
14-11-2025, 03:58 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,351
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث
صـــ 180 الى صـــ 189
(64)
[باب تقديم الحيض وتأخيره]
(باب في تقديم الحيض وتأخيره) اعلم أن صاحبة العادة إذا رأت قبل عادتها دما، فهو على ثلاثة أوجه في وجه هو حيض بالاتفاق وفي وجه اختلفوا فيه وفي وجه روايتان عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أما الوجه الأول، وهو أنها إذا رأت قبل أيامها ما لا يمكن أن يجعل حيضا بانفراده، ورأت في أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا بانفراده ولم يجاوز الكل عشرة فالكل حيض بالاتفاق؛ لأن ما رأته قبل أيامها غير مستقل بنفسه فيجعل تبعا لما رأته في أيامها وذكر في نوادر الصلاة عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - مطلقا أن المتقدم لا يكون حيضا ولكن تأويله إذا كان بحيث لا يمكن أن يجعل حيضا بانفراده وبعض أئمة بلخي أخذوا بالظاهر فقالوا: المتقدم عنده لا يكون حيضا على حال؛ لأنه مستنكر مرئي قبل وقته، وأما الوجه الذي اختلفوا فيه فثلاثة فصول. أحدها أن ترى قبل خمستها المعروفة خمسة أو ثلاثة أو لا ترى في خمستها شيئا أو رأت قبل خمستها يوما أو يومين، ومن أول خمستها يوما أو يومين بحيث لا يمكن جعل كل واحد منهما بانفراده حيضا ما لم يجتمعا ففي كتاب الصلاة قال: الكل حيض، وهو قول أبي يوسف ومحمد
رحمهما الله تعالى ولم يذكر قول أبي حنيفة، وقد نص على الخلاف في نوادر الصلاة أن عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا يكون شيء من ذلك حيضا وجه قولهما أن الحيض مبني على الإمكان والمتقدم قياس المتأخر فكما جعل المتأخر عند الإمكان حيضا فكذلك المتقدم وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: المتقدم دم مستنكر مرئي قبل وقته فلا يكون حيضا كالصغيرة جدا إذا رأت الدم، وهذا؛ لأن الحاجة إلى إثبات الحيض لها ابتداء، ولا يحصل ذلك بما ليس بمعهود لها ما لم يتأكد بالتكرار؛ لأن الدلالة قامت على أن العادة لا تنتقل بالمرة الواحدة بخلاف المتأخر فإن الحاجة هناك إلى إبقاء ما ثبت من صفة الحيض والإبقاء لا يستدعي دليلا موجبا، والوجه الثالث إذا رأت قبل أيامها ما يكون حيضا بانفراده، ورأت أيامها مع ذلك فعلى قولهما لا يشكل أن الكل حيض إذا لم يجاوز العشرة اعتبارا للمتقدم بالمتأخر.
وعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - روايتان فيه روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن الكل حيض وما رأت في أيامها يكون أصلا لكونه مستقلا بنفسه فيستتبع ما تقدم كما لو كان المتقدم يوما أو يومين وروى محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن أيامها حيض فأما المتقدم فحكمه موقوف على ما ترى في الشهر الثاني فإن رأت ما رأته في الشهر الأول تبين أنه كان حيضا، وانتقلت عادتها بالتكرار، وإن رأت في الشهر الثاني في أيامها، ولم تر قبل أيامها تبين أن المتقدم لم يكن حيضا؛ لأنه مستنكر مرئي قبل وقته، وهو نفسه مستقل فلا يمكن جعله تبعا لأيامها بخلاف اليوم واليومين فإذا جاءت المرأة تستفتي أنها ترى الدم قبل أيامها فعندهما تؤمر بترك الصلاة إذا كان الباقي من أيام طهرها ما لو ضم إلى أيامها لم يجاوز العشرة؛ لأنها ترى الدم عقيب طهر صحيح فكان حيضا للإمكان وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إن كان الباقي من طهرها ثلاثة أيام أو أكثر لم تؤمر بترك الصلاة؛ لأن هذا المتقدم ليس بحيض لكونه مستقلا في نفسه فلا تستتبعه أيام حيضها، وإن كان يوما أو يومين فعلى قول أئمة بلخي تؤمر بترك الصلاة، وعلى قول أئمة بخارى لا تؤمر به عند أبي حنيفة؛ لأن هذا المتقدم عنده لا يكون حيضا إلا بشرط أن ترى في أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا بانفراده، ولم يثبت هذا الشرط بعد فلا تؤمر بترك الصلاة، وهو نظير الاختلاف الذي بيناه في الباب المتقدم فأما في المتأخر إن رأت أيامها ورأت بعد أيامها أيضا، ولم يجاوز العشرة فالكل حيض بالاتفاق؛ لأن ما بعد أيامها في حكم التبع لأيامها ويستقيم إثبات التبع بعد ثبوت الأصل بخلاف
المتقدم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -.
وإن لم تر أيامها ورأت بعد أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا أو رأت في أيامها يوما أو يومين وبعد أيامها مثل ذلك بحيث لا يمكن جعل كل واحد منهما بانفراده حيضا ويمكن جعل ذلك كله حيضا ففي ظاهر الرواية أن ذلك حيض عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - للإمكان وذكر أبو سهل الفرائضي - رحمه الله تعالى - رواية أخرى عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه موقوف على ما ترى في الشهر الثاني فإن رأت في الشهر الثاني في أيامها تبين أن ذلك لم يكن حيضا وانتقلت به عادتها، وإن رأت قبل أيامها وفي أيامها، وبعد أيامها فعلى أصل أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى حكم المتقدم والمتأخر سواء لا يفصل البعض عن البعض ولكن إن لم يجاوز الكل عشرة فالكل حيض، وإن جاوز كان حيضها أيام عادتها دون ما تقدم وما تأخر وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن أيامها تصير فاصلة بين المتقدم والمتأخر ومعنى هذا أنه لا يعتبر المتقدم إنما تعتبر أيامها وما تأخر فإن لم يجاوز العشرة فالكل حيض، وإن جاوز فحيضها أيامها وظاهر المذهب عن أبي حنيفة إنه ينظر إلى قدر المتقدم فإن كان يوما أو يومين لا يفصل عن أيامها والجواب فيه كما قالا إن لم يجاوز الكل العشرة فالكل حيض، وإن كان المتقدم ثلاثة أيام أو أكثر يصير فاصلا فينظر إلى أيامها وما تأخر خاصة، وهذا بناء على أصله أن المتقدم إذا كان لا يستقل بنفسه يجعل حيضا تبعا لها بخلاف ما إذا استقل بنفسه وأما إذا رأت قبل أيامها ولم تر في أيامها شيئا، ورأت بعد أيامها فعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - إذا جاوز الكل العشرة فحيضها أيامها؛ لأنه يجعل زمان الطهر حيضا بإحاطة الدمين به وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - حيضها ما تقدم إن أمكن، وإن لم يمكن فحيضها ما تأخر، وعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيه روايتان في ظاهر الرواية يجعل المتأخر حيضا وعلى ما ذكر أبو سهل الفرائضي - رحمه الله تعالى - يكون موقوفا على ما ترى في الشهر الثاني.
وعلى هذا بنى محمد - رحمه الله تعالى - أول الباب فقال: امرأة كان حيضها خمسة أيام من أول كل شهر فرأت قبلها خمسة دما وطهرت أيامها ثم رأت بعد ذلك يوما أو يومين أو ثلاثة فأيامها المعروفة هي الحيض في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - وقال محمد: - رحمه الله تعالى - المتقدم هو الحيض، وكذلك إن كانت رأت يومين دما من أول أيامها مع ذلك أو من آخر أيامها؛ لأن ما رأته في أول أيامها لا يمكن أن يجعل حيضا بانفراده، وإن رأت ثلاثة دما في أيامها مع ذلك من أولها أو من آخرها كانت هذه الثلاثة هي الحيض في
قول محمد - رحمه الله تعالى -؛ لأنها رأت في أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا بانفراده، وإن كان حيضها ثلاثة أيام من أول كل شهر فتقدم حيضها قبل ذلك أحد عشر يوما ثم طهرت أيامها فلم تر فيها ولا فيما بعدها دما فعلى قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن ذلك استحاضة إلا أن يعاودها الدم في مثل تلك الحالة أحد عشر يوما أخر فإن عاودها كانت ثلاثة أيام من الأيام الأول من أولها حيضا وثلاثة أيام من هذه الأحد عشر يوما الأخرى حيضا من أولها؛ لأنه لا يرى الإبدال فجعل حكم ذلك موقوفا فإن تأكد بالتكرار انتقلت به العادة لما بينا أن انتقال العادة يحصل بعدم الرؤية في أيامها مرتين فأما عند محمد - رحمه الله: ثلاثة أيام من أول الأحد عشر يوما الأول حيض بطريق البدل؛ لأنه مرئي عقيب طهر صحيح وحكم انتقال العادة به يكون موقوفا على ما ترى في الشهر الثاني كما قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - فإن كان حيضها خمسة أيام من أول الشهر فحاضتها ثم استمر بها الدم إلى تمام الشهر ثم انقطع في خمستها ثم استمر بعدها ففي قول أبي يوسف - رحمه الله - حيضها خمستها لإحاطة الدم بجانبيها.
وقال محمد - رحمه الله - حيضها خمسة أيام بعد أيامها؛ لأن شرط الإبدال في المتقدم أن يكون مرئيا عقيب طهر صحيح لا استمرار فيه، ولم يوجد فكان الإبدال بعد أيامها؛ لأنه يبقى بعد الإبدال إلى موضع حيضها الثاني مدة طهر تام، وإن كان فيه استمرار، وإن لم تر كذلك، ولكنها رأت خمسة قبل أيامها دما، وطهرت أيامها فتلك الخمسة هي الحيض في قول محمد - رحمه الله تعالى - لوجود شرط الإبدال في المتقدم فإن رأت في المرة الثانية تلك الخمسة وأيامها المعروفة وزيادة يوم دما فحيضها الخمسة المعروفة؛ لأن انتقال العادة لا يحصل بالمرة الواحدة فإن لم تر في المرة الثانية كذلك، ولكنها رأت الخمسة التي قبل أيامها، وطهرت أيامها وطهرت بعد أيامها ثم رأت في المرة الثالثة تلك الخمسة وخمستها وزيادة يوم فحيضها هي الخمسة الأولى؛ لأن انتقال العادة حصل بعدم الرؤية في أيامها مرتين وكذلك إن طهرت في أيامها مرتين ولم تر في غيرها دما ثم رأت الدم خمسة قبل أيامها وفي أيامها وزيادة يوم فحيضها خمسة من أول ما رأت لانتقال العادة في الموضع لعدم الرؤية مرتين.
وإن كانت طهرت في أيامها مرة واحدة فحيضها هي الخمسة المعروفة؛ لأن الانتقال لا يحصل بعدم الرؤية مرة إلا في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - فإن كانت لم تر قبل أيامها، ولا في أيامها، ورأت بعدها خمسة دما ثم في المرة الثانية طهرت خمستها، وهذه الخمسة ثم استمر بها الدم فأيامها خمسة
من حين استمر بها الدم لانتقال العادة إلى موضع الرؤية بعدم الرؤية أيامها مرتين.
(قال): في الكتاب وما بعدها طهر إلى تمام الشهر من حين استمر بها الدم ثم تكون حائضا وأكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى على أن هذا الجواب غلط، والصحيح أن بعد ما تترك خمسة من أول الاستمرار تصلي ثلاثين يوما؛ لأن عادتها في الطهر قد انتقلت إلى ثلاثين يوما برؤيته مرتين على الولاء ففي الشهر الأول طهرت خمستها بعد ما مضى من طهرها خمسة وعشرون فذلك ثلاثون يوما ثم رأت خمسة ثم طهرت بقية الشهر، وذلك عشرون يوما وطهرت خمستها وخمسة بعد خمستها في الشهر الثالث فذلك ثلاثون يوما فعلمنا أنها طهرت مرتين على الولاء ثلاثين فانتقلت عادتها في الطهر إلى هذا فعليه تبني في زمان الاستمرار.
(قال) الحاكم - رحمه الله تعالى - ويحتمل أن يكون وجه جواب محمد - رحمه الله تعالى - أنها لما طهرت أيامها المعروفة مرتين كان حيضها منتقلا إلى حيث ترى الدم فلما رأته في الخمسة الثالثة من الشهر صار ذلك الموضع وقتها وكان حكمها كالتي تدرك فحيضها من أول الإدراك أو كالتي انتقلت عادتها بالحبل عن موضع عادتها فإذا استمر بها الدم حتى ينتهي إلى هذه الخمسة من الشهر الآخر فقد انتهت إلى معروفها، وهي ترى الدم فلا بد من أن يجعل ذلك حيضا ولم يحصل بين هذه الخمسة وبين الخمسة الأولى من حساب الطهر إلا خمسة وعشرون يوما فلذلك أجاب بما أجاب به، وهذا الذي قاله ضعيف؛ لأن في حق المبتدأة ليس لها في الطهر عادة تبني على تلك العادة، ولهذه في الطهر عادة متأكدة بالتكرار وذلك ثلاثون يوما فلا يجوز النقصان عنه في زمان الاستمرار، ومن أصحابنا من قال: مراده مما قال وما بعدها طهر إلى تمام الشهر خمسة عشر يوما؛ لأنه إنما استمر بها الدم بعد ما مضى عشرة أيام من الشهر فإن تركت خمسة بقي إلى تمام الشهر خمسة عشر يوما فتصلي فيها ثم تدع خمسة من أول الشهر، وهذا أيضا ضعيف فقد قال في الكتاب: وما بعدها طهر إلى تمام الشهر من حين استمر بها الدم فإنما الدم جعل أول الشهر في حقها من وقت الاستمرار، والأصح أنه غلط لما بينا
[فصل في بيان أصول مسائل انتقال العدد]
(فصل في بيان أصول مسائل انتقال العدد) اعلم بأن العادة نوعان: أصلية وجعلية فصورة العادة الأصلية أن ترى المرأة دمين وطهرين
متفقين صحيحين على الولاء أو أكثر من ذلك وصورة العادة الجعلية أن ترى المرأة دمين وطهرين متفقين بينهما مخالف لهما أو ترى أطهارا مختلفة أو دماء مختلفة فينصب أوسط الأعداد لها عادة على قول من يقول بأوسط الأعداد وأقل المرتين على قول من يقول بأقل المرتين الأخيرتين فتكون هذه عادة جعلية لها في زمان الاستمرار سميت جعلية؛ لأنه جعل عادة لها للضرورة، ولم يوجد فيها دليل ثبوت العادة حقيقة فإن رأت العادة الجعلية بعد العادة الأصلية قال أئمة: بلخي رحمهم الله تعالى لا تنتقض به العادة الأصلية؛ لأنها دونها.
والشيء لا ينقضه ما هو دونه إنما ينقضه ما هو مثله أو فوقه؛ ولأن ما ثبت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة وقد تحققت الضرورة في إثبات عادة لها، ولا ضرورة في نقض العادة التي كانت لها، ومشايخ بخارى رحمهم الله تعالى يقولون: تنقض العادة الأصلية بالعادة الجعلية؛ لأنه لا بد من التكرر في العادة الجعلية بخلاف ما كان في العادة الأصلية مثاله إذا كانت العادة الأصلية في الحيض خمسة لا تثبت الجعلية إلا برؤية ستة أو سبعة أو ثمانية فالتكرار فيها خلاف العادة الأصلية مرارا؛ لأن سبعة وثمانية يتكرر فيها ستة فبالتكرار بخلاف العادة الأصلية ننتقض تلك العادة ولكن لكونها متفاوتة في نفسها تكون العادة الثانية جعلية لا أصلية ثم قد بينا أن العادة الأصلية لا تنتقض برؤية المخالف مرة واحدة إلا على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - حتى إذا كانت عادتها في الحيض خمسة، وفي الطهر عشرين فطهرت خمسة عشر ثم استمر بها الدم فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى تصلي من أول الاستمرار خمسة تمام عادتها في الطهر، وعلى قول أبي يوسف - رحمه الله - تدع من أول الاستمرار خمسة، وقد انتقلت عادتها في الطهر إلى خمسة عشر بالرؤية مرة واحدة فأما العادة الجعلية تنتقض برؤية المخالف مرة واحدة وبالاتفاق؛ لأنها أضعف من العادة الأصلية وثبوتها ما كان بسبب التكرار فكذلك انتقاضها لا يتوقف على وجود التكرار فيما يخالفها بخلاف العادة الأصلية ثم المبتدأة إذا رأت أطهارا مختلفة ودماء مختلفة فوقعت الحاجة إلى نصب العادة لها.
فالبناء على أوسط الأعداد عند محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى -، وعلى أقل المرتين الأخيرتين عند أبي عثمان - رحمه الله تعالى - وصاحبة العادة والمبتدأة في هذا الحكم سواء، وقد تكون عادة المرأة في الحيض والطهر جميعا أصلية وقد تكون جعلية فيهما وقد تكون أصلية في أحدهما جعلية في الآخر بحسب ما يتفق، وذلك كله ينبني على معرفة الأطهار الصحيحة والدماء الصحيحة
فالطهر الصحيح على الإطلاق أن لا ينتقص عن أدنى مدته، وأن لا تصلي المرأة في شيء منه بالدم فإن صلت في أول يوم منه بالدم ثم كان الطهر بعده خمسة عشر أو أكثر فهذا صالح لجعل ما بعده من الدم حيضا غير صالح لنصب العادة به، وإن صلت في شيء منه بالدم ثم كان الطهر بعده دون خمسة عشر، فهو غير صالح لنصب العادة، ولا يجعل ما بعده حيضا، والدم الصحيح أن لا ينتقص عن أدنى مدته، وأن يكون بين طهرين كاملين وبيان هذا أنه لو كانت عادتها في الحيض عشرة وفي الطهر عشرين فرأت الدم أحد عشر يوما ثم طهرت خمسة عشر يوما ثم استمر بها الدم.
فنقول: عشرة من أول ما رأت حيضها واليوم الحادي عشر أول طهرها فتصلي فيه بالدم ثم الطهر خمسة عشر فقد جاء الاستمرار وقد بقي من زمان طهرها أربعة فتصلي هذه الأربعة ثم تترك عشرة وتصلي عشرين، وإن كان بعد طهر خمسة عشر رأت خمسة دما ثم طهرت خمسة عشر فهذه الخمسة تكون حيضا لها؛ لأنه مرئي عقيب طهر خمسة عشر فيمكن جعله حيضا، ولكن لا تنتقل عادتها في الطهر إلى خمسة عشر؛ لأن الطهر الأول قد صلت في أول يوم منه بالدم فلا يصلح لنصب العادة، ولو كانت رأت الدم أحد عشر ثم الطهر أربعة عشر ثم الدم خمسة ثم الطهر خمسة عشر ثم استمر فإن الخمسة لا تجعل حيضا لها؛ لأنها غير مرئية عقيب طهر كامل بل بتلك الخمسة يتم طهرها ثم طهرت خمسة عشر فعشرة من ذلك مدة حيضها لم تر فيه ثم جاء الاستمرار، وقد بقي من طهرها خمسة عشر فتصلي من أول الاستمرار خمسة عشر ثم تدع عشرة وتصلي عشرين.
وأما بيان البناء على أوسط الأعداد أو على أقل المرتين الأخيرتين أن نقول: امرأة حيضها خمسة وطهرها عشرون رأت الدم سبعة والطهر خمسة عشر والدم ستة والطهر سبعة عشر ثم استمر بها الدم فعلى قول من يقول بأوسط الأعداد تبني على ستة في الحيض وعلى سبعة عشر في الطهر؛ لأن المعتبر أوسط الأعداد فيما رأت لا أوسط ما ترى، وأوسط الأعداد في الحيض ستة؛ لأن قبله كان خمسة، وبعده كان سبعة، وأوسط الأعداد في الحيض ستة؛ لأن الطهر سبعة عشر فإنه كانت عادتها في الطهر عشرين، وقد رأت مرة خمسة عشر فأوسط الأعداد سبعة عشر، وعلى قول من يقول: بأقل المرتين الأخيرتين إنما تبني على ستة في الحيض، وخمسة عشر في الطهر؛ لأنها أقل المرتين الأخيرتين فقد رأت مرة سبعة ومرة ستة وفي الطهر مرة سبعة عشر ومرة خمسة عشر فلهذا بنت في زمان الاستمرار على أقل المرتين الأخيرتين، وأصل آخر أنه
متى كان لها عادة أصلية فوقعت الحاجة إلى نصب العادة لها برؤية أطهار مختلفة أو دماء مختلفة فينصب لها أوسط الأعداد على قول من يقول به، وأقل المرتين على قول من يقول به مما يوافق العادة الأصلية فإنه يطرح المأخوذ ثم ينظر إلى أوسط الأعداد من الباقي أو إلى أقل المرتين فإن كان يوافق العادة الأصلية عرفت أنها باقية فتبني عليها الفساد.
وإن لم تكن موافقة للعادة الأصلية عرفت أن العادة الأصلية قد انتقضت، والمطروح يصير عادة جعلية لها فتبني على ذلك في زمان الاستمرار وبيانه: امرأة عادتها في الحيض عشرة وفي الطهر عشرون طهرت ثلاثين يوما ثم رأت الدم عشرة ثم الطهر أربعين ثم الدم عشرة ثم الطهر خمسة عشر ثم الدم عشرة ثم الطهر عشرين ثم استمر فنقول: أوسط الأعداد في الطهر عشرون؛ لأنها رأت مرة ثلاثين ومرة أربعين ومرة خمسة عشر فأوسط الأعداد عشرون، وهو موافق للعادة الأصلية فيطرح ذلك يبقى بعده خمسة عشر وثلاثون وأربعون فأوسط الأعداد ثلاثون فلم يكن موافقا للعادة الأصلية فعرفنا أن العادة الأصلية قد انتقضت به، وإنما تبني في زمان الاستمرار على ما هو المطروح، وهو دم عشرة وطهر عشرين، ولو رأت الدم عشرة والطهر ثلاثين والدم عشرة والطهر خمسة عشر والدم عشرة والطهر عشرين ثم استمر فأوسط الأعداد في الطهر عشرون فيطرح ذلك يبقى بعده خمسة عشر وثلاثون، وما كان في الأصل عادة لها وذلك عشرون فأوسط الأعداد من ذلك عشرون فلما وافق أوسط الأعداد من الباقي بعد الطرح، العادة الأصلية عرفنا أنها لم تنتقض فتبني عليها ما بعدها فحين طهرت ثلاثين فعشرون منها زمان طهرها وعشرة من حساب حيضها ثم رأت الدم عشرة، وهو ابتداء طهرها ثم الطهر خمسة عشر عشرة تمام مدة طهرها وخمسة من حساب حيضها ثم الدم عشرة خمسة بقية مدة حيضها وخمسة من حساب طهرها ثم الطهر عشرين خمسة عشر بقية مدة طهرها وخمسة من حساب حيضها فجاء الاستمرار، وقد بقي من مدة حيضها خمسة فتدع خمسة من أول الاستمرار ثم تصلي عشرين ثم تدع عشرة ثم تصلي عشرين، وذلك دأبها، والمسائل المخرجة على هذا الأصل كثيرة في السؤالات، ومن أحكم الأصول فهما ودراية تيسر عليه تخريجها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
[باب في التقدم والتأخر بالأفراد والشفوع في الحيض]
باب في التقدم والتأخر بالأفراد والشفوع) (قال) : - رضي الله عنه - الأصل أن التقدم متى كان بفرد فإنها لا ترى في أيامها الأول، ولا في أيامها الثواني ومتى كان التقدم بشفع فإنها ترى في أيامها الأول والثواني، والتأخر متى كان بفرد فإنها لا ترى في أيامها الأول ولا الثواني، ومتى كان بشفع فإنها لا ترى في أيامها الأول، وترى في أيامها الثواني، وبيان هذا امرأة حيضها ثلاثة من أول الشهر وطهرها سبعة وعشرون فرأت من أول الشهر يوما دما ويوما طهرا واستمر كذلك فإنها من أول الشهر حيض؛ لأن ابتداءه وختمه كان بالدم إلى أن ينظر أن ختم هذا الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا، وذلك اثنان فيضربه فيما يوافق الشهر، وذلك خمسة عشر فيكون ثلاثين، وآخر المضروب طهر فعرفنا أنها وجدت أيامها في الشهر الثاني كما وجدت في الشهر الأول وهكذا في كل مرة فإن تقدم بيوم بأن طهرت ستة وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فاليوم الأول تمام طهرها ثم كان أيامها ابتداؤه وختمه بالطهر فلم تجد أيامها في هذا الشهر فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يتوقف حكمها على ما ترى في الشهر الثاني.
وعند محمد - رحمه الله تعالى - تجعل ثلاثة من أول ما رأت حيضا لها بدلا عن أيامها، وحكم انتقال العادة موقوف على ما ترى في المرة الثانية فانظر أن ختم الشهر الثاني بماذا يكون فخذ دما وطهرا وذلك اثنان فاضربه فيما يقارب أحدا وثلاثين وذلك خمسة عشر فيكون ثلاثين وآخره طهر ثم يوم دم تتم به مدة طهرها ثم استقبلها في المرة الثانية يوم طهر ويوم دم ويوم طهر فلم تجد في هذه المرة أيضا فانتقلت عادتها إلى موضع الإبدال لعدم الرؤية في أيامها مرتين فإن تقدم بشفع بأن طهرت خمسة وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا، واستمر كذلك فقدم طهرها بيومين واستقبلها زمان الحيض يوم دم ويوم طهر ويوم دم فقد وجدت هذه المدة إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فتأخذ دما وطهرا وذلك اثنان فيضرب فيما يوافق اثنين وثلثين، وذلك ستة عشر فيكون اثنين وثلاثين، وآخره طهر ثم استقبلها في أيامها في الشهر الثاني دم يوم وطهر يوم ودم يوم فقد وجدت أيامها وهكذا تجد في كل مرة ثم تسير المسألة في التقدم فردا أو شفعا إلى أن نقول: طهرت ستة عشر يوما ثم رأت يوما دما ويوما طهرا كذلك فقد بقي زمان طهرها أحد عشر فخذ دما وطهرا وذلك اثنان فاضربه فيما يقارب أحد عشر.
وذلك خمسة فتكون عشرة
وآخره طهر ثم دم يتم به طهرها ثم استقبلها في أيامها طهر يوم ودم يوم وطهر يوم فلم تجد في أيامها في هذه المرة أيضا، وانتقلت عادتها إلى موضع الإبدال لعدم الرؤية في أيامها مرتين ثم تجد ذلك في كل مرة فإن طهرت خمسة عشر ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فقد بقي من طهرها اثنا عشر فخذ دما، وطهرا، وذلك اثنان فاضربه فيما يوافق اثني عشر، وذلك ستة فيكون اثني عشرة وآخر المضروب طهر فاستقبلها في أيامها يوم دم ويوم طهر ويوم دم فقد وجدت في أيامها إلى أن ينظر أنها هل تجد في المرة الثانية فخذ دما وطهرا واضربه فيما يوافق اثنين وأربعين، وذلك أحد وعشرون فيكون اثنين وأربعين وآخره طهر ثم استقبلها في أيامها دم يوم وطهر يوم ودم يوم فقد وجدت، وهكذا تجد في كل مرة فإن تأخر بيوم بأن طهرت ثمانية وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فنقول: أنها لم تجد في هذه المرة أيامها فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - تصلي إلى موضع حيضها الثاني وحكمها موقوف على ما ترى في المرة الثانية، وعند محمد - رحمه الله - تجعل الثلاثة من أول ما رأت حيضا لها بدلا وحكم انتقال العادة موقوف على ما ترى في الشهر الثاني فخذ دما وطهرا واضربه فيما يقارب تسعة وعشرين، وذلك أربعة عشر فيكون ثمانية وعشرين وآخره طهر ثم يوم دم به يتم طهرها فيستقبلها في الشهر الثاني طهر يوم ودم يوم وطهر يوم فلم تجد، وانتقلت عادتها لعدم الرؤية مرتين إلى موضع الإبدال فتجد بعد ذلك في كل مرة.
فإن تأخر بيومين بأن طهرت تسعة وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - تصلي إلى موضع حيضها الثاني وعند محمد - رحمه الله تعالى - تدع من أول ما رأت ثلاثة بطريق البدل إلى أن ينظر أنها هل ترى في الشهر الثاني فيأخذ دما وطهرا، وذلك اثنان ويضربه فيما يوافق ثمانية وعشرين، وذلك أربعة عشر فيكون ثمانية وعشرين وآخره طهر ثم استقبلها في الشهر الثاني دم يوم وطهر يوم ودم يوم فقد وجدت في هذه المرة، وهكذا نجد في كل مرة فإن رأت بعد طهرها سبعة وعشرين يومين دما ويوما طهرا، واستمر كذلك فعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - حيضها من أول ما رأت ثلاثة؛ لأنه يرى ختم الحيض بالطهر، وعلى قول محمد - رحمه الله - حيضها من أول ما رأت خمسة وطهرها خمسة وعشرون.
(قال): الحاكم - رحمه الله تعالى -، وهذا غير مطرد على أصل محمد - رحمه الله تعالى - غير أنه اضطر إلى هذا الجواب، ومعنى هذا أن الإبدال زيادة على أيام عادتها لا يجوز عنده إلا أن يكون بين طهرين صحيحين لا استمرار فيهما، ولم
يوجد ذلك الشرط هنا ولكنه قال: إنها لم تجد أيامها في المرة الأولى؛ لأن ختم الثلاثة بالطهر، وهكذا لا تجد في كل مرة، وإذا أردت معرفة ذلك فخذ دما وطهرا، وذلك ثلاثة واضربه فيما يوافق الشهر وذلك عشرة فيكون ثلاثين وآخره طهر ثم استقبلها في الشهر الثاني يومان دم ويوم طهر فلم تجد.
وهكذا لا تجد في كل مرة فلو لم نزد في أيامها أدى ذلك إلى أن لا تكون حائضا في شيء من عمرها مع رؤيتها الدم في أكثر عمرها، وذلك لا يجوز فلهذه الضرورة زدنا في أيامها فجعلناها خمسة من أول ما رأت يومان دم ويوم طهر ويومان دم فهذه الخمسة حيضها، وباقي الشهر طهرها خمسة وعشرون فتجد بعد ذلك في كل مرة وكان أبو سهل الفرائضي - رحمه الله تعالى - يقول: الأصح عندي أن يجعل حيضها أربعة؛ لأن الزيادة على أيامها لأجل الضرورة، وهذه الضرورة تندفع بزيادة يوم واحد ليكون ابتداء حيضها وختمه بالدم فلا يزاد أكثر من يوم واحد فكان حيضها أربعة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|