عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 14-11-2025, 03:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,070
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع
صـــ 15 الى صـــ 26
(69)





، وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر - رضي الله عنه - في شيء من أمر المناسك فلما زالت الشمس أتى ابن عمر - رضي الله عنه - سرادقه فقال أين هذا؟ فخرج الحجاج فقال إن أردت السنة فالساعة، فقال: انتظرني حتى أغتسل، فانتظره فاغتسل وراح إلى المصلى. والاغتسال في هذا الوقت بعرفات سنة فإن اكتفي بالوضوء أجزأه، وإن اغتسل فهو أفضل كما عند الإحرام، وكما في العيدين والجمعة، ثم يخطب قبل الصلاة خطبتين بينهما جلسة كما في الجمعة والعيدين هكذا فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لأن المقصود تعليم الناس المناسك، والجمع بين الصلاتين من المناسك فيقدم الخطبة عليه لتعليم الناس. ولأنهم بعد الفراغ من الصلاة يتفرقون في الموقف ولا يجتمعون لاستماع الخطبة.
وفي ظاهر المذهب إذا صعد الإمام المنبر فجلس أذن المؤذن كما في الجمعة. وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه يؤذن قبل خروج الإمام؛ لأن هذا الأذان لأداء الظهر كما في سائر الأيام، وهذا قوله الأول فإذا فرغ من الخطبة أقام المؤذن، وصلى الإمام بالناس الظهر ركعتين إذا كان مسافرا، ثم يقوم المؤذن فيقوم ثانية فيصلي بهم العصر من غير أن يتنفل بين الصلاتين هكذا رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - في صفة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لأن تقديم العصر على وقته ليتوصل إلى الوقوف المقصود، ولئلا ينقطع وقوفه فلأن لا يشتغل بالنافلة بين الصلاتين ليحصل هذا المقصود أولى، وإنما يعيد الإقامة للعصر؛ لأنه معجل على وقته المعهود فيعيد الإقامة له إعلاما للناس، وإن اشتغل بالتطوع بين الصلاتين أعاد الأذان للعصر إلا في رواية ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أنه قال: مادام في وقت الظهر لا يعيد الأذان للعصر فأما في ظاهر الرواية فاشتغاله بالنفل أو بعمل آخر يقطع فور الأذان الأول فيعيد الأذان للعصر.
(قال) وإن لم يدرك الجمع مع الإمام، وأراد أن يصلي وحده صلى كل صلاة لوقتها في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعلى قول أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله تعالى يجمع بينهما كما يفعل مع الإمام قال في الكتاب بلغنا ذلك عن عائشة وابن عمر - رضي الله عنهما -، وعلل فقال؛ لأن العصر إنما قدمت لأجل الوقت.
ومعنى هذا الكلام أن الجمع بين الصلاتين إنما جاز لحاجته إلى امتداد الوقوف فإن الموقف هبوط وصعود لا يمكن تسوية الصفوف فيها فيحتاجون إلى الخروج منها والاجتماع لصلاة العصر فينقطع وقوفهم، وامتداد الوقوف إلى غروب الشمس واجب
فللحاجة إلى ذلك جوز له الجمع بين الصلاتين، وفي هذا المنفرد والذي يصلي مع الإمام سواء، وقاس هذا الجمع بالجمع الثاني بالمزدلفة فإن الإمام فيه ليس بشرط بالاتفاق، وهذا النسك معتبر بسائر المناسك في أنه لا يشترط فيه الإمام وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - استدل بقوله تعالى {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103] أي فرضا مؤقتا فالمحافظة على الوقت في الصلاة فرض بيقين فلا يجوز تركه إلا بيقين، وهو الموضوع الذي ورد النص به، وإنما ورد النص بجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين، والخلفاء من بعده فلا يجوز الجمع إلا بتلك الصفة، وكأن المعنى فيه أن هذا الجمع مختص بمكان وزمان، ومثله لا يجوز إلا بإمام كإقامة الخطبة مقام ركعتين في الجمعة لما كان مختصا بمكان وزمان كان الإمام شرطا فيه بخلاف الجمع الثاني فإنه أداء المغرب في وقت العشاء، وذلك غير مختص بمكان وزمان فأما هذا تعجيل العصر على وقته، وذلك لا يجوز إلا في هذا المكان، وهذا الزمان، ثم يسلم أن هذا الجمع لأجل الوقوف، ولكن الحاجة إلى الجمع للجماعة لا للمنفرد؛ لأن المنفرد يمكن أن يصلي العصر في وقته في موضع وقوفه فإن المصلي واقف فلا ينقطع وقوفه بالاشتغال بالصلاة، وإنما يحتاجون إلى الخروج لتسوية الصفوف إذا أدوها بالجماعة، ولأنه يشق عليهم الاجتماع فإنهم بعد الفراغ من الصلاة يتفرقون في الموقف فيختار كل واحد منهم موضوعا خاليا يناجي فيه ربه عز وجل، وهذا المعنى ينعدم في حق المنفرد؛ لأنه يمكنه أداء العصر في وقته في موضع خلوته، وحديث عائشة وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - محمول على الإمام الأجل، وهو الخليفة، أنه ليس بشرط، ثم يعارضه قول ابن مسعود - رضي الله عنه - يصلي المنفرد كل صلاة لوقتها
(قال) ولو فاته الظهر مع الإمام، وأدرك العصر معه عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لم يجمع بينهما أيضا، وعند زفر - رحمه الله تعالى - يجمع بينهما؛ لأن التغيير إنما وقع في العصر فإنها معجلة على وقتها، واشتراط الإمام لوقوع التغيير فيقتصر على ما وقع فيه التغيير.
وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن العصر في هذا اليوم كالتبع للظهر؛ لأنهما صلاتان أديتا في وقت واحد، الثانية منهما مرتبة على الأولى فكان بمنزلة العشاء مع الوتر فكما أن الوتر تبع للعشاء فكذلك العصر تبع للظهر هنا، ولما جعل الإمام شرطا في التبع كان شرطا في الأصل بطريق الأولى، ودليل التبعية أنه لا يجوز العصر في هذا اليوم إلا بعد صحة أداء الظهر، حتى لو تبين في يوم الغيم أنهم صلوا الظهر قبل الزوال، والعصر بعده لزمهم إعادة الصلاتين، وكذلك لو جدد الوضوء بين
الصلاتين، ثم تبين أنه صلى الظهر بغير وضوء لزمه إعادة الصلاتين بخلاف سائر الأيام.
وعلى هذا الإحرام بالحج شرط لأداء هاتين الصلاتين حتى إن الحلال إذا صلى الظهر مع الإمام، ثم أحرم بالحج فصلى العصر، والمحرم بالعمرة صلى الظهر مع الإمام، ثم أحرم بالحج فصلى العصر معه لم يجزه العصر إلا في وقتها، وعند زفر - رحمه الله تعالى - يجزيه، وفي إحدى الروايتين يشترط لهذا الجمع أن يكون محرما بالحج قبل زوال الشمس؛ لأن بزوال الشمس يدخل وقت الجمع، ويختص بهذا الجمع المحرم بالحج فيشترط تقديم الإحرام بالحج على الزوال وفي الرواية الأخرى وإن أحرم بالحج بعد الزوال فله أن يجمع بين الصلاتين؛ لأن اشتراط الإحرام بالحج لأجل الصلاة لا لأجل الوقت فإذا صلى العصر راح إلى الموقف فوقف به، ويحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويهلل، ويكبر، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويلبي، ويدعو الله تعالى بحاجته.
والحاصل فيه أنه يقف في أي موضع شاء من الموقف، الأفضل أن يقف بالقرب من الإمام؛ لأن الإمام يعلم الناس ما يحتاجون إليه، ويدعو فمن كان أقرب إليه كان أقرب إلى الاستماع، والتأمين على دعائه فيكون أفضل
(قال)، وينبغي أن يقف مستقبل القبلة إن شاء راكبا، وإن شاء على قدميه، وقد ذكر جابر - رضي الله عنه - في حديثه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف على راحلته، وجعل نحرها إلى بطن المحراب فوقف عليها مستقبل القبلة يدعو»، وفي الحديث «خير المواقف ما استقبلت به القبلة»، وإن اختار بوقوفه موضعا آخر بالبعد من الإمام جاز لحديث عطاء - رحمه الله تعالى - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «عرفة كلها موقف، وفجاج مكة كلها منحر». وفي حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن، وادي محسر، وفي وقوفه يدعو هكذا» رواه علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات لا إله إلا الله وحده لا شريك له. . . إلى آخره، اللهم اجعل لي في قلبي نورا، وفي سمعي نورا وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري». حديث فيه طول، وقد بينا أنه يختار من الدعاء ما يشاء واجتهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء في هذا الموقف لأمته فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم.
(قال) ويلبي في هذا الموقف عندنا. وقال مالك - رحمه الله تعالى - الحاج يقطع التلبية كما يقف بعرفة؛ لأن إجابته باللسان إلى أن يحضر، وقد تم حضوره فإن معظم أركان الحج الوقوف
بعرفة قال - صلى الله عليه وسلم - «الحج عرفة». ولكنا نستدل بحديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - «أنه لبى عشية عرفة فقال له رجل: يا شيخ ليس هذا موضع التلبية فقال ابن مسعود - رضي الله عنه - أجهل الناس أم طال بهم العهد لبيك عدد التراب لبيك حججت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة»، ولأن التلبية في هذه العبادة كالتكبير في الصلوات، وكما يأتي بالتكبير إلى آخر الصلاة فكذلك يأتي بالتلبية هنا إلى وقت الخروج من الإحرام، وذلك عند الرمي يكون
(قال) وإذا غربت الشمس دفع على هينته على هذا اتفق رواة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه وقف بعرفة حتى إذا غربت الشمس دفع منها».
وروي «أنه خطب عشية عرفة فقال: أيها الناس إن أهل الجاهلية والأوثان يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس إذا تعممت بها رءوس الجبال كعمائم الرجال في وجوههم، وإن هدينا ليس كهديهم فادفعوا بعد غروب الشمس» فقد باشر ذلك، وأمر به إظهارا لمخالفة المشركين فليس لأحد أن يخالف ذلك إلا أنه إن خاف الزحام فتعجل قبل الإمام فلا بأس به إذا لم يخرج من حدود عرفة قبل غروب الشمس، وكذلك إن مكث قليلا بعد غروب الشمس، وذهاب الإمام مع الناس لخوف الزحام فلا بأس به بعد أن لا يطوله لحديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها بعد إفاضة الإمام دعت بشراب فأفطرت، ثم أفاضت.
(قال) ويمشي على هينته في الطريق هكذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أيها الناس ليس البر في إيجاف الخيل، ولا في إيضاع الإبل، عليكم بالسكينة والوقار».
وروى جابر - رضي الله تعالى عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي على راحلته في الطريق على هينته حتى إذا كان في بطن الوادي أوضع راحلته وجعل يقول:
إليك تعدو قلقا وضينها ... مفارقا دين النصارى دينها
معترضا في بطنها جنينها
» فزعم بعض الناس أن الإيضاع في هذا الموضع سنة، ولسنا نقول به، وتأويله أن راحلته كلت في هذا الموضع فبعثها فانبعثت كما هو عادة الدواب لا أن يكون قصده الإيضاع
(قال)، ولا يصلي المغرب حتى يأتي المزدلفة لما روي «أن أسامة بن زيد - رحمه الله تعالى - كان رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطريق من المزدلفة فقال: الصلاة يا رسول الله فقال - عليه الصلاة والسلام - الصلاة أمامك»، ومراده من هذا اللفظ إما الوقت أو المكان، ولم
يصل حتى انتهى إلى المزدلفة فكان ذلك دليلا ظاهرا على أنه لا يشتغل بالصلاة قبل الإتيان إلى المزدلفة فإذا أتى المزدلفة نزل بها مع الناس، وإنما ينزل عن يمين الطريق أو عن يساره، ويتحرز عن النزول على الطريق كي لا يضيق على المارة، ولا يتأذى هو بهم «فيصلي المغرب والعشاء بأذان، وإقامة واحدة»، وقال زفر - رحمه الله تعالى - بأذان وإقامتين. هكذا رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأما جابر - رضي الله عنه - فيروي «أنه جمع بينهما بأذان وإقامة واحدة». والمراد بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - هذا أيضا إلا أنه سمى الأذان إقامة، وكل واحدة منهما يسمى باسم صاحبه قال - صلى الله عليه وسلم - «بين كل أذانين صلاة لمن شاء». يريد بين الأذان والإقامة، ثم العشاء هنا مؤداة في وقتها المعهود فلا تقع الحاجة إلى إفراد الإقامة لها بخلاف العصر بعرفات فإنها معجلة على وقتها.
وإن صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الإقامة فتأويله أنه اشتغل بين الصلاتين بنفل أو شغل آخر، وعندنا في مثل هذا الموضع تفرد الإقامة للعشاء، وقد ذكر في بعض روايات ابن عمر - رضي الله عنه - أنه تعشى بعد المغرب، ثم أفرد الإقامة للعشاء.
(قال) ثم يبيت بها فإذا انشق الفجر صلى الفجر بغلس. هكذا رواه جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى العشاء بالمزدلفة بسط له شيء فبات عليه فلما طلع الفجر صلى الفجر».
«وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة قبل ميقاتها إلا صلاة الفجر صبيحة الجمع فإنه صلاها يومئذ بغلس»، ولأن الإسفار بالفجر وإن كان أفضل في سائر المواضع ففي هذا الموضع التغليس أفضل لحاجته إلى الوقوف بعده، وفي الإسفار بعض التأخير في الوقوف فإذا كان يجوز تعجيل العصر على وقتها للحاجة إلى الوقوف بعدها فلأن يجوز التغليس كان أولى
(قال) ثم يقف بالمشعر الحرام مع الناس يحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويهلل، ويكبر، ويلبي، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدعو الله تعالى بحاجته، وهذا الوقوف منصوص عليه في القرآن، والوقوف بعرفات مشار إليه في قوله تعالى {فإذا أفضتم من عرفات} [البقرة: 198] الآية، وقد «وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموضع يدعو حتى قال ابن عباس - رضي الله عنه - رأيت يديه عند نحره بالمشعر الحرام، وهو يدعو كالمستطعم المسكين»، وإنما تم مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموقف فإنه دعا لأمته فاستجيب له في الدماء والمظالم أيضا، والناس في الجاهلية كانوا متفقين على هذا
الموقف مختلفين في الوقوف بعرفة فإن الحمس كانوا لا يقفون بعرفة، ويقولون لا يعظم غير الحرم حتى «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقف بعرفة جعل الناس يتعجبون، ويقولون فيما بينهم هذا من الحمس فما باله خرج من الحرم» فعرفنا أنه ينبغي أن لا يترك الوقوف بالمشعر الحرام حتى إذا أسفر جدا دفع قبل أن تطلع الشمس. هكذا رواه جابر، وابن عمر - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بالمشعر الحرام حتى إذا كادت الشمس أن تطلع دفع إلى منى. وإن أهل الجاهلية كانوا لا يدفعون من هذا الموقف حتى تطلع الشمس فإذا طلعت، وصارت كعمائم الرجال على رءوس الجبال دفعوا، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير. فخالفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفع قبل طلوع الشمس» فيجب الأخذ بفعله لما فيه من إظهار مخالفة المشركين كما في الدفع من عرفات فإذا أتى منى يأتي جمرة العقبة، ويرميها من بطن الوادي بسبع حصيات مثل حصى الخذف لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أتى منى يوم النحر لم يعرج على شيء حتى رمى جمرة العقبة، وقال: أول نسكنا هنا بمنى أن نرمي، ثم نذبح، ثم نحلق ويرميها من بطن الوادي»
لما روي «أن ابن مسعود - رضي الله عنه - وقف في بطن الوادي فرمى سبع حصيات فقيل له: إن ناسا يرمونها من فوقها فقال: أجهل الناس أم نسوا هذا والله الذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة»، وهكذا نقل عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه رمى جمرة العقبة من بطن الوادي، وقال هكذا فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يرمي مثل حصى الخذف لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ابن عباس - رضي الله عنهما - أن يناوله سبع حصيات فأخذهن بيده، وجعل يقول للناس: بمثل هذا فارموا». وفي رواية «عليكم بحصى الخذف لا يؤذي بعضكم بعضا».
والمقصود اتباع سنة الخليل - عليه السلام -، وبهذا القدر يحصل المقصود فلو رمى بأكبر من حصى الخذف ربما يصيب إنسانا فيؤذيه ويكبر مع كل حصاة، ويقطع التلبية عند أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة أما قطع التلبية عند الرمي فقد رواه ابن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا رواه جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة».
أما التكبير عند كل حصاة فقد رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعن سالم بن عبد الله «أنه لما أراد الرمي وقف في بطن الوادي وجعل يقول عند رمي كل حصاة: بسم الله والله أكبر اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا»، ثم قال: هكذا حدثني أبي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أنه قال عند كل حصاة مثل ما قلت
(قال) وابتداء وقت الرمي عندنا من وقت طلوع الفجر من يوم النحر، وعلى قول سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - من وقت طلوع الشمس، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يجوز الرمي بعد النصف الأول من ليلة النحر، واستدل الثوري - رحمه الله تعالى - بحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم ضعفة أهله من المزدلفة، وجعل يلطح أفخاذهم ويقول أغيلمة بني عبد المطلب لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس».
وحجتنا في ذلك ما روي «أنه لما قدم ضعفة أهله قال أي بني لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين» فنعمل بالحديثين جميعا فنقول بعد الصبح يجوز، وتأخيره إلى ما بعد طلوع الشمس أولى، واستدل الشافعي - رحمه الله تعالى - بما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص للرعاة أن يرموا ليلا»، وتأويل ذلك عندنا في الليلة الثانية والثالثة دون الأولى، والمعنى فيه أن دخول وقت الرمي بخروج وقت الوقوف إذ لا يجتمع الرمي والوقوف في وقت واحد ووقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر، فوقت الرمي يكون بعده أو وقت الرمي هو وقت التضحية، وإنما يدخل وقت التضحية بطلوع الفجر الثاني فكذلك وقت الرمي.
(قال) ولا يرمي يومئذ من الجمار غيرها لحديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرم في اليوم الأول إلا جمرة العقبة
(قال) ولا يقوم عندها؛ لأنه قد بقي عليه أعمال يحتاج إلى أدائها في هذا اليوم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقم عند جمرة العقبة، ولكنه يأتي منزله فيحلق أو يقصر، والحلق أفضل؛ لأنه جاء أوان التحلل عن الإحرام، والتحلل بالحلق أو بالتقصير كما أشار الله عز وجل إليه في قوله {، ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] وقضاء التفث بالحلق يكون.
وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذبح هداياه دعا بالحلاق فأهوى إليه الشق الأيمن من رأسه فحلقه، وقسم شعره على أصحابه - رضي الله عنهم -، ثم حلق الشق الأيسر وأعطى شعره أم سليم - رضي الله عنها -»، ولم يذكر الذبح هنا؛ لأنه من حكم المفرد بالحج، وليس عليه هدي وهو مسافر أيضا لا تلزمه التضحية، ولكنه لو تطوع بذبح الهدي فهو حسن يذبحه بعد الرمي قبل الحلق لما روينا أن أول نسكنا أن نرمي، ثم نذبح، ثم نحلق والحلق أفضل من التقصير؛ لأن الله تعالى بدأ به في كتابه في قوله {محلقين رءوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] وقال {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] فهذا بيان أنه ينبغي أن يتحلل بالحلق. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «رحم الله المحلقين فقيل: والمقصرين فقال: رحم الله المحلقين حتى قال في الرابعة: والمقصرين» فقد
ظاهر في هذا الدعاء ثلاث مرات للمحلقين فدل أنه أفضل.
(قال) ثم قد حل له كل شيء إلا النساء فالحاصل أن في الحج إحلالين: أحدهما بالحلق، والثاني بالطواف. فبالحلق يحل له كل شيء كان حراما على المحرم إلا النساء، وقال مالك - رحمه الله تعالى - إلا النساء والطيب. وقال الليث - رحمه الله تعالى - إلا النساء وقتل الصيد؛ لأنهما محرمان بنص القرآن فلا ترتفع حرمتهما إلا بتمام الإحلال، ولكنا نقول قتل الصيد ليس نظير الجماع ألا يرى أن الإحرام يفسد بالجماع، وقتل الصيد لا يفسده فكان هو نظير سائر المحظورات يرتفع بالحلق ومالك - رحمه الله تعالى - يقول استعمال الطيب من دواعي الجماع فلا يحل إلا بالطواف كنفس الجماع، وحجتنا حديث عائشة - رضي الله عنها - «كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت» واستعمال الطيب لا يفسد الإحرام بحال بخلاف النساء فكان قياس سائر المحظورات.
ولهذا الأصل قال الشافعي - رحمه الله تعالى - حرمة الجماع فيما دون الفرج ترتفع بالحلق أيضا؛ لأنه لا يفسد الإحرام بحال. ولكنا نقول ما يقصد منه قضاء الشهوة بالنساء فحله مؤخر أيضا إلى تمام الإحلال بالطواف شرعا، وفي ذلك الجماع في الفرج، وفيما بعد الفرج سواء
(قال) ثم يزور من يومه ذلك البيت إن استطاع أو من الغد أو من بعد الغد، ولا يؤخره إلى ما بعد ذلك فيطوف به أسبوعا، ويصلي ركعتين لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق أفاض إلى مكة فطاف بالبيت، ثم عاد إلى منى، وصلى الظهر بمنى»، وفي بعض الروايات «أنه أتى بمكة ليلا فطاف»، ووجه التوفيق «أنه في أيام منى كان يأتي مكة بالليل مستترا فيطوف، فمن رأى ذلك منه ظن أن طوافه ذلك للزيارة» فنقل كما وقع عنده، وإنما طاف للزيارة قبل الظهر، وطواف الزيارة ركن الحج، وهو الحج الأكبر في تأويل قوله تعالى {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة: 3] ووقته أيام النحر فلا ينبغي أن يؤخره عن أيام النحر، والأفضل أداؤه في أول أيام النحر كالتضحية لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها، ثم لم يذكر السعي» عقيب هذا الطواف؛ لأنه قد سعى عقيب طواف التحية، وليس عليه في الحج إلا سعي واحد فإن قيل: السعي واجب أو ركن وطواف التحية سنة فكيف يترتب ما هو واجب على ما هو سنة؟ قلنا: نعم لكن الشرع جوز له أداء هذا الواجب عقيب طواف هو سنة للتيسير فإن الطواف الذي هو ركن لا يجوز قبل يوم النحر، وفي يوم النحر على الحاج أعمال كثيرة، ولو وجب عليه أداء السعي
في هذا اليوم لحقته المشقة فللتيسير جوز له أداء السعي عقيب طواف التحية فلا يعيده يوم النحر، وكذلك لا يرمل في طوافه يوم النحر؛ لأن الرمل سنة أول طواف يأتي به في الحج فقد أتى به في طواف التحية فلا يعيده في طواف الزيارة لكنه يصلي ركعتين عقيب الطواف؛ لأن ختم كل طواف يكون بركعتين واجبا كان الطواف أو نفلا، ثم قد حل له النساء؛ لأنه تم إحلاله، ثم يرجع إلى منى فإذا كان الغد يوم النحر رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس يبدأ بالتي تلي المسجد فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يأتي المقام الذي يقوم فيه الناس فيقوم فيه فيحمد الله جلت قدرته، ويثني عليه، ويهلل، ويكبر، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدعو بحاجته، ثم يأتي الجمرة الوسطى فيرميها بسبع حصيات كذلك، ثم يقوم حيث يقوم الناس فيصنع في قيامه كما صنع في الأول، ثم يأتي جمرة العقبة فيرميها من بطن الوادي بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة، ولا يقيم عندها.
هكذا رواه جابر - رضي الله عنه - مفسرا فيما نقل من نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والحديث المشهور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: عند افتتاح الصلاة، وعند القنوت في الوتر، وفي العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة وبعرفات»، وبجمع عند المقامين عند الجمرتين، وهذا دليل على أنه إنما يقيم عند الجمرتين الأولى، والوسطى، ولا يقيم عند جمرة العقبة، والمراد من رفع اليدين الرفع للدعاء دل على أن الدعاء عند المقامين، وينبغي للحاج أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في دعائه في هذا الموقف قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج»، والحاصل أن كل رمي بعده رمي فحال الفراغ منه حال وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه، وكل رمي ليس بعده رمي فبالفراغ منه قد فرغ من العبادة فلا يقيم بعده للدعاء، ولم يذكر الكتاب أن الرمي ماشيا أفضل أم راكبا، وحكي عن إبراهيم الجراح قال دخلت على أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في مرضه الذي مات فيه ففتح عينيه وقال: الرمي راكبا أفضل أم ماشيا؟ فقلت: ماشيا فقال: أخطأت فقلت: راكبا فقال: أخطأت، ثم قال: كل رمي كان بعده وقوف فالرمي فيه ماشيا أفضل، وما ليس بعده وقوف فالرمي راكبا أفضل، فقمت من عنده فما انتهيت إلى باب الدار حتى سمعت الصراخ لموته فتعجبت من حرصه على العلم في مثل تلك الحالة. والذي رواه جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى الجمار كلها راكبا» إنما فعله ليكون أشهر للناس حتى يقتدوا به فيما يشاهدون منه، ألا ترى
أنه قال: «خذوا عني مناسككم فلا أدري لعلي لا أحج بعد هذا العام فإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث حين تزول الشمس كذلك، ثم ينفر إن أحب من يومه فإن أقام إلى الغد، وهو آخر أيام التشريق، فعل كما فعل بالأمس» لقوله تعالى {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] .
(قال) وقد كان يكره له أن ينفر قبل أن يقدم ثقله لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يمنع الناس منه، ويؤدب عليه، ولأنه شغل قلبه بهم إذ قدمهم قبله وربما يمنعه شغل القلب من إتمام سنة الرمي، ولا يأمن أن يضيع شيء من أمتعتهم، فلهذا كره له أن يقدم ثقله.
(قال) ثم يأتي الأبطح فينزل به ساعة، وهذا اسم موضع «قد نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انصرف من منى إلى مكة يسمى المحصب والأبطح، وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: ليس النزول فيه بسنة ولكنه موضع نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» اتفاقا، والأصح عندنا أنه سنة، وإنما نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصدا على ما روى أنه «قال لأصحابه - رضي الله عنهم - بمنى إنا نازلون غدا بالخيف خيف بني كنانة حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم يريد به الإشارة إلى عهد المشركين في ذلك الموضع هجران بني هاشم» فعرفنا أنه نزوله إراءة للمشركين لطيف صنع الله تعالى به فيكون النزول فيه سنة بمنزلة الرمل في الطواف
(قال) ثم يطوف طواف الصدر، ويصلي ركعتين لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف» ورخص للنساء الحيض، ويسمى هذا الطواف طواف الوداع، وطواف الصدر؛ لأنه يودع به البيت، ويصدر به عن البيت.
(قال) ثم يرجع إلى أهله، وقد قال شيخنا الإمام - رحمه الله تعالى: يستحب له أن يأتي الباب ويقبل العتبة، ويأتي الملتزم فيلتزمه ساعة يبكي، ويتشبث بأستار الكعبة ويلصق جسده بالجدار إن تمكن، ثم يأتي زمزم فيشرب من مائه ثم يصب منه على بدنه، ثم ينصرف، وهو يمشي وراءه ووجهه إلى البيت متباكيا متحسرا على فوات البيت حتى يخرج من المسجد.
فهذا بيان تمام الحج الذي أراده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، وقال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»
(قال) وإن كان الذي أتى مكة لطواف الزيارة بات بها فنام متعمدا أو في الطريق فقد أساء، وليس عليه شيء إلا الإساءة لما روي أن عمر - رضي الله عنه - كان يؤدب الناس على ترك المقام بمنى في ليالي الرمي، ولكن
ليس عليه شيء عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - إن ترك البيتوتة ليلة فعليه مد، وإن ترك ليلتين فعليه مدان، وإن ترك ثلاث ليال فعليه دم، وقاس ترك البيتوتة في وجوب الجزاء به بترك الرمي، ولكنا نستدل بحديث العباس - رضي الله عنه - «أنه استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البيتوتة بمكة في ليالي الرمي لأجل السقاية فأذن له في ذلك»، ولو كان ذلك واجبا ما رخص له في تركه لأجل السقاية، ولأن هذه البيتوتة غير مقصودة بل هي تبع للرمي في هذه الأيام فتركها لا يوجب إلا الإساءة كالبيتوتة بمزدلفة ليلة يوم النحر، والله أعلم.
[باب القران]
(باب القران) (قال) - رضي الله عنه - ومن أراد القران فعل مثل ذلك (والكلام هنا في فصول) أحدها في تفسير القران والتمتع والإفراد: فالقران هو الجمع بين الحج والعمرة بأن يحرم بهما أو يحرم بالحج بعد إحرام العمرة قبل أداء الأعمال من قولهم قرن الشيء إذا جمع بينهما، والتمتع هو الترفق بأداء النسكين في سفر واحد من غير أن يلم بينهما بأهله إلماما صحيحا، والإفراد بالحج أن يحج أولا، ثم يعتمر بعد الفراغ من الحج أو يؤدي كل نسك في السفر على حدة أو يكون أداء العمرة في غير أشهر الحج
[فصل الأفضل من أنواع الحج]
(والفصل الثاني) في بيان الأفضل فعندنا الأفضل هو القران، ثم بعده التمتع، وعلى رواية ابن شجاع عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى الإفراد أفضل من التمتع.
وعن محمد - رحمه الله تعالى - قال حجة كوفية، وعمرة كوفية أفضل عندي من القران، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - الإفراد أفضل من القران، وعلى قول مالك - رحمه الله تعالى - التمتع أفضل من القران فالشافعي استدل بحديث جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مفردا بالحج، وأنا ممن كنت أفرد»، وهكذا روت عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مفردا بالحج، وإنما حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة مرة فما كان يترك ما هو الأفضل فيما يؤديه مرة واحدة»، ولأن القران رخصة كما «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - إنما أجرك على قدر تعبك ونصبك»، وإنما القران رخصة، والإفراد عزيمة، والتمسك بالعزيمة خير من التمسك بالرخصة، ولأن في الإفراد زيادة الإحرام، والسعي والحلق فإن القارن يؤدي النسكين بسفر واحد، ويلبي لهما تلبية واحدة، ويحلق لهما حلقا واحدا، ولأجل هذا النقصان يجب عليه
الدم جبرا، والمفرد يؤدي كل نسك بصفة الكمال، وأداء النسك بصفة الكمال يكون أفضل من إدخال النقصان والجبر فيها ومالك - رحمه الله تعالى - استدل بحديث عثمان - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمتع بالعمرة إلى الحج»، وعلماؤنا رحمهم الله تعالى استدلوا بحديث علي، وابن مسعود، وعمران بن الحصين - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى سعيين».
وعن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: «كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تقصع بجرتها، ولعابها يسيل على كتفي، وهو يقول لبيك بحجة وعمرة معا»، وأهل الحديث جمعوا رواة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانوا ثلاثين نفرا فعشرة منهم تروي أنه كان قارنا، وعشرة أنه كان مفردا، وعشرة أنه كان متمتعا فنوفق بين هذه الروايات فنقول «لبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولا بالعمرة فسمعه بعض الناس، ثم رأوه بعد ذلك حج فظنوا أنه كان متمتعا فنقلوا كما وقع عندهم، ثم لبى بعد ذلك بالحج فسمعه قوم آخرون فظنوا أنه كان مفردا بالحج، ثم لبى بهما فسمعه قوم آخرون فعلموا أنه كان قارنا»، وكل نقل ما وقع عنده، وهو نظير ما روينا من توفيق ابن عباس - رضي الله عنه - في اختلاف الروايات في وقت تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لما وقع الاختلاف في فعله نصير إلى قوله، وقد «قال - صلى الله عليه وسلم: وأتاني آت من ربي، وأنا بالعقيق فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل لبيك بحجة وعمرة معا، وقال - صلى الله عليه وسلم - يا آل محمد أهلوا بحجة وعمرة معا»، ولأن في القران معنى الوصل والتتابع في العبادة.
ومعنى الجمع بين العبادتين، وهو أفضل من إفراد كل واحد منهما كالجمع بين الصوم والاعتكاف والجمع بين الحراسة في سبيل الله تعالى مع صلوات الليل، ولأن في القران زيادة نسك، وهو إراقة دم الهدي، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «أفضل الحج العج والثج» والثج إراقة الدم. والكلام في الحقيقة ينبني على هذا الحرف فإن دم القران عنده دم جبر حتى لا يباح التناول منه، وعندنا هو دم نسك يباح التناول منه، والدليل على أنه دم نسك أنه يتوقف بأيام النحر كالأضحية، ودم الجبر لا يتوقت به، وإن سببه مباح محض، ودم الجبر يستدعي سببا محظورا؛ لأن النقصان إنما يتمكن بارتكاب ما لا يحل، وقد تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هداياه على ما روي «أنه ساق مائة بدنة فنحر نيفا وستين بنفسه، وولى الباقي عليا - رضي الله عنه -، ثم أمر أن يؤخذ
من كل واحدة قطعة فتطبخ له فأكل من لحمها، وحسا من مرقها»، وقد صح عندنا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا فدل أن دم القران يباح التناول منه وإذا ثبت أنه دم نسك فما يكون فيه زيادة نسك فهو أفضل، ولهذا جعل التمتع أفضل من الإفراد في ظاهر الرواية؛ لأن فيه زيادة نسك إلا أن القران أفضل منه لما فيه من زيادة التعجيل بالإحرام بالحج، واستدامة إحرامهما من الميقات إلى أن يفرغ منهما، وفي حق التمتع العمرة ميقاتية، والحجة مكية، وعلى رواية ابن شجاع - رحمه الله تعالى - الإفراد أفضل من التمتع لهذا المعنى أن حجة المتمتع مكية يحرم بها من الحرم، والمفرد يحرم بكل واحد منهما من الحل، ولهذا جعل محمد - رحمه الله تعالى - الإفراد بكل واحد منهما من الكوفة أفضل؛ لأنه ينشئ سفرا مقصودا لكل واحد منهما، وقد صح أن عمر - رضي الله عنه - نهى الناس عن المتعة فقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا أنهى الناس عنهما متعة النساء ومتعة الحج، وتأويله أنه كره أن يخلو البيت عن الزوار في غير أشهر الحج فأمرهم أن يعتمروا بسفر مقصود في غير أشهر الحج كي لا يخلو البيت من الزوار في شيء من الأوقات لا أن يكون التمتع مكروها عنده بدليل حديث الصبي بن معبد قال: كنت امرأ نصرانيا فأسلمت فوجدت الحج والعمرة واجبتين علي فقرنت بينهما فلقيت نفرا من الصحابة فيهم زيد بن صوحان، وسلمان بن ربيعة - رضي الله عنهما - فقال أحدهما لصاحبه: هو أضل من بعيره فلقيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأخبرته بذلك فقال: ما قالا ليس بشيء هديت لسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.33 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]