
14-11-2025, 05:09 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,371
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع
صـــ 170 الى صـــ 179
(84)
(قال): وميقات إحرام أهل مكة للعمرة التنعيم أو غيره من الحل؛ لأن موضع الإحرام غير موضع أداء النسك، وأداء الحج يكون بالوقوف وهو في الحل فالإحرام به يكون في الحرم وأداء نسك العمرة بالطواف وهو في الحرم فالإحرام بها يكون في الحل.
(قال): كوفي جاوز الميقات نحو مكة، ثم أحرم بالحج ووقف بعرفة جاز حجه وعليه دم لترك الوقت؛ لأنه لما انتهى إلى الميقات وجب عليه الإحرام بالحج من الميقات لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يجاوز الميقات أحد إلا محرما، فإذا جاوزه حلالا فقد ارتكب المنهي» وأخر الإحرام عن الميقات فتمكن نقصان في حجه ونقصان الحج يجبر بالدم فإن رجع إلى الميقات ولبى إن رجع قبل أن يحرم وأحرم بالحج من الميقات فلا شيء عليه بالاتفاق؛ لأنه تلافى المتروك في وقته ومكانه فصار في الحكم كأنه لم يجاوز الميقات إلا محرما فإن الواجب عليه أداء الحج بإحرام يباشره من الميقات، وقد أتى بذلك، وإن كان أحرم بعد ما جاوز الميقات، ثم عاد إلى الميقات فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إن لبى عند الميقات يسقط عنه الدم، وإن لم يلب لم يسقط عنه الدم وعندهما يسقط عنه الدم في الحالين جميعا، وعند زفر - رحمه الله تعالى - لا يسقط عنه الدم في الوجهين؛ لأن المستحق عليه إنشاء الإحرام بالحج من الميقات، فإذا أحرم بعد ما جاوز الميقات فقد ترك ما هو المستحق عليه فلزمه الدم كما لو لم يعد، وهذا لأن الواجب عليه إنشاء تلبية واجبة عند الميقات ووجوب التلبية عند الإحرام لا بعده فهو - وإن لبى عند الميقات - فإنما أتى بتلبية غير واجبة فلا يصير به متداركا لما فاته بخلاف ما إذا عاد
فأحرم من الميقات وأبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يقولان: الواجب عليه أن يكون محرما عند الميقات لا أن ينشئ الإحرام عند الميقات، ألا ترى أنه لو أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات، ثم مر بالميقات محرما، ولم يلب عند الميقات لا يلزمه شيء، وكذلك إذا عاد إلى الميقات بعد ما أحرم، ولم يلب فقد تدارك ما هو واجب عليه وهو كونه محرما عند الميقات واستدل أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بقول ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال لذلك الرجل: ارجع إلى الميقات وإلا فلا حج لك. والمعنى فيه أنه لما انتهى إلى الميقات حلالا وجب عليه التلبية عند الميقات والإحرام، فإذا ترك ذلك بالمجاوزة حتى أحرم وراء الميقات، ثم عاد فإن لبى فقد أتى بجميع ما هو المستحق عليه فيسقط عنه الدم، وإن لم يلب فلم يأت بجميع ما استحق عليه، وهذا بخلاف من أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات؛ لأن ميقاته هناك موضع إحرامه، وقد لبى عنده فقد خرج الميقات المعهود من أن يكون ميقاتا للإحرام في حقه فلهذا لا يضره ترك التلبية عنده بخلاف ما نحن فيه على ما بينا
(قال): فإن قرن هذا الكوفي بعد ما جاوز الميقات فأحرم بالحج والعمرة، ولم يرجع إلى الميقات فعليه دم واحد عندنا، وقال زفر - رحمه الله تعالى - عليه دمان؛ لأنه أخر الإحرامين جميعا عن الميقات فيلزمه لكل إحرام دم، ألا ترى أن القارن إذا ارتكب سائر المحظورات يجب عليه ضعف ما يجب على المفرد فكذلك إذا أحرم وراء الميقات، وعلماؤنا قالوا: المستحق عليه عند الميقات إحرام واحد، ألا ترى أنه لو أحرم بالعمرة عند الميقات، ثم أحرم بالحج بعد ما جاوز الميقات كان جائزا ولا شيء عليه فعرفنا أن المستحق عليه عند الميقات إحرام واحد فيجب عليه بتأخير ذلك الإحرام دم واحد بخلاف سائر المحظورات فإنه صار بجنايته مرتكبا محظور إحرامين فكان عليه جزاءان. وكذلك إن أهل بعمرة بعد ما جاوز الميقات، ثم أهل بحجة بمكة فعليه دم واحد لتأخيره إحرام العمرة عن الميقات؛ لأنه لما دخل مكة بإحرام العمرة فميقات إحرامه للحج الحرم، وقد أحرم به في الحرم، وإن كان أهل بالحجة بعد ما جاوز الميقات، ثم دخل مكة فأهل بالعمرة أيضا كان عليه دمان؛ لأنه أخر إحرام الحج عن ميقاته فوجب عليه دم، ولما دخل مكة بإحرام الحجة فميقات إحرامه للعمرة الحل بمنزلة ميقات أهل مكة فحين أهل بالعمرة في الحرم فقد ترك ميقات إحرام العمرة أيضا فيلزمه لذلك دم آخر
(قال): كوفي دخل مكة بغير إحرام لحاجة له، فقال: عليه حجة أو عمرة أي ذلك شاء؛ لأن دخول
مكة سبب لوجوب الإحرام عليه فمباشرة ذلك السبب بمنزلة التزامه الإحرام بالنذر، وفي نذر الإحرام يلزمه حجة أو عمرة فكذلك إذا لزمه الإحرام بدخول مكة فإن رجع إلى الميقات فأهل بحجة الإسلام أجزأه عن حجة الإسلام وعما لزمه بدخول مكة استحسانا عندنا. وفي القياس لا يجزئه عما لزمه لدخول مكة وهو قول زفر - رحمه الله تعالى -؛ لأنه بدخول مكة بغير إحرام وجب عليه حجة أو عمرة وصار ذلك دينا في ذمته، وحجة الإسلام لا تنوب عما صارت نسكا دينا في ذمته، ألا ترى أنه لو تحولت السنة، ثم أحرم بالحج في السنة الثانية من الميقات لا ينوب هذا عما لزمه لدخول مكة فكذلك في السنة الأولى، ولكن استحسن علماؤنا - رحمهم الله تعالى - فقالوا: لو كان حين انتهى إلى الميقات في الابتداء أحرم بحجة الإسلام ناب ذلك عما يلزمه لدخول مكة؛ لأن الواجب عليه أن يكون محرما عند دخول مكة لا أن يكون إحرامه لدخول مكة كمن اعتكف في رمضان أجزأه؛ لأن الواجب عليه أن يكون صائما في مدة الاعتكاف لا أن يكون صومه للاعتكاف، فإذا عرفنا هذا فنقول لو أحرم عند الميقات في الابتداء كأن يؤدي حجة الإسلام بذلك الإحرام في تلك السنة، وقد أداها حين عاد إلى الميقات فأحرم بحجة الإسلام فصار به متلافيا للمتروك فيسقط عنه ما لزمه لدخول مكة، فأما بعد ما تحولت السنة لم يصر متلافيا للمتروك؛ لأنه لو أحرم بالحج في السنة الأولى لم يكن له أن يؤدي الحج بذلك الإحرام في الثانية فعرفنا أنه لا يصير متلافيا للمتروك فإن قيل أليس أنه لو عاد إلى الميقات وأحرم بعمرة منذورة لا يسقط عنها بهذا العود ما لزمه بدخول مكة وهو حين انتهى إلى الميقات لو أحرم بالعمرة المنذورة ودخل به مكة لا يلزمه شيء، ثم لا يصير به متداركا لما هو الواجب؟.
(قلنا) هو خارج على ما ذكرنا؛ لأن العمرة، وإن لم تكن مؤقتة فيكره أداؤها في خمسة أيام من السنة فلو أحرم بها في الابتداء لم يكن له أن يؤخرها إلى الوقت المكروه فلا يصير بالرجوع إلى الميقات والإحرام بالعمرة متداركا للمتروك
(قال): وإذا جاوز الميقات حلالا، ثم أحرم بالحج ففاته الحج سقط عنه دم الوقت عندنا، ولم يسقط عند زفر - رحمه الله تعالى -؛ لأن الدم بمجاوزة الميقات صار واجبا عليه فلا يسقط بفوات الحج كما لو وجب عليه الدم بالتطيب أو لبس المخيط لا يسقط عنه ذلك بفوات الحج، ولكنا نقول لما فاته الحج وجب عليه القضاء وهو للقضاء يحرم من الميقات فينعدم به المعنى الذي لأجله يلزمه الدم وهو أداء الحج بإحرام بعد مجاوزة الميقات بخلاف سائر الدماء؛ لأن وجوب ذلك عليه بما
ارتكب من المحظورات ولا ينعدم ذلك بفوات الحج، وعلى هذا لو جامع قبل الوقوف حتى فسد حجه سقط عنه دم الوقت عندنا؛ لأن القضاء وجب عليه، فإذا عاد للقضاء يحرم من الميقات فانعدم به المعنى الذي لأجله كان يلزمه الدم
[جاوز الميقات غير محرم، ثم أتى وقتا آخر فأحرم منه]
(قال): وكذلك من جاوز الميقات غير محرم، ثم أتى وقتا آخر فأحرم منه أجزأه ولا شيء عليه؛ لأن إتيانه وقتا آخر بمنزلة رجوعه إلى الميقات والإحرام عنده للأصل الذي قلنا: إن من حصل في ميقات فإحرامه يكون من ذلك الميقات سواء كان من أهل ذلك الميقات أو لم يكن فإنما أحرم بالحج من ميقاته فلهذا لا يلزمه الدم
(قال): عبد دخل مكة مع مولاه بغير إحرام، ثم أذن له مولاه فأحرم بالحج فعليه إذا عتق دم لترك الوقت؛ لأنه مخاطب فيتحقق منه السبب الموجب للدم وهو تأخير الإحرام بالحج من ميقاته، ولكن ما يلزمه من الدم إذا لم يكن له مال يتأخر إلى ما بعد العتق، وهذا بخلاف النصراني يدخل مكة، ثم يسلم، ثم يحرم من مكة أو الصبي يدخل مكة بغير إحرام، ثم يحتلم بمكة فيحرم بالحج فإن هناك لا يلزمه بترك الوقت شيء؛ لأن النصراني لم يكن مخاطبا بالإحرام بالحج حين انتهى إلى الميقات فإن الخطاب بالإحرام إنما يتوجه على من يصح منه الإحرام، وكذلك الصبي فلا يتحقق منهما تأخير الإحرام الواجب؛ لأنه إنما لزمهما الإحرام عند الإسلام والبلوغ، وعند ذلك هما بمكة، وميقات إحرام الحج في حق من هو بمكة الحرم، وقد أحرما منه بخلاف العبد على ما بينا، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب - رحمهما الله تعالى - أن النصراني لو أسلم أو بلغ الصبي فمات قبل إدراك الوقت وأوصى كل واحد منهما بأن يحج عنه حجة الإسلام فوصيتهما باطلة عند زفر - رحمه الله تعالى -؛ لأنه لم يلزمهما الحج قبل إدراك الوقت إذ لا يتصور الأداء قبل إدراك الوقت فلا تصح وصيتهما به، وعلى قول أبي يوسف يصح؛ لأن سبب الوجوب قد تقرر في حقهما، والوقت شرط الأداء وانعدام شرط الأداء لا يمنع تقرر سبب الوجوب فتصح وصيتهما بالأداء في وقته
(قال): ولو أن الصبي أهل بالحج قبل أن يحتلم، ثم احتلم قبل أن يطوف بالبيت أو قبل أن يقف بعرفة لم يجزه عن حجة الإسلام عندنا، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - يجزئه وهو بناء على ما بينا في كتاب الصلاة إذا صلى في أول الوقت، ثم بلغ في آخره عنده يجزئه عن الفرض ويجعل وكأنه بلغ قبل أداء الصلاة وهنا أيضا يجعل كأنه بلغ قبل مباشرة الإحرام فيجزئه ذلك عن حجة الإسلام قال: وهذا على أصلكم أظهر؛ لأن الإحرام عندكم من الشرائط
دون الأركان ولهذا صح الإحرام بالحج قبل دخول أشهر الحج، ولكنا نقول حين أحرم: هو لم يكن من أهل أداء الفرض فانعقد إحرامه لأداء النفل فلا يصح أداء الفرض به وهو نظير الصرورة إذا أحرم بنية النفل عندنا لا يجزئه أداء الفرض به، وعنده ينعقد إحرامه للفرض والإحرام، وإن كان من الشرائط عندنا، ولكن في بعض الأحكام هو بمنزلة الأركان ومع الشك لا يسقط الفرض الذي ثبت وجوبه بيقين فلهذا لا يجزئه حجة الإسلام بذلك الإحرام إلا أن يجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة فحينئذ يجزئه عن حجة الإسلام؛ لأن ذلك الإحرام الذي باشره في حالة الصغر كان تخلقا، ولم يكن لازما عليه فيتمكن من فسخه بتجديد الإحرام، وهذا بخلاف العبد فإنه لو أعتقه المولى بعد ما أحرم لا يجزئه عن حجة الإسلام، وإن جدد الإحرام بعد العتق؛ لأن إحرام العبد لازم في حقه لكونه مخاطبا فلا يتمكن بعد العتق من فسخ ذلك الإحرام، وإنما طريق خروجه من ذلك الإحرام أداء الأفعال فسواء جدد التلبية أو لم يجدد فهو باق في ذلك الإحرام فلا يجزئه عن حجة الإسلام بخلاف الصبي على ما ذكرنا، وإن أعتق العبد قبل أن يحرم، ثم أحرم بحجة الإسلام أجزأه؛ لأن شرط الوجوب تقرر في حقه بالعتق فلهذا يجزئه عن حجة الإسلام.
(قال): وإذا دخل الرجل مكة بغير إحرام فوجب عليه حجة أو عمرة فأهل بها بعد سنة في وقت غير وقته الأول هو أقرب منه قال: يجزيه ولا شيء عليه؛ لأنه في السنة الأولى لو أحرم من هذا الميقات أجزأه عما يلزمه لدخول مكة وجعل هذا كعوده إلى الميقات الأول، فكذلك في السنة الثانية إذا جاء إلى هذا الميقات؛ لأن من حصل عند ميقات فحكمه حكم أهل ذلك الميقات، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
[باب الذي يفوته الحج]
(باب الذي يفوته الحج) (قال) : - رضي الله عنه - رجل أهل بحجة ففاته فإنه يحل بعمرة وعليه الحج من قابل، قال: وبلغنا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عمر وزيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنهما - والمراد بالحديث المرفوع ما رواه ابن عباس وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج وليتحلل بالعمرة وعليه الحج من قابل». وأما حديث عمر وزيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنهما -
ما رواه الأسود قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - يقول: من فاته الحج تحلل بعمرة وعليه الحج من قابل، ثم لقيت زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - بعد ذلك بثلاثين سنة فسمعته يقول مثل ذلك، وكان المعنى فيه أن الإحرام بعد ما انعقد صحيحا فطريق الخروج عنه أداء أحد النسكين إما الحج أو العمرة كمن أحرم إحراما بهما وهنا تعذر عليه الخروج عنه بالحج حين فاته الحج فعليه الخروج بعمل العمرة، ثم إن عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - أصل إحرامه باق بالحج ويتحلل بعمل العمرة، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يصير إحرامه إحرام عمرة، وعند زفر - رحمه الله تعالى - ما يؤديه من الطواف والسعي بقايا أعمال الحج؛ لأنه بالإحرام بالحج التزم أداء أفعال يفوت بعضها بمضي الوقت ولا يفوته البعض فيسقط عنه ما يفوت بمضي المدة ويلزمه ما لا يفوت وهو الطواف والسعي وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - قالا: الطواف والسعي للحج إنما يتحلل بهما من الإحرام بعد الوقوف، فأما قبل الوقوف فلا، وحاجته إلى التحلل هنا قبل الوقوف فإنما يأتي بطواف وسعي يتحلل بهما من الإحرام، وذلك طواف العمرة ولهذا قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: يصير أصل إحرامه للعمرة ضرورة؛ لأن التحلل بطواف العمرة إنما يكون بإحرام العمرة وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - قالا: لا يمكن جعل إحرامه للعمرة إلا بفسخ إحرام الحج الذي كان شرع فيه ولا طريق لنا إلى ذلك، والدليل عليه أن المكي إذا فاته الحج يتحلل بعمل العمرة من غير أن يخرج من الحرم، ولو انقلب إحرامه للعمرة لكان يلزمه الخروج إلى الحرم؛ لأنه ميقات إحرام العمرة في حق المكي
(قال): فإن كان أهل بحجة وعمرة فقدم مكة، وقد فاته الحج فإنه يطوف بالبيت وبالصفا والمروة لحجه ويحل عليه الحج من قابل ولا يجعل ما أتى به من الطواف والسعي قبل فوات الحج كافيا للتحلل عن إحرام الحج؛ لأن ذلك كان طواف التحية وهو سنة فلا يحصل به التحلل فإن كان طاف لعمرته وسعى فقد أتى بهما، وإن لم يكن طاف بعمرته يطوف لها الآن؛ لأن العمرة لا تفوته، ثم يطوف بعد ذلك لحجته ويسعى حتى يتحلل، وهذا دليل لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - على أن أصل إحرامه لا ينقلب عمرة؛ لأنه لو انقلب عمرة لصار جامعا بين إحرام عمرتين وأدائهما في وقت واحد، وذلك لا يجوز، ثم لا يجب عليه الدم بالقياس على المحصر، وهذا فاسد؛ لأن المحصر عاجز عن التحلل بالطواف والسعي وفائت الحج قادر على ذلك، ثم فائت الحج يقطع التلبية حين يستلم الحجر في الطواف
لما بينا أن هذا الطواف عمل العمرة وأوان قطع التلبية في حقه ما هو أوان قطع التلبية في حق المعتمر فإن كان قارنا فإنما يقطع التلبية حين يأخذ في الطواف الثاني؛ لأن العمرة ما فاتته فيجعل كأنه طاف لها قبل الفوات فلا يقطع التلبية عندها، وإنما يقطع التلبية إذا أخذ في الطواف الذي يتحلل به عن الإحرام في الحج
(قال): ولو فاته الحج فمكث حراما حتى دخلت أشهر الحج من قابل فتحلل بعمل العمرة، ثم حج من عامه ذلك لم يكن متمتعا، وهذا أيضا يدل على أن إحرامه لم ينقلب إحرام عمرة فإنه لو انقلب إحرام عمرة كان متمتعا كمن أحرم للعمرة في رمضان فطاف لها في شوال، ولكنه بعمل العمرة يتحلل من إحرام الحج في شوال، وليس هذا صورة المتمتع
(قال): رجل أهل بحجة فجامع فيها ثم قدم، وقد فاته الحج فعليه دم لجماعه ويحل بالطواف والسعي؛ لأن الفاسد معتبر بالصحيح فكما أن التحلل بالإحرام الصحيح بعد الفوات يكون بالطواف والسعي فكذلك عن الإحرام الفاسد، ولو كان أصاب في حجه صيدا فعليه الكفارة؛ لأن إحرامه بعد الفساد باق فيجب بارتكاب المحظور ما يلزمه بارتكابه في الإحرام الصحيح، وهذا الذي أفسد الحج إنما يقطع التلبية بعد الفوات حين يأخذ في الطواف، ألا ترى أنه لو لم يفته كان أوان قطع التلبية في حقه حين يرمي جمرة العقبة اعتبارا بمن صح حجه فكذلك بعد الفوات
(قال): رجل أهل بحجة فقدم مكة، وقد فاته الحج فأقام حراما حتى يحج مع الناس من قابل بذلك الإحرام قال: لا يجزئه عن حجته، وبهذا يستدل أبو يوسف - رحمه الله تعالى - على أن إحرامه صار للعمرة حيث لا يجوز أداء الحج به، ولكنا نقول: قد بقي أصل إحرامه للحج، ولكنه تعين عليه الخروج بإعمال العمرة فلا يبطل هذا التعيين بتحول السنة مع أن إحرامه انعقد لأداء الحج في السنة الأولى فلو صح أداء الحج به في السنة الثانية تغير موجب ذلك العقد بفعله، وليس إليه تغيير موجب عقد الإحرام، وإن قدم، وقد فاته الحج فأهل بحجة أخرى فإنه يطوف للذي قد فاته ويسعى ويرفض التي أهل بها وعليه فيها ما على الرافض وعليه قضاء الفائت أيضا؛ لأن أصل إحرامه بعد الفوات تعين للحج فهو بالإهلال بحجة أخرى يصير جامعا بين حجتين فلهذا يرفض التي أهل بها، وقد تعين عليه التحلل عن الأولى بالطواف والسعي فلا يتغير ذلك بفعله، وإن نوى بهذه التي أهل بها قضاء الفائت فهي هي يعني لا يلزمه بهذا الإهلال شيء؛ لأنه نوى إيجاد الموجود فإن إحرامه بالحج باق بعد الفوات ونية الإيجاد فيما هو موجود لغو فيتحلل بالطواف والسعي
وعليه قضاء الفائت فقط بخلاف الأول، فقد نوى بالإهلال هناك حجة أخرى سوى الموجود
[أهل بعمرة بعد ما فاته الحج]
(قال): وإن أهل بعمرة بعد ما فاته الحج رفضها أيضا ومضى في عمل الفائتة؛ لأنه لما لزمه التحلل عن الأول بعمل العمرة يصير جامعا بين العمرتين من حيث العمل، وذلك لا يجوز فلهذا يرفض التي أهل بها، وقد تعين عليه التحلل عن الأولى بالطواف والسعي فلا يتغير ذلك بفعله
(قال): رجل أهل بحجتين وقدم مكة، وقد فاته الحج قال: يحل بالطواف والسعي وعليه عمرة وحجتان ودم؛ لأنه صار رافضا لإحدى الحجتين ولزمه دم لرفضها وقضاء حجة وعمرة، ثم قد فاتته الأخرى فيتحلل منها بالطواف والسعي وعليه قضاؤها ولا يكون له أن يتحلل منها بعمل عمرتين؛ لأنهما لا يجتمعان عملا فكما أخذ في عمل إحداهما صار رافضا للأخرى ولزمه الدم بالرفض
(قال): وإذا ساق هديا للقران فقدم، وقد فاته الحج قال: يصنع بهديه ما شاء؛ لأنه ملكه، وقد أعده لمقصوده، فإذا فاته ذلك المقصود صنع به ما أحب، وكذلك إن لم يفته، ولكنه جامع؛ لأن بالجماع فسد حجه وخرج من أن يكون قارنا، وإنما أعد هذا الهدي للقران، فإذا فاته ذلك صنع به ما شاء فإن كان هديه قد نتج في الطرق، ثم قد فاته الحج أو جامع أو أحصر صنع أيضا بالولد ما شاء؛ لأنه جزء من الأم فكما يصنع بالأم ما شاء فكذلك بالولد، وإن لم يكن شيء من هذه العوارض فعليه أن ينحر الأم والولد جميعا فإن نحر الأم ووهب الولد أو باعه فعليه قيمة الولد، وكذلك إن ولد هذا الولد ولدا فعليه قيمة ذلك الولد أيضا؛ لأن ما ثبت من الحق في الأصل سرى إلى الولد لكونه جزءا من أجزائه، وإن كان قد كفر عن الولد بعد ما وهبه أوباعه، ثم حدث له ولد لم يكن عليه من قبل ولده شيء؛ لأن بأداء الكفارة قد سقط عنه الحق في الولد لله تعالى فلا يلزمه فيما يلد هذا الولد بعد ذلك شيء بخلاف ما قبل التكفير فإن حق الله تعالى في الولد لازم إياه قبل التكفير فيسري إلى ما يتولد منه وهو نظير من أخرج ظبية من الحرم فكفر عنها، ثم ولدت ثم ماتت لم يكن عليها فيها ولا في ولدها شيء، وإن لم يكفر عنها كان عليه فيها، وفي ولدها الكفارة
(قال): محرم بالحج قدم مكة وطاف بالبيت، ثم خرج إلى الربذة فأحصر بها، ثم قدم مكة بعد فوات الحج فعليه أن يحل بعمرة ولا يكفيه الطواف الأول؛ لأن ذلك كان طواف التحية، وليس لطواف التحية أثر في التحلل، ولأن التحلل بالطواف يكون في يوم النحر أو بعده، وذلك الطواف كان قبل يوم النحر فلا يكون معتبرا في التحلل، وإن كان
خروجه إلى الربذة بعد الوقت لم يفته لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من أدرك عرفة فقد أدرك الحج»، ثم قد تقدم بيان ما عليه من الدماء بعد هذا بسبب الترك والتأخير
(قال): فإن أهل بعمرة في أشهر الحج، ثم قدم مكة بعد يوم النحر يقضي عمرته، وليس عليه شيء؛ لأن العمرة غير مؤقتة فلا يفوته عمل العمرة بمضي أيام النحر فلهذا لا يلزمه شيء والحاصل أن جميع السنة وقت العمرة عندنا، ولكن يكره أداؤها في خمسة أيام يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، هكذا روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تكره العمرة في هذه الأيام الخمسة، ولأن الله تعالى سمى هذه الأيام أيام الحج فيقتضي أن تكون متعينة للحج الأكبر فلا يجوز الاشتغال فيها بغيرها، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - لا تكره العمرة في هذه الأيام الخمسة، وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه لا تكره العمرة في يوم عرفة قبل الزوال؛ لأن دخول وقت ركن الحج بعد الزوال لا قبله، ولكن مع هذه الكراهة لو أدى العمرة في هذه الأيام صح فيبقى محرما في هذه الأيام بها وهو نظير بقاء حرمة الصلاة بعد دخول وقت الكراهة
[أهل الحاج صبيحة يوم النحر بحجة أخرى]
(قال): وإذا أهل الحاج صبيحة يوم النحر بحجة أخرى لزمته ويقضي ما بقي عليه من الأولى ويقيم حراما إلى أن يؤدي الحج بهذا الإحرام من قابل؛ لأنه أحرم بعد مضي وقت الحج من السنة الماضية، فينعقد إحرامه لأداء الحج به في السنة القابلة وعليه بجمعه بين الحجتين دم؛ لأن إحرامه للحج باق ما لم يتحلل بالحلق والطواف والجمع بين إحرام الحجتين ممنوع عنه، فإذا فعل ذلك لزمه الدم بالجمع المنهي عنه، وهذا بخلاف ما إذا أهل بحجتين؛ لأن الدم هناك يلزمه لرفض إحداهما؛ لأن الجمع هناك لا يتحقق حين صار قاضيا لإحداهما وهنا يتحقق؛ لأنه يؤدي ما بقي من أعمال الأولى من غير أن يصير رافضا للأخرى فلهذا لزمه للجمع بينهما دم، وإن قدم الحاج مكة فأدرك الوقوف بمزدلفة لم يكن مدركا للحج لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من فاته عرفة بليل فقد فاته الحج»، ثم ذكر بعد هذا حكم الإهلال بحجتين أو بعمرتين، وقد بينا ذلك ويستوي فيه إن أهل بهما معا أو بإحداهما، ثم بالأخرى معا؛ لأنه جامع بين الإحرامين في الحالين فإن رفض إحدى العمرتين، ثم قضاها في العام القابل ومعها حجة فهو قارن؛ لأن القران بالجمع بين الحجة والعمرة فكما أن كون الحج في ذمته لا يمنع تحقق القران فكذلك كون العمرة واجبة في ذمته. وكذلك إن أتى بهذه العمرة في أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك فهو متمتع إن لم يكن ألم بأهله
بين النسكين حلالا فإن ألم بأهله بين النسكين حلالا لم يكن متمتعا، بلغنا ذلك عن ابن عمر وسعيد بن المسيب - رضي الله عنهم -، وهذا بخلاف القارن إن رجع إلى أهله بعد طواف العمرة؛ لأنه إنما رجع محرما فلم يصح إلمامه بأهله فلهذا كان قارنا، وقد بينا الفرق بين المتمتع الذي ساق الهدي وبين الذي لم يسق الهدي في حكم الإلمام بأهله، وقد بينا الفرق أيضا في حكم المكي الذي قدم الكوفة وبينا القران والتمتع. وروى ابن سماعة عن محمد أن المكي إذا قدم الكوفة إنما يجوز له أن يقرن إذا كان خروجه من الميقات قبل دخول أشهر الحج، فأما إذا دخلت أشهر الحج قبل خروجه من الميقات فقد حرم عليه القران والتمتع فلا يرتفع ذلك بالخروج عن الميقات بعد ذلك
(قال): وإذا قدمت المرأة مكة محرمة بالحج حائضا مضت على حجتها غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - «واصنعي جميع ما يصنعه الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت»، فإذا طهرت بعد مضي أيام النحر طافت للزيارة، ولا شيء عليها بهذا التأخير؛ لأنه كان بعذر الحيض وعليها طواف الصدر؛ لأنها طاهرة، وإن حاضت بعد ما طافت للزيارة يوم النحر فليس عليها طواف الصدر لما بينا من الرخصة الواردة للحائض في ذلك
(قال): وليس على أهل مكة ومن وراء الميقات طواف الصدر إنما ذلك على أهل الآفاق الذين يصدرون عن البيت بالرجوع إلى منازلهم فإن نوى الإقامة بمكة واتخذها دارا سقط عنه طواف الصدر إن كانت نيته قبل أن يحل النفر الأول؛ لأن وقت الصدر بعد حل النفر الأول فإنما جاء وقت الصدر وهو من أهل مكة فلا يلزمه طواف الصدر، وإن كانت نيته الإقامة بعد ما حل النفر الأول فعليه طواف الصدر في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - لأن ذلك قد لزمه بمجيء وقت الصدر قبل نية الإقامة فلا يسقط عنه بنيته الإقامة بعد ذلك كالمرأة إذا حاضت بعد خروج وقت الصلاة لا تسقط عنها تلك الصلاة، وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: إذا نوى الإقامة قبل أن يأخذ في طواف الصدر سقط عنه طواف الصدر؛ لأنه، وإن دخل وقته فلا يصير طواف الصدر دينا عليه بدخول وقته فنيته الإقامة بعد دخول وقته وقبله سواء كالمرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الصلاة لا تلزمها تلك الصلاة. فأما إذا نوى الإقامة بعد ما أخذ في طواف الصدر فعليه أن يأتي بذلك الطواف؛ لأن بالشروع فيه لزم إتمامه فلا يسقط بنية الإقامة بعد ذلك فإن بدا له الخروج من مكة بعدما اتخذها دارا لا يلزمه طواف الصدر؛ لأنه بمنزلة المكي يقصد الخروج
من مكة. وإن نوى أن يقيم بمكة أياما، ثم يصدر لم يسقط عنه طواف الصدر، وإن نوى الإقامة سنة أو أكثر؛ لأن بهذه النية لم يصر كأهل مكة؛ لأن المكي غير عازم على الصدر منها بعد مدة، وهذا على الصدر منها بعد مدة فيبقى عليه طواف الصدر على حاله
(قال): وليس على فائت الحج طواف الصدر؛ لأن العود للقضاء مستحق عليه ولأنه صار بمنزلة المعتمر المقيم في حق الإعمال، وليس على المعتمر طواف الصدر.
(قال): رجل قصد مكة للحج فدخلها بغير إحرام ووافاها يوم النحر، وقد فاته الحج فأحرم بعمرة وقضاها أجزأه وعليه دم لترك الوقت؛ لأنه لو أحرم بالحج بعد ما جاوز الميقات وقضاه كان عليه دم لترك الوقت فكذلك إذا أحرم بالوقت بالعمرة وقضاها؛ لأن الواصل إلى الميقات يلزمه الإحرام حاجا كان أو معتمرا، وإن لم يحرم بعمرة، ولكنه أحرم بحجة فهو محرم حتى يحج مع الناس من قابل، وقد بينا حكم الإحرام في غير أشهر الحج، ولكنه ينبغي أن يرجع إلى الوقت فيلبي منه ليسقط عنه الدم فإن لم يرجع فعليه دم لتأخير الإحرام.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|