - بأنه كان حصورا والحصور هو الذي لا يأتي النساء مع القدرة على الإتيان فدل أن ذلك أفضل، ولأن النكاح من جنس المعاملات حتى يصح من المسلم والكافر، والمقصود به قضاء الشهوة، وذلك مما يميل إليه الطبع فيكون بمباشرته عاملا لنفسه، وفي الاشتغال بالعبادة هو عامل لله تعالى بمخالفة هوى النفس، وفيه اشتغال بما خلقه الله تعالى لأجله، قال الله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] فكان هذا أفضل إلا أن تكون نفسه تواقة إلى النساء فحينئذ في النكاح معنى تحصين الدين والنفس عن الزنا كما قال عمر - رضي الله عنه: أيما شاب تزوج فقد حصن ثلثي دينه فليتق الله في الثلث الباقي فلهذا كان النكاح أفضل في حقه.
وحجتنا قوله - صلى الله عليه وسلم - «من كان على ديني ودين داود وسليمان - عليهما السلام - فليتزوج»، وقد اشتغل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتزويج حتى انتهى العدد المشروع المباح له، ولا يجوز أن يقال: إنما فعل ذلك؛ لأن نفسه كان تواقة إلى النساء فإن هذا المعنى يرتفع بالمرأة الواحدة، ولما لم يكتف بالواحدة دل أن النكاح أفضل والاستدلال بحال الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى من الاستدلال بحال يحيى - عليه السلام - مع أنه كان في شريعتهم العزلة أفضل من العشرة، وفي شريعتنا العشرة أفضل من العزلة كما قال - صلى الله عليه وسلم - «لا رهبانية في الإسلام»، وقد بينا أن النكاح مشتمل على مصالح جمة فالاشتغال به أولى من الاشتغال بنفل العبادة على ما اختاره الخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم -. وليس المقصود بهذا العقد قضاء الشهوة، وإنما المقصود ما بيناه من أسباب المصلحة، ولكن الله تعالى علق به قضاء الشهوة أيضا ليرغب فيه المطيع والعاصي المطيع للمعاني الدينية والعاصي لقضاء الشهوة بمنزلة الإمارة، ففيها قضاء شهوة الجاه، والنفوس ترغب فيه لهذا المعنى أكثر من الرغبة في النكاح حتى تطلب ببذل النفوس وجر العساكر لكن ليس المقصود بها قضاء شهوة الجاه بل المقصود قضاء إظهار الحق والعدل، ولكن الله تعالى قرن به معنى شهوة الجاه ليرغب فيه المطيع والعاصي فيكون الكل تحت طاعته والانقياد لأمره مع أن منفعة العبادة على العابد مقصورة، ومنفعة النكاح لا تقتصر على الناكح بل تتعدى إلى غيره وما يكون أكثر نفعا فهو أفضل
قال - صلى الله عليه وسلم - «خير الناس من ينفع الناس» إذا عرفنا هذا فنقول بدأ الكتاب، فقال: بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على بنت أخيها، ولا على
بنت أختها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها فإن الله تعالى هو رازقها»، وهذا الحديث يرويه رجلان من الصحابة - رضي الله عنهم - ابن عباس وجابر - رضي الله عنهما -، وهو مشهور بلغة العلماء بالمقبول، والعمل به ومثله حجة يجوز به الزيادة على كتاب الله تعالى عندنا، وفيه دليل على حرمة نكاح المرأة على عمتها وخالتها؛ لأن هذا النهي بصيغة الخبر، وهذا أبلغ ما يكون من النهي كما أن الأمر قد يكون بصيغة الخبر قال الله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] الآية، وقال الله تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة: 233] والنهي يقتضي التحريم، ثم ذكر هذا النهي من الجانبين إما للمبالغة في بيان التحريم أو لإزالة الإشكال فربما يظن ظان أن نكاح بنت الأخ على العمة لا يجوز ونكاح العمة على بنت الأخ يجوز لتفضيل العمة كما لا يجوز نكاح الأمة على الحرة ويجوز نكاح الحرة على الأمة فبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبوت هذه الحرمة من الجانبين، وقوله «لا تسأل المرأة طلاق أختها» نهي بصيغة الخبر وله تأويلان إما أن يكون المراد به الأخت دينا بأن تكون امرأتان تحت رجل، وهو يحسن إليهما فتجيء إلى الزوج إحداهما وتقول: طلق صاحبتي ليتحول نصيبها إلي، هذا منهي عنه؛ لأنه سبب للتحاسد والتنافر، وقال - صلى الله عليه وسلم - «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا» أو يكون المراد به الأخت نسبا بأن تأتي المرأة إلى زوج أختها وتقول: فارقها وتزوجني فإني أوفق لك، وهذا منهي عنه؛ لأنه سبب لقطيعة الرحم بينهما، وقطيعة الرحم من الملاعن وإليه أشار - صلى الله عليه وسلم - في بعض الروايات، فقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامهن»، ومعنى قوله «لتكتفئ ما في صحفتها» أي لتحول نصيبها إلى نفسها.
وروي لتكفئ وكلاهما لغة يقال كفأت القدر وأكفأتها إذا أملتها وأرقت ما فيها، وفي بعض الروايات «لتكف ما في صحفتها»، ومعناه لتقنع بما آتاها الله فإن الله تعالى هو رازقها والصحفة عبارة عن الحظ والنصيب، وقد اشتمل الحديث على الحتم والوعظ والندب فإن قوله «فإن الله هو رازقها» وعظ، وقوله لا تسأل ندب؛ لأنها لو فعلت ذلك جاز، ولكن لا ينبغي لها أن تفعله، وقوله «لا تنكح المرأة على عمتها» حتم حتى إذا فعل ذلك لم يجز النكاح عندنا، وقال عثمان البتي - رحمه الله تعالى: يجوز في غير الأختين؛ لأن المحرم بالنص الجمع بين الأختين، وهذا ناسخ لما يتلى في قوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ونسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز، ولكنا نقول الحديث صحيح مقبول والعمل به واجب فلكونه مشهورا نقول يجوز نسخ
الكتاب به عندنا أو نقول هذا مبين لما ذكر في الكتاب، وليس بناسخ؛ لأن الحل في الكتاب مقيد بشرط مبهم هو قوله تعالى {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} [النساء: 24] .
وهذا الشرط مبهم فالحديث ورد لبيان ما هو مبهم في الكتاب، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث مبينا، قال الله تعالى {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] أو نقول هذا الحديث مقرر للحرمة المذكورة في الكتاب فإن الله تعالى ذكر في المحرمات الجمع بين الأختين؛ لأن بينهما رحما يفترض وصلها ويحرم قطعها، وفي الجمع قطيعة لرحم على ما يكون بين الضرائر من التنافر فبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن كل قرابة يفترض وصلها فهي في معنى الأختية في تحريم الجمع والتي بين العمة وبنت الأخ قرابة يفترض وصلها حتى لو كان أحدهما ذكرا والأخرى أنثى لم يجز للذكر أن يتزوج الأنثى صيانة للرحم، وإذا ملكه عتق عليه تحرزا عن قطيعة الرحم فكان الحديث مقررا للحرمة المذكوة في القرآن لا أن يكون ناسخا قال: وبلغنا عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لأمنعن النساء فروجهن إلا من الأكفاء، وفي هذا دليل على أن للسلطان يدا في الأنكحة فقد أضاف المنع إلى نفسه، وذلك يكون بولاية السلطنة، وفيه دليل أن الكفاءة في النكاح معتبرة وأن المرأة غير ممنوعة من أن تزوج نفسها ممن يكافئها وأن النكاح ينعقد بعبارتها
قال: وبلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها والثيب تشاور»، ومعنى قوله تستأمر في نفسها أي في أمر نفسها في النكاح فهو دليل على أنه ليس لأحد من الأولياء أن يزوجها من غير استئمارها أبا كان أو غيره، ويل: معناه تستأمر خالية لا في ملأ من الناس لكي لا يمنعها الحياء من الرد إذا كانت كارهة، ولا تذهب حشمة الولي عنه بردها قوله «وإذنها صماتها»، وفي بعض الروايات «سكوتها رضاها»، وذلك على أن رضاها شرط وأن السكوت منها دليل على رضا فيكتفى به شرعا لما روي أن عائشة - رضي الله عنها - «قالت يا رسول الله: إنها تستحي فتسكت، فقال - صلى الله عليه وسلم - سكوتها رضاها»، ومعنى هذا أنها تستحي من إظهار الرغبة في الرجال، وإذا استؤمرت فلها جوابان نعم أو لا، وسكوتها دليل على الجواب الذي يحول الحياء بينها وبين ذلك الجواب، وهو الرضا دون الإباء إذ ليس في الإباء إظهار الرغبة في الرجال، وقد يكون السكوت دليل الرضا كسكوت الشفيع بعد العلم بالبيع وسكوت المولى عند رؤيته تصرف العبد عن الحجر عليه، وقوله «والثيب تشاور» دليل على أنه لا يكتفى بسكوت الثيب فإن
المشاورة على ميزان المفاعلة، ولا يحصل ذلك إلا بالنطق من الجانبين وبظاهره يستدل الشافعي - رحمه الله تعالى - على أن الثيب الصغيرة لا يزوجها أحد حتى تبلغ فتشاور، ولكنا نقول هذا اللفظ يتناول ثيبا تكون من أهل المشاورة والصغيرة ليست بأهل المشاورة فلا يتناولها الحديث.
(قال): وبلغنا عن إبراهيم - رحمه الله تعالى - قال: البكر تستأمر في نفسها فلعل بها داء لا يعلمه غيرها قبل معنى هذا لعلها رتقاء أو قرناء، وذلك في باطنها لا يعلمه غيرها فإذا زوجت من غير استئمارها لا يحصل المقصود بالنكاح وينتهك سترها، وقيل: معناه لا تشتهي صحبة الرجال لمعنى في باطنها من غلبة الرطوبة أو نحو ذلك فإذا زوجت بغير استئمارها لا تحسن العشرة مع زوجها أو لعل قلبها مع غير هذا الذي تزوج منه فإذا زوجت بغير استئمارها لم تحسن صحبة هذا الزوج ووقعت في الفتنة لكون قلبها مع غيره وأي داء أدوى من العشق
(قال): وبلغنا عن - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة»، وفيه دليل على أن نكاح الأمة على الحرة لا يجوز وأن هذه الحرمة ثابتة شرعا رضيت الحرة أو لم ترض، وهو مذهبنا، وقال مالك - رحمه الله تعالى - إذا رضيت الحرة جاز قال: لأن المنع لحق الحرة لا للجمع بدليل أنه إذا تقدم نكاح الأمة بقي نكاحها بعد الحرة والجمع موجود فدل أن المنع لحق الحرة، وهو أنه يغصها إدخال ناقصة الحال في فراشها، وذلك ينعدم برضاها، ولكنا نقول: المنع ليس لحقها بل؛ لأنها ليست من المحللات مضمومة إلى الحرة وهي من المحللات منفردة عن الحرة فإن الحل برقها ينتصف كما ينتصف برق الرجل على ما نبينه إن شاء الله تعالى فإذا تزوجها على الحرة فهذا حال ضمها إلى الحرة وهي ليست من المحللات في هذه الحالة، وهذا المعنى لا يزول برضاها فلهذا لا يجوز النكاح، والكلام فيه أن هذا الحديث ناسخ لما في الكتاب أو مبين بطريق التخصيص على نحو ما بينا في الحديث الأول، ثم ذكر هذا اللفظ عن علي - رضي الله عنه - أيضا وزاد فيه وللحرة الثلثان من القسم وللأمة الثلث وبه نأخذ فإن القسم ينبني على الحل الذي ينبني عليه النكاح وحظ الأمة فيه على النصف من حظ الحرة، وزعم بعض العلماء - رحمهم الله تعالى - أنه يسوي بينهما في القسم كما يسوي بينهما في النفقة للمساواة بينهما في الملك والحاجة، ولكنا نقول لا يسوي بينهما في النفقة أيضا فالحرة تستحق نفقة خادمها كما تستحق نفقة نفسها والأمة لا تستحق النفقة إلا أن يبوئها المولى بيتا مع زوجها
(قال): وبلغنا عن ابن عباس - رضي الله عنه -
أنه قال: إن بعض العرب كان في الجاهلية يستحل الرجل نكاح امرأة أبيه فإذا مات أبوه ورث نكاحها عنه فأنزل الله تعالى قوله {، ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء: 22] الآية وأنزل الله تعالى قوله {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] الآية، وأن العرب في الجاهلية كانوا فريقين فريق يعتقدون الإرث في منكوحة الأب ويقولون إن ولد الرجل إذا لم يكن منها يخلفه في نكاحها كما يخلفه في ملكه فيطؤها بغير عقد جديد رضيت أو كرهت، وفيه نزل قوله تعالى {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} [النساء: 19] وبعضهم كانوا يعتقدون أنها تحل له بعقد جديد وأنه متى رغب فيها فهو أحق بها من غيره، وفيه نزل قوله تعالى {، ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء: 22] وكانوا في الجاهلية يسمون الولد الذي يكون بينهما ولد المقت وإليه أشار الله تعالى في قوله {إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} [النساء: 22] وقوله تعالى {إلا ما قد سلف} [النساء: 22] معناه أن ما قد سلف في الجاهلية فإنكم لا تؤاخذون بذلك إذا خليتم سبيلهن بعد العلم بالحرمة، وقيل: معناه، ولا ما قد سلف فإن كلمة إلا قد تكون بمعنى، ولا قال الله تعالى إلا الذين ظلموا منهم فيكون المعنى أنه كما لا يحل ابتداء العقد بعد نزول الحرمة لا يحل إمساك ما قد سلف بعد نزول الحرمة لكي لا يظن ظان أن هذه الحرمة تمنع ابتداء النكاح، ولا تمنع البقاء كحرمة العدة
فأما قوله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] ففيه بيان المحرمات والحاصل أن المحرمات أربعة عشر سبع من جهة النسب وسبع من جهة النسب أما من جهة النسب فالأمهات بقوله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] فأم الرجل حرام عليه وكذلك جداته من قبل أبيه أو من قبل أمه فعلى قول من يقول: إن اللفظ الواحد يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز في محلين مختلفين يقول: حرمت الجدات بالنص؛ لأن اسم الأمهات يتناولهن مجازا وعلى قول من يقول: لا يراد باللفظ الواحد الحقيقة والمجاز يقول: حرمت الجدات بدليل الإجماع إذ الأمهات هن الأصول، وهو حقيقة معنى هذا الاسم، وذلك يجمع الكل إلا أن إطلاق الاسم في الأم الأدنى دون غيرها لدليل العرف فعلى هذا يتناول النص الجدات حقيقة والثاني البنات فعلى القول الأول حرمة بنات البنات وبنات البنين وإن سفلن ثابتة بالنص أيضا؛ لأن الاسم يتناولهن مجازا وعلى القول الآخر حرمتهن بدليل الإجماع على ما بينا والثالث الأخوات تثبت حرمتهن بقوله تعالى {وأخواتكم} [النساء: 23] وهن أصناف ثلاثة الأخت لأب وأم والأخت لأب والأخت لأم وهن محرمات بالنص فالأختية عبارة عن المجاورة في الرحم أو في الصلب فكان الاسم حقيقة يتناول الفرق الثلاث والرابع العمات تثبت حرمتهن بقوله تعالى
{وعماتكم} [النساء: 23] .
ويدخل في ذلك أخوات الأب لأب وأم أو لأب أو لأم والخامس الخالات تثبت حرمتهن بقوله تعالى {وخالاتكم} [النساء: 23] ويدخل في ذلك أخوات الأم لأب وأم أو لأب أو لأم والسادس بنات الأخ تثبت حرمتهن بقوله تعالى {وبنات الأخ} [النساء: 23] ويدخل في ذلك بنات الأخ لأب وأم أو لأب أو لأم والسابع بنات الأخت تثبت حرمتهن بقوله تعالى {وبنات الأخت} [النساء: 23] ويستوي في ذلك أولا بنات الأخت لأب وأم أو لأب أو لأم، وأما السبع اللاتي من جهة النسب الأمهات من الرضاعة والأخوات تثبت حرمتهن بقوله تعالى {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] والحاصل أنه يثبت بالرضاع من الحرمة ما يثبت بالنسب قال - صلى الله عليه وسلم - «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». والثالث أم المرأة فإن من تزوج امرأة حرمت عليه أمها ثبت بقوله تعالى {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] ، وهذه الحرمة تثبت بنفس العقد عندنا، وكان بشر المريسي وابن شجاع - رحمهما الله تعالى - يقولان لا تثبت إلا بالدخول بالبنت، وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله تعالى -. ومذهبنا مذهب عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - وإليه رجع ابن مسعود - رضي الله عنه - حين ناظره عمر - رضي الله عنه - ومذهبهم مذهب علي وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما - واستدلوا بقوله تعالى {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] الآية. والأصل أن الشرط والاستثناء إذا تعقب كلمات منسوقة بعضها على بعض ينصرف إلى جميع ما سبق ذكره، ولكنا نستدل بحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تزوج امرأة حرمت عليه أمها دخل بها أو لم يدخل وحرمت عليه ابنتها إن دخل بها»، وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: أم المرأة مبهمة فأبهموا ما أبهم الله بين أن الشرط المذكور ينصرف إلى الربائب دون الأمهات، وهذا هو الظاهر لغة فالنساء المذكورة في قوله تعالى {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] مخفوضة بالإضافة، وفي قوله {من نسائكم} [النساء: 23] مخفوض بحرف "من" والمخفوضات بأداتين لا ينعتان بنعت واحد.
ألا ترى أنه لا يستقيم أن يقول مررت بزيد إلى عمرو الظريفين، وهو الأصل في اللغة أن المعمول الواحد لا يكون بعاملين فلو جعلنا قوله {وربائبكم} [النساء: 23] ابتداء عطفا لصار قوله {من نسائكم} [النساء: 23] مخفوضا بحرف من وبالإضافة جميعا، وذلك لا يجوز فعرفنا أن قوله {وربائبكم} [النساء: 23] ابتداء بحرف الواو وأن أمهات النساء مبهمة كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما -، فأما حرمة الربيبة وهي بنت المرأة لا تثبت الحرمة إلا بالدخول بالأم لقوله تعالى {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] ، ولأن الربائب ليس في معنى الأمهات فالظاهر من العبارة أن أم الزوجة تبرز إلى زوج بنتها قبل الدخول، وأما بنت المرأة
لا تبرز إلى زوج أمها قبل الدخول بالأم. واختلفت الصحابة - رضي الله عنهم - أن الحجر هل ينتصب شرطا لهذه الحرمة أو لا؟ فكان علي - رضي الله عنه - يقول: الحجر شرط لقوله تعالى {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] ولما روي «أنه عرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت أم سلمة - رضي الله عنهما -، فقال: لو لم تكن ربيبتي في حجري ما كانت تحل لي أرضعتني وأباها ثويبة»، فأما عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - كانا يقولان: الحجر ليس بشرط وبه أخذ علماؤنا - رحمهم الله تعالى - للحديث الذي رويناه وتفسير الحجر، وهو أن البنت إذا زفت مع الأم إلى بيت زوج الأم فهذه كانت في حجره، وإذا كانت مع أبيها لم تكن في حجر زوج الأم، وإنما ذكر الحجر في الآية على وجه العادة فإن بنت المرأة تكون في حجر زوج أمها لا على وجه الشرط مثل قوله تعالى {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] مذكور على وجه العادة لا على وجه الشرط.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|