
14-11-2025, 04:50 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,316
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع
صـــ 120 الى صـــ 129
(79)
(قال): والمس والتقبيل عن شهوة والجماع فيما دون الفرج أنزل أو لم ينزل لا يفسد الإحرام وللشافعي - رحمه الله تعالى - قول: إنه إذا اتصل به الإنزال يفسد به الإحرام على قياس الصوم فإنه يفسد بالتقبيل إذا اتصل به الإنزال، ولكنا نقول فساد الإحرام حكم متعلق بعين الجماع، ألا ترى أن بارتكاب سائر المحظورات لا يفسد وما تعلق بعين الجماع من العقوبة لا يتعلق بالجماع فيما دون الفرج كالحد ثم ما يجب هنا أبلغ مما يجب هناك وهو القضاء فيكون قياس الكفارة في الصوم ولا يجب بالجماع فيما دون الفرج الكفارة هناك فكذلك لا يجب هنا القضاء، ولكن عليه دم، أما إذا أنزل فغير مشكل وكذلك إذا لم ينزل عندنا وللشافعي - رحمه الله تعالى - قول: إنه لا يلزمه شيء إذا لم ينزل على قياس الصوم فإنه لا يلزمه شيء إذا لم ينزل بالتقبيل فكذلك في الحج، ولكنا نقول: الجماع فيما دون الفرج من جملة الرفث فكان منهيا عنه بسبب الإحرام وبالإقدام عليه يصير مرتكبا محظور إحرامه فيلزمه دم، وهكذا ينبغي في الصوم إلا أن الشرع ورد بالرخصة في التقبيل هناك ثم المحرم هناك قضاء الشهوة ولا يحصل ذلك بالتقبيل بدون الإنزال وهنا المحرم الجماع بدواعيه والتقبيل من جملتها، ألا ترى أن التطيب محرم هنا ولا يحرم هناك
(قال): والنظر لا يوجب على المحرم شيئا وإن أنزل؛ لأن النظر بمنزلة التفكر إذا لم يتصل منه صنع بالمحل، ولو تفكر فأمنى لا يلزمه شيء فكذلك إذا نظر
(قال): وحكم الجماع في الحج والعمرة واحد إذا كان عن نسيان أو عمد أو في حال نوم أو إكراه أو طوع إلا في الإثم، أما الناسي عندنا يفسد نسكه بالجماع ويلزمه ما يلزم العامد إلا أنه لا يأثم بعذر النسيان وللشافعي - رضي الله عنه - قول: إنه لا يفسد النسك بجماع الناسي على قياس الصوم، ولكنا نقول هذا الحكم تعلق بعين الجماع وبسبب النسيان لا ينعدم عين الجماع، وهذا؛ لأنه قد اقترن بحالة ما يذكره وهو هيئة المحرمين فلا يعذر بالنسيان كما في الصلاة إذا أكل أو شرب بخلاف الصوم فإنه لم يقترن بحالة ما يذكره فجعل النسيان فيه عذرا في المنع من إفساد الصوم بخلاف القياس.
(قال): وإن كانت نائمة أو مكرهة يفسد حجها عندنا ولا يفسد عند الشافعي - رحمه الله تعالى - بناء على أصله أن الإكراه متى أباح الإقدام أعدم أصل الفعل من المكره في الأحكام، والنوم يعدم أصل الفعل من النائم ولهذا قال: لا يفسد الصوم بهذا الفعل في حالة الإكراه أو النوم فكذلك الإحرام، وعندنا تأثير الإكراه والنوم في دفع المأثم لا في إعدام أصل الفعل، ألا ترى أنه يلزمه الاغتسال ويثبت به حرمة المصاهرة فكذلك يتعلق به فساد النسك ويستوي إن كان الزوج محرما أو حلالا بالغا أو صغيرا عاقلا أو مجنونا أو تكون المرأة مجنونة أو صغيرة؛ لأن فساد النسك متعلق بعين الجماع، وذلك لا ينعدم بالجنون والصغر إذا كان يجامع مثله، وإنما قلنا إنه يتعلق بعين الجماع؛ لأن المنهي عنه في الإحرام الرفث، والرفث اسم الجماع
(قال): رجل أهل بعمرة وجامع فيها ثم أحرم بأخرى ينوي قضاءها قال: هي هي؛ لأنه بالجماع وإن فسد نسكه فقد لزمه المضي في الفاسد ولا يخرج من الإحرام إلا بأداء الأعمال فنيته في الإحرام بالإهلال الثاني لغو؛ لأنه ينوي إيجاد الموجود ونية القضاء كذلك فإن الإحرام الواحد لا يتسع للقضاء والأداء فكان عليه دم للجماع ويفرغ منها وعليه عمرة وكذلك هذا الحكم لو كان مهلا بالحجة
(قال): وإن جامع في العمرة قبل الطواف ثم أضاف إليها حجة يقضيهما جميعا؛ لأن إضافة الحج إلى العمرة الصحيحة جائز فإلى العمرة الفاسدة أولى، وليس عليه دم القران لفساد أحد النسكين. وكذلك يسقط عنه دم ترك الوقت إذا أفسد بعد ما أحرم به يعني إذا جاوز الميقات حلالا ثم أحرم بعمرة أو حجة فعليه دم لترك الإحرام من الميقات فإن أفسدها بالجماع سقط عنه هذا الدم؛ لأنه وجب عليه قضاء النسك فيعود فيحرم من الميقات، ولأن الدم إنما يلزمه بترك الإحرام من الميقات؛ لأنه يؤدي النسك بهذا الإحرام، ولم يتأد نسكه بهذا الإحرام حين أفسده، ولهذا لزمه قضاؤها
(قال): المحرم بالعمرة إذا جامع النساء
ورفض إحرامه وأقام حلالا يصنع ما يصنع الحلال من الطيب والصيد وغيره فعليه أن يعود حراما كما كان؛ لأن بإفساد الإحرام لم يصر خارجا منه قبل أداء الأعمال وكذلك بنية الرفض وارتكاب المحظورات فهو محرم على حاله إلا أن عليه بجميع ما صنع دما واحدا لما بينا أن ارتكاب المحظورات استند إلى قصد واحد وهو تعجيل الإحلال فيكفيه لذلك دم واحد وعليه عمرة مكان عمرته؛ لأنها لزمته بالشروع، والأداء بصفة الفساد لا ينوب عما لزمه بصفة الصحة فعليه قضاؤها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[باب الدهن والطيب]
(باب الدهن والطيب) (اعلم) بأن المحرم ممنوع من استعمال الدهن والطيب لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الحاج الشعث التفل، وقال: يأتون شعثا غبرا من كل فج عميق» واستعمال الدهن والطيب يزيل هذا الوصف وما يكون صفة العبادة يكره إزالته إلا أن في ظاهر الرواية قال: إن استعمل الطيب في عضو كامل يلزمه الدم، وقد فسره هشام عن محمد - رحمهما الله تعالى - قال: كالفخذ والساق ونحوهما، وإن استعمله فيما دون ذلك فعليه الصدقة وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - بحصته من الدم. وقال الشعبي - رحمه الله تعالى: القليل والكثير من الطيب سواء في وجوب الدم به؛ لأن رائحة الطيب توجد منه سواء استعمل القليل أو الكثير، ولكنا نقول: الجزاء إنما يجب بحسب الجناية، وإنما تتكامل الجناية بما هو مقصود من قضاء التفث، والمعتاد استعمال الطيب في عضو كامل فتم به جنايته وفيما دون ذلك في جنايته نقصان فتكفيه نقصان الصدقة ومحمد - رحمه الله تعالى - يوجب بحصته من الدم واعتبارا للجزء بالكل كما هو أصله، وذكر في المنتقى إذا طيب شاربه أو طرفا من أطراف لحيته دون الربع فعليه الصدقة. وإن استعمل الطيب في ربع رأسه فعليه الدم، وكذلك في ربع عضو آخر وجعل الربع بمنزلة الكمال على قياس الحلق ثم الدهن إذا كان مطيبا كدهن ألبان والبنفسج والزنبق فهو طيب يجب باستعماله الدم، وكذلك إذا كان الدهن قد طبخ وجعل فيه طيب، فأما إذا ادهن بزيت أو بخل غير مطبوخ فعليه الدم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى: عليه صدقة، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: لو استعمله في الشعر فعليه دم وإن استعمله في غيره لم يلزمه شيء؛ لأن استعمال الدهن في الشعر يزيل الشعث فيكون من قضاء التفث. وأما في غير الشعر ليس فيه معنى
قضاء التفث ولا معنى استعمال الطيب؛ لأن الدهن مأكول، وليس بطيب فيكون قياس الشحم والسمن، وبهذا يحتج أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - ولكنهما قالا: استعمال الدهن يقتل الهوام فيكون فيه بعض الجناية فيلزمه الصدقة وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: الدهن أصل الطيب فإن الروائح تلقى في الدهن فيصير تاما فيجب باستعمال أصل الطيب ما يجب باستعمال الطيب كما إذا كسر المحرم بيض الصيد يلزمه الجزاء كما يجب بقتل الصيد.
(قال): وإذا دهن شقاق رجله بزيت أو شحم أو سمن لم يكن عليه شيء؛ لأن قصده التداوي، والتداوي غير ممنوع منه في حال الإحرام، ولأنه لو أكله لم يلزمه شيء فإن دهن به شقاق رجله أولى
(قال): ويكره للمحرم أن يشم الطيب والزعفران هكذا روي عن عمر وجابر - رضي الله عنهما - وكان ابن عباس - رضي الله عنه - لا يرى به بأسا؛ لأنه إنما يحرم عليه مس الطيب وهو لم يمسه وإن شم رائحته كمن اجتاز في سوق العطارين لم يكره له ذلك وإن كان محرما مع أن الريحان من جملة نبات الأرض لا من الطيب فهو كالتفاح والبطيخ ونحوهما، ولكنا نأخذ بقول عمر - رضي الله عنه -؛ لأن في الطيب معنى الرائحة، واستعمال عين الطيب غير مقصود بل المقصود من الطيب رائحته فما يوجد رائحة الطيب يكره للمحرم أن يشمه؛ لأن ذلك من قضاء التفث. وقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في التفاح هكذا ومن فرق فقال: المقصود هناك الأكل فأما الريحان فليس فيه مقصود سوى رائحته فيمنع منه في حالة الإحرام، ولكن لا يجب عليه شيء؛ لأن الاستمتاع لا يتم بمجرد اشتمام الرائحة بمنزلة الجلوس عند العطار ونحوه، وذكر حمران عن أبان عن عثمان - رضي الله تعالى عنهم - أنه سئل عن المحرم أيدخل البستان، قال: نعم ويشم الريحان فهو دليل لمن أخذ بقول ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -
(قال): فإن كان تطيب أو ادهن قبل الإحرام ثم وجد ريحه بعد الإحرام لم يضره، وكذلك إن أجمر ثيابه قبل أن يحرم ثم لبسها بعد الإحرام فلا شيء عليه، وذكر هشام عن محمد - رحمهما الله تعالى - أن المحرم إذا دخل بيتا قد أجمر فيه فطال مكثه حتى علق ثوبه لا يلزمه شيء، ولو أجمر ثيابه بعد الإحرام فعليه الجزاء؛ لأن الإجمار إذا كان في البيت فعين الطيب لم يتصل بثوبه ولا ببدنه إنما نال رائحته فقط بخلاف ما إذا أجمر ثيابه فإن عين الطيب قد علق بثيابه فإذا كان الإجمار قبل الإحرام لم يكن ممنوعا عن استعمال عين الطيب يومئذ، وإنما بقي مع المحرم رائحته فلا يلزمه شيء
(قال): ولا بأس بأن يأكل الطعام الذي فيه الزعفران أو
الطيب هكذا روي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه كان يأكل السكباج الأصفر في إحرامه، ولأن قصده بهذا الطعام التغذي لا التطيب، وإن أكل الزعفران من غير أن يكون في الطعام فعليه دم إن كان كثيرا؛ لأن الزعفران لا يتغذى به كما هو، وإنما يجعل تبعا للطعام. ومن أكل الزعفران كما هو يضحك حتى يموت فكان هو بالأكل مطيبا فمه بالزعفران وهو عضو فيلزمه الدم فأما إذا جعل في الطعام فقد صار مستهلكا فيه إن كان في طعام قد مسته النار، وإن كان في طعام لم تمسه النار مثل الملح وغيره فلا بأس به أيضا؛ لأنه صار مغلوبا فيه والمغلوب كالمستهلك إلا أن يكون الزعفران غالبا على الملح فحينئذ هو والزعفران البحت سواء. وإن مس طيبا فإن لزق بيديه تصدق إلا أن يكون ما لزق بيديه كثيرا فحينئذ يلزمه الدم، وقد بينا حد الكثير فيه، وإن لم يلتزق به شيء فلا شيء عليه بمنزلة ما لو اجتاز في سوق العطارين، وإن استلم الركن فأصاب فمه أو يده خلوق كثير فعليه دم، وإن كان قليلا فعليه صدقة إذ لا فرق بين أن يكون الخلوق التزق به من الركن أو من موضع آخر
[اكتحال المحرم]
(قال): ولا بأس بأن يكتحل المحرم بكحل ليس فيه طيب فإن كان فيه طيب فعليه صدقة إلا أن يكون كثيرا فعليه الدم؛ لأن الكحل ليس بطيب فلا يمنع من استعماله، وإن كان فيه طيب فتتفاوت الجناية باستعماله من حيث القلة والكثرة كما في سائر الأعضاء، وإن كان من أذى فعليه أي الكفارات الثلاث شاء لما بينا أن فيما يجب فيه الدم على المحرم إذا لم يكن معذورا، فإن كان عن عذر وضرورة يتخير بين الكفارات الثلاث، وكذلك لو تداوى بدواء فيه الطيب فألزقه بجراحه أو شرب شرابا؛ لأن التداوي يكون عن ضرورة، وإن داوى قرحة بدواء فيه طيب فألزقه بجراحه ثم خرجت به قرحة أخرى والأولى على حالها فداوى الثانية مع الأولى فليس عليه إلا كفارة واحدة فكأنه فعل الكل دفعة واحدة إذا لم تبرأ الأولى لأن الجنايات استندت إلى سبب واحد
(قال): وللمحرم أن يبط القرحة ويجبر الكسر ويعصب عليه وينزع ضرسه إذا اشتكى ويحتجم ويغتسل ويدخل الحمام؛ لأن هذا كله من باب المعالجة فالمحرم والحلال فيه سواء. ألا ترى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم محرم بالقاحة» ودخل عمر - رضي الله تعالى عنه - الحمام بالجحفة وهو محرم
(قال): وإن غسل رأسه ولحيته بالخطمي فعليه دم في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - صدقة؛ لأن الخطمي ليس بطيب بل هو كالأشنان يغسل به
رأسه، ولكنه يقتل الهوام فلذلك يلزمه الصدقة. وروي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال: لا يلزمه شيء قالوا وتأويل تلك الرواية أنه إذا غسل رأسه بالخطمي بعد الرمي يوم النحر فأما قبل ذلك يلزمه الصدقة عنده وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول الخطمي من الطيب فإن له رائحة، وإن لم تكن زكية وهو يقتل الهوام أيضا فتتكامل الجناية باعتبار المعنيين فلهذا يلزمه الدم
(قال): وإن خضبت المحرمة بالحناء يدها فعليها دم لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المعتدة أن تختضب بالحناء، وقال: الحناء طيب»، ولأن له رائحة مستلذة، وإن لم تكن زكية.
وإن خضب رأسه بالوسمة رجل أو امرأة فلا دم عليه؛ لأن الوسمة ليست بطيب إنما تغير لون الشعر إلا أنه روي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه إذا خضب رأسه بالوسمة فعليه دم لا للإخضاب، ولكن لتغطية الرأس به، وهذا هو الصحيح.
(قال): وإن خضب لحيته به فليس عليه دم، ولكن إن خاف أن يقتل الهوام أطعم شيئا؛ لأن فيه معنى الجناية من هذا الوجه، ولكنه غير متكامل فتلزمه الصدقة، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
[باب ما يلبسه المحرم من الثياب]
(قال): ولا بأس بأن يلبس المحرم القباء ويدخل فيه منكبيه دون يديه عندنا، وقال زفر - رحمه الله تعالى: ليس له ذلك؛ لأن القباء مخيط فإذا أدخل فيه منكبيه صار لابسا للمخيط فإن القباء يلبس هكذا عادة، ولكنا نقول لبس القباء إنما يحصل بإدخال اليدين في الكمين فإذا لم يفعل ذلك كان واضعا القباء على منكبيه لا لابسا، وهذا؛ لأنه في معنى لبس الرداء؛ لأنه يحتاج إلى تكلف حفظه على منكبيه عند اشتغاله بعمل كما يحتاج إليه لابس الرداء، أما إذا أدخل يديه في كميه فلا يحتاج في حفظه على نفسه عند الاشتغال بالعمل فيكون لابسا للمخيط، وكذلك إن زره عليه كان لابسا؛ لأنه لا يحتاج إلى تكلف حفظه عليه بعد ما زره فإن فعل ذلك يوما أو أكثر فعليه دم، وهكذا روي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - إذا لبس المخيط لزمته الكفارة وإن كان في ساعة واحدة؛ لأن لبس المخيط محظور الإحرام فيصير هو مرتكبا محظور الإحرام فيلزمه الدم، وإن فعله في ساعة واحدة كالتطيب، ولكنا نقول إنما تتم جنايته بلبس مقصود، واللبس المقصود في الناس عادة يكون في يوم كامل فإن من أصبح يلبس الثياب ثم لا ينزعها إلى الليل فإذا لبس في هذه المدة تكاملت
الجناية باستمتاع مقصود وفيما دون ذلك لم تتكامل جنايته باستمتاع مقصود فتكفيه صدقة إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - كان يقول أولا قد يرجع المرء إلى بيته قبل الليل فينزع ثيابه التي لبسها للناس فكان اللبس في أكثر اليوم استمتاعا مقصودا عادة، والأكثر ينزل منزلة الكمال
(قال): ولا بأس بأن يلبس الخز والبرود إذا لم يكن مخيطا كما كان يفعله في غير الإحرام إلا أنه لا يلبس البرد المصبوغ بالعصفر أو الزعفران أو الورس فقد روى ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس المزعفر والمورس في حالة الإحرام»، وكذلك المصبوغ بالعصفر عندنا، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - لا بأس به لما روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه رأى على عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - رداء معصفرا في إحرامه فأنكر عليه ذلك، فقال علي - رضي الله عنه: ما أرى أحدا يعلمنا السنة، ولأن العصفر ليس بطيب فهو قياس ثوب هروي ولا بأس للمحرم أن يلبسه، ولكنا نستدل بحديث عائشة - رضي الله عنها - فإنها كرهت لبس المعصفر في الإحرام، وكذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنكر على طلحة الرداء المعصفر حتى قال: لا تعجل يا أمير المؤمنين فإنه ممشق، ولأن العصفر له رائحة، وإن لم تكن زكية فكان بمنزلة الورس والزعفران، وتأويل حديث عبد الله - رضي الله عنه - أنه كان قد غسل وصار بحيث لا ينفض قد عرف عبد الله بن جعفر ذلك، ولم يعرفه عثمان - رضي الله عنه - أو كان ذلك مصبوغا بمدر على لون العصفر، وقد عرف ذلك علي - رضي الله عنه -، ولم يعرفه عثمان فلهذا قال ما قال فأما المصبوغ على لون الهروي هو أدمى اللون ليس له رائحة فكان قياس المعصفر إذا غسل حتى صار بحيث لا ينفض، وقد بينا هناك أنه لا يلزمه شيء فهذا مثله، ثم التقدير في إيجاب الدم عند لبس المصبوغ، بنحو ما بينا في لبس القباء.
وكذلك لو لبس قميصا أو سراويل أو قلنسوة يوما إلى الليل فعليه دم، وإن كان فيما دون ذلك فعليه صدقة كما بينا، وإنما أراد بهذا إذا لبسه على الوجه المعتاد أما إذا ائتزر بالسراويل أو ارتدى بالقميص أو اتشح به فلا شيء عليه؛ لأنه يحتاج إلى تكلف حفظه على نفسه عند اشتغاله بالعمل فلا يكون لابسا للمخيط. وأما في القلنسوة فلتغطية الرأس بها يلزمه الجزاء، وقد بينا أن المحرم ممنوع عن تغطية الرأس، وقد ذكر هشام عن محمد - رحمهما الله تعالى - أنه إذا لم يجد الإزار ففتق السراويل إلا موضع التكة فلا بأس حينئذ بلبسه بمنزلة المئزر وهو نظير ما ورد به الأثر فيما لم يجد المحرم نعلين قطع خفيه
أسفل من الكعبين ليصير في معنى النعلين وفسر هشام عن محمد - رحمهما الله تعالى - الكعب في هذا الموضع بالمفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، وعلى هذا قال المتأخرون من مشايخنا: لا بأس للمحرم بأن يلبس المشك؛ لأنه لا يستر الكعب فهو بمنزلة النعلين فإن لبس القميص والقلنسوة والقباء والسراويل يوما إلى الليل فعليه دم واحد؛ لأن جنس الجناية واحد، والمقصود واحد وهو الاستمتاع بلبس المخيط فعليه دم واحد كما لو حلق رأسه كله، وكذلك إن غطى وجهه يوما فعليه دم، وقد بينا فيما سبق أنه ليس للمحرم أن يغطي وجهه ولا رأسه عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى -، وقد ورد الأثر بالنهي عن تغطية اللحية في الإحرام؛ لأنه من الوجه فعرفنا أنه لا يغطي وجهه
(قال): ولا بأس بأن يلبس الهميان والمنطقة يشد بها حقويه فيها نفقته هكذا روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سئلت هل يلبس المحرم الهميان فقالت استوثق من نفقتك بما شئت، وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم ير للمحرم بأسا بأن يعقد الهميان على وسطه وفيه نفقته»، وكان مالك - رحمه الله تعالى - يقول: إن كان فيه نفقته فلا بأس، وإن كان فيه نفقة غيره كرهت له ذلك؛ لأنه لا حاجة إلى حمل نفقة غيره، ولكنا نقول: جواز لبس الهميان والمنطقة باعتبار أنه ليس في معنى لبس المخيط، وفي هذا يستوي نفقته ونفقة غيره. وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه كره للمحرم لبس المنطقة المتخذة من الإبريسم، فقيل: لأنه في معنى المخيط، وقيل: هو بناء على أصل أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في كراهة ما قل من الحرير وكثر للرجال
(قال): ويتوشح المحرم بالثياب ولا يعقد على عنقه؛ لأنه إذا عقده لا يحتاج في حفظه على نفسه إلى تكلف فكان في معنى لبس المخيط، وكذلك قالوا إذا ائتزر فلا ينبغي له أن يعقد إزاره على نفسه بحبل أو غيره فقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا قد شد فوق إزاره حبلا فقال: ألق ذلك الحبل ويلك»، وكذلك يكره له أن يخل رداءه بخلال؛ لأنه لا يحتاج إلى تكلف في حفظه على نفسه، ولكنه مع هذا لو فعل لا شيء عليه؛ لأن المحظور عليه الاستمتاع بلبس المخيط، ولو لم يوجد ذلك
(قال): ويكره له أن يعصب رأسه فإن فعل يوما إلى الليل فعليه صدقة؛ لأنه غطى بعض رأسه بالعصابة وهو ممنوع من تغطية الرأس إلا أن ما غطى به جزء يسير من رأسه فتكفيه الصدقة لعدم تمام جنايته، وإن عصب شيئا من جسده من علة أو غير علة فلا شيء عليه
لأنه غير ممنوع عن تغطية سائر الجسد سوى الرأس والوجه، ولكن يكره له أن يفعل ذلك من غير علة كما يكره شد الإزار وشد الرداء على ما بينا
(قال): وإن غطى المحرم ربع رأسه أو وجهه يوما فعليه دم، وإن كان دون ذلك فعليه صدقة وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال: إن غطى أكثر رأسه فعليه دم وإلا فعليه صدقة؛ لأن القليل من تغطية الرأس لا تتم به الجناية والقلة والكثرة إنما تظهر بالمقابلة، وهذا أصل أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في المسائل، وفي ظاهر الرواية الجواب قال: ما يتعلق بالرأس من الجناية فللربع فيه حكم الكمال كالحلق، وهذا لأن تغطية بعض الرأس استمتاع مقصود يفعله الأتراك وغيرهم عادة بمنزلة حلق بعض الرأس فأما المحرمة تغطي كل شيء منها إلا وجهها وتلبس كل شيء من المخيط وغيره إلا الثوب المصبوغ فإن فيما لا حاجة بها إلى لبسه فهي بمنزلة الرجل وفيما تحتاج إلى لبسه وستره يخالف حالها حال الرجل، وقد بيناه
(قال): ولا بأس لها أن تلبس القفازين هكذا روي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أنه كان يلبس بناته القفازين في الإحرام ولها أن تلبس الحرير والحلي وعن عطاء - رحمه الله تعالى - أنه يكره للنساء لبس الحلي في الإحرام. والصحيح أنه لا بأس به، وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يلبس نساءه الحلي في حالة الإحرام «ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأتين تطوفان بالبيت وعليهما سواران من ذهب» الحديث فدل أنه لا بأس بذلك
(قال): وكل ما يحل للمرأة أن تلبسه في غير حالة الإحرام فكذلك يحل في حالة الإحرام إلا المصبوغ على ما بينا
(قال): ولا بأس بأن تسدل الخمار على وجهها من فوق رأسها على وجه لا يصيب وجهها، وقد بينا ذلك عن عائشة - رضي الله عنها -؛ لأن تغطية الوجه إنما يحصل بما يماس وجهها دون ما لا يماسه فيكون هذا في معنى دخولها تحت سقف. ويكره أن تلبس البرقع؛ لأن ذلك يماس وجهها فإن لبس المحرم ما لا يحل له من الثياب أو الخفاف يوما أو أكثر من ذلك لضرورة فعليه أي الكفارات شاء، وقد بينا فيما سبق أن ما يجب الدم بلبسه في غير موضع الضرورة إذا لبسه لأجل الضرورة يتخير فيه بين الكفارات ما شاء، وذكر في الرقيات عن محمد - رحمه الله تعالى - قال: إذا اضطر إلى لبس قميص فلبس قميصين فعليه أي الكفارات شاء، وإذا اضطر إلى لبس قميص فلبس معه عمامة أو قلنسوة فعليه دم في لبس القلنسوة ويتخير في الكفارات أيها شاء في لبس القميص؛ لأن في الفصل الأول زيادة في موضع الضرورة فلا تكون جناية مبتدأة كما لو اضطر إلى لبس قميص فلبس جبة، وفي الفصل الثاني الزيادة في
غير موضع الضرورة فكانت جناية مبتدأة فتعلق بها ما هو موجبها
(قال): فإن لبس المخيط للضرورة أياما، وكان ينزع بالليل للنوم لا للاستغناء عن ذلك فهذه كلها جناية واحدة بخلاف ما إذا نزع لزوال الضرورة ثم اضطر إليه بعد ذلك فلبس فإنه يلزمه كفارة أخرى؛ لأن حكم الضرورة الأولى قد انتهى بالبرء وهو نظير ما تقدم فيمن يداوي القرحة بدواء فيه طيب مرارا أن عليه كفارة واحدة ما لم يبرأ فإذا برئ ثم خرجت به قرحة أخرى فداواها بالطيب فهذه جناية أخرى، ولو كان به حمى غب فكان يلبسه يوم الحمى ولا يلبسه في غير ذلك فهذه كلها جناية واحدة لا يجب بها إلا كفارة واحدة؛ لأن العلة المحوجة إلى اللبس قائمة، أرأيت لو جلس في الشمس فاستغنى عن لبس المخيط فلما ذهبت الشمس احتاج إلى المخيط فأعاد اللبس أكانت هذه جناية أخرى بل الكل جناية واحدة مادام العلة قائمة فعليه أي الكفارات شاء فإن اختار الإطعام فدعا المساكين فغداهم وعشاهم أجزأه ذلك في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى -، ولم يجزه في قول محمد - رحمه الله تعالى - فأبو يوسف - رضي الله تعالى عنه - اعتبر المقصود، فقال: هذا طعام كفارة فيتأدى بالتغذية والتعشية كسائر الكفارات ومحمد - رحمه الله تعالى - يعتبر المنصوص عليه فيقول المنصوص عليه الصدقة هنا لقوله تعالى {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] وما ورد بلفظة الصدقة لا يتأدى بطعام الإباحة كالزكاة وصدقة الفطر
(قال): فإن لبس المحرم قميصه، ولم يزرره فعليه الجزاء؛ لأن استمتاعه بلبس المخيط قد تم فإنه يستغني عن التكلف لحفظ القميص على نفسه، وإن لم يزره
(قال): ولا بأس للمحرم بلبس الطيلسان فإنه بمنزلة الرداء، ولكنه يكره له أن يزره عليه، وهذا قول ابن عمر - رضي الله عنه -. وكان ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: لا بأس بذلك؛ لأن الطيلسان ليس بمخيط، ولكنا أخذنا بقول ابن عمر - رضي الله عنه -؛ لأن الإزار محيط عليه، ولأنه إذا زره لا يحتاج إلى التكلف لحفظه على نفسه فكان بمنزلة لبس المخيط
(قال): ولا يلبس المحرم الجوربين كما لا يلبس الخفين، وقد بينا هذا
[يضرب المحرم فسطاطا ليستظل به]
(قال): ولا بأس بأن يضرب المحرم فسطاطا ليستظل به عندنا، وكان مالك - رحمه الله تعالى - يكره ذلك، وهذا مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه -، ولكنا نأخذ بما روي أن عثمان - رضي الله عنه - كان يضرب له فسطاط في إحرامه وأن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - كان إذا آذاه الحر ألقى ثوبه على شجرة واستظل تحته، ولأنه لا بأس بأن يستظل بسقف البيت؛ لأن ذلك لا يماس بدنه فكذلك الفسطاط.
(قال) وإن دخل تحت ستر الكعبة حتى غطاه فإن كان
الستر يصيب رأسه ووجهه كرهت له ذلك لتغطية الرأس والوجه به، وإن كان لا يصيب رأسه ولا وجهه فلا بأس به ولا شيء عليه؛ لأن التغطية إنما تحصل بما يماس بدنه، وعلى هذا لو حمل المحرم شيئا على رأسه فإن كان شيئا من جنس ما لا يغطى به الرأس كالطست والإجانة ونحوها فلا شيء عليه، وإن كان من جنس ما يغطى به الرأس من الثياب فعليه الجزاء؛ لأن ما لا يغطى به الرأس يكون هو حاملا لا مستعملا، ألا ترى أن الأمين لو فعل ذلك لا يصير ضامنا
(قال): فإن كان المحرم نائما فغطى رجل وجهه ورأسه بثوب يوما كاملا فعليه دم؛ لأن ما فعله به غيره كفعله في الجزاء، وإن كانا يفترقان في المأثم، وقد بيناه في حلق الرأس والجماع ونحوه، وعذر النوم لا يمنع إيجاب الجزاء عليه كما لو انقلب على صيد في حال نومه فقتله
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|