
14-11-2025, 04:11 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,255
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع
صـــ 2 الى صـــ 14
(68)
[كتاب المناسك]
(قال) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله تعالى -
اعلم أن الحج في اللغة: القصد، ومنه قول القائل
وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا
أي يقصدون له معظمين إياه، وفي الشريعة: عبارة عن زيارة البيت على وجه التعظيم لأداء ركن من أركان الدين عظيم، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بقصد، وعزيمة، وقطع مسافة بعيدة. فالاسم شرعي فيه معنى اللغة.
والمناسك جمع النسك، والنسك اسم لكل ما يتقرب به إلى الله عز وجل، ومنه سمي العابد ناسكا، ولكنه في لسان الشرع عبارة عن أركان الحج قال الله تعالى {فإذا قضيتم مناسككم} [البقرة: 200] وفرضية الحج ثابتة بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97]
وآكد ما يكون من ألفاظ الإلزام كلمة على.
وأما السنة فقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من وجد زادا وراحلة يبلغانه بيت الله تعالى ولم يحج حتى مات فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا».
وفي رواية «فليمت على أي ملة شاء سوى ملة الإسلام، وتلا قوله تعالى {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] »
وسبب وجوب الحج ما أشار الله تعالى إليه في قوله {حج البيت} [آل عمران: 97] فالواجبات تضاف إلى أسبابها، ولهذا لا يجب في العمر إلا مرة واحدة لأن سببه، وهو البيت غير متكرر، والأصل فيه حديث «الأقرع بن حابس - رضي الله تعالى عنه - حيث قال يا رسول الله الحج في كل عام أم مرة فقال - صلى الله عليه وسلم - بل مرة فما زاد فتطوع» والوقت فيه شرط الأداء، وليس بسبب، ولهذا لا يتكرر بتكرار الوقت إلا أن أركان هذه العبادة متفرقة على الأمكنة، والأزمنة
فلا يجوز إلا بمراعاة الترتيب فيها، ولهذا لا يتأدى طواف الزيارة قبل الوقوف كما لا يتأدى السجود في فصل الصلاة قبل الركوع، والمال شرط يتوصل به إلى الأداء، ولهذا لا يتحقق الأداء من فقير لا مال له فرضا.
وأركان هذه العبادة الأفعال، والمال ليس بسبب فيه، ولكنه معتبر ليتيسر به الوصول إلى مواضع أداء أركانه.
ثم بدأ الكتاب فقال إذا أردت أن تحرم بالحج إن شاء الله اقتد بكتاب الله تعالى في ذكر الاستثناء في قوله تعالى {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} [الفتح: 27] وقيل: إن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - خاطب أبا يوسف - رحمه الله تعالى -، والواحد يشك في حالة أنه يحج أو لا يحج فقيد بالاستثناء، وتفرس فيه أنه يحج فما أخطأت فراسته (قال) فاغتسل أو توضأ، والغسل فيه أفضل. هكذا روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإهلاله فاغتسل» رواه خارجة بن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -.
وهذا الاغتسال ليس بواجب لما روي «أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أسماء قد نفست قال مرها فلتغتسل، ولتحرم بالحج»، ومعلوم أن الاغتسال الواجب مع النفاس والحيض لا يتأدى فعرفنا أن هذا الاغتسال لمعنى النظافة، وما كان لهذا المقصود فالوضوء يقوم مقامه كما في العيدين والجمعة، ولكن الغسل أفضل لأن معنى النظافة فيه أكمل ثم البس ثوبين إزارا ورداء جديدين أو غسيلين هكذا ذكر جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ائتزر وارتدى عند إحرامه»، ولأن المحرم ممنوع من لبس المخيط، ولا بد له من ستر العورة فتعين للستر الارتداء والائتزار.
والجديد والغسيل في هذا المقصود سواء غير أن الجديد أفضل «لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر - رضي الله عنه - تزين لعبادة ربك»
(قال) وادهن بأي دهن شئت، وهو الظاهر من المذهب عندنا أنه لا بأس بأن يتطيب، ويدهن قبل إحرامه بما شاء.
وروي عن محمد - رحمه الله تعالى - قال: كنت لا أرى بذاك بأسا حتى رأيت أقواما يحضرون طيبا كثيرا، ويصنعون شيئا شنعا فكرهت ذلك، وهو قول مالك - رحمه الله تعالى - وقد نقل عن عمر وعثمان - رضي الله عنه - كراهة ذلك، وحجة هذا القول حديث «الأعرابي حيث جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه جبة متضمخة أي متلطخة بالخلوق فسأله عن العمرة فلم يجبه حتى نزل عليه الوحي فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة فقال الأعرابي: ها أنا ذا يا رسول الله فقال - صلى الله عليه وسلم - أما جبتك فانزعها، وأما الخلوق فاغسله، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك» فقد أمره بإزالة الطيب عن نفسه عند الإحرام، ولنا حديث «عائشة - رضي الله عنها -
قالت كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يزور البيت».
وفي رواية «كنت أرى وبيص المسك في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد إحرامه فتطيبوا».
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كنا نخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متضمخا جباهنا بالمسك ثم نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى، ولا يكرهه». وتأويل حديث الأعرابي أنه كره الخلوق له لكونه بمنزلة الثوب المورس، والمزعفر.
ومعنى كراهة محمد - رحمه الله تعالى - لاستعمال الطيب الكثير أنه بعد الإحرام ربما ينتقل على بدنه من موضع إلى موضع فيكون ذلك بمنزلة التطيب ابتداء بعد الإحرام في الموضع الثاني، ولكن هذا ليس بقوي فإنه لا تلزمه الكفارة بهذا، ولو كان بهذه المنزلة لوجب عليه الكفارة، واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى فيما إذا تطيب بعد إحرامه، وكفر ثم تحول الطيب مع عرقه من موضع إلى موضع فمنهم من يقول لا تلزمه كفارة جديدة لأن أصل فعله قد انقطع بالتكفير فلا معتبر بأثره كما لو فعله قبل الإحرام، ومنهم من قال تلزمه كفارة أخرى هنا؛ لأن أصل فعله كان محظورا فتحوله من موضع إلى موضع يكون جناية أيضا في حكم الكفارة بخلاف ما قبل الإحرام فإن أصل فعله لم يكن محظورا، ثم لا معتبر ببقاء الأثر بعد الإحرام إذا كان أصل فعله قبل الإحرام كالحلق، ثم قال: وصلى ركعتين لحديث عمر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أتاني آت من ربي، وأنا بالعقيق فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل لبيك بحجة وعمرة معا»، وفيما ذكر جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بذي الحليفة ركعتين عند إحرامه، ثم قال: وقل اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني»؛ لأنه محتاج في أداء أركانه إلى تحمل المشقة، ويبقى في ذلك أياما فيطلب التيسير من الله تعالى إذ لا يتيسر للعبد إلا ما يسره الله تعالى، ويسأل القبول كما فعله الخليل، وإسماعيل صلوات الله عليهما في قولهما: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
ولم يأمر بمثل هذا الدعاء لمن يريد افتتاح الصلاة؛ لأن أداءها يسير عادة، ولا تطول في أدائها المدة فأما أركان الحج فمتفرقة على الأمكنة والأزمنة، ولا يؤمن فيها اعتراض الموانع عادة فلهذا أمر بتقديم سؤال التيسير.
(قال) ثم لب في دبر صلواتك تلك فإن شئت بعدما يستوي بك بعيرك.
والكلام فيه في فصول أحدها في اشتقاق التلبية لغة فقيل: هو مشتق من قولهم ألب الرجل إذا أقام في مكان فمعنى قول القائل لبيك أنا مقيم على طاعتك، وقيل: هو مشتق من قولهم
داري تلب دارك أي تواجهها فمعنى قوله لبيك اتجاهي لك يا رب، وقيل: هو مشتق من قولهم امرأة لبة أي محبة لزوجها فمعناه محبتي لك يا رب.
والثاني أن المختار عندنا أن يلبي من دبر صلواته، وهذا قول ابن عباس - رضي الله عنه -، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يقول يلبي حين تستوي به راحلته، وذكر جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبى حين علا البيداء» إلا أن ابن عمر - رضي الله عنه - رد هذا فقال: «إن بيداءكم هذه تكذبون فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما لبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استوت به راحلته».
وعن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال قلت لابن عباس - رضي الله عنه - «كيف اختلف الناس في وقت تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما حج إلا مرة واحدة قال: لبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دبر صلواته فسمع ذلك قوم من أصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - فنقلوه، وكانوا القوم يأتونه أرسالا فلبى حين استوت فسمع تلبيته قوم فظنوا أنه أول تلبيته فنقلوا ذلك، ثم لبى حين علا البيداء فسمعه آخرون فظنوا أنه أول تلبيته فنقلوا ذلك، وايم الله ما أوجبها إلا في مصلاه».
والثالث أنه لا خلاف أن التلبية جواب الدعاء، والكلام في أن الداعي من هو فقيل: الداعي هو الله تعالى كما قال الله تعالى {فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} [إبراهيم: 10] .
وقيل: الداعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال صلوات الله عليه: إن سيدا بنى دارا واتخذ فيها مأدبة، وبعث داعيا. وأراد بالداعي نفسه، والأظهر أن الداعي هو الخليل صلوات الله عليه على ما روي أنه لما فرغ من بناء البيت أمر بأن يدعو الناس إلى الحج فصعد بأبي قبيس، وقال: ألا إن الله تعالى أمر ببناء بيت له، وقد بني ألا فحجوه فبلغ الله صوته الناس في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم فمنهم من أجاب مرة، ومنهم من أجاب مرتين، وأكثر من ذلك، وعلى حسب جوابهم يحجون، وبيان هذا في قوله تعالى {وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27] الآية. فالتلبيبة إجابة لدعاء الخليل صلوات الله عليه وسلامه، ثم صفة التلبية أن يقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، هكذا رواه ابن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - في صفة تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أهل اللغة من اختار نصب الألف في قوله إن الحمد، ومعناه لأن الحمد أو بأن الحمد فأما المختار عندنا: الكسر، وهو المروي عن محمد - رحمه الله تعالى -، ووافقه الفراء؛ لأن بكسر الألف يكون ابتداء الثناء، وبنصب الألف يكون وصفا لما تقدم، وابتداء الثناء أولى، ولا بأس عندنا في الزيادة على هذه التلبية بين العلماء اختلاف يأتي في موضعه إن
شاء الله تعالى فظاهر المذهب عندنا أن غير هذا اللفظ من الثناء والتسبيح يقوم مقامه في حق من يحسن التلبية أو لا يحسن، وكذلك لو أتى به بالفارسية فهو والعربية سواء أما على قول أبي حنيفة فظاهر؛ لأنا قد بينا مذهبه في التكبير عند افتتاح الصلوات أن المعتبر ذكر الله تعالى على سبيل التعظيم، وإن لفظ الفارسية والعربية فيه سواء فكذلك هنا ومحمد - رحمه الله تعالى - هناك يقول: لا يتأدى بالفارسية ممن يحسن العربية، وهنا يتأدى؛ لأن غير الذكر هنا يقوم مقام الذكر، وهو تقليد الهدي فكذلك غير العربية يقوم مقام العربية بخلاف الصلوات، وبهذا يفرق أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى بين التلبية والتكبير عند افتتاح الصلوات. وقد روى الحسن عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى أن غير التلبية من الأذكار لا يقوم مقام التلبية هنا كما في الصلوات على قوله، ولا يصير محرما بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية أو ما يقوم مقامها خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى -، وبيانه يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
(قال) والمستحب رفع الصوت بالتلبية هكذا روى خلاد بن السائب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرني جبريل - عليه السلام - أن آمر أمتي أو من معي بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية»، وقال - صلى الله عليه وسلم - «أفضل الحج العج والثج» فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة الدم، والمستحب عندنا في الأذكار والدعاء الخفية إلا فيما تعلق بإعلانه مقصود كالأذان للإعلام، والخطبة للوعظ، وتكبيرات الصلوات لإعلام التحرم والانتقال والقراءة لإسماع المؤتم فالتلبية للشروع فيما هو من إعلام الدين فلهذا كان المستحب رفع الصوت به
(قال) فإذا لبيت فقد أحرمت يعني إذا نويت ولبيت إلا أنه لم يذكر النية لتقديم الإشارة إليها في قوله اللهم إني أريد الحج قال: فاتق ما نهى الله عنه من قتل الصيد، والرفث، والفسوق، والجدال.
أما قتل الصيد فالمحرم منهي عنه في قوله تعالى {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] والصيد محرم عليه ما دام محرما لقوله تعالى {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] وأما الرفث والفسوق والجدال فالنهي عنها في قوله تعالى {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] فهو نهي بصيغة النفي، وهذا آكد ما يكون من النهي، وفي تفسير الرفث قولان أحدهما الجماع بيانه في قوله تعالى {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} [البقرة: 187] والثاني الكلام الفاحش. إلا أن ابن عباس - رضي الله عنه - كان يقول إنما يكون الكلام الفاحش رفثا بحضرة النساء حتى روي أنه كان ينشد في إحرامه: وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا
لميس اسم جاريته) فقيل: له أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث بحضرة النساء، وقال أبو هريرة - رضي الله عنه: كنا ننشد الأشعار في حالة الإحرام. فقيل له: مثل ماذا؟ فقال: مثل قول القائل
قامت تريك رهبة إن تصرما ... ساقا بحناء وكعبا أدرما
ذكر في كفاية المتحفظ.
وأما الفسوق فهو اسم للمعاصي، وذلك منهي عنه في الإحرام وغير الإحرام إلا أن الحظر في الإحرام أشد لحرمة العبادة، وفي تفسير الجدال قولان أحدهما أن يجادل رفيقه في الطريق. والثاني أن المراد مجادلة المشركين في تقديم وقت الحج وتأخيره، وذلك هو النسيء الذي قال الله تعالى {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] الآية، وذلك منفي بعد الإسلام
(قال)، ولا يشير إلى صيد، ولا يدل عليه لحديث أبي قتادة - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه - رضوان الله عليهم - وكانوا محرمين: هل أشرتم هل أعنتم هل دللتم فقالوا: لا، فقال: إذن فكلوا»، ولأن المحرم على المحرم التعرض للصيد بما يزيل الأمن عنه، وذلك يحصل بالدلالة، والإشارة، وربما يتطرق به إلى القتل، وما يكون محرم العين فهو محرم بدواعيه كالزنا.
(قال) ولا تغط رأسك، ولا وجهك، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - لا بأس للرجل أن يغطي وجهه، ولا يغطي رأسه، والمرأة تغطي رأسها لا وجهها، واستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها».
(ولنا) حديث «الأعرابي حين وقصت به ناقته في أخافيق جرزان، وهو محرم فقال - صلى الله عليه وسلم - لا تخمروا رأسه ووجهه»، وفي هذا تنصيص على أن المحرم لا يغطي رأسه ووجهه «، ورخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان - رضي الله عنه - حين اشتكت عينه في حال الإحرام أن يغطي وجهه» فتخصيصه حالة الضرورة بالرخصة دليل على أن المحرم منهي عن تغطية الوجه، ولأن المرأة لا تغطي وجهها بالإجماع مع أنها عورة مستورة فإن في كشف الوجه منها خوف الفتنة فلأن لا يغطي الرجل وجهه لأجل الإحرام أولى، وتأويل الحديث بيان الفرق بين الرجل والمرأة في تغطية الرأس.
(قال) ولا تلبس قباء، ولا قميصا، ولا سراويل، ولا قلنسوة لحديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يلبس المحرم القباء ولا القميص، ولا السراويل، ولا القلنسوة، ولا الخفين إلا أن يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تتنقب المرأة الحرام.»
(قال) ولا تلبس ثوبا مصبوغا بالعصفر، ولا بالزعفران، ولا بالورس لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يلبس المحرم ثوبا مسه زعفران أو ورس»، وإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا بعد إحرامه علاه بالدرة فقال لا تعجل يا أمير المؤمنين فإنما هو بمشق فقال نعم، ولكن من ينظر إليك من بعد لا يعرف ذلك فيرجع إلى قبيلته، ويقول رأيت على طلحة في إحرامه ثوبا مصبوغا فيعيرك الناس بذلك فإن كان قد غسل حتى لا ينفض فلا بأس بلبسه؛ لأن المنهي نفس الطيب لا لونه، وبعد الغسل بهذه الصفة لا يبقى من عين الطيب فيه شيء
(قال)، ولا تمس طيبا بعد إحرامك، ولا تدهن لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الحاج: الشعث التفل. واستعمال الدهن والطيب يزيل هذه الصفة فيكون محرما بعد الإحرام.»
(قال) واذا حككت رأسك فارفق بحكه حتى لا يتناثر الشعر فإن إزالة ما ينمو من البدن حرام على المحرم؛ لأن أوان قضاء التفث عند التحلل من الإحرام كما قال الله تعالى بعد ذبح الهدي {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29]
(قال) ولا تغسل رأسك، ولحيتك بالخطمي لأن الخطمي تقتل هوام الرأس، وتزيل الشعث الذي جعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفة الحاج، وهو نوع من قضاء التفث أيضا.
(قال) لا تقص أظفارك؛ لأنه إزالة ما ينمو من البدن فكان من نوع قضاء التفث
(قال) وأكثر من التلبية في دبر كل صلاة، وكلما لقيت ركبا، وكلما علوت شرفا، وكلما هبطت واديا بالأسحار هكذا نقل أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم كانوا يلبون في هذه الأحوال، ثم تلبية المحرم في أدبار الصلوات كتكبير غير المحرم في أيام الحج في أدبار الصلوات فكما يؤتى بالتكبير بعد السلام فكذلك بالتلبية، وكما أن المصلي يكبر عند الانتقال من ركن إلى ركن فكذلك لمحرم يلبي عند الانتقال من حال إلى حال.
وروى الأعمش عن خثعمة قال: كانوا يستحبون التلبية عند ست: في أدبار الصلوات، واذا استعطف الرجل براحلته، وإذا صعد شرفا وإذا هبط واديا وإذا لقي بعضهم بعضا، وبالأسحار.
(قال) وإذا قدمت مكة فلا يضر ليلا دخلتها أو نهارا؛ لأن هذا دخول بلدة فيستوي فيه الليل والنهار كسائر البلدان، والرواة اختلفوا في وقت دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة فروى جابر - رضي الله عنه - «أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء بذي طوى، ثم هجع هجعة ثم دخل مكة فطاف ليلا». وروى ابن عمر - رضي الله عنه - «أنه بات بذي طوى فلما أصبح دخل مكة نهارا». والذي روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان ينهى الناس عن دخول مكة ليلا كان
ذلك للإشفاق مخافة السرق ليرى الإنسان أين ينزل، ويضع رحله.
وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه حين قدم مكة معتمرا في رمضان وجد الناس يصلون التراويح فصلى معهم.
وعن عائشة والحسن والحسين - رضوان الله عليهم - أنهم كانوا يدخلون مكة ليلا
(قال) فادخل المسجد؛ لأنه قصد زيارة البيت، والبيت في المسجد.
وروى جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل مكة دخل المسجد فلما وقع بصره على البيت قال: اللهم زد بيتك تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة». ولم يذكر في الكتاب تعيين شيء من الأدعية في مشاهد الحج لما قال محمد - رحمه الله تعالى - التوقيت في الدعاء يذهب رقة القلب فاستحبوا أن يدعو كل واحد بما يحضره ليكون أقرب إلى الخشوع، وإن تبرك بما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو حسن، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يقول إذا لقي البيت بسم الله والله أكبر.
وعن عطاء - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا لقي البيت يقول أعوذ برب البيت من الدين والفقر ومن ضيق الصدر وعذاب القبر».
(قال) ثم ابدأ بالحجر الأسود فاستلمه هكذا روى جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالحجر الأسود فاستلمه».
وعن عمر - رضي الله عنه - «أنه استلم الحجر الأسود، وقال رأيت أبا القاسم بك حفيا».
وعن ابن عمر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الحجر، ووضع شفتيه عليه، وبكى طويلا، ثم نظر فإذا هو بعمر - رضي الله عنه - فقال يا عمر هنا تسكب العبرات». وأن عمر - رضي الله عنه - في خلافته لما أتى الحجر الأسود وقف فقال: أما إني أعلم إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استلمك ما استلمتك فبلغت مقالته عليا - رضي الله عنه - فقال: أما إن الحجر ينفع، فقال له عمر - رضي الله عنه - وما منفعته يا ختن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إن الله تعالى لما أخذ الذرية من ظهر آدم - عليه السلام - وقررهم بقوله ألست بربكم قالوا: بلى، أودع إقرارهم الحجر فمن يستلم الحجر فهو يجدد العهد بذلك الإقرار، والحجر يشهد له يوم القيامة» واستلام الحجر للطواف بمنزلة التكبير للصلوات فيبدأ به طوافه.
(قال) إن استطعت من غير أن تؤذي مسلما لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر - رضي الله عنه - إنك رجل أيد تؤذي الضعيف فلا تزاحم الناس على الحجر، ولكن إن وجدت فرجة فاستلمه، وإلا فاستقبله وكبر وهلل»؛ ولأن استلام الحجر سنة، والتحرز عن أذى المسلم واجب فلا ينبغي له أن يؤذي
مسلما لإقامة السنة، ولكن إن استطاع تقبيله وإلا مس الحجر بيده وقبل يده، وإن لم يستطع ذلك أمس الحجر شيئا من عرجون أو غيره، ثم قبل ذلك الشيء جاء في الحديث «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف على راحلته، واستلم الأركان بمحجنه، وإن لم يستطع شيئا من ذلك استقبله وكبر وهلل وحمد الله تعالى، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -» وهذا استقبال مستحب غير واجب؛ لأن استقبال البيت عند الطواف لو كان واجبا كان في جميعه كاستقبال القبلة في الصلوات، ولكنه مستحب لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال «إن الحجر يبعث يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به فيشهد بالحق لمن استلمه أو استقبله.»
(قال) ثم خذ عن يمينك على باب البيت فطف سبعة أشواط هكذا رواه جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ على يمينه من باب الكعبة فطاف سبعة أشواط»، ومقادير العبادة تعرف بالتوقيف لا بالرأي
(قال) يرمل في الثلاثة الأول في كل شوط منها من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود فالحاصل أن كل طواف بعده سعي فالرمل في الثلاثة الأول منها سنة، وكل طواف ليس بعده سعي فلا رمل فيه، والرمل هو الاضطباع، وهز الكتفين، وهو أن يدخل أحد جانبي ردائه تحت إبطه، ويلقيه على المنكب الآخر، ويهز الكتفين في مشيه كالمبارز الذي يتبختر بين الصفين، وكان ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: لا رمل في الطواف، وإنما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إظهارا للجلادة للمشركين على ما روي «أن في عمرة القضاء لما أخلوا له البيت ثلاثة أيام وصعدوا الجبل طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه فسمع بعض المشركين يقول لبعض: أضناهم حمى يثرب، فاضطبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رداءه فرمل فقال لأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين: رحم الله امرأ أرى من نفسه قوة وجلدا» فإذا كان ذلك لإظهار الجلادة يومئذ، وقد انعدم ذلك المعنى الآن فلا معنى للرمل، والمذهب عندنا أن الرمل سنة لحديث جابر، وابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «طاف يوم النحر في حجة الوداع فرمل في الثلاثة الأول، ولم يبق المشركون بمكة عام حجة الوداع».
وروي «أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما أراد الرمل في طوافه فقال: علام أهز كتفي، وليس هنا أحد أرائيه، ولكنني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله فأفعله اتباعا له». وأكثر ما فيه أن سببه ما ذكر ابن عباس - رضي الله عنه - ولكنه صار سنة بذلك السبب فيبقى بعد زواله كرمي الجمار سببه رمي الخليل صلوات الله عليه الشيطان، ثم بقي بعد زوال ذلك السبب، والرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود عندنا.
وقال سعيد بن جبير - رضي الله عنه - لا رمل بين الركن اليماني والحجر وإنما الرمل من الحجر إلى الركن اليماني
وروي في بعض الآثار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني؛ لأن المشركين كانوا يطلعون عليه فإذا تحول إلى الجانب الآخر حال البيت بينه وبينهم فكان لا يرمل». وبهذا أخذ سعيد بن جبير وعطاء رحمهما الله تعالى، ولكنا نأخذ بحديث جابر وابن عمر - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر»
(قال) وإن زحمك الناس في رملك فقم فإذا وجدت مسلكا فارمل؛ لأنه تعذر عليه إقامة السنة في الطواف للزحام فليصبر حتى يتمكن من إقامة السنة كالمزحوم يوم الجمعة يصبر حتى يتمكن من السجود، وتطوف الأربعة الأشواط الأخر مشيا على هينتك على هذا اتفق رواة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلما مررت بالحجر الأسود في طوافك هذا فاستلمه إن استطعت من غير أن تؤذي مسلما فإن لم تستطع فاستقبله وكبر وهلل؛ لأن أشواط الطواف كركعات الصلوات فكما تفتتح كل ركعة تقوم إليها بالتكبير فكذلك تفتتح كل شوط باستلام الحجر، وإن افتتحت به الطواف، وختمته به أجزأك كما في الصلوات فترك تكبيرات الانتقال لا يمنع الجواز فكذلك لا بأس بترك استلام الحجر عند افتتاح كل شوط فإذا كان افتتاحه للطواف باستلام الحجر، وختمه بذلك ففيما بين ذلك يجعل كالمستلم حكما.
(قال) وليكن طوافك في كل شوط وراء الحطيم. والحطيم: اسم لموضع بينه وبين البيت فرجة يسمى الموضع حطيما، وحجرا فتسميته بالحجر على معنى أنه حجر من البيت أي منع منه، وتسميته بالحطيم على معنى أنه محطوم من البيت أي مكسور منه فعيل بمعنى مفعول كالقتيل بمعنى مقتول، وقيل: بل فعيل بمعنى فاعل أي حاطم كالعليم بمعنى عالم، وبيانه فيما جاء في الحديث «من دعا على من ظلمه فيه حطمه الله تعالى» فينبغي لمن يطوف أن لا يدخل في تلك الفرجة في طوافه، ولكنه يطوف وراء الحطيم كما يطوف وراء البيت؛ لأن الحطيم من البيت، وهكذا روي أن عائشة - رضي الله عنها - «نذرت إن فتح الله مكة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تصلي في البيت ركعتين فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدها، وأدخلها الحطيم، وقال صلي هنا فإن الحطيم من البيت إلا أن قومك قصرت بهم النفقة فأخرجوه من البيت، ولولا حدثان عهد قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة، وأظهرت قواعد الخليل صلوات الله عليه، وأدخلت الحطيم في البيت
وألصقت العتبة بالأرض، وجعلت لها بابين بابا شرقيا، وبابا غربيا، ولئن عشت إلى قابل لا فعلن ذلك فلم يعش - صلى الله عليه وسلم -»، ولم يتفرغ لذلك أحد من الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم - حتى كان زمن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه -، وكان سمع الحديث فيها ففعل ذلك، وأظهر قواعد الخليل صلوات الله عليه، وبنى البيت على قواعد الخليل صلوات الله عليه بمحضر من الناس، وأدخل الحطيم في البيت فلما قتل كره الحجاج أن يكون بناء البيت على ما فعله ابن الزبير فنقض بناء الكعبة، وأعاده على ما كان عليه في الجاهلية فإذا ثبت أن الحطيم من البيت فالطواف بالبيت كما قال الله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] ينبغي له أن يطوف من وراء الحطيم ولا يقال لو استقبل الحطيم في الصلاة لا تجوز صلاته، ولو كان الحطيم من البيت لجازت؛ لأن كون الحطيم من البيت إنما يثبت بخبر الواحد، وفرضية استقبال القبلة بالنص فلا يتأدى بما ثبت بخبر الواحد، والحاصل أنه يحتاط في الطواف والصلاة جميعا؛ لأن خبر الواحد يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين.
(قال) ثم ائت المقام فصل عنده ركعتين أو حيثما تيسر عليك من المسجد هكذا روى جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من طوافه أتى المقام وصلى ركعتين».
وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال «يا رسول الله لو صليت في مقام إبراهيم فأنزل الله تعالى {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند المقام ركعتين»، وهاتان الركعتان عند الفراغ من الطواف واجب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «، وليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين»، والأمر للوجوب، ولأن عمر - رضي الله عنه - نسي ركعتي الطواف حين خرج من مكة فلما كان بذي طوى صلاهما، وقال ركعتان مكان ركعتين، وقال أو حيث تيسر عليك من المسجد، ومراده أن الزحام يكثر عند المقام فلا ينبغي أن يتحمل المشقة لذلك، ولكن المسجد كله موضع الصلاة فيصلي حيث تيسر عليه.
(قال) فإذا فرغت منها فعد إلى الحجر فاستلمه فإن لم تستطع فاستقبل وهلل وكبر والأصل إن كان كل طواف بعده سعي يعود إلى استلام الحجر فيه بعد الفراغ من الصلاة، وكل طواف ليس بعده سعي لا يعود إلى استلام الحجر فيه بعد الصلاة؛ لأن الطواف الذي ليس بعده سعي عبادة قد تم فراغه منها حين فرغ من الركعتين فلا معنى للعود إلى ما به بدء الطواف فأما الطواف الذي بعده سعي فكما يفتتح طوافه باستلام الحجر فكذلك السعي يفتتح باستلام الحجر فلهذا يعود إلى الحجر فيستلمه
(قال) ثم اخرج
إلى الصفا فمن أي باب شاء خرج إلا أن جابرا - رضي الله عنه - روى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من باب بني مخزوم، وليس ذلك بسنة» بل إنما فعله؛ لأنه كان أقرب الأبواب إلى الصفا فهو الذي يسمى الآن باب الصفا فإذا خرج بدأ بالصفا لما روي «أن الصحابة - رضي الله عنهم - قالوا يا رسول الله بأيهما نبدأ قال ابدءوا بما بدأ الله تعالى به» يريد قوله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله.} [البقرة: 158]
(قال) وقم عليها مستقبل الكعبة فتحمد الله تعالى وتثني عليه، وتكبر وتهلل وتلبي وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتدعو الله تعالى بحاجتك لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد الصفا حتى إذا نظر إلى البيت قام مستقبل البيت يدعو».
وروى جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صعد الصفا استقبل البيت، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم قرأ مقدار خمسة وعشرين آية من سورة البقرة، ثم نزل وجعل يمشي نحو المروة فلما انتصبت قدماه في بطن الوادي حتى التوى إزاره بساقيه، وهو يقول رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم حتى إذا خرج من بطن الوادي مشى حتى صعد المروة، وطاف بينهما سبعة أشواط، ثم الصعود على الصفا ليصير البيت بمرأى العين منه» فإنما يصعد بقدر ما يحصل به هذا المقصود، وهذا المقصود كان ليستقبل البيت فينبغي أن يستقبله فيأتي بالتحميد والثناء والتكبير والتهليل والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن قصده أن يسأل حاجته من الله تعالى فيجعل الثناء مقدمة دعائه، وبعد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يفعله الداعي عند ختم القرآن وغير ذلك، ثم ذكر الدعاء هنا، ولم يذكره عند استلام الحجر؛ لأن تلك الحالة حال ابتداء العبادة، وهذا حال ختم العبادة فإن ختم الطواف بالسعي يكون والدعاء عند الفراغ من العبادة لا عند ابتدائها كما في فصل الصلاة.
(قال) ثم اهبط منها نحو المروة وامش على هينتك مشيا حتى تأتي بطن الوادي فاسع في بطن الوادي سعيا فإذا خرجت منه تمشي على هينتك مشيا حتى تأتي المروة فتصعد عليها، وتقوم مستقبل الكعبة فتحمد الله تعالى، وتثني عليه وتهلل وتكبر وتلبي وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم تدعو الله تعالى بحاجتك. وللناس في أصل السعي في بطن الوادي كلام فقد قيل: بأن أصله من فعل أم إسماعيل هاجر حين كانت في طلب الماء كلما صار الجبل حائلا بينها، وبين النظر إلى ولدها كانت تسعى
حتى تنظر إلى ولدها شفقة منها على الولد فصار سنة، والأصح أن يقال فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نسكه، وأمر أصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - أن يفعلوا ذلك فنفعله اتباعا له، ولا نشتغل بطلب المعنى فيه كما لا نشتغل بطلب المعنى في تقدير الطواف، والسعي سبعة أشواط.
(قال) فطف بينهما هكذا سبعة أشواط تبدأ بالصفا، وتختم بالمروة، وتسعى في بطن الوادي في كل شوط، وظاهر ما قاله في الكتاب أن ذهابه من الصفا إلى المروة شوط ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، واليه أشار في قوله يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، وذكر الطحاوي - رحمه الله تعالى - أنه يطوف بينهما سبعة أشواط من الصفا إلى الصفا، وهو لا يعتبر رجوعه، ولا يجعل ذلك شوطا آخر.
والأصح ما ذكر في الكتاب؛ لأن رواة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتفقوا على أنه طاف بينهما سبعة أشواط، وعلى ما قاله الطحاوي - رحمه الله تعالى - يصير أربعة عشر شوطا.
(قال) ثم تقيم بمكة حراما لا تحل منه بشيء، وهذا لأنه أحرم بالحج فلا يتحلل ما لم يأت بأفعال الحج.
(قال) وتطوف بالبيت كلما بدا لك، وتصلي لكل أسبوع ركعتين فإن الطواف بالبيت مشبه بالصلوات قال - صلى الله عليه وسلم - «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه المنطق فمن نطق فلا ينطق إلا بخير، والصلاة خير موضوع فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر». وكذلك الطواف، ولكنه لا يسعى عقيب سائر الأطوفة في هذه المدة؛ لأن السعي الواحد من الواجبات للحج، وقد أتى به فلو سعى بعد ذلك كان متنفلا، والتنفل بالسعي غير مشروع
(قال) حتى تروح مع الناس إلى منى يوم التروية فتبيت بها ليلة عرفة وتصلي بها الغداة يوم عرفة. هكذا روى جابر، وابن عمر - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الفجر يوم التروية بمكة فلما طلعت الشمس راح إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر يوم عرفة، ثم راح إلى عرفات».
(قال) ثم تغدو إلى عرفات لحديث ابن عمر - رضي الله عنه - إن جبرائيل صلوات الله عليه أتى إبراهيم يوم التروية فأمره فراح إلى منى، وبات بها، ثم غدا إلى عرفات.
(قال) وتنزل بها مع الناس؛ لأنه من الناس فينزل حيث ينزلون، ومراده أنه لا ينزل على الطريق كي لا يضيق على المارة، ولا يتأذى هو بهم
(قال) فإن صليت الظهر والعصر مع الإمام فحسن، والحاصل أنه كما زالت الشمس يوم عرفة يصلي الإمام بالناس الظهر، والعصر بعرفات هكذا روى جابر - رضي الله عنه - في حديثه قال: «لما زالت الشمس صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بالناس الظهر، والعصر بأذان وإقامتين»
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|