
14-11-2025, 05:12 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع
صـــ 180 الى صـــ 189
(85)
(قال): ومن فاته الحج لم يسعه أن يقيم في منزله حراما من غير عذر ويبعث بالهدي، ولا يحل بالهدي إن بعث به؛ لأن التحلل بالهدي للمحصر، وهذا غير محصر بل هو فائت الحج، وقد تعين عليه التحلل بالطواف والسعي شرعا فلا يتحلل بغير ذلك، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
[باب الجمع بين الإحرامين]
(باب الجمع بين الإحرامين) (قال) : والعمرة لا تضاف إلى الحج والحج يضاف إلى العمرة قبل أن يعمل منها شيئا وبعد أن يعمل، هكذا نقل عن ابن عباس - رضي الله عنه -، وهذا لأن الله تعالى جعل العمرة بداية والحج نهاية بقوله تعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} [البقرة: 196] فمن أضاف الحجة إلى العمرة كان فعله موافقا لما في القرآن، ومن أضاف العمرة إلى الحج كان فعله مخالفا لما في القرآن فكان مسيئا من هذا الوجه، ولكن مع هذا هو قارن فإن القارن هو جامع بين العمرة والحج، وهو جامع بينهما على كل حال إلا أنه إذا أضاف الحج إلى العمرة بأن أهل بالعمرة أولا، ثم بالحج فهو جامع مصيب للسنة فيكون محسنا ومن أهل بالحج، ثم بالعمرة فهو جامع مخالف للسنة فكان مسيئا لهذا ويلزمه في الوجهين جميعا ما أوجب الله تعالى على المتمتع المترفق بأداء النسكين في سفر واحد كما قال الله تعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] ، وهو شاة
في قول علي وابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنهم - وفي قول ابن عمر وعائشة - رضي الله عنهما - بدنة وأخذنا بالأول لحديث جابر - رضي الله عنه - قال: «تمتعنا بالعمرة إلى الحج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشتركنا في البدنة عن سبعة» فإن لم يجد الهدي فعليه صوم ثلاثة أيام في الحج. والأفضل أن يصوم قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة؛ لأن صوم اليوم بدل عن الهدي فالأولى أن يؤخره إلى آخر الوقت الذي يفوته بمضيه رجاء أن يجد الهدي
(قال): ولو صام هذه الأيام الثلاثة بعد إحرامه للعمرة قبل إحرام الحجة جاز عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى -، وحجته ظاهر الآية، قال الله تعالى {فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة: 196] وحين صام قبل أن يحرم بالحج فصومه هذا ليس في الحج، وحجتنا في ذلك أن نقول: جعل الحج ظرفا للصوم وفعل الحج لا يصلح ظرفا للصوم فعرفنا أن المراد به الوقت كما قال الله تعالى {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] وهذا قد صام في وقت الحج بعد ما تقرر السبب، وهو التمتع؛ لأن معنى التمتع في أداء العمرة في سفر الحج في وقت الحج، وقد وجد ذلك، وأداء العبادة البدنية بعد وجود سبب وجوبها جائز إذا صام شهر رمضان وإن لم يصم حتى جاء يوم النحر تعين عليه الهدي عندنا، وهو قول عمر - رضي الله تعالى عنه - فإن رجلا أتاه يوم النحر، فقال: إني تمتعت بالعمرة إلى الحج فقال: اذبح شاة فقال ليس معي شيء فقال: سل أقاربك فقال: ليس هنا أحد منهم فقال لغلامه يا مغيث أعطه قيمة شاة، وذلك لأن البدل كان مؤقتا بالنص فبعد فوات ذلك الوقت لا يكون بدلا فتعين عليه الهدي والشافعي - رحمه الله تعالى - كان يقول في الابتداء يصوم أيام التشريق، وهو مروي عن ابن عمر وعائشة - رضي الله عنهما -، ولكن هذا فاسد فقد صح النهي عن الصوم في هذه الأيام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز أداء الواجب بها ولو وجد الهدي بعد صوم يومين من الثلاثة كان عليه الهدي؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالخلف ما إذا قدر على أصل الهدي بعد ما يحل يوم النحر؛ لأن المقصود هو التحلل فإنما قدر على الأصل بعد حصول المقصود بالبدل، وهو كالمتيمم إذا وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة.
وأما صوم السبعة ليس ببدل فيما هو مقصود، وهو التحلل ألا ترى أن أوان أدائها بعد التحلل ووجوب الهدي لا يمنع أداءها، والمراد من الرجوع المذكور في قوله تعالى {وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196] مضي أيام التشريق حتى إذا صام بعد مضيها قبل أن يرجع إلى أهله جاز عندنا، ولا يجوز عند الشافعي - رحمه الله تعالى - إلا أن ينوي
المقام فحينئذ يجوز الصوم
(قال): وإن أهل الآفاقي بالحج فطاف لها شوطا، ثم أهل بالعمرة رفضها وعليه قضاؤها ودم للرفض؛ لأن إحرام الحج قد تأكد بما أتى به من الطواف فإن ذلك من عمل الحج ولو بقي إحرامه للعمرة كان بانيا عمل العمرة على أعمال الحج، وذلك لا يجوز فلهذا يرفضها. وإن كان أهل بالعمرة أولا فطاف لها شوطا، ثم أهل بالحج مضى فيها؛ لأنه يبني أعمال الحج على العمرة، وذلك صحيح إلا أنه لو طاف للعمرة أقل الأشواط يكون قارنا وإن طاف لها أكثر الأشواط، ثم أهل بالحج كان متمتعا؛ لأن المتمتع من يحرم بالحج بعد عمل العمرة، ولأكثر الطواف حكم الكل، والقارن من يجمع بينهما، وقد صار جامعا حين أحرم بالحج، وقد بقي عليه أكثر طواف العمرة، وقد بينا أن المكي لا يقرن بين الحج والعمرة، ولا يضيف أحدهما إلى الآخر، فإن قرن بينهما رفض العمرة ومضى في الحج؛ لأنه ممنوع من الجمع بينهما فلا بد من رفض أحدهما، ورفض العمرة أيسر؛ لأنها دون الحج في القوة، ولأنه يمكنه أن يقضيها متى شاء.
وكذلك إن أحرم أولا بالعمرة، ثم أحرم بالحج رفض العمرة؛ لأن الترجيح بالبداءة بعد المساواة في القوة، ولا مساواة هنا فيرفض العمرة على كل حال. وإن مضى فيهما حتى قضاهما أجزأه؛ لأن النهي لا يمنع تحقق المنهي عنه، وهذا بخلاف الجامع بين الحجتين والعمرتين فإن الجمع بينهما عملا منفي هناك ومع النفي لا يتحقق الاجتماع فيكون رافضا لأحدهما على كل حال، وهنا الجمع بين الحج والعمرة في حق المكي منهي عنه ومع النهي يتحقق الجمع فيجب عليه الدم لجمعه بينهما، ولكن هذا الدم ليس نظير الدم في حق الآفاقي إذا قرن بينهما فإن ذلك نسك يحل التناول منه، وهذا جبر لا يحل التناول منه؛ لأن وجوب هذا الدم بارتكاب ما هو منهي عنه فيكون واجبا بطريق الجبر للنقصان فلهذا لا يباح التناول منه وإن كان طاف للعمرة شوطا أو ثلاثة أشواط، ثم أحرم بالحج رفض الحج في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يرفض العمرة؛ لأنه أهل بالحج فأكثر أعمال العمرة باق عليه وللأكثر حكم الكل فكأنه أهل بالحجة قبل أن يأتي بشيء من أعمال العمرة فيرفضها وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: إن إحرام العمرة قد تأكد بما أتى به من طواف العمرة، وإحرام الحج لم يتأكد بشيء من عمله والمتأكد بأداء العمل أقوى من غير المتأكد فلهذا يرفض الحجة، والدليل على أن التأكد يحصل بشوط من الطواف ما بينا في الآفاقي إذا طاف للحج شوطا، ثم أحرم للعمرة كان عليه رفضها لتأكد
إحرام الحج بالعمل قبل الإهلال بالعمرة بخلاف ما لو أهل بالعمرة قبل أن يأتي بشيء من طواف الحج.
ولو كان المكي طاف للعمرة أربعة أشواط، ثم أحرم بالحج فنقول: إنما أحرم بالحج بعد ما أتى بأكثر طواف العمرة وللأكثر حكم الكل فكأنه أحرم بالحج بعد الفراغ من العمرة فلا يرفض شيئا، ولكن يفرغ من عمرته ومن حجته وعليه دم؛ لأنه صار كالمتمتع، وهو منهي عن التمتع إلا أنه لا يحل التناول من هذا الدم؛ لأنه دم جبر كما بينا ولو كان هذا الطواف منه للعمرة في غير أشهر الحج كان عليه الدم أيضا؛ لأنه أحرم بالحج قبل أن يفرغ من العمرة، وليس للمكي أن يجمع بينهما فإذا صار جامعا كان عليه الدم، ولو كان هذا آفاقيا لم يكن عليه هذا الدم؛ لأنه غير ممنوع من الجمع بينهما، قال في الأصل: وعليه دم لترك الوقت في العمرة أيضا، وإنما أراد به إذا كان أحرم للعمرة في الحرم فإن ميقات أهل مكة لإحرام العمرة هو الحل
(قال): كوفي أهل بحجة وطاف لها، ثم أهل بعمرة قال: يرفض عمرته؛ لأنه لو لم يرفضها كان بانيا للعمرة على الحجة، هذا إذا أهل بعمرة بعرفة، فإن أهل بها يوم النحر قبل أن يحل بحجته أو بعد ما حل قبل أن يطوف أمر أن يرفضها أيضا وإن لم يرفضها ومضى فيها أجزأه وعليه دم إن كان أهل بها قبل أن يحل بحجته، وإن كان بعد ما حل من حجته فليس عليه شيء إن لم يترك الوقت فيها، ولا يؤمر بأن يرفضها إذا أحرم بها بعد تمام الإحلال؛ لأنه وإن كان منهيا عن الإحرام فبعد ما أحرم يجب عليه الإتمام؛ لأنه غير جامع بينه وبين إحرام آخر فإذا أداها كان صحيحا بخلاف ما إذا أهل بها بعرفات فإن هناك قد صار رافضا للعمرة لتحقق المنافي على ما سبق، ثم إن كان إهلاله بالعمرة قبل أن يحل من الحج فقد صار جامعا بين الإحرامين على وجه هو منهي عن ذلك فلزمه لذلك دم وإن كان بعد ما حل لم يصر جامعا بين الإحرامين فلا يلزمه شيء
(قال): مكي أهل بالحجة فطاف لها شوطا، ثم أهل بالعمرة قال: يرفض العمرة؛ لأن إحرامه للحج قد تأكد وقبل تأكده كان يؤمر برفض العمرة فبعد تأكده أولى، فإن لم يرفضها وطاف لها وسعى أجزأه لما بينا أن النهي لا يمنع تحقق المنهي عنه، ولكن عليه دم لإهلاله بها قبل أن يفرغ من حجته، وقد صار جامعا بينهما، وهو ممنوع من هذا الجمع
(قال): محرم بعمرة جامع، ثم أضاف إليها عمرة أخرى قال: يرفض هذه ويمضي في الأولى؛ لأن الفاسد معتبر بالصحيح في وجوب الإتمام، ولو كانت الأولى صحيحة كان عليه أن يمضي فيها ويرفض الثانية فكذلك بعد فسادها وكذلك لو لم يجامع في
الأولى، ولكنه طاف لها شوطا، ثم أحرم بالثانية يرفض الثانية؛ لأن الأولى قد تأكدت لما طاف لها فتعينت الثانية للرفض وكذا هذا في حجتين
(قال): وإذا أهل بحجتين معا، ثم جامع قبل أن يسير فعليه للجماع دمان في قول أبي حنيفة؛ لأن من أصله أنه لا يصير رافضا لأحدهما ما لم يأخذ في عمل الأخرى، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - عليه دم واحد للجماع؛ لأنه كما فرغ من الإحرامين صار رافضا لأحدهما فجماعه جناية على إحرام واحد، وإن كان ذلك الجماع منه بعد ما سار فعليه دم واحد؛ لأنه صار رافضا لأحدهما حين سار إلى مكة فجماعه جناية على إحرام واحد، ثم ما يلزمه بالرفض وبالإفساد من القضاء والدم قد بيناه فيما سبق.
فإن أحرم لا ينوي شيئا فطاف ثلاثة أشواط، ثم أهل بعمرة فإنه يرفض هذه الثانية؛ لأن الأولى قد تعينت عمرة حين أخذ في الطواف لما بينا أن الإبهام لا يبقى بعد الشروع في الأداء بل يبقى ما هو المتيقن، وهو العمرة فحين أهل بعمرة أخرى فقد صار جامعا بين عمرتين فلهذا يرفض الثانية
(قال): وإذا كان للكوفي أهل بالكوفة وأهل بمكة يقيم عند هؤلاء سنة فاعتمر في أشهر الحج وحج من عامه لم يكن متمتعا؛ لأنه ملم بين النسكين بأهله إلماما صحيحا، فإن لم يكن له أهل بمكة واعتمر من الكوفة في أشهر الحج وقضى عمرته، ثم خرج إلى مصر ليس فيه أهله، ثم حج من عامه ذلك كان متمتعا ما لم يرجع إلى المصر الذي كان فيه أهله، ثم قال: بلغنا ذلك عن عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب - رضي الله عنهما - وإبراهيم - رحمه الله تعالى -، وقد بينا أن الطحاوي - رحمه الله تعالى - ذكر في هذا الفصل خلافا بين أبي حنيفة وصاحبيه - رحمهما الله تعالى - وهو الصحيح أن عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يكون متمتعا.
وحديث زيد الثقفي - رضي الله عنه - أنه سأل ابن عباس - رضي الله عنهما - فقال: أتينا عمارا فقضيناها، ثم زرنا القبر، ثم حججنا فقال: أنتم متمتعون والأصل عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه ما لم يصل إلى أهله فهو متمتع كمن لم يجاوز الميقات وعندهما من خرج من الميقات فهو كمن وصل إلى أهله في أنه لا يكون متمتعا بعد ذلك، فإن كان له بالكوفة أهل وبالبصرة أهل فرجع إلى أهله بالبصرة، ثم حج من عامه ذلك لم يكن متمتعا؛ لأنه ألم بأهله بين النسكين حلالا
(قال): وإن اعتمر الكوفي في أشهر الحج وساق هديا للمتعة، وهو يريد الحج فطاف لعمرته، ولم يحلق، ثم رجع إلى أهله، ثم حج كان متمتعا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - ولم يكن متمتعا في قول محمد - رحمه الله تعالى - إذا كان
رجوعه إلى أهله بعد ما أتى بأكثر طواف العمرة وحجته، وهو أنه ملم بأهله بين النسكين، وهو إلمام صحيح فإن العود غير مستحق عليه حتى لو بعث بهديه لينحر عنه، ولم يحج كان جائزا فهو بمنزلة المكي الذي اعتمر من الكوفة وساق لهدي لمتعته فهناك لا يكون متمتعا فكذلك هنا وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله تعالى - يقولان: إلمامه غير صحيح بأهله هنا؛ لأنه محرم على حاله ما لم ينحر عنه الهدي فكان العود مستحقا عليه، وذلك يمنع صحة إلمامه بأهله كالقارن إذا أتى بعمل العمرة، ثم رجع إلى أهله، ثم عاد فحج كان قارنا، ولم يصح إلمامه بأهله محرما فكذا هذا، وهذا بخلاف من لا هدي معه، وقد حل هناك من إحرام العمرة فإنما لم بأهله حلالا فكان إلمامه صحيحا
(قال): رجل أهل بعمرة في أشهر الحج وساق هديا معه لمتعته، ثم بدا له أن يحل وينحر هديه ويرجع إلى أهله، ولا يحج كان له ذلك؛ لأن بمجرد النية قبل الإحرام لا يلزمه أداء الحج في هذه السنة، فإن فعل ذلك، ثم حج من عامه فلا شيء عليه؛ لأنه ألم بأهله بين النسكين حلالا فخرج من أن يكون متمتعا، وإن أراد أن ينحر هديه ويحل، ولا يرجع إلى أهله ويحج من عامه ذلك لم يكن له ذلك؛ لأنه إذا لم يقصد الرجوع إلى أهله فهو قاصد إلى التمتع فكان هديه هدي المتعة فليس له أن ينحرها قبل يوم النحر لاختصاص هدي المتعة بيوم النحر، ولأنه لما ساق الهدي، وهو عازم على التمتع لزمه البقاء في الإحرام إلى أن يفرغ من عمل الحج، وليس له أن يتعجل في الإحلال قبل وقته، فإن فعل ذلك، ثم رجع إلى أهله، ثم حج فلا شيء عليه؛ لأنه لما رجع إلى أهله فقد خرج من أن يكون متمتعا، وإنما كان يلزمه تأخير الخروج عن إحرام العمرة لأجل التمتع فإذا خرج من أن يكون متمتعا تبين أن إحلاله كان في وقته فلا يلزمه شيء، وإن فرغ من عمرته وحل ونحر هديه، ثم أقام بمكة حتى حج من عامه فعليه دمان لمتعته فإنه أتى بالنسكين في سفر واحد فكان متمتعا وما نحر من الهدي قبل يوم النحر فلا يجزئه عن هدي المتعة فلهذا لزمه دم المتعة ودم آخر لإحلاله قبل وقته؛ لأنه لما كان متمتعا، وقد ساق الهدي لم يكن له أن يحل قبل يوم النحر، وهو قد حل من عمرته قبل يوم النحر فعليه دم لتعجيل الإحلال
(قال): رجل أهل بعمرة في أشهر الحج، ثم أفسدها بالجماع فلما فرغ منها أهل بأخرى ينوي قضاءها، ثم حج من عامه لم يكن متمتعا أما بالعمرة الأولى فلأنه أفسدها بالجماع والتمتع بالعمرة الفاسدة لا يكون، وأما بالثانية فلأنه أحرم لها من غير الميقات، والمتمتع من تكون عمرته ميقاتية وحجته مكية، ولأنه لما دخل مكة بالعمرة الفاسدة صار بمنزلة أهل مكة، وإن كان حين
فرغ من العمرة الفاسدة خرج من مكة حتى جاوز المواقيت، ثم أهل بعمرة في أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك، فإن كان جاوز الوقت قبل أشهر الحج كان متمتعا؛ لأنه بمجاوزة الميقات صار في حكم من لم يدخل مكة فإذا اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه فقد أتى بعمرة ميقاتية وحجة مكية فكان متمتعا، وإن لم يجاوز الوقت إلا في أشهر الحج فليس بمتمتع؛ لأن أشهر الحج لما دخلت، وهو داخل الميقات حرم عليه التمتع كما هو حرام على أهل مكة ومن هو داخل الميقات فلا تنقطع هذه الحرمة بخروجه من الميقات بعد ذلك في حق المكي ومن هو داخل الميقات، فإن كان دخوله الأول في أشهر الحج بعمرة فأفسدها وأتمها مع الفساد، ثم رجع إلى أهله، ثم عاد فقضاها وحج من عامه ذلك لم يكن متمتعا؛ لأن سفره الأول قد انقطع برجوعه إلى أهله فصار كأن لم يوجد فالمعتبر سفره الثاني، وقد أدى النسكين في هذا السفر بصفة الصحة فكان متمتعا.
وإن رجع إلى بلدة أخرى، ثم عاد فقضى عمرته وحج من عامه لم يكن متمتعا في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - بناء على الأصل الذي قررنا أنه ما لم يصل إلى بلدته فهو في الحكم كأن لم يخرج من مكة فلا يكون متمتعا وعندهما يكون متمتعا؛ لأن من أصلهما أن بخروجه من الميقات انقطع حكم ذلك السفر في حق التمتع بمنزلة ما لو رجع إلى بلدته فإذا عاد معتمرا وحج من عامه كان متمتعا لأداء النسكين في سفر واحد صحيحا. وإن دخل بعمرة فاسدة في أشهر الحج فقضاها، ثم خرج حتى جاوز الميقات، ثم قرن عمرة وحجة كان قارنا؛ لأن أكثر ما فيه أن كحال المكي متى حصل بمكة بالعمرة الفاسدة، وقد بينا أن المكي إذا خرج من الميقات، ثم قرن حجة وعمرة كان قارنا فهذا مثله، ولو قضى عمرته الفاسدة، ثم أهل من مكة بعمرة وبحجة فإنه يرفض العمرة؛ لأنه متى حصل بمكة بعمرة فاسدة فهو بمنزلة مكي محرم بهما، وقد بينا أن المكي يرفض العمرة إذا أحرم بهما كذلك هنا، ولو كان أهل بعمرة في أشهر الحج فطاف لها شوطا، ثم أهل بحجة فهو على الخلاف الذي ذكرناه في حق المكي أن عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يرفض الحج لتأكد إحرام العمرة بالطواف وعندهما يرفض العمرة على ما مر؛ لأنه لما لم يطف لها أربعة أشواط فهو بمنزلة من لم يطف لها شيئا وإذا ترك المكي أو الكوفي ميقات الإحرام في العمرة وطاف لها شوطا، ثم أراد أن يلبي من الوقت لم ينفعه، ولم يسقط عنه الدم؛ لأن إحرامه وراء الميقات قد تأكد بالطواف فهو، وإن عاد إلى الميقات ولبى فلم يصر متداركا لما فاته في وقته فلا يسقط عنه الدم.
ألا ترى أنه إذا عاد لا يمكن أن يجعل كالمنشئ للإحرام الآن؛ لأن ما تقدم من الطواف محسوب له وكيف يجعل كالمنشئ الآن وطوافه قبل ذلك محسوب فلهذا لا يسقط عنه الدم، والله أعلم بالصواب.
[باب التلبية]
(قال): وبلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» اتفق على هذا رواة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم وفي نقل تلبيته، فإن اقتصر عليه فحسن، وإن زاد على هذا فحسن أيضا عندنا، وبعض أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - يقولون: يباح له الزيادة وأكثرهم على أن ذلك مكروه لحديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - «أنه سمع رجلا يقول في تلبيته: لبيك ذي المعارج لبيك، فقال: مه ما كنا نلبي، هكذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، ولأنه ذكر منظوم فلا يزاد عليه كالأذان والتشهد، وحجتنا في ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يقول في تلبيته: لبيك إله الحق لبيك».
وعن ابن مسعود أنه خرج من مسجد الخيف يلبي، فقال قائل لا يلبي هنا، فقال ابن مسعود - رضي الله عنه: أجهل الناس أم طال بهم العهد لبيك عدد التراب لبيك. وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يقول في تلبيته: لبيك مرهوب منك ومرغوب إليك والنعمى والفضل والحسن لك لبيك لبيك، وتأويل حديث سعد - رضي الله عنه - أن ذلك الرجل كان ترك التلبية المعروفة واكتفى بذلك القدر فلهذا أنكر عليه وهكذا نقول إذا ترك التلبية المعروفة كان مكروها، فأما إذا أتى بالمعروف، ثم زاد كان ذلك حسنا؛ لأن المقصود هو الثناء على الله تعالى وإظهار العبودية من نفسه، وقد نقل من طريق أهل البيت - عليهم السلام - تلبية طويلة من ذلك، والجاريات في الفلك على مجاري من سلك، ثم الحاج والقارن في قطع التلبية سواء؛ لأنه لا يحل من النسكين قبل يوم النحر، وقطع التلبية حين يرمي جمرة العقبة، وقد بينا وقت قطع التلبية في حق فائت الحج والمحصر ومن أفسد حجه، وإنما يصير محرما بالتلبية إذا نوى الإحرام فأما بدون النية محرما وإن لبى، كما لا يصير بالتكبير شارعا في الصلاة إذا لم ينو، والتهليل والتسبيح بنية الإحرام به بمنزلة التلبية كما عند افتتاح الصلاة، وقد بينا الفرق بينه وبين الصلاة لأبي يوسف - رحمه الله تعالى -.
وإذا توضأ الأخرس ولبس ثوبين وصلى ركعتين، ثم نوى الإحرام بقلبه وحرك لسانه كان محرما؛ لأنه أتى بما في وسعه، وليس عليه فوق ذلك كما إذا شرع في الصلاة بتحريك اللسان مع النية يصح شروعه. والمرأة بمنزلة الرجل في التلبية غير أنها لا ترفع صوتها لما بينا أن صوتها فتنة واذا لم يلب القارن والمفرد بالحج والعمرة إلا مرة واحدة فقد أساء، ولا شيء عليه؛ لأن الشروع في الإحرام بالتلبية كما أن صحة الشروع في الصلاة بالتكبير، ولو لم يأت المصلي إلا بتكبيرة الافتتاح جازت صلاته وكان مسيئا، فكذلك إذا لم يأت المحرم بالتلبية إلا مرة واحدة جاز؛ لأنه أتى بما هو الواجب وترك المسنون فيكون مسيئا، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
[باب الصيد في الحرم]
(باب الصيد في الحرم) (قال) : - رضي الله عنه - رجل رمى صيدا في الحل، وهو في الحل فأصابه في الحرم كان عليه الجزاء؛ لأنه من جنايته، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيما أعلم، ومعنى هذا التعليل أن ذهاب السهم حتى وصل إلى الصيد كان بقوة الرامي، وهو مباشر لذلك الفعل حتى يستوجب القصاص به إذا رمى إلى مسلم عمدا فقتله، وإنما أصابه بعد ما صار صيد الحرم فكان هو قاتلا صيد الحرم بفعله فيلزمه الجزاء، وهذا بخلاف ما لو أرسل كلبه على صيد في الحل فطرد الكلب الصيد حتى قتله في الحرم حيث لا يضمن قال: لأن هذا ليس من جنايته، ومعنى هذا أن طرد الكلب الصيد فعل أحدثه الكلب فلا يصير المرسل به جانيا على صيد الحرم. وحقيقة المعنى في الفرق أن الرامي مباشر لما يصيبه سهمه وفي مباشرة الفعل لا فرق بين أن يكون متعديا وبين أن يكون غير متعد فيما يلزمه من الجزاء.
ألا ترى أن من رمى سهما في ملك نفسه فأصاب مالا أو نفسا كان ضامنا له فأكثر ما في الباب هنا أنه في أصل الرمي لم يكن متعديا، وهذا لا يمنع وجوب الجزاء عليه عند مباشرته، فأما مرسل الكلب متسبب لإتلاف ما يأخذه الكلب لا مباشر حتى لا يلزمه القصاص بحال، والمتسبب إذا كان متعديا في تسببه كان ضامنا وإذا لم يكن متعديا لا يكون ضامنا كمن حفر بئرا في ملك نفسه وهنا هو غير متعد في إرسال الكلب على صيد في الحل فلهذا لا يلزمه الجزاء
(قال): وإن زجر الكلب بعد ما دخل في الحرم فانزجر وأخذ الصيد فعليه جزاؤه واستحسانا، وفي
القياس لا يلزمه شيء؛ لأن الأخذ من الكلب يكون محالا على أصل الإرسال دون الزجر، ألا ترى لو أن مسلما أرسل كلبه على صيد فزجره مجوسي فانزجر حتى أخذ الصيد حل تناوله، وأصل الإرسال هنا لم يكن جناية فوجود الزجر بعد ذلك كعدمه، وجه الاستحسان أنه في هذا الزجر متسبب لأخذ الصيد، وهو متعد في هذا التسبب، ثم أصل الإرسال هنا ما انعقد تعديا، وكان ذلك في حكم الزجر كالمعدوم أصلا، وهو نظير القياس والاستحسان الذي ذكره في كتاب الصيد أن الكلب المعلم إذا انبعث على أثر الصيد من غير إرساله فزجره صاحبه فانزجر حتى أخذ الصيد إنما يحل تناوله استحسانا بخلاف ما إذا أرسله مجوسي، ثم زجره مسلم؛ لأن أصل الإرسال هناك كان معتبرا فيحال الحكم عليه دون الزجر
(قال): ولو أرسل كلبا في الحرم على ذئب فأصاب صيدا في الحرم لم يكن عليه شيء؛ لأنه غير متعد في هذا السبب فإن إرسال الكلب على الذئب مباح له فلهذا لا يوجب عليه الضمان، وإن أخذ الكلب الصيد بخلاف ما إذا رمى إلى الذئب فأصاب صيدا؛ لأنه مباشر فلا يعتبر فيه معنى التعدي، ولكن قتل الصيد في الحرم خطأ موجب للضمان كقتله عمدا. وكذلك لو أرسل حلال كلبا على الصيد في الحل فذهب الكلب إلى صيد في الحرم فقتله لم يكن عليه جزاء كما لو دخل الصيد الذي أرسله عليه في الحرم فقتله فيه
(قال): ولو أرسل المجوسي كلبا على صيد في الحرم فزجره مسلم محرم فانزجر فقتل الصيد كان على المحرم جزاؤه؛ لأن زجر المحرم لا يكون دون دلالته على الصيد والمحرم يضمن الصيد بالدلالة فبالزجر أولى، ولا يؤكل ذلك الصيد لا لزجر المحرم فإن حرمة الصيد تثبت به كما تثبت بالدلالة، ولكن لأن أخذه محال به على أصل الإرسال والمرسل كان مجوسيا
(قال): ولو نصب شبكة للصيد فأصاب الصيد فعليه جزاؤه؛ لأنه متعد في هذا التسبب، ولو نصبها لذئب أو سبع آذاه وابتدأه فوقع فيه صيد لم يكن عليه شيء؛ لأنه غير متعد في هذا التسبب، وهو قياس نصب الفسطاط من المحرم على ما سبق
(قال): محرم دل محرما على صيد وأمره بقتله وأمر المأمور ثانيا بقتله فقتله كان على كل واحد منهم جزاء كامل؛ لأن كل واحد منهم جان على الصيد بما صنع القاتل بالمباشرة، والآمر الثاني بدلالة القاتل عليه والآمر الأول بإعلامه الآمر الثاني بمكان الصيد حتى أمر به غيره فكانوا جميعا ضامنين، وهذا لأن فعل المأمور والثاني كفعل آمره، ولو قتل الآمر الثاني وجب الجزاء به على الآمر الأول، فكذلك إذا أمر به غيره
حتى قتله وجزاء الصيد في حق المحرم لا يتجزأ فلهذا كان على كل واحد من الثلاثة جزاء كامل
(قال): ولو أخبر محرم محرما ما بصيد فلم يره حتى أخبره به محرم آخر فلم يصدق الأول، ولم يكذبه، ولكن طلب الصيد فقتله كان على كل واحد منهم جزاؤه؛ لأن كل واحد منهم جان فيما صنع، وهذا بخلاف ما إذا أكذب الأول فإن هناك لا يلزمه الجزاء؛ لأنه بتكذيبه إياه انتسخ حكم دلالته فلم يكن قتل الصيد بعد ذلك محالا به على دلالة الأول، وإنما كان محالا به على دلالة الثاني، فأما إذا لم يصدقه، ولم يكذبه لم ينتسخ حكم دلالته
(قال): محرم أرسل محرما إلى محرم، فقال: إن فلانا يقول لك إن في هذا الموضع صيدا فذهب فقتله كان على المرسل والرسول والقاتل الجزاء؛ لأن كل واحد منهم متعد فيما صنع فإن القاتل إنما تمكن من قتل الصيد بإرسال المرسل وتبليغ الرسول فلهذا ضمن كل واحد منهم الجزاء
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|