عرض مشاركة واحدة
  #83  
قديم 14-11-2025, 05:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع
صـــ 160 الى صـــ 169
(83)






(قال): وإذا أم الرجل البيت فأغمي عليه فأهل عنه أصحابه بالحج ووقفوا به في المواقف وقضوا له النسك كله، قال: يجزيه ذلك عن حجة الإسلام في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى: لا يجزيه. والقياس قولهما؛ لأنه لم يأمر أصحابه بالإحرام عنه، وليس للأصحاب عليه ولاية فلا يصير هو محرما بإحرامهم عنه؛ لأن عقد الإحرام عقد لازم وإلزام العقد على الغير لا يكون إلا بولاية، ولأن الإحرام لا ينعقد إلا بالنية، وقد انعدمت النية من المغمى عليه حقيقة وحكما؛ لأن نية الغير عنه بدون أمره لا تقوم مقام نيته، والدليل عليه أن سائر المناسك لا تتأدى بأداء الأصحاب عنه فكذلك الإحرام، وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وهو أنه لما عاقدهم عقد الرفقة فقد استعان بهم في كل ما يعجز عن مباشرته بنفسه، والإذن دلالة بمنزلة الإذن إفصاحا كما في شرب ماء السقاية وكمن نصب القدر على الكانون وجعل فيه اللحم وأوقد النار تحته فجاء إنسان وطبخه لم يكن ضامنا لوجود الإذن دلالة، وإذا ثبت الإذن قامت نيتهم مقام نيته كما لو كان أمرهم بذلك نصا. وأما سائر المناسك فالأصح أن نياتهم عنه في أدائها صحيح إلا أن الأولى أن يقفوا به وأن يطوفوا به ليكون أقرب إلى أدائه لو كان مفيقا، ولو أدوا عنه جاز. ومن أصحابنا من فرق، فقال: الإحرام بمنزلة الشرط فتجزي النيابة في الشروط، وإن كان لا تجزي في الأعمال. ألا ترى أن المحدث إذا غسل أعضاءه غيره كان له أن يصلي بتلك
الطهارة، وإن كانت النيابة لا تجزي في أعمال الصلاة. توضيحه أن النيابة عند تحقق العجز ففي أصل الإحرام تحقق عجزه عنه بسبب الإغماء فينوب عنه أصحابه، فأما في أداء الأعمال لم يتحقق العجز؛ لأنهم إذا أحضروه المواقف كان هو الواقف، وإذا طافوا به كان هو الطائف بمنزلة من طاف راكبا لعذر
(قال): فإن أصاب الذي أهل عن المغمى عليه صيدا فعليه الجزاء من قبل إهلاله عن نفسه إن كان محرما، وليس عليه من جهة إهلاله عن المغمى عليه شيء لما بينا أن بهذا الإهلال يصير المغمى عليه محرما كما لو كان أمره به إفصاحا، فأما المهل بهذا الإهلال لا يصير محرما فلا يلزمه الجزاء باعتبار إحرامه
(قال): وإذا حج الرجل عن أبيه أو عن أمه حجة الإسلام من غير وصية أوصى بها الميت أجزأه إن شاء الله تعالى.
(قال): بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أما كان يقبل منك، فقالت: نعم، فقال صلوات الله عليه الله أحق أن يقبل»، وفي الحديث الآخر «قال - صلى الله عليه وسلم - للتي سألته أن تحج عن أبيها: حجي واعتمري» وأن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: «يا رسول الله إن أمي قد توفيت وأنها كانت تحب الصدقة أفأتصدق عنها، فقال:» فهذه الآثار تدل على الوارث يتبرع على مورثه بمثل هذه القرب فإن قيل فلماذا قيد الجواب بالاستثناء بعد ما صح الحديث فيه.
(قلنا)؛ لأن خبر الواحد لا يوجب علم اليقين فإن قيل فقد أطلق الجواب في كثير من الأحكام الثابتة بخبر الواحد.
(قلنا) خبر الواحد موجب للعمل ففيما طريقه العمل أطلق الجواب فيه، فأما سقوط حجة الإسلام عن الميت بأداء الورثة طريقه العلم فإنه أمر بينه وبين ربه تعالى فلهذا قيد الجواب بالاستثناء
(قال): رجل أوصى بحجة فأحج الوصي عنه رجلا فهلكت النفقة من ذلك الرجل قال: يحج عنه حجة أخرى من ثلث ما بقي من المال، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، فأما عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - إن بقي من ثلث مال الميت ما يمكن أن يحج به يحج عنه ثانيا وإلا فقد بطلت الوصية، وعند محمد - رحمه الله تعالى - الوصية تبطل؛ لأن الوصي قائم مقام الموصي في تعيين المال، ولو عين الموصي مالا فهلك بطلت الوصية فكذلك إذا عين الوصي وأبو يوسف يقول: محل الوصية الثلث فتعيين الوصي الثلث صحيح؛ لأن به يتميز الثلث للوصية، فأما تعيينه في الثلث غير صحيح؛ لأن جميع الثلث محل الوصية فما بقي شيء يجب تنفيذ الوصية فيه. وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: تعيين المال ليس بمقصود، وإنما المقصود به الحج عن
الميت، فإذا لم يفد هذا التعيين ما هو المقصود صار كأن التعيين لم يوجد وما هلك من المال صار كأن لم يكن فلهذا يحج عنه بثلث ما بقي
(قال): وإن أوصى بحجة وعتق نسمة والثلث لا يسعهما يبدأ بالذي بدأ به الميت؛ لأن البداية تدل على زيادة العناية، وقد ثبت وجوب تنفيذ الوصية الأولى قبل ذكر الثانية فلا يتغير ذلك بذكر الوصية الثانية إذ ليس في آخر كلامه ما يغير موجب أوله إلا أن يكون الحج حجة الإسلام فحينئذ يبدأ بها، وإن أخره الميت؛ لأن الترجيح بالبداية بعد المساواة في القوة ولا مساواة بين الفرض والنفل في القوة، ولأن الظاهر أن الموصى يقصد تقديم الفرض في الأداء، وإن أخره في الذكر؛ لأن إسقاط الفرض عن ذمته يترجح عنده على التبرع بما ليس عليه
(قال): وإن أوصى بأن يحج عنه بثلثه، ولم يقل "حجة" حج عنه بجميع الثلث؛ لأنه جعل الثلث مصروفا إلى هذا النوع من القربة فيجب تحصيل مقصوده في جميع الثلث كما لو أوصى أن يفعل بثلثه طاعة أخرى
(قال): وإن أوصى أن يحج رجل حجة فأحجوه فلما قدم فضل معه كسوة ونفقة فإن ذلك لورثة الميت؛ لأن الحاج عن الغير لا يتملك المال المدفوع إليه فإن التمليك يكون بطريق الاستئجار، وقد بينا بطلان الاستئجار على الطاعة، وإنما ينفق المال على ملك الموصي بطريق الإباحة لاستحقاقه الكفاية حين فرغ نفسه ليعمل له فما فضل من ذلك يكون باقيا على ملك الميت فيرد على ورثته
(قال): وإذا أوصى لرجل، فقال: أحجوا فلانا حجة، ولم يقل عني، ولم يسم كم يعطى فإنه يعطى بقدر ما يحجه حجة وله أن لا يحج به إذا أخذه بل يصرفه إلى حاجة أخرى؛ لأنه ما أمره بالحج عنه، إنما جعل ذلك الحج عيارا لما أوصى له به من المال، ثم أشار عليه بأن يحج بذلك المال عن نفسه فكانت وصية صحيحة يجب تنفيذها بالدفع إليه، ومشورته غير ملزمة فإن شاء حج به، وإن شاء لم يحج
(قال): وإذا أوصى أن يحج عنه رجل بعينه أو بغير عينه وأوصى بوصايا لأناس بأكثر من الثلث قسم الثلث بينهم بالحصص يضرب للحج فيه بأدنى ما يكون من نفقة الحج؛ لأن الوصية بالحج وجب تنفيذها له بنفقة الموصي ووجب تنفيذ سائر الوصايا حقا للموصى لهم فعند اختلاف الحقوق تجري المزاحمة بينهم في الثلث لمراعاة حق كل مستحق بخلاف ما ذكرنا من الحج والعتق؛ لأن تنفيذ الوصيتين هناك لحق الموصي فلهذا كانت البداية بما بدأ به الميت، ثم ما خص الحج من الثلث هنا يحج به من حيث يبلغ؛ لأنه هو الممكن من تحصيل مقصود الموصي بمنزلة ما لو لم يكن ثلث ماله
إلا هذا وأوصى بأن يحج عنه فإنه يحج من حيث يبلغ فإن أحجوا به من موضع فرجع الحاج بفضل نفقة وكسوة فقد تبين أنهم أخطئوا فكان الوصي ضامنا لما أنفقه فيضم ذلك إلى ما بقي ويحج به عن الميت من حيث يبلغ إلا إذا كان الفاضل شيئا يسيرا فحينئذ هذا والأول سواء في القياس، ولكن في الاستحسان تجزي الحجة عن الميت ولا يكون الوصي ضامنا؛ لأن اليسير من التفاوت لا يمكن الاحتراز عنه فلا بد من أن يبقى بعد رجوعه كسرة أو جراب خلق أو ثوب خلق فلهذا جعل هذا القدر عفوا، ولكن يرد على الورثة أو على الموصى له إن كان هناك موصى له بالثلث
(قال): وإذا أهلت المرأة بحجة الإسلام لم يكن لزوجها أن يمنعها إذا كان معها محرم، وإن لم يكن معها محرم كان له أن يمنعها وهي بمنزلة الحرة المحصرة، وقد بينا فيما تقدم أن من شرائط وجوب الحج عليها في حقها المحرم عندنا، ثم يشترط أن تملك قدر نفقة المحرم؛ لأن المحرم إذا كان يخرج معها فنفقته في مالها إلا في رواية عن محمد - رحمه الله تعالى - يقول: نفقة المحرم في ماله؛ لأنه غير مجبر على الخروج، فإذا تبرع به لم يستوجب بتبرعه النفقة عليها، ولكن في ظاهر الرواية هي لا تتوسل إلى الحج إلا بنفقة المحرم كما لا تتوسل إلى الحج إلا بنفقتها فكما يشترط لوجوب الحج عليها ملك الزاد والراحلة ويجعل ذلك شرطا لنفسها فكذلك للمحرم الذي يخرج معها يجعل ذلك شرطا، وقد بينا شرائط الوجوب فيما سبق، ولم يتعرض في شيء من المواضع لا من الطريق واختلف مشايخنا أن أمن الطريق شرط للوجوب أم شرط للأداء؟ وكان ابن أبي شجاع - رحمه الله تعالى - يقول: هو شرط للوجوب؛ لأن بدونه يتعذر الوصول إلى البيت إلا بمشقة عظيمة فيكون شرط الوجوب كالزاد والراحلة، وكان أبو حازم - رحمه الله تعالى - يقول: هو شرط الأداء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لما سئل عن الاستطاعة فسرها بالزاد والراحلة»، ولا تجوز الزيادة في شرط وجوب العبادة بالرأي، ولم يكن الطريق في وقت أخوف مما كان يومئذ لغلبة أهل الشرك في ذلك الموضع، ولم يشترط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمن الطريق فدل أن ذلك ليس من شرائط الوجوب إنما شرط الوجوب ملك الزاد والراحلة للذهاب والمجيء وملك نفقة من تلزمه نفقته من العيال كالزوجة والولد الصغير، وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - مع ذلك زيادة نفقة شهر؛ لأن الظاهر أنه إذا رجع لا يشتغل بالكسب إلا بعد مدة فاستحسن اشتراط ملك نفقة شهر بعد رجوعه، ثم بعد استجماع شرائط الوجوب يجب على الفور حتى يأثم بالتأخير عند أبي يوسف رواه عنه بشر بن المعلى، وهكذا ذكر ابن شجاع عن أبي حنيفة
رحمهما الله تعالى - قال: سئل عمن له مال أيحج به أم يتزوج قال: بل يحج به فذلك دليل على أن الوجوب عنده على الفور.
وعن محمد - رحمه الله تعالى - يسعه التأخير بشرط أن لا يفوته بالموت فإن أخر حتى مات فهو آثم بالتأخير، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يأثم بالتأخير، وإن مات واستدل محمد بتأخير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحج بعد نزول فرضيته فإنها نزلت فرضية الحج في سنة ست من الهجرة وحج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سنة عشر. والمعنى فيه أن الحج فرض العمر فكان جميع العمر وقت أدائه ولا يستغرق جميع العمر أداؤه فصار جميع الوقت في حق الحج كجميع وقت الصلاة في حق الصلاة وهناك التأخير يسعه بشرط أن لا يفوته عن وقته، ودليل صحة هذا الكلام أنه إذا أخره كان مؤديا لا قاضيا فدل أن جميع العمر وقت أدائه وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله تعالى - استدلا بقوله - صلى الله عليه وسلم - «من وجد زادا وراحلة يبلغانه بيت الله تعالى، ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» الحديث، وقال عمر - رضي الله عنه - لقد هممت أن أنظر إلى من ملك الزاد والراحلة، ولم يحج فأحرق عليهم بيوتهم، والله ما أراهم مسلمين قالها ثلاثا.
والمعنى فيه أن السنة الأولى بعد ما تمت الاستطاعة متعينة لأداء الحج بعد دخول وقت الحج فالتأخير عنه يكون تفويتا كتأخير الصوم عن شهر رمضان وتأخير الصلاة عن وقتها بيانه وهو أن يمضي هذا الوقت يعجز عن الأداء بيقين، وقدرته على الأداء بمجيء أشهر الحج من السنة الثانية موهوم فربما لا يعيش إليها وبالموهوم لا تثبت القدرة فبقي مضي هذا الوقت تفويتا له، توضيحه أن وقت أداء أشهر الحج من عمره لا من جميع الدنيا، وهذه السنة متعينة لذلك؛ لأن عدم التعيين لاعتبار المعارضة ولا تتحقق المعارضة إلا أن يتيقن بحياته إلى السنة الثانية ولا طريق لأحد إلى معرفة ذلك، ولهذا قلنا لو أخره كان مؤديا؛ لأنه لما بقي إلى السنة الثانية تحققت المعارضة فخرجت السنة الأولى من أن تكون متعينة وكانت هذه السنة في حقه تعد لما أدركها بمنزلة السنة الأولى، فأما تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد منع ذلك بعض مشايخنا - رحمهم الله تعالى - فقالوا نزول فريضة الحج بقوله تعالى {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، وإنما نزلت هذه الآية في سنة عشر، فأما النازل سنة ست فقوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] ، وهذا أمر بالإتمام لمن شرع فيه فلا يثبت به ابتداء الفرضية مع أن التأخير إنما لا يحل لما فيه من التعريض للفوت، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمن من ذلك؛ لأنه مبعوث لبيان
الأحكام للناس والحج من أركان الدين فأمن أن يموت قبل أن يبينه للناس بفعله ولأن تأخيره كان لعذر، وذلك أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويلبون تلبية فيها شرك وما كان التغيير ممكنا للعهد حتى إذا تمت المدة بعث عليا - رضي الله تعالى عنه - حتى قرأ عليهم سورة براءة ونادى أن لا يطوفن بهذا البيت بعد هذا العام مشرك ولا عريان، ثم حج بنفسه ومن ذلك أنه كان لا يستطيع الخروج وحده بل يحتاج إلى أصحابه يكونون معه، ولم يكن متمكنا من تحصيل كفاية كل واحد منهم ليخرجوا معه فلهذا أخره أو كان للنسيء الذي كان يفعله أهل الجاهلية، وقد بينا هذه الأعذار في الخلافيات
(قال): وإن أهلت المرأة بغير حجة الإسلام فللزوج أن يمنعها من الخروج إن كان لها محرم أو لم يكن؛ لأنها ممنوعة عن التطوع بغير إذن الزوج قال - صلى الله عليه وسلم - لتلك المرأة «لا تصومي تطوعا إلا بإذن زوجك» ولأنا لو مكناها من ذلك فوتت على الزوج حقه أصلا؛ لأنها كما خرجت عن حجة أحرمت بأخرى وهي لا تملك تفويت حق الزوج عليه فلهذا كان له أن يمنعها وهي بمنزلة المحصرة إلا أن للزوج أن يحللها هنا قبل أن تبعث بالهدي ليوفر حقه عليه بخلاف ما إذا عدمت المحرم في حجة الإسلام، وقد بينا هذا فيما سبق، وكذلك المملوك إذا أهل بغير إذن المالك.
(قال): وإذا أذن لعبده أو لأمته في الإحرام كرهت له أن يمنعه بعد ذلك، ولو حلله جاز بخلاف الزوج، وقد تقدم بيان هذا الفرق أيضا أعاده للفرق وهو أنه لما باع المملوك بعد الإذن له فللمشتري أن يحلله بغير كراهة عندنا؛ لأن الكراهة في حق البائع كان لمعنى خلف الوعد، وذلك غير موجود في حق المشتري، وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - ليس للمشتري أن يحلله ويكون له أن يرده عليه بعيب الإحرام، وجعله بمنزلة النكاح إذا زوج أمته ثم باعها لم يكن للمشتري أن يبطل ذلك النكاح؛ لأنه سبق ملكه، ولكن يجوز له أن يردها إذا لم يكن عالما به فكذلك هنا، ولكنا نقول المشتري في ملك الرقبة قائم مقام البائع، ولم يكن للبائع ولاية إبطال النكاح بعد صحته فلا يكون ذلك للمشتري أيضا، وقد كان للبائع ولاية التحليل من الإحرام قبل أن يبيعه، فيكون ذلك للمشتري أيضا، وإذا ثبت له ولاية التحليل لم يكن ذلك عيبا لازما، توضيحه أن النكاح حق العباد فيكون معارضا لحق المشتري فيترجح عليه بالسبق، فأما الإحرام لزومه ليس لحق العباد، وحق العبد في المحل مقدم على حق الله تعالى فلهذا كان للمشتري أن يحلله، وعلى هذا الخلاف إذا أحرمت المرأة، ثم
تزوجت كان للزوج أن يحللها إذا أحرمت بغير حجة الإسلام عندنا، وعند زفر ليس له ذلك، وإن أحرمت المرأة بحجة التطوع بغير إذن زوجها فحللها، ثم جامعها، ثم بدا له أن يأذن لها في عامه ذلك فعليها أن تحج بإحرام مستقبل وعليها دم؛ لأنها قد تحللت من الإحرام الأول بإحلال الزوج قبل أداء الأعمال فعليها الدم وقضاء الحج، وليس عليها قضاء العمرة عندنا، وقال زفر - رحمه الله تعالى: عليها ذلك بمنزلة ما لو أذن لها بعد تحول السنة، وهذا لأن بالتحلل الأول وجب عليها قضاء حجة وعمرة كما هو الحكم في المحصر وصار ذلك دينا في ذمتها فلا فرق بين أن يأذن لها في عامه ذلك أو في عام آخر وحجتنا في ذلك أن وجوب العمرة على المحصر باعتبار فوت أداء الحج في السنة بالقياس على فائت الحج فإن فائت الحج يلزمه أداء العمرة، فإذا أذن لها فحجت في هذه السنة لم يتحقق سبب وجوب العمرة عليها، فأما بعد تحول السنة فقد تحقق سبب وجوب العمرة عليها وهو فوات أداء الحج في السنة الأولى فلهذا فرقنا بينهما، والله أعلم بالصواب.
[باب المواقيت]
(باب المواقيت) (قال) : بلغنا «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام جحفة ولأهل نجد قرنا ولأهل اليمن يلملم ولأهل العراق ذات عرق»، وهذا الحديث مروي عن عائشة - رضي الله عنها -، فأما ابن عباس روى الحديث وذكر المواقيت الأربعة، ولم يذكر ذات عرق لأهل العراق، وابن عمر - رضي الله عنه - روى الحديث وذكر المواقيت الثلاث، ولم يذكر ذات عرق ولا يلملم وفي هذه - الآثار دليل على أن كل من وصل إلى شيء من هذه المواقيت وهو يريد دخول مكة يلزمه الإحرام؛ لأن توقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخلو عن فائدة ولا فائدة في هذه المواقيت سوى المنع من تأخير الإحرام بعد ما انتهى إلى هذه المواقيت فإن قبل ذلك كان يسعه التأخير بالاتفاق والشافعي - رحمه الله تعالى - لظاهر الحديث يقول: الأفضل أن يكون إحرامه عند الميقات وعلماؤنا - رحمهم الله تعالى - قالوا: التأقيت لبيان أنه لا يسعه التأخير عنه، فأما الأفضل أن يحرم قبل أن ينتهي إلى المواقيت لحديث أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفرت له ذنوبه، وإن كانت أكثر من زبد البحر ووجبت له
الجنة»، وقال علي وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - في تفسير قوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] : إن إتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله، قال: وبلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من وقتنا له وقتا فهو له وقت ولمن مر به من غير أهله ممن أراد الحج والعمرة» ففي هذا دليل أن كل من ينتهي إلى الميقات على قصد دخول مكة أن عليه أن يحرم من ذلك الميقات سواء كان من أهل ذلك الميقات أو لم يكن، ألا ترى أن من دخل مكة من أهل الآفاق حلالا فأراد أن يحرم بالحج كان ميقاته للإحرام ميقات أهل مكة فكذا هنا، ثم أخذ الشافعي - رحمه الله تعالى - بظاهر هذا الحديث، فقال: إنما يجب الإحرام عند الميقات على من أراد دخول مكة للحج أو العمرة.
وأما من أراد دخولها لقتال فليس عليه الإحرام عنده قولا واحدا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخلها يوم الفتح بغير إحرام، وإن أراد دخولها للتجارة أو طلب غريم له فله فيه قولان: في أحد قوليه "لا يلزمه الإحرام" ؛ لأن الإحرام غير مقصود لعينه بل لأداء النسك به، وهذا الرجل غير قاصد أداء النسك فكان الحرم في حقه كسائر البقاع فكان له أن يدخلها بغير إحرام، فأما عندنا ليس لأحد ينتهي إلى الميقات إذا أراد دخول مكة أن يجاوزها إلا بالإحرام سواء كان من قصده الحج أو القتال أو التجارة لحديث ابن شريح الخزاعي - رضي الله تعالى عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته يوم الفتح إن مكة حرام حرمها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض لم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة» فقد ترخص للقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال «إنما أحلت لي ساعة» فلا تحل لأحد بعده فيتبين بهذا الحديث خصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بدخول مكة للقتال بغير إحرام، وإنما تظهر الخصوصية إذا لم يكن لغيره أن يصنع كصنيعه. وجاء رجل إلى ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، فقال: إني جاوزت الميقات من غير إحرام، فقال: ارجع إلى الميقات ولب وإلا فلا حج لك فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يجاوز الميقات أحد إلا محرما» ولأن وجوب الإحرام على من يريد الحج والعمرة عند دخول مكة لإظهار شرف تلك البقعة، وفي هذا المعنى من يريد النسك ومن لا يريد النسك سواء فليس لأحد ممن يريد دخول مكة أن يجاوز الميقات إلا محرما، فأما من كان وراء الميقات إلى مكة فله أن يدخلها لحاجته بغير إحرام عندنا، وفي أحد قولي الشافعي - رحمه الله تعالى - ليس له ذلك فإنه لا يفرق على أحد القولين
بين أهل الميقات وأهل الآفاق في أنه لا يدخل أحد منهم مكة إلا محرما، وحجتنا في ذلك حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «رخص للحطابين أن يدخلوا مكة بغير إحرام».
والظاهر أنهم لا يجاوزون الميقات فدل أن كل من كان داخل الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام وابن عمر - رضي الله عنه - خرج من مكة يريد المدينة فلما انتهى إلى قديد بلغته فتنة بالمدينة فرجع إلى مكة ودخلها بغير إحرام وكان المعنى فيه أن من كان داخل الميقات فهو بمنزلة أهل مكة؛ لأنه محتاج إلى الدخول في كل وقت، ولأن مصالحهم متعلقة بأهل مكة ومصالح أهل مكة متعلقة بهم بهم فكما يجوز لأهل مكة أن يخرجوا لحوائجهم، ثم يدخلوها بغير إحرام فكذا لأهل الميقات، وهذا لأنا لو ألزمناهم الإحرام في كل وقت كان عليهم من الضرر ما لا يخفى فربما يحتاجون إليه في كل يوم فلهذا جوزنا لهم الدخول بغير إحرام إلا إذا أرادوا النسك فالنسك لا يتأدى إلا بإحرام، وإرادة النسك لا تكون عند كل دخول، وإذا أراد الإحرام وأهله في الوقت أو دون الوقت إلى مكة فوقته من أهله حتى لو أحرموا من الحرم أجزأهم، وليس عليهم شيء؛ لأن خارج الحرم كله بمنزلة مكان واحد في حقه والحرم حد في حقه بمنزلة الميقات في حق أهل الآفاق، وكما أن ميقات الآفاقي للإحرام من دويرة أهله ويسعه التأخير إلى الميقات فكذا هنا يسعه التأخير إلى الحرم، ولكن الشرط هناك أن لا يجاوز الميقات إلا محرما والشرط هنا أن لا يدخل الحرم إلا محرما؛ لأن تعظيم الحرم بهذا يحصل، فإن دخل مكة قبل أن يحرم فأحرم منها فعليه أن يخرج من الحرم فيلبي فإن لم يفعل حتى يطوف بالبيت فعليه دم؛ لأنه ترك الميقات المعهود في حقه للإحرام فهو بمنزلة الآفاقي يجاوز الميقات بغير إحرام، ثم يحرم وراء الميقات، وهناك يلزمه الدم إذا لم يعد لتأخير الإحرام عن مكانه فكذلك هنا يلزمه الدم إذا لم يعد إلى الحل، وإن عاد فالخلاف فيه مثل الخلاف في الآفاقي إذا عاد إلى الميقات بعد ما أحرم وراء الميقات على ما نبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى
(قال): وإن أراد الكوفي بستان بني عامر لحاجة فله أن يجاوز الميقات غير محرم؛ لأن وجوب الإحرام عند الميقات على من يريد دخول مكة، وهذا لا يريد دخول مكة إنما يريد البستان، وليس في تلك البقعة ما يوجب التعظيم لها فلهذا لا يلزمه الإحرام، فإذا حصل بالبستان، ثم بدا له أن يدخل مكة لحاجة له كان له أن يدخلها بغير إحرام؛ لأنه لما حصل بالبستان حلالا كان مثل أهل البستان ولأهل البستان أن يدخلوا مكة لحوائجهم من غير إحرام فكذلك هذا الرجل، وهذا هو الحيلة لمن يريد دخول
مكة من أهل الآفاق بغير إحرام إلا أنه روي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه إن نوى الإقامة بالبستان خمسة عشر يوما كان له أن يدخل، وإن نوى الإقامة بالبستان دون خمسة عشر يوما ليس له أن يدخل مكة إلا بالإحرام؛ لأن بنية الإقامة خمسة عشر يوما يصير متوطنا بالبستان فيصير بمنزلة أهل البستان، وإن نوى المقام بها دون خمسة عشر يوما فهو ماض على سفره فلا يدخل مكة إلا بإحرام، وجه ظاهر الرواية وهو أنه حصل بالبستان قبل قصده دخول مكة، فإنما قصد دخول مكة بعد ما حصل بالبستان فكان حاله كحال أهل البستان
(قال): وليس للرجل من أهل المواقيت ومن دونها إلى مكة أن يقرن أو أن يتمتع وهم في ذلك بمنزلة أهل مكة أما المكي فلأنه ليس له أن يتمتع بالنص؛ لأن الله تعالى قال في ذلك {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196] واختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في حاضري المسجد الحرام، فقال مالك - رحمه الله تعالى: هم أهل مكة خاصة، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - هم أهل مكة ومن يكون منزله من مكة على مسيرة لا يجوز فيها قصر الصلاة، وقلنا أهل المواقيت ومن دونها إلى مكة من حاضري المسجد الحرام بمنزلة أهل مكة بدليل أنه يجوز لهم دخول مكة بغير إحرام فلا يكون لهم أن يتمتعوا وكما لا يتمتع من هو من حاضري المسجد الحرام، فكذلك لا يقرن بين الحج والعمرة. وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يجوز له القران من قبل أن القارن على قوله يترفه بإدخال عمل أحد النسكين في الآخر، والمكي في هذا وغيره سواء، وعندنا معنى الترفه بالقران والتمتع في أداء النسكين في سفر واحد لا في إدخال عمل أحدهما في الآخر، ومن كان من حاضري المسجد الحرام فهو غير محتاج إلى السفر لأداء المناسك ولا يلحقه بالسفر كثير مشقة فكما لا يكون له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج فكذلك لا يكون له أن يقرن بينهما عندنا إلا أن المكي إذا كان بالكوفة فلما انتهى إلى الميقات قرن بين الحج والعمرة فأحرم لهما صح ويلزمه دم القران؛ لأن صفة القارن أن تكون حجته وعمرته متقارنتين يحرم بهما جميعا معا، وقد وجد هذا في حق المكي، ولو اعتمر هذا المكي في أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك لا يكون متمتعا لأن الآفاقي إنما يكون متمتعا إذا لم يلم بأهله بين النسكين إلماما صحيحا، والمكي هنا يلم بأهله بين النسكين حلالا إن لم يسق الهدي، وكذلك إن ساق الهدي لا يكون متمتعا بخلاف الآفاقي إذا ساق الهدي، ثم ألم بأهله محرما كان متمتعا؛ لأن العود هناك مستحق عليه فيمنع ذلك صحة إلمامه بأهله وهنا العود غير مستحق عليه، وإن ساق الهدي فكان إلمامه بأهله صحيحا، فلهذا
لم يكن متمتعا، وعلى هذا روى هشام عن أبي يوسف - رحمهما الله تعالى - أن المكي إذا خرج إلى الكوفة، ثم مات وأوصى بأن يحج عنه من منزله وهو بمكة بمنزلة الآفاقي يخرج مسافرا فيوصي بأن يحج عنه، ولو أوصى هذا المكي بأن يقرن عنه من الكوفة؛ لأن القران لا يكون من مكة فعرفنا أن مراده أن يقرن عنه من حيث هو.
(قال): والمكي إذا خرج من مكة لحاجة له فلم يجاوز الوقت فله أن يدخل مكة بغير إحرام، وإن جاوز لم يكن له أن يدخل مكة إلا بإحرام لما بينا أن من قصد إلى موضع فحاله في حكم الإحرام كحال أهل ذلك الموضع
(قال): ووقت أهل مكة للإحرام بالحج الحرم، وكذلك كل من حصل بمكة حلالا لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - بفسخ إحرام الحج والإحرام بالعمرة فحلوا منها فلما كان يوم التروية أمرهم بأن يحرموا بالحج من جوف مكة»




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.27 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.66%)]