عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 14-11-2025, 04:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,795
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع
صـــ 100 الى صـــ 109
(77)







(قال) وإذا أراد الصوم بالكوفة فذلك جائز في حق المحرم لأن الصوم قربة في أي موضع كان فأما صيد الحرم في حق الحلال فقد بينا أنه لا مدخل للصوم فيه إلا أن يكون محرما أصاب الصيد في الحرم فحينئذ تتأدى كفارته بالصوم لأن في حق المحرم لا يظهر حرمة الحرم فالواجب عليه كفارة ألا ترى أنها لا تتجزأ فلهذا يتأدى بالصوم، وعلى هذا لو دل محرم على صيد في الحرم وجب عليه الجزاء بخلاف الحلال إذا دل على صيد في الحرم لا يلزمه الجزاء كالمحرم بناء على أصله أن الواجب عليه كفارة حتى تتأدى بالصوم فيكون الدال فيه كالمباشر، وقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في هذا الفصل مثل قول زفر - رحمه الله تعالى -.
[أكل المحرم من جزاء الصيد]
(قال) وإذا أكل المحرم من جزاء الصيد فعليه قيمة ما أكل لأن حق الله تعالى بالتصدق تعلق بالمذبوح فإذا صرفه إلى حاجته صار ضامنا قيمته للمساكين، وكذلك إن أكله بعدما ذبحه بمكة فعليه قيمته مذبوحا بخلاف ما إذا سرق فإن الهدي قد بلغ محله حين ذبحه بمكة، وبقي وجوب التصدق معلقا بعين المذبوح فإذا هلك من غير صنعه لا يلزمه شيء، وإذا استهلكه بالأكل فعليه ضمان قيمته للفقراء بمنزلة مال الزكاة فإذا تصدق بهذه القيمة على مسكين واحد أجزأه بمنزلة اللحم إذا تصدق به على مسكين بخلاف ما إذا اختار التكفير بالإطعام فإنه لا يجزيه لا أن يطعم كل مسكين نصف صاع لأن طعام الكفارة في حق كل مسكين مقدر بنصف صاع كما في كفارة اليمين فأما في الهدي فالتكفير يحصل بإراقة الدم دون التصديق باللحم ثم التصدق بعد ذلك يلزمه باعتبار أنه صار لله تعالى خالصا فهو بمنزلة الزكاة فإن شاء صرف الكل إلى مسكين واحد، وإن شاء فرقه على المساكين، وفي التكفير بالطعام إذا أعطى كل مسكين نصف صاع ففضل
مد تصدق به على مسكين واحد بمنزلة ما لو كان الواجب هذا المقدار يتصدق به على مسكين واحد، وإن اختار الصوم يصوم باعتبار هذا المد يوما كاملا أو يطعم لأن الصوم لا يكون أقل من يوم، وله أن يفرق الصوم في جزاء الصيد لأنه مطلق في كتاب الله عز وجل قال الله تعالى {أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره} [المائدة: 95] فإن شاء تابع، وإن شاء فرق.
[قتل المحرم الجراد]
(قال) وإذا قتل المحرم الجراد فعليه فيه القيمة لأن الجراد من صيد البر، وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال تمرة خير من جرادة، وقصة هذا الحديث أن أهل حمص أصابوا جرادا كثيرا في إحرامهم فجعلوا يتصدقون مكان كل جرادة بدرهم فقال عمر - رضي الله عنه - أرى دراهمكم كثيرة يا أهل حمص تمرة خير من جرادة.
(قال) وليس على المحرم في قتل البعوض والذباب والنمل والحلمة والقراد شيء لأن هذه الأشياء ليست من الصيود فإنها لا تنفر من بني آدم، ولو كانت من الصيود كانت مؤذية بطبعها فلا شيء على المحرم فيها، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يقرد بعيره في إحرامه، وقال ابن عباس - رضي الله عنه - لعكرمة مولاه قم فقرد البعير فقال أنا محرم فقال لو أمرتك بنحره هل كنت تنحره قال نعم فقال كم من قراد وحمنانة تقتل بالنحر بين أنه ليس على المحرم في القراد والحمنانة شيء، ويكره له قتل القملة لا لأنه صيد، ولكن لأنه ينمو من بدنه فيكون قتله من قضاء التفث، والمحرم ممنوع من ذلك بمنزلة إزالة الشعر فإن قتلها فما تصدق به فهو خير من القملة إذ لا خير في القمل كما قال علي - رضي الله عنه - القملة ضالة لا تلتمس فلهذا يخرج عن الواجب بما يتصدق به من قليل أو كثير.
[الاغتسال للمحرم]
(قال)، ولا بأس للمحرم أن يغتسل فإن عمر - رضي الله عنه - اغتسل، وهو محرم، وإنما أورد هذا لأن من الناس من كره ذلك، ويقول إن الماء يقتل هوام الرأس، وليس كذلك بل الماء لا يزيده إلا شعثا.
(قال) ولو أن حلالا أصاب بيضا من بيض الصيد فأعطاه محرما فشواه فعلى المحرم جزاؤه لأن البيض أصل الصيد، وقد أفسده المحرم بفعله فعليه جزاؤه، ولا بأس بأكله بخلاف الصيد إذا قتله المحرم لأنه إنما يحرم بفعل المحرم ما يحتاج في حله إلى الذكاة، ولا حاجة إلى الذكاة في حل تناول البيض ألا ترى أن المسلم والمجوسي فيه سواء فكذا المحرم والحلال، ووجوب الجزاء على المحرم لا يوجب الحرمة كما لو دل حلالا على صيد يلزمه الجزاء، ولا يحرم به تناول الصيد.
(قال) محرم أصاب صيدا كثيرا على قصد الإحلال والرفض لإحرامه فعليه لذلك كله دم عندنا، وقال الشافعي
رحمه الله تعالى - عليه جزاء كل صيد لأنه مرتكب محظور الإحرام بقتل صيد فيلزمه جزاؤه كما لو لم يقصد رفض الإحرام، وهذا لأن قصده هذا ليس بشيء لأن إحرامه لا يرتفض بقتل الصيد فكان وجود هذا القصد كعدمه، وهو بناء على أصله أن في وجوب الجزاء العبرة للمحل دون الفعل فلا معتبر بقصده إلى الرفض بفعله، ولكنا نقول إن قتل الصيد من محظورات الإحرام، وارتكاب محظورات العبادة يوجب ارتفاضها كالصوم والصلاة إلا أن الشرع جعل الإحرام لازما لا يخرج منه إلا بأداء الأعمال ألا ترى أنه حين لم يكن لازما في الابتداء كان يرتفض بارتكاب المحظور، وكذلك الأمة إذا أحرمت بغير إذن مولاها أو المرأة إذا أحرمت بغير إذن زوجها بحجة التطوع لم يكن ذلك لازما في حق الزوج كان له أن يحللها بفعل شيء من المحظورات بها فكان هو في قتل الصيود هنا قاصدا إلى تعجيل الإحلال لا إلى الجناية على الإحرام، وتعجيل الإحلال يوجب دما واحدا كما في حق المحصر بخلاف ما إذا لم يكن على قصد رفض الإحرام لأنه قصد الجناية على الإحرام بقتل كل صيد فيلزمه جزاء كل صيد، وقد بينا أن حكم جزاء الصيد في حق المحرم ينبني على قصده حتى أن ضارب الفسطاط لا يكون ضامنا للجزاء بخلاف ناصب الشبكة.
(قال) ولا يتصدق من جزاء الصيد على والده وولده بمنزلة الزكاة، وصدقة الفطر فإنه مال وجب التصدق به لحق الله تعالى، وإن أعطى منه ذميا أجزأه إلا أن في رواية عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - حيث كل صدقة واجبة لا يجوز صرفها إلى فقراء أهل الذمة، وقد بينا هذه الفصول في كتاب الصوم فهو على ما ذكرناه ثمة.
(قال) وإذا بلغ جزاء الصيد جزورا فهو أحب إلي من أن يشتري بقيمته أغناما لأن المندوب إليه التعظيم في الهدايا قال الله تعالى {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] فما كان أقرب إلى التعظيم فهو أولى، وإن اشترى أغناما فذبحها وتصدق بها أجزأه على قياس سائر الهدايا نحو هدي الإحصار وهدي المتعة.
(قال) وليس عليه أن يعرف بالجزور في جزاء الصيد، ولا أن يقلده لأن سنة التقليد والتعريف فيما يكون نسكا، وهذا دم كفارة فلا يسن فيه التعريف والتقليد، وإن كان لو فعل ذلك لا يضره، وعلى هذا هدي الإحصار والكفارات وكأن المعنى فيه أن ما يكون نسكا فالتشهير فيه أولى ليكون باعثا لغيره على أن يفعل مثل ما فعله فأما ما يكون كفارة فسببه ارتكاب المحظور فالستر على نفسه في مثله أولى من التشهير قال - صلى الله عليه وسلم - «من أصاب من هذا القاذورات شيئا فليستتر يستر الله
تعالى عليه».
[رمى الصيد وهو حلال ثم أحرم]
(قال) وإذا رمى الصيد وهو حلال ثم أحرم فليس عليه في ذلك شيء لأن فعله في الرمي كان مباحا مطلقا، ولأن الجناية على الإحرام بما يتعقبه لا بما يسبقه.
(قال) وإذا رمى طائرا على غصن شجرة أصلها في الحرم أو في الحل لم ينظر إلى أصلها، ولكن ينظر إلى موضع الطائر فإن كان ذلك الغصن في الحل فلا جزاء عليه، وإن كان في الحرم فعليه فيه الجزاء لأن قوام الصيد ليس بالغصن قال الله تعالى {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله} [النحل: 79] فكان المعتبر فيه موضع الصيد فإن كان ذلك الموضع من هواء الحرم فالصيد صيد الحرم، وإن كان من هواء الحل فالصيد صيد الحل فأما في قطع الغصن فينظر إلى أصل الشجرة فإن كان في الحل فله أن يقطعه، وإن كان في الحرم فليس له أن يقطعه لأن قوام الأغصان بالشجرة فينظر إلى أصل الشجرة فيجعل حكم الأغصان حكم أصلها، وإن كان بعض الأصل في الحرم، وبعضه في الحل فهو من شجر الحرم أيضا لأنه اجتمع فيه المعنى الموجب للحظر والموجب للحل فهو بمنزلة صيد قائم بعض قوائمه في الحل وبعضها في الحرم يكون من صيد الحرم بخلاف ما إذا كانت قوائم الصيد في الحل ورأسه في الحرم فإن قوامه بقوائمه دون رأسه إلا أن يكون نائما ورأسه في الحرم فحينئذ قوامه بجميع بدنه فإذا كان جزء منه في الحرم فهو بمنزلة صيد الحرم ثم الأصل في حرمة أشجار الحرم قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها» قال هشام سألت محمدا - رحمه الله تعالى - عن معنى هذا اللفظ فقال كل ما لا يقوم على ساق. وروي أن عمر - رضي الله تعالى عنه - قطع دوحة كانت في موضع الطواف تؤذي الطائفين فتصدق بقيمتها، وحرمة أشجار الحرم كحرمة صيد الحرم فإن صيد الحرم يأوي إلى أشجار الحرم، ويستظل بظلها، ويتخذ الأوكار على أغصانها فكما تجب القيمة في صيد الحرم على من أتلفه فكذلك تجب القيمة على من قطعه، وشجر الحرم ما ينبت بنفسه لا ما ينبته الناس فأما ما ينبته الناس عادة ليس له حرمة الحرم سواء أنبته إنسان أو نبت بنفسه لأن الناس يزرعون ويحصدون في الحرم من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا من غير نكير منكر، ولا زجر زاجر فأما ما لا ينبته الناس عادة إذا أنبته إنسان فلا شيء عليه في قطعه أيضا لأنه ملكه، والتحق فعله بما ينبته الناس عادة فأما إذا نبت بنفسه فله حرمة الحرم، وإن كان مملوكا لإنسان بأن نبت في ملكه حتى قالوا لو نبت في ملك رجل أم غيلان فقطعه إنسان فعليه قيمته لمالكه، وعليه قيمته لحق الشرع
بمنزلة ما لو قتل صيدا مملوكا في الحرم.
(قال) وإن قطع رجلان شجرة من شجر الحرم فعليهما قيمة واحدة على قياس صيد الحرم إذا قتله رجلان إلا أن هنا يستوي إن كانا محرمين أو حلالين بخلاف صيد الحرم لأن حرمة الصيد في حق المحرم بسبب الإحرام فيتكامل على كل واحد منهما فأما حرمة الشجرة بسبب الحرم لأن الإحرام لا يمنع قطع الشجرة فلهذا كان المحرم والحلال في ذلك سواء ويكون الواجب على كل واحد منهما نصف القيمة، ولا يجزئ فيه الصيام إنما يهدي أو يطعم على قياس ما بينا في صيد الحرم في حق الحلال.
(قال) ولا أحب له أن ينتفع بتلك الشجرة التي أدى قيمتها لأنه لو أبيح له ذلك لتطرق الناس إلى مثله فلا تبقى أشجار الحرم، وفي ذلك إيحاش صيد الحرم، ولكنه لو انتفع بها فلا شيء عليه لأن المقطوع صار مملوكا بما غرم من القيمة، وليس للمقطوع حرمة الحرم بعد القطع فلا شيء عليه في الانتفاع ألا ترى أنه لو ذبح صيد الحرم ثم تناوله بعدما أدى الجزاء لم يلزمه بالتناول شيء فهذا مثله فإن غرسها فنبتت فله أن يقطعها، ويصنع بها ما شاء لأن المقطوع ملكه، وهو الذي أنبته، وقد بينا أن ما ينبته الناس لا يثبت فيه حرمة الحرم.
[ما تكسر من شجر الحرم ويبس حتى سقط]
(قال) وما تكسر من شجر الحرم ويبس حتى سقط فلا بأس بالانتفاع به لأن ثبوت الحرمة بسبب الحرم بما يكون ناميا فيه حياة مثله، والمتكسر وما يبس ليس فيه معنى النمو فلا بأس بالانتفاع به.
(قال)، ولا يختلى حشيش الحرم، ولا يقطع إلا الإذخر فإنه بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رخص فيه، وإنما أراد به ما روي «أن العباس - رضي الله عنه - لما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها قال إلا الإذخر يا رسول الله فإنها لقبورهم وبيوتهم، أو لبيوتهم وقبورهم فقال - صلى الله عليه وسلم - إلا الإذخر»، وتأويل هذا أنه كان من قصده - صلى الله عليه وسلم - أن يستثنى إلا أن العباس سبقه لذلك أو كان أوحى أن يرخص فيما يستثنيه العباس - رضي الله عنه - وكما لا يرخص في قطع الحشيش في الحرم بالمنجل فكذلك لا يرخص في رعي الدواب في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا بأس بالرعي لأن الذين يدخلون الحرم للحج أو العمرة يكونون على الدواب، ولا يمكنهم منع الدواب من رعي الحشيش ففي ذلك من الحرج ما لا يخفى فيرخص فيه لدفع الحرج، وعلى قول ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى - لا بأس بأن يحتش، ويرعى لأجل البلوى، والضرورة فيه فإنه يشق على الناس حمل علف الدواب من خارج الحرم، ولكن أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى استدلا بقوله
صلى الله عليه وسلم - «لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، وفي الاحتشاش» ارتكاب النهي، وكذلك في رعي الدواب لأن مشافر الدواب كالمناجل، وإنما تعتبر البلوى فيما ليس فيه نص بخلافه فأما مع وجود النص لا معتبر به
(قال) ولا بأس بأخذ الكمأة في الحرم لأنه ليس من نبات الأرض بل هو مودع فيه، وكذلك لا بأس بأخذ حجارة الحرم، وقد نقل عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما كرها ذلك، ولكنا نأخذ بالعادة الجارية الظاهرة فيما بين الناس بإخراج القدور، ونحوها من الحرم، ولأن الانتفاع بالحجر في الحرم مباح، وما يجوز الانتفاع به في الحرم يجوز إخراجه من الحرم أيضا ثم حرمة الحرم خاصة بمكة عندنا، وليس للمدينة حرمة الحرم في حق الصيود، والأشجار ونحوها، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - للمدينة حرمة الحرم حتى أن من قتل صيدا فيها فعليه الجزاء لقوله - صلى الله عليه وسلم - إن «إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - حرم مكة، وأنا أحرم ما بين لابتيها يعني المدينة، وقال من رأيتموه يصطاد في المدينة فخذوا ثيابه»، وحجتنا في ذلك ما روي «أن رسول الله أعطى بعض الصبيان بالمدينة طائرا فطار من يديه فجعل يتأسف على ذلك، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يا أبا عمير ما فعل النغير» اسم ذلك الطير، وهو طير صغير مثل العصفور، ولو كان للصيد في المدينة حرمة الحرم لما ناوله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صبيا، ولأن هذه بقعة يجوز دخولها بغير إحرام فتكون قياس سائر البلدان بخلاف الحرم فإنه ليس لأحد أن يدخلها إلا محرما
[قتل المحرم البازي المعلم]
(قال) وإذا قتل المحرم البازي المعلم فعليه فيه الكفارة غير قيمته معلما لأن وجوب الجزاء باعتبار معنى الصيدية فكونه معلما صفة عارضة ليست من الصيدية في شيء لأن معنى الصيدية في تنفره، وبكونه معلما ينتقص ذلك، ولا يزداد لأن توحشه من الناس يقل إذا كان معلما فلا يجوز أن يكون ذلك زائدا في الجزاء بخلاف ما إذا كان مملوكا لإنسان فإن متلفه يغرم قيمته معلما لأن وجوب القيمة هناك باعتبار المالية، وماليته بكونه منتفعا به، وذلك يزداد بكونه معلما، وكذلك الحمامة إذا كانت تجيء من موضع كذا ففي ضمان قيمتها على المحرم لا يعتبر ذلك المعنى، وفي ضمان قيمتها للعباد يعتبر فأما إذا كانت تصوت فتزداد قيمتها لذلك ففي اعتبار ذلك الجزاء روايتان في إحدى الروايتين لا يعتبر لأنه ليس من معنى الصيدية في شيء، وفي رواية أخرى يعتبر لأنه وصف ثابت بأصل الخلقة بمنزلة الحمام إذا كان مطوقا
(قال) وإذا اضطر المحرم إلى قتل الصيد فلا بأس بأن يقتله ليأكل من لحمه، ويؤدي الجزاء، وقد بينا هذا فيما
سبق أورد في كتاب اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله تعالى أنه إذا اضطر إلى ميتة أو صيد فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى يتناول من هذا الصيد، ويؤدي الجزاء، وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - يتناول من الميتة لأنه لو قتل الصيد صار ميتة فيكون جامعا بين أكل الميتة، وقتل الصيد، وله عن أحدهما غنية بأن يتناول الميتة، ولكنا نقول حرمة الميتة أغلط ألا ترى أن حرمة الصيد ترتفع بالخروج من الإحرام، وحرمة الميتة لا فعليه أن يتحرز عن أغلظ الحرمتين بالإقدام على أهونهما، وقتل الصيد وإن كان محظور الإحرام ولكنه عند الضرورة لا بأس به كالحلق عند الأذى فلهذا يقتل الصيد، ويتناول من لحمه، ويؤدي الجزاء، والله سبحانه وتعالى أعلم
[باب المحصر]
(باب المحصر) (قال) - رضي الله عنه - الأصل في حكم الإحصار قوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم} [البقرة: 196] أي منعتم من إتمامهما {فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] شاة تبعثونها إلى الحرم لتذبح ثم تحلقون لقوله تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] فعلى المحصر إذا كان محرما بالحج أن يبعث بثمن هدي يشترى له بمكة فيذبح عنه يوم النحر فيحل عن إحرامه، وهذا قول علمائنا رحمهم الله تعالى أن هدي الإحصار مختص بالحرم، وعلى قول الشافعي - رضي الله عنه - لا يختص بالحرم، ولكن يذبح الهدي في الموضع الذي يحصر فيه، وحجته في ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج مع أصحابه - رضي الله عنهم - معتمرا فأحصر بالحديبية فذبح هداياه وحلق بها، وقاضاهم على أن يعود من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام بغير سلاح فيقضي عمرته» فإنما «نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الهدي في الموضع الذي أحصر فيه»، ولأنه لو بعث بالهدي لا يأمن أن لا يفي المبعوث على يده أو يهلك الهدي في الطريق، وإذا ذبحه في موضعه يتيقن بوصول الهدي إلى محله، وخروجه من الإحرام بعد إراقة دمه فكان هذا أولى، وحجتنا في ذلك قوله تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] والمراد به الحرم بدليل قوله تعالى {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] بعدما ذكر الهدايا ولأن التحلل بإراقة دم هو قربة وإراقة الدم لا يكون قربة إلا في مكان مخصوص، وهو الحرم أو زمان مخصوص، وهو أيام النحر ففي غير ذلك المكان والزمان لا تكون قربة، ونقيس هذا
الدم بدم المتعة من حيث إنه تحلل به عن الإحرام، وذلك يختص بالحرم فكذا هذا، وأما ما روي فقد اختلفت الروايات في نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الهدايا حين أحصر فروي «أنه بعث الهدايا على يدي ناجية لينحرها في الحرم حتى قال ناجية: ماذا أصنع فيما يعطب منها؟ قال انحرها واصبغ نعلها بدمها، واضرب بها صفحة سنامها، وخل بينها وبين الناس، ولا تأكل أنت ولا رفقتك منها شيئا»، وهذه الرواية أقرب إلى موافقة الآية قال الله تعالى {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25] فأما الرواية الثانية إن صحت فنقول: الحديبية من الحرم فإن نصفها من الحل ونصفها من الحرم الحرم، ومضارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت في الحل، ومصلاه كان في الحرم فإنما سيقت الهدايا إلى جانب الحرم منها، ونحرت في الحرم فلا يكون للخصم فيه حجة، وقيل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصا بذلك لأنه ما كان يجد في ذلك الوقت من يبعث الهدايا على يده إلى الحرم.
(قال) ثم إذا بعث الهدي إلى الحرم فذبح عنه فليس عليه حلق، ولا تقصير في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى خلافا لأبي يوسف - رحمه الله تعالى -، وقد بينا هذا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - الحلق نسك فعلى المحصر أن يأتي به ثم عليه عمرة وحجة هكذا روى ابن عباس وابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أما قضاء الحج فإن كان محرما بحجة الإسلام فقد بقيت عليه حين لم تصر مؤداة، وإن كان محرما بحجة التطوع فعليه قضاؤها عندنا لأنه صار خارجا منها بعد صحة الشروع قبل أدائها، وعند الشافعي - رضي الله عنه - لا يجب عليه القضاء، وهو نظير الشارع في صوم التطوع إذا أفسده، وقد بيناه في كتاب الصوم، وأما قضاء العمرة فلأنه صار في معنى فائت الحج حين كان خروجه بعد صحة الشروع قبل أداء الأعمال، وعلى فائت الحج أعمال العمرة فإذا لم يأت بها كان عليه قضاء العمرة أيضا.
(قال) وإذا بعث بالهدي فإن شاء أقام مكانه، وإن شاء رجع لأنه لما صار ممنوعا من الذهاب يخير بين المقام والانصراف، وهذا إذا كان محصرا بعدو فإن كان محصرا بمرض أصابه فعندنا هو والمحصر بالعدو سواء يتحلل ببعث الهدي، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - ليس للمريض أن يتحلل إلا أن يكون شرط ذلك عند إحرامه، ولكنه يصبر إلى أن يبرأ فإن هذا حكم ثابت بالنص من الكتاب والسنة، والآية في الإحصار بالعدو بدليل قوله تعالى في آخر الآية {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} [البقرة: 196] ، وكذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محصرا بالعدو ففيما لم يرد
فيه النص يتمسك بالأصل، وهو لزوم الإحرام إلى أن يؤدي الأفعال إلا أن يشترط ذلك عند الإحرام فحينئذ يصير التحلل له حقا بالشرط لما روي «أن ضباعة عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنها كانت شاكية فقال لها أهلي بالحج واشترطي أن تحلي حيث حبست» فلو كان لها أن تتحلل من غير شرط لما أمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشرط، والمعنى فيه أن ما ابتلي به لا يزول بالتحلل فلا يكون له أن يتحلل كالذي ضل الطريق أو أخطأ العدد أو سرقت نفقته بخلاف المحصر بالعدو فإن ما ابتلي به هناك يزول بالتحلل لأنه يرجع إلى أهله فيندفع شر العدو عنه، وحجتنا في ذلك قوله تعالى {فإن أحصرتم} [البقرة: 196] فإن أهل اللغة يقولون إن الإحصار لا يكون إلا في المرض، ففي العدو يقال حصر فهو محصر، وفي المرض يقال أحصر فهو محصر، وقال الفراء - رحمه الله تعالى - يقال في العدو والمرض جميعا أحصر، وحصر في العدو خاصة فقد اتفقوا على أن لفظة الإحصار تتناول المريض، وقوله {فإذا أمنتم} [البقرة: 196] لا يمنع من حمله على المرض، ومعناه إذا برئتم قال - صلى الله عليه وسلم - «الزكام أمان من الجذام، والدمامل أمان من الطاعون» فعرفنا أن لفظة الأمن تطلق في المرض.
وفي الحديث عن الحجاج بن عمر - رحمه الله تعالى - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل» فذكر لابن عباس، وأبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما - فقالا صدق، وعن الأسود بن يزيد قال خرجنا من البصرة عمارا أي معتمرين فلدغ صاحب لنا فأعرضنا الطريق لنسأل من نجده فإذا نحن بركب فيهم ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - فسألناه عن ذلك فقال ليبعث صاحبكم بدم ويواعد المبعوث على يديه أي يوم شاء فإذا ذبح عنه حل، والمعنى فيه أن المعنى الذي لأجله ثبت حق التحلل للمحصر بالعدو موجود هنا، وهو زيادة مدة الإحرام عليه لأنه إنما التزم أن يؤدي أعمال الحج، وبتعذر الأداء تزداد مدة الإحرام عليه، ويلحقه في ذلك ضرب مشقة فأثبت له الشرع حق التحلل، وهذا المعنى موجود هنا فقد يزداد عليه مدة الإحرام بسبب المرض والمشقة عليه في المكث محرما مع المرض أكثر فيثبت له حق التحلل بطريق الأولى، والدليل على أن المعنى هذا لا ما قال إن العدو إذا أحاطوا به من الجوانب الأربعة أو حبسوه في موضع لا يزول ما به بالتحلل بأن إن كان لا يمكنه الرجوع إلى أهله مع ذلك يثبت له حق التحلل عرفنا أن المعنى ما قلنا فأما الذي ضل الطريق عندنا فليس محصرا لأنه إن وجد من يبعث بالهدي على يده فذلك الرجل يهديه إلى الطريق فلا حاجة به إلى
التحلل، وإن لم يجد من يبعث بالهدي، وعلى يديه فإنما يتحلل لعجزه عن تبليغ الهدي محله، والذي أخطأ العدد فائت الحج، وفائت الحج يتحلل بأعمال العمرة فأما إذا سرقت نفقته فذكر ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أنه إن كان يقدر على المشي فليس له أن يتحلل بالهدي، وإن كان لا يقدر على المشي فهو محصر يتحلل بالهدي، وهكذا قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - إلا أنه قال إن كان يعلم أنه يقدر على المشي إلى البيت يلزمه المشي وإلا فلا، ولا يبعد أن لا يلزمه المشي في الابتداء، ويلزمه بعد الشروع كما لا يلزمه حجة التطوع ابتداء، ويلزمه الإتمام إذا شرع فيها، والفقير لا يلزمه حجة الإسلام، ويلزمه الإتمام إذا شرع فيها
(قال) وإذا كان محرما بعمرة فأحصر يتحلل بالهدي إلا على قول مالك - رحمه الله تعالى - فإنه يقول حكم الإحصار لمن يخاف الفوت، والمعتمر لا يخاف الفوت، ولكنا نقول «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أحصر بالحديبية كان محرما بالعمرة»، وقد بينا حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في الملدوغ، والمعنى فيه زيادة مدة الإحرام عليه، والمعتمر في هذا كالحاج فيتحلل بالهدي هنا إلا أنه إذا بعث بالهدي هنا يواعد صاحبه يوما أي يوم شاء لأن عمل العمرة لا يختص بوقت فكذا الهدي الذي يتحلل به عن إحرام العمرة بخلاف المحصر بالحج على قولهما لأن أعمال الحج مختصة بوقت الحج فكذلك الهدي الذي به يتحلل مؤقت بيوم النحر، وإذا حل من عمرته فعليه عمرة مكانها لأن الشروع فيها قد صح
(قال) والقارن يبعث بهديين لأنه محرم بإحرامين، وتحلله عن كل واحد منها يحصل قبل أداء الأعمال فلهذا يبعث بهديين، وإذا تحلل بهما فعليه عمرتان، وحجة يقضيهما بقران أو إفراد لما بينا أن إحدى العمرتين تلزمه للتحلل عن العمرة بعد الشروع فيها، والأخرى للتحلل عن إحرام الحج، وقد بينا في المفرد بالحج أن عليه عمرة وحجة إذا تحلل بالهدي.
(قال) وإن بعث القارن بهدي واحد ليتحلل به من أحد الإحرامين لا يصح ذلك، ولا يتحلل به لأن أوان التحلل من الإحرامين في حق القارن واحد كما قال - صلى الله عليه وسلم - «فلا أحل منهما»، وبالهدي الواحد لا يتحلل منهما فلا يكون له أن يتحلل أصلا.
(قال) وإذا بعث بهديين فلا يحتاج إلى أن يعين الذي للعمرة منهما والذي للحج لأن هذا التعيين غير مفيد فلا يعتبر أصلا ثم المذهب عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن دم الإحصار لا يختص بيوم النحر حتى لو واعد المبعوث على يده بأن يذبح عنه في أول أيام العشر جاز، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يختص بيوم فالإهداء دم يتحلل به من إحرام الحج فيختص بيوم النحر كهدي
المتعة والقران وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - نص في هدي الإحصار على مكان بقوله {حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] فالتقييد بالزمان يكون زيادة عليه فلا يثبت بالرأي ثم هذا بمنزلة دماء الكفارات فإنه يجب للإحلال قبل أوانه، ولهذا لا يباح التناول منه، ودماء الكفارات تختص بالحرم ولا تختص بيوم النحر بخلاف دم المتعة والقران فإنه نسك يباح التناول منه بمنزلة الأضحية.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.58 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.60%)]