
14-11-2025, 04:46 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,756
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع
صـــ 110 الى صـــ 119
(78)
إذا عرفنا هذا فنقول إذا بعث بالهدي ثم زال الإحصار فالمسألة على ثلاثة أوجه إن كان يقدر على إدراك الحج والهدي جميعا فعليه أن يتوجه لأداء الحج، وليس له أن يتحلل بالهدي لأن ذلك كان للعجز عن أداء الحج فكان في حكم البدل، وقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل فسقط اعتبار البدل، ويلزمه أن يتوجه فإذا أدرك هديه صنع به ما شاء لأنه ملكه، وقد كان عينه لمقصود، وقد استغنى عنه، وإن كان لا يقدر على إدراك الحج والهدي جميعا لا يلزمه التوجه لأن العجز عن أداء الأعمال لم ينعدم بزوال الإحصار فكان له أن يتحلل بالهدي، وإن توجه ليتحلل بأعمال العمرة فله ذلك لأنه فائت الحج، وفائت الحج يتحلل بأعمال العمرة، وله في هذا التوجه غرض، وهو أن لا يلزمه قضاء العمرة، وأما إذا قدر على إدراك الحج، ولم يقدر على إدراك الهدي، وإنما يتصور هذا عند أبي حنفية - رحمه الله تعالى - لا عندهما لأن عندهما هذا الهدي يختص بيوم النحر فلا يتصور إدراك الحج دون الهدي ثم في القياس على قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يلزمه أن يتوجه، وليس له أن يتحلل بالهدي، وهو قول زفر - رحمه الله تعالى - لأن العجز عن أداء الأعمال قد ارتفع بزوال الإحصار، وقد بينا أن حكم البدل يسقط اعتباره إذا قدر على الأصل فيلزمه أن يتوجه، ولكنه استحسن فقال له أن يتحلل بالهدي لأنه لو توجه ضاع ماله فإن الهدي ملكه جعله لمقصود، وهو التحلل فإن كان لا يدركه، ولا يتحلل به يضيع ماله، وحرمة المال كحرمة النفس فكما كان الخوف على نفسه عذرا له في التحلل فكذلك الخوف على ماله، والأفضل له أن يتوجه لأنه أقرب إلى الوفاء بما وعد، وهو أداء ما شرع فيه
(قال) وكذلك المرأة تحرم بالحج، وليس لها محرم، ولا زوج يخرج معها فهي بمنزلة المحصر، وهذا بناء على أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج لسفر الحج إلا مع محرم أو زوج عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - إذا وجدت رفقة نساء ثقات فلها أن تخرج وإن لم تجد محرما، واحتج في ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة فاشتراط المحرم يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة
تعدل عندكم النسخ ثم هذا سفر لإقامة الفرض فلا يشترط فيه المحرم كسفر الهجرة فإن التي أسلمت في دار الحرب لها أن تهاجر إلى دار الإسلام بغير محرم، وهذا لأن شرائط إقامة الفرض ما يكون في وسع المرء عادة، ولا ولاية لها على المحرم في إحرامه، ولا يجب على المحرم الخروج معها، وليس عليها أن تتزوج لأجل هذا الخروج بالاتفاق فعرفنا أن المحرم ليس بشرط إلا أن عليها أن تتحرز عن الفتنة، وفي اختلاطها بالرجال فتنة، وهي تستوحش بالوحدة فتخرج مع رفقة نسوة ثقات لتستأنس بهن، ولا تحتاج إلى مخالطة الرجال، وحجتنا في ذلك حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها فقام رجل فقال إني أريد الخروج في غزوة كذا وإن امرأتي تريد الحج فماذا أصنع فقال - صلى الله عليه وسلم - اخرج معها، لا تفارقها» ففي هذا دليل على أنهم فهموا من السفر الذي ذكره سفر الحج حتى قال السائل ما قال، وفي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزوج بأن يترك الغزو، ويخرج معها دليل على أنه ليس لها أن تخرج إلا مع زوج أو محرم.
والمعنى في ذلك أنها تنشئ سفرا عن اختيار فلا يحل لها ذلك إلا مع زوج أو محرم كسائر الأسفار بخلاف المهاجرة فإنها لا تنشئ سفرا، ولكنها تقصد النجاة ألا ترى أنه لو وصلت إلى جيش من المسلمين في دار الحرب حتى صارت آمنة لم يكن لها أن تسافر بعد ذلك من غير محرم، ولأنها مضطرة هناك لخوفها على نفسها ألا ترى أن العدة هناك لا تمنعها من الخروج، وهنا لو كانت معتدة لم يكن لها أن تخرج للحج، وتأثير فقد المحرم في المنع من السفر كتأثير العدة فإذا منعت من الخروج لسفر الحج بسبب العدة فكذلك بسبب فقد المحرم، وهذا لأن المرأة عرضة للفتنة، وباجتماع النساء تزداد الفتنة، ولا ترفع إنما ترفع بحافظ يحفظها، ولا يطمع فيها، وذلك المحرم، وتفسيره من لا يحل له نكاحها على التأبيد بسبب قرابة أو رضاع أو مصاهرة ألا ترى أنه يجوز له أن يخلو بها لأنه لا يطمع فيها إذا علم أنها محرمة عليه أبدا فكذلك يسافر بها.
(قال) ويستوي أن يكون المحرم حرا أو مملوكا مسلما أو كافرا لأن كل ذي دين يقوم بحفظ محارمه إلا أن يكون مجوسيا فحينئذ لا تخرج معه لأنه يعتقد إباحتها له فلا ينقطع طمعه عنها فلهذا لا تسافر معه، ولا يخلو بها.
إذا عرفنا هذا فنقول: إذا لم تجد المحرم، وقد أحرمت بحجة الإسلام فهي ممنوعة من الخروج شرعا فصارت كالمحصر تبعث بالهدي فتتحلل به، وإن كانت ذات زوج، وأرادت
أن تخرج لحجة الإسلام مع المحرم فليس للزوج أن يمنعها من الخروج عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - له أن يمنعها من الخروج لأنها صارت كالمملوكة له بعقد النكاح، وثبت له حق الاستمتاع بها فهي بهذا الخروج تحول بين الزوج وبين حقه أو تلزمه مشقة السفر فكان له أن يمنعها من ذلك كما يمنعها من الخروج لزيارة الأقارب، وكما يمنعها من الخروج لحجة التطوع لكنا نقول فرض الحج يتوجه عليها باستجماع الشرائط فكان ذلك مستثنى من حق الزوج، وبسبب عقد النكاح لا يثبت عليها للزوج ولاية المنع من أداء الفرائض ألا ترى أنه لا يمنعها من صيام شهر رمضان، والمولى لا يمنع مملوكه من أداء الصلاة لأن ذلك مستثنى من حقه فهذا مثله بخلاف ما إذا لم تجد محرما فإن هناك الفرض لم يتوجه عليها لانعدام شرائطه حتى لو كانت لا تحتاج إلى سفر بأن كان بينها، وبين مكة دون مسيرة ثلاثة أيام فليس للزوج أن يمنعها، وإن لم تجد محرما لأن اشتراط المحرم للسفر لا لما دونه، وأما حج التطوع فالخروج لأجله لم يصر مستثنى من حق الزوج لأن ذلك ليس بفرض عليها فإذا أحرمت بحجة التطوع كان للزوج أن يمنعها، ويحللها إلا أن هنا لا يتأخر تحليله إياها إلى ذبح الهدي، ولكن يحللها من ساعته، وعليها هدي لتعجل الإحلال، وعمرة، وحجة لصحة شروعها في الحج بخلاف حجة الإسلام لأن هناك لا تتحلل إلا بالهدي لأن هناك لا حق للزوج في منعها لو وجدت محرما، وإنما تعذر عليها الخروج لفقد المحرم فلا تتحلل إلا بالهدي، وهنا تعذر الخروج لحق الزوج، وكما لا يكون لها أن تبطل حق الزوج، لا يكون لها أن تؤخر حق الزوج فكان له أن يحللها من ساعته، وتحليله لها أن ينهاها، ويصنع بها أدنى ما يحرم عليها في الإحرام من قص ظفر ونحوه، ولا يكون التحليل بالنهي، ولا بقوله حللتك لأن عقد الإحرام قد صح فلا يصح الخروج إلا بارتكاب محظوره، وذلك لا يحصل بقوله حللتك، وهو نظير الصوم إذا صح الشروع فيه لا يصير خارجا إلا بارتكاب محظور حتى أن الزوج لو نهاها عن صوم التطوع لا تصير خارجة عن الصوم بمجرد نهيه، وكذلك المملوك يهل بغير إذن مولاه فللمولى أن يحلله لقيام حقه في خدمته، ومنافعه، والمملوك في هذا كالزوجة في حجة التطوع على ما بينا
(قال) والمحصر بالحج إذا بعث بهديين حل بأولهما لأنه ما لزمه للتحلل إلا هدي واحد، والأول منهما معين لأداء الفرض، والثاني يكون تطوعا، والإحلال لا يتوقف على هدي التطوع
(قال) وإن حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم لإحلاله لأنه حل قبل أوانه كما قال الله تعالى ولا تحلقوا
رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله [البقرة: 196] ، ويعود حراما كما كان حتى ينحر هديه لأن ذبح الهدي متعين للتحلل فلا يحل بغيره كطواف الزيارة لما كان متعينا للإحلال به في حق النساء لا يحصل الإحلال بغيره
(قال) وإن كان المحصر معسرا لم يحل أبدا إلا بدم لأن الدم متعين لإحلاله بالنص كما أن طواف الزيارة متعين لإحلاله في حق النساء فكما لا يحصل الإحلال بغيره هناك فكذلك هذا، وكان عطاء - رحمه الله تعالى - يقول إذا عجز عن الهدي نظر إلى قيمة الهدي فجعل ذلك طعاما يطعم به المساكين، كل مسكين نصف صاع، أو يصوم مكان طعام كل مسكين يوما فيتحلل به بمنزلة الهدي في جزاء الصيد قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - في الأمالي، وهذا أحب إلي وللشافعي - رحمه الله تعالى - فيه قولان أحدهما هكذا، والثاني أنه إذا عجز عن الهدي صام مكانه عشرة أيام على قياس هدي المتعة لكنا نقول هذا كله قياس المنصوص على المنصوص، ولا يجوز ذلك بل المرجع في كل موضع إلى ما وقع التنصيص عليه، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره
[ما صنعه المحصر قبل أن يحل]
(قال) وكل شيء صنعه المحصر قبل أن يحل فهو بمنزلة المحرم الذي ليس بمحصر، وكذلك إن ذبح عن المحصر هديه في غير الحرم فإنه يبقى حراما على حاله حتى يبعث بهدي فيذبح عنه في الحرم، وإن كان قد حل قبل ذلك فعليه دم لإحلاله سواء كان عالما به أو لم يكن عالما
(قال) ويجزئه في هدي الإحصار الجذع العظيم من الضأن، والثني من غيرها لما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال ما استيسر من الهدي شاة، وعن جابر - رضي الله عنه - قال «أشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل سبعة من الصحابة في بدنة عام الحديبية» فتبين بهذا أن الواجب هنا ما يجزي في الضحايا، والذي يجزي في الضحايا ما سمينا فكذا هنا، وإن سرق الهدي بعدما ذبح عنه فليس عليه شيء لأنه بلغ محله فإن أكل منه الذي ذبحه بعدما ذبح فهو ضامن لقيمة ما أكل يتصدق به عن المحصر لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمبعوث على يده لا تأكل أنت، ولا رفقتك منها شيئا»، ولأنه قد لزمه التصدق بجميع اللحم عن المحصر فإذا أكل منه شيئا كان ضامنا بدله، وحكم البدل حكم المبدل فعليه أن يتصدق ببدله عن المحصر أيضا
(قال) وإن قدم مكة قارنا فطاف وسعى لعمرته وحجته ثم خرج إلى بعض الآفاق قبل أن يقف بعرفة فأحصر فإنه يبعث بالهدي ويحل به، وعليه حجة وعمرة مكان حجته، وليس عليه عمرة مكان عمرته لأنه فرغ من عمرته حين طاف لها وسعى، وإنما بقي عليه للعمرة الحلق أو التقصير فلهذا لا يبعث بهدي لأجل
العمرة، وإنما يبعث بالهدي للتحلل عن إحرام الحج فإن قيل أليس أنه طاف وسعى لحجته فينبغي أن يكفيه ذلك للتحلل كما في فائت الحج قلنا ما أتى به من الطواف لم يكن واجبا بل كان ذلك طواف التحية، ولا يجوز أن يتحلل بمثله فلهذا يبعث بالهدي للتحلل من الإحرام للحج، ولهذا كان عليه قضاء عمرة لأن ذلك الطواف، والسعي صار وجوده كعدمه في حكم الإحصار فعليه عمرة وحجة، وعليه دم لتقصيره في غير الحرم، وهذا الدم إنما يلزمه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لأن عندهما الحلق للعمرة يتوقت بالحرم خلافا لأبي يوسف - رحمه الله تعالى -، وقد بينا هذا
[وقف بعرفة ثم أحصر]
(قال) فإذا وقف بعرفة ثم أحصر لم يكن محصرا لأن معنى قوله تعالى {فإن أحصرتم} [البقرة: 196] أي منعتم عن إتمام الحج والعمرة، وقال - صلى الله عليه وسلم - «من وقف بعرفة فقد تم حجه» فإنما منع هذا بعد الإتمام فلهذا لا يكون محصرا، ولأن حكم الإحصار إنما يثبت عند خوف الفوت، وبعد الوقوف بعرفة لا يخاف الفوت فلا يكون محصرا، ولكنه يبقى محرما إلى أن يصل إلى البيت فيطوف طواف الزيارة وطواف الصدر، ويحلق أو يقصر، وعليه دم لترك الوقوف بمزدلفة، ولرمي الجمار دم، ولتأخير الطواف دم، ولتأخير الحلق دم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ليس عليه لتأخير الحلق والطواف شيء، وقد تقدم بيان هذه الفصول فإن قيل: أليس إنكم قلتم إذا ازدادت عليه مدة الإحرام يثبت حكم الإحصار في حقه، وقد ازدادت مدة الإحرام هنا فلماذا لا يثبت حكم الإحصار في حقه؟ قلنا: لا كذلك فإنه يتمكن من التحلل بالحلق إلا من النساء، وإن كان يلزمه بعض الدماء فلا يتحقق العذر الموجب للتحلل هنا
(قال) وإذا قدم مكة فأحصر بها لم يكن محصرا، وذكر علي بن الجعد عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال سألت أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - عن المحرم يحصر في الحرم فقال لا يكون محصرا فقلت أليس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحصر بالحديبية»، وهي من الحرم فقال إن مكة يومئذ كانت دار الحرب فأما اليوم فهي دار الإسلام فلا يتحقق الإحصار فيها قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: وإنما أنا أقول إذا غلب العدو على مكة حتى حالوا بينه وبين البيت فهو محصر، والأصح أن يقول إذا كان محرما بالحج فإن منع من الوقوف وطواف الزيارة جميعا فهو محصر، وإن لم يمنع من أحدهما لا يكون محصرا لأنه إن لم يكن ممنوعا من الطواف يمكنه أن يصبر حتى يفوته الحج فيتحلل بالطواف، والسعي، وإن يكن ممنوعا من الوقوف يمكنه أن يقف بعرفة ليتم حجه، وإن كان
ممنوعا منهما فقد تعذر عليه الإتمام والتحلل بالطواف فيكون محصرا كما لو أحصر في الحل
(قال) رجل أهل بعمرتين معا فسار إلى مكة ليقضيهما ثم أحصر قال يبعث بالهدي لواحد. والأصل في هذه المسألة أن نقول: من أحرم بعمرتين معا أو بحجتين معا انعقد إحرامه بهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وقال محمد والشافعي رحمهما الله تعالى: ينعقد إحرامه بأحدهما لأن الإحرام غير مقصود لعينه بل لأداء الأفعال به، ولا يتصور أداء حجتين في سنة واحدة، ولا أداء عمرتين في وقت واحد، والعقد إذا خلا عن مقصوده لا يكون منعقدا أصلا فإذا خلا أحد العقدين هنا عما هو مقصود لم ينعقد الإحرام إلا بأحدهما، وقاسا بالصوم والصلاة فإن من شرع في صومين في يوم واحد، وفي صلاتين بتكبيرة واحدة لا يصير شارعا إلا في أحدهما، وهذا على أصل الشافعي - رحمه الله تعالى - واضح لأن عنده الإحرام من الأركان، ولهذا لا ينعقد الإحرام بالحج في غير أشهر الحج عنده، وعند محمد - رحمه الله تعالى - وإن كان الإحرام من الشرائط ففي بعض الأحكام جعل من الأركان. ألا ترى أن فائت الحج ليس له أن يستديم الإحرام إلى أن يؤدي الحج به في السنة القابلة، ولو كان من الشرائط لكان له ذلك كما في الطهارة للصلاة فإذا كان من الأركان فهو بمنزلة سائر الأعمال لا يتصور اجتماع المثنى منه في وقت واحد كالوقوف لحجتين والطواف لعمرتين وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا لا تنافي بين العقدين بدليل أنه يثبت أحدهما وهما متساويان، والأصل أنه إذا كان منافاة بين العقدين المتساويين أن لا يثبت أحدهما كنكاح الأختين معا، وإذا ثبت أنه لا منافاة انعقد الإحرام ثم أداء الأفعال لا يتصل بالإحرام، والتنافي بينهما في أداء الأفعال، وإذا كان أداء الأفعال لا يتصل بالإحرام لا يمنع انعقاد الإحرام بهما بخلاف الصوم والصلاة فالشروع هناك من الأداء، ويتصل به الأداء والوقت معيار الصوم فلا يتصور أداء الصومين في وقت واحد ثم الإحرام سبب لالتزام الأداء من غير أن يتصل به الأداء فيكون بمنزلة النذر.
والنذر بالعمرتين صحيح، وقد بينا فيما سبق أن الإحرام من جملة الشرائط ابتداء، وإن أعطي له حكم الأركان انتهاء فكان بمنزلة الطهارة للصلاة فلا تتحقق المنافاة فيه كمن تطهر لأداء الصلاتين إذا عرفنا هذا فنقول عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - من عقد إحرامه بهما يصير رافضا لأحدهما لأنه كما فرغ من الإحرام جاء أوان أداء الأعمال، والمنافاة ملتحقة فيصير رافضا لأحدهما، وعليه دم لرفضها، ويمضي في الآخر فإن كان أحرم بعمرتين فعليه
قضاء العمرة التي رفضها، وإن كان إحرامه بحجتين فعليه قضاء عمرة وحجة لرفض أحدهما، وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا يصير رافضا لأحدهما ما لم يشتغل بالعمل للآخر، ففي ظاهر الرواية كما يسير إلى مكة لأداء الأعمال يصير رافضا لأحدهما، وفي الرواية الأخرى ما لم يأخذ في الطواف لا يصير رافضا لأحدهما لأنه لما لم يتناف الإحرامان ابتداء لا يتنافيان بقاء بل البقاء أسهل من الابتداء، وإنما المنافاة في الأعمال فما لم يشتغل بعمل أحدهما لا يصير رافضا للآخر، وفائدة هذا الاختلاف إنما تظهر فيما إذا أحصر قبل أن يسير إلى مكة. قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يبعث بهديين للتحلل لأنه محرم بإحرامين، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يبعث بهدي واحد لأنه صار رافضا لأحدهما فإنما أحصر، وهو حرام بإحرام واحد، وعند محمد - رحمه الله تعالى - لم ينعقد إلا إحرام واحد فلا يبعث إلا بهدي واحد، وإن كان سار إلى مكة ثم أحصر فإنما يبعث بهدي واحد لأنه صار رافضا لأحدهما حين سار في عمل الآخر فعليه دم للرفض، ودم آخر للتحلل فأما حكم القضاء فإن أهل بعمرتين فعليه قضاء عمرتين، وإن كان أهل بحجتين فعليه قضاء حجتين، وعمرتين
(قال) رجل أهل بشيء واحد لا ينوي حجة ولا عمرة ينعقد إحرامه مع الإبهام لما روي «أن عليا، وأبا موسى - رضي الله عنهما - لما قدما من اليمن قال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بم أهللتما قالا أهللنا بإهلال كإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» فقد صحح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحرامهما مع الإبهام، وقد بينا أن الإحرام بمنزلة الشرط للنسك ابتداء، والإبهام فيه لا يمنع صحته كالطهارة للصلاة، وبعدما انعقد الإحرام مبهما فللخروج منه طريقان شرعا أما الحج أو أعمال العمرة فيتخير بينهما إن شاء خرج عنه بأعمال العمرة، وإن شاء بأعمال الحج، وكان تعيينه في الانتهاء بمنزلة التعيين في الابتداء فإن أحصر قبل أن يعين شيئا فعليه أن يبعث بهدي واحد لأنه محرم بإحرام واحد فالتحلل عن إحرام واحد، وعليه قضاء عمرة استحسانا، وفي القياس عليه قضاء حجة وعمرة لأن إحرامه إن كان للحج فعليه قضاء حجة وعمرة، والأخذ بالاحتياط في قضاء العبادات واجب، ولكنه استحسن فقال: المتيقن به يصير دينا في ذمته فقط، والمتيقن العمرة، ولما كان متمكنا من الخروج عن عهدة هذا الإحرام قبل الإحصار بأداء العمرة فكذلك بعد الإحصار يتمكن من الخروج عن هذه العهدة بأداء العمرة.
(قال) وإن لم يحصر فهو على خياره ما لم يطف بالبيت فإن طاف بالبيت قبل أن ينوي شيئا فهي عمرة لأن طواف
العمرة واجب، والتحية في الحج ليس بواجب فلا تتحقق المعارضة بين الواجب وبين ما ليس بواجب فلهذا جعلنا طوافه للعمرة، ويحصل التعيين به.
(قال) وكذلك إذا جامع قبل التعيين فعليه دم الجماع والمضي في أعمال العمرة وقضاء عمرة لأنه لا يلزمه إلا المتيقن به إذا آل الأمر إلى أن يصير دينا، والمتيقن هو العمرة فلهذا تعين إحرامه للعمرة، ولأنه لو تعين للحج، وقد أفسدها بالجماع في هذه السنة فيفوته الحج بصفة الصحة أصلا في هذه السنة، وإذا تعين للعمرة، لا يفوته شيء فلهذا تعين إحرامه للعمرة.
(قال) ولو أهل بشيء واحد كما بينا، وسمى ثم نسيه وأحصر بعث بهدي واحد لما بينا أنه محرم بإحرام واحد.
(قال) وإذا تحلل بالهدي فعليه عمرة وحجة، وهذا احتياط وأخذ بالثقة لجواز أن يكون حين أحرم نوى الحج فيلزمه قضاء عمرة وحجة بخلاف الأول فإن هناك يتيقن أنه لم ينو الحج عند إحرامه، ووجوب القضاء عليه باعتبار نية الحج فإذا تيقن هناك أنه لم ينو الحج لا يكون للأمر بالاحتياط معنى، وهنا هو غير متيقن فمن الجائز أنه حين أحرم نوى الحج فكان هذا أوان الأخذ بالاحتياط فلهذا يحتاط ويقضي عمرة وحجة.
والفرق بين ما إذا لم يعين في الابتداء وبين ما إذا عين ثم نسي ظاهر في المسائل ألا ترى أن من أعتق إحدى أمتيه بغير عينها لا يجب عليه أن يجتنبهما، وبمثله لو أعتق إحداهما بعينها ثم نسي فعليه أن يجتنبهما إلا أن يتذكر، وكذا إن لم يحصر في هذا الفصل ولكنه وصل إلى البيت فعليه أن يؤدي عمرة وحجة، ويلزمه ما يلزم القارن لأنه يحتمل أنه نوى إحرام الحج، ويحتمل أنه نوى إحرام العمرة فيجمع بينهما أخذا بالاحتياط في العبادة ألا ترى أن من نسي صلاة من صلاة اليوم والليلة لا يعرفها يلزمه قضاء صلاة يوم وليلة استحسانا فكذلك هنا.
(قال) ولو جامع قبل أن يصل إلى البيت فعليه هدي واحد للجماع لأنه يتيقن أنه محرم بإحرام واحد، ولكن عليه إتمام عمرة وحجة لأن الفاسد معتبر بالصحيح فكما أن قبل الإفساد عليه عمرة وحجة فكذلك بعد الإفساد عليه المضي في عمرة وحجة لأنه لا يخرج من الإحرام بالإفساد قبل أداء الأعمال، والفاسد معتبر بالصحيح، وليس عليه دم القران لأن دم القران إنما يلزمه عند صحة النسكين.
(قال) ولو جامع بعدما نوى أن يجعلها عمرة وحجة، ولبى بهما فعليه دمان لأنه يتيقن بعدما لبى بهما أنه محرم بإحرامين بطريقة إضافة أحد الإحرامين إلى الآخر فعليه دمان للجماع، وحكمه في القضاء مثل الأول كما بينا
(قال) ولو أهل بشيئين ثم نسيهما فأحصر بعث بهديين لأنه متيقن أنه محرم بإحرامين فإذا تحلل بهديين كان عليه عمرتان
وحجة استحسانا، وفي القياس عليه حجتان وعمرتان لأن من الجائز أنه نوى عند إحرامه حجتين فعليه قضاء عمرتين وحجتين احتياطا، ولكنه استحسن فقال فعل المسلم محمول على الصحة ما أمكن، وعلى ما هو الأفضل فلا يحمل على الفساد إلا بعد تعذر حمله على الصحة فلو جعلنا إحرامه بحجة عمرة كان فيه حمل أمره على الصحة، وعلى ما هو الأفضل، وهو القران، ولو جعلنا إحرامه بحجتين كان فيه حمل أمره على الفساد لأنه يتعذر عليه الجمع بينهما أداء فلهذا جعلناه كالمحرم بالحج والعمرة فإذا تحلل بهديين كان عليه عمرتان وحجة بمنزلة القارن، وإن لم يحصر ووصل إلى البيت فكذلك الجواب يجعل إحرامه عمرة وحجة كما يعمل القارن استحسانا، وكان القياس أن يقضي عمرته وحجته مع الناس، وعليه دم القران، وعليه دم آخر وحجة وعمرة لأن من الجائز أنه كان أحرم بحجتين فعليه دم لرفض أحدهما، وقضاء، وحجة، وعمرة، ومن الجائز أنه أحرم بعمرة وحجة فعليه دم القران فقلنا إنه يحتاط من كل جانب فيقضي عمرته وحجته مع الناس، وعليه دم القران لاحتمال أحد الجانبين ثم عليه دم وقضاء عمرة وحجة لاحتمال الجانب الآخر، وإن كان قد أهل بعمرتين فقد أتى بأعمال إحداهما، وقضى الأخرى مع قضاء الحج فيصير خارجا مما عليه بيقين هذا هو القياس، ولكنه استحسن فجعله قارنا حملا لأمره على الصحة، وعلى ما يفعله الناس ثم عليه دم وقضاء عمرة وحجة، وكذلك لو جامع فيهما، وهو بمنزلة القارن إذا جامع استحسانا لأن الفاسد معتبر بالصحيح، والله أعلم بالصواب
[باب الجماع للمحرم]
(باب الجماع) (قال) واذا جامع الرجل امرأته وهما مهلان بالحج قبل أن يقفا بعرفة فعلى كل واحد منهما شاة ويمضيان في حجتهما وعليهما الحج من قابل، هكذا روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عمن واقع امرأته وهما محرمان بالحج، قال: يريقان دما ويمضيان في حجتهما وعليهما الحج من قابل»، وهكذا روي عن الصحابة عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، ولكنهم قالوا: إذا رجعا للقضاء يفترقان معناه أن يأخذ كل واحد منهما في طريق غير طريق صاحبه ومالك - رحمه الله تعالى - أخذ بظاهر هذا اللفظ فقال كما خرجا من بيتهما فعليهما أن يفترقا، ولكن هذا بعيد من الفقه فإن له أن يواقعها ما لم يحرما، والافتراق للتحرز عن المواقعة
فلا معنى للأمر بالافتراق في وقت تحل المواقعة بينهما فيه وزفر - رحمه الله تعالى - يقول يفترقان من وقت الإحرام لأن الافتراق نسك بقول الصحابة - رضي الله عنهم - وأوان أداء ما هو نسك بعد الإحرام وهذا ليس بقوي فإن الافتراق ليس بنسك في الأداء فلا يكون نسكا في القضاء لأن القضاء بصفة الأداء، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: إذا قربا من الموضع الذي جامعها فيه يفترقان لأنهما لا يأمنان إذا وصلا إلى ذلك الموضع أن تهيج بهما الشهوة فيواقعها فيفترقان للتحرز عن هذا، وهذا ليس بصحيح أيضا؛ لأنه إنما واقعها في السنة الأولى بسبب النكاح القائم بينهما فلو وجب الافتراق إنما يجب عن النكاح، وأحد لا يأمر بهذا ثم إذا بلغا إلى ذلك الموضع فتأملا فيما لحقهما من المشقة بسبب لذة يسيرة ازدادا ندما وتحرزا عن ذلك ثانيا لكي لا يصيبهما الآن مثل ما أصابهما في المرة الأولى، ولكنا نقول مراد الصحابة - رضي الله عنهم - أنهما يفترقان على سبيل الندب إن خافا على أنفسهما الفتنة لا أن يكون ذلك واجبا عليهما كما يندب الشاب إلى الامتناع عن التقبيل في حالة الصيام إذا كان لا يأمن على نفسه ما سوى ذلك. (قال) وإن كانا قارنين فعلى كل واحد منهما شاتان؛ لأن كل واحد منهما محرم بإحرامين وعلى كل واحد منهما قضاء عمرة وحجة إن لم يكن طاف بالبيت قبل المواقعة وقد سقط دم القران عنهما لفساد نسكهما وإن لزمهما المضي في الفاسد؛ لأن هذا دم نسك فلا يجب إلا على من جمع بين الحج والعمرة بصفة الصحة وإن كان طاف بالبيت قبل الجماع فكذلك الجواب في أنه يجب عليه دمان؛ لأن بالطواف لم يتحلل عن إحرام العمرة ما لم يحلق، ولكن ليس عليه قضاء العمرة هنا؛ لأنه إنما جامع بعد ما أدى عمرته؛ لأن ركن العمرة هو الطواف فلم تفسد عمرته بهذا، وإنما فسد حجه فعليه قضاؤه وقد سقط عنه دم القران بفساد أحد النسكين. وإن جامع بعد ما وقف بعرفة لم يفسد واحد من النسكين عندنا وقد بينا هذا، ولكن عليه جزور لجماعه بعد الوقوف في إحرام الحج وشاة لجنايته على إحرام العمرة وعليه دم القران؛ لأنه أدى النسكين بصفة الصحة
(قال): واذا جامع الحاج بعدما وقف بعرفة فأهدى جزورا ثم جامع بعد ذلك فعليه شاة؛ لأنه دخل إحرامه نقصان بالجماع الأول فالجماع الثاني صادف إحراما ناقصا فيكفيه شاة بخلاف الجماع في المرة الأولى فإن هناك صادف إحراما تاما فكان عليه جزور
(قال): وإن طاف أربعة أشواط من طواف الزيارة بعد ما حلق أو قصر ثم جامع فليس عليه شيء؛ لأن أكثر أشواط الطواف في حكم التحلل
كجميع الطواف فكما أنه لو أتم الطواف تحلل في حق النساء فكذلك إذا أتى بأكثر أشواط الطواف، وذكر ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله تعالى - أنه إذا طاف جنبا ثم جامع بعد قبل الإعادة في القياس لا شيء عليه كما لو طاف محدثا؛ لأن التحلل يحصل بطواف الجنب وفي الاستحسان عليه دم فيحتاج إلى الفرق بين هذا وبين ذلك والفرق ما بينا أن طواف الجنب غير معتد به إلا في حكم التحلل ولهذا لو أعاده انفسخ الأول بالثاني في أصح الطريقين فصار في المعنى كالجماع قبل الطواف وهنا ما أتى به من أكثر أشواط الطواف معتد به على الإطلاق، توضيحه أن ما بقي هنا يقوم الدم مقامه فيكون هذا نظير النقصان في طواف المحدث، ولو طاف محدثا ثم جامع لم يلزمه شيء بخلاف ما إذا طاف جنبا فإن الواجب هناك لا يجب بمقابلة أصل الطواف عند فوت أدائه وهي البدنة فجماعه في تلك الحالة كجماعه قبل الطواف وإن لم يكن حلق قبل الطواف حتى جامع بعد ما طاف أربعة أشواط فعليه دم لارتكاب محظور الإحرام فإن التحلل بالطواف لا يحصل إذا لم يحلق
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|