عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 14-11-2025, 03:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,248
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث
صـــ 80 الى صـــ 89
(54)






(قال): وإذا أسلم الكافر في النصف من شهر رمضان صام ما بقي من الشهر، وليس عليه قضاء ما مضى منه وكذلك اليوم الذي أسلم فيه لا يجزيه صومه، وإن لم يأكل ونوى قبل الزوال لانعدام أهلية العبادة في أول النهار ولكنه يمسك تشبها بالصائمين وليس عليه قضاؤه ومن العلماء من يقول: عليه قضاء هذا اليوم والأيام الماضية من الشهر وجعلوا إدراك جزء من الشهر كإدراك جميع الشهر كما أن إدراك جزء من وقت الصلاة بعد الإسلام كإدراك جميع الوقت، والتفريط إنما جاء من قبله بتأخير الإسلام فلا يعذر في إسقاط القضاء، وهو قريب من أصل الشافعي - رحمه الله تعالى - أن الكفار مخاطبون بالشرائع.
(ولنا) ما روي «أن وفد ثقيف حين قدموا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسلموا في النصف من رمضان فأمرهم بصوم ما بقي من الشهر، ولم يأمرهم بقضاء ما مضى» وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ لأن وجوب القضاء ينبني على خطاب الشرع بالأداء وذلك لا يكون بدون الأهلية للعبادة والكافر ليس بأهل لثوابها فلا يثبت خطاب الأداء في حقه والصوم عبادة معلومة بميعادها، وهو الزمان فلا تصور للصوم منه في الزمن الماضي بخلاف الصلاة فإنها معلومة بأوقاتها والوقت ظرف لها فجعل إدراك جزء من الوقت سببا لوجوب الأداء ثم القضاء ينبني عليه
(قال): ولا تصلي الحائض ولا تصوم لقوله - عليه الصلاة والسلام - في بيان نقصان دين المرأة «تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم
ولا تصلي» يعني زمان الحيض فإذا طهرت قضت أيام الصوم ولا تقضي الصلاة لما تقدم بيانه.
(قال): وكل وقت جعلتها فيه نفساء، أو حائضا فإنها تعيد صوم ذلك اليوم ولا تعيد صلاته وكل وقت عددتها فيه مستحاضة فإنها تعيد صلاته إن لم تكن صلتها فإن كانت صلت وصامت فقد جاز؛ لأن المستحاضة في حكم الطاهرات فيما يرجع إلى العبادات قال - صلى الله عليه وسلم: للمستحاضة «توضئي وصلي، وإن قطر الدم على الحصير قطرا» وقال: «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة» ثم طول محمد - رحمه الله - هذا الفصل في الأصل فذكر في باب المستحاضة مسائل منها أن ينقص الدم عن أقل مدة الحيض، أو يزيد على أكثر مدة الحيض، أو أكثر مدة النفاس، أو يسبق رؤية الدم أوانه فالاستحاضة تكون بدم فاسد ويستدل بتقدمه على أوانه على فساده وتمام شرح هذه المسائل في كتاب الحيض
(قال): ولا يجوز شيء من الصوم الواجب أن يصومه في يوم الفطر، أو النحر أو أيام التشريق؛ لأن الصوم في هذه الأيام منهي عنه قال أبو رافع: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنادي في أيام منى ألا لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال» وفي رواية «أنها أيام أكل وشرب وذكر» وعن عقبة بن عامر الجهني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن صوم يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق» وتأويل النهي في يوم التروية وعرفة في حق الحاج إذا كان يضعف بالصوم عن الوقوف والذكر. وفي الحديث المشهور الذي روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن صوم ستة أيام» والمنهي عنه يكون فاسدا والواجب في ذمته مستحق عليه أداؤه بصفة الصحة فلا يتأدى بما هو فاسد وكذلك صوم المتعة عندنا لا يتأدى في يوم النحر وأيام التشريق وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه: في القديم يتأدى صوم المتعة في أيام التشريق، وهو مروي عن عائشة وابن عمر ومعاذ ومذهبنا مروي عن علي وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما -
(قال): وإن كان على الرجل صيام شهرين متتابعين من فطر أو ظهار، أو قتل فصامها وأفطر فيها يوما لمرض فعليه استقبال الصيام لانعدام صفة التتابع بالفطر فإن كانت امرأة فأفطرت فيما بين ذلك للحيض لم يكن عليها استقباله. وكان إبراهيم النخعي يسوي بين اللفظين في أنه لا يجب الاستقبال لاعتبار العذر وابن أبي ليلى - رحمه الله - كان يسوي بين الفصلين في أنه يجب الاستقبال لانعدام التتابع بالفطر، وكان يقول: قد تجد المرأة شهرين خاليين من الحيض إذا حبلت، أو أيست والفرق لنا بين الفصلين من وجهين. أحدهما أن
الرجل يجد شهرين خاليين عن المرض فلو أمرناه بالاستقبال لم يكن فيه كبير حرج والمرأة لا تجد شهرين خاليين عن الحيض عادة فلعلها لا تحبل ولا تعيش إلى أن تيأس ففي الأمر بالاستقبال حرج بين. والثاني أن المرض لا ينافي الصوم حتى لو تكلف وصام جاز فانقطاع التتابع كان بفعله والواجب عليه تتابع الصوم في الوقت الذي يتصور فيه الأداء منه فإذا لم يوجد استقبل فأما الحيض ينافي أداء الصوم منها فلم ينقطع التتابع بفعلها إلا أن عليها أن تصل قضاء أيام الحيض بصومها؛ لأن هذا القدر من التتابع في وسعها فعليها أن تأتي به. وروى ابن رستم عن محمد - رحمه الله تعالى - قال إذا صامت شهرا فأفطرت فيه بعذر الحيض ثم أيست فعليها الاستقبال لزوال العذر قبل تمام المقصود وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنها لو حبلت بعد ما صامت شهرا فأفطرت فيه لعذر الحيض بنت على صومها؛ لأنها بالحبل لا تخرج من أن تكون من ذوات الأقراء، وإن لم تصل قضاء أيام الحيض بصومها استقبلت؛ لأنها تركت التتابع الذي في وسعها
(قال): وإن صام عن ظهار شهرين أحدهما رمضان لم يكن عما نواه وكان عن رمضان؛ لأن صوم الظهار دين في ذمته فإنما يتأدى ما هو مشروع له الوقت لا ما هو مستحق عليه بجهة مخصوصة، وعليه الاستقبال؛ لأنه يجده شهرين خاليين عن رمضان، وهذا بخلاف ما إذا نذر أن يصوم رجب فصامه عن الظهار جاز عما نوى؛ لأن صوم رجب كان مشروعا له، وكان صالحا لأداء الواجب به قبل النذر، وهو بالنذر موجب على نفسه ما ليس بواجب ولا تبقى صلاحية لغيره إذ ليس له هذه الولاية فأما الشرع لما عين صوم رمضان للفرض نفى صلاحيته لغيره وللشرع هذه الولاية فلهذا لا يتأدى صوم الظهار من المقيم في رمضان. وله أن يفرق بين قضاء رمضان وقد بينا هذا وفيه قول عن عائشة - رضي الله عنها - أنه يجب متتابعا وكذلك صوم جزاء الصيد والمتعة؛ لأنه مطلق في القرآن قال الله تعالى {، أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95] . وقال تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196] والذي روي في قراءة أبي بن كعب فصيام ثلاثة أيام متتابعة في الحج شاذ غير مشهور والزيادة على النص بمثله لا تثبت
(قال): رجل أصبح صائما ينوي قضاء رمضان ثم علم أنه ليس عليه شيء منه فالأحسن له أن يتم صومه تطوعا، وإن أفطر لم يلزمه شيء إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى - فإنه يقول: يلزمه القضاء وليس له أن يفطر، وذكر الطحاوي - رحمه الله تعالى - في الصلاة عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - مثل قول زفر - رحمه الله تعالى - وكذلك المكفر بالصوم إذا
أيسر في خلاله فالأولى أن يتم صومه تطوعا، وإن أفطر لم يلزمه القضاء إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى - فإنه يقول: بعد التبين واليسار هو في نفل صحيح حتى لو أتمه كان نفلا فيلزمه التحرز عن إبطاله والقضاء إن أبطله كما لو كان شروعه بنية النفل وكمن أحرم بحج مظنون وكمن تصدق على فقير على ظن أنه عليه ثم علم أنه ليس عليه لم يكن له أن يسترد.
(ولنا) أن عمله كان في أداء الفرض أما في حق المكفر فقد كان واجبا عليه حين شرع ظاهرا وباطنا وكذلك في المظنون فإن المرء يخاطب بما عنده لا بما عند الله تعالى، وذلك الفرض الذي شرع فيه قد سقط عنه شرعا فما بقي من النفل إنما بقي نظرا من الشرع له لا إيجابا عليه فالأولى له أن يتمه ولكن لا يلزمه شيء إن لم يتمه؛ لأن الواجب عليه التحرز عن إبطال عمله، وهو لم يبطل عمله بالفطر؛ لأن عمله كان في أداء الفرض دون النفل، وهو نظير النفل المشروع في كل يوم الأولى للمرء أن يأتي به ولا شيء عليه إن امتنع منه ثم الشروع في كونه ملزما لا يكون أقوى من النذر وإضافة النذر إلى ما هو واجب لا يفيد الإيجاب فالشروع أولى بخلاف الحج فإن ما أدى من الفرض قد سقط بالتبين ولكن لم يخرج به من الإحرام فالإحرام عقد لازم لا خروج منه إلا بأداء الأفعال ألا ترى أنه لو فاته الحج لا يخرج من الإحرام إلا بأعمال العمرة، فإن أحصر في الحج المظنون فتحلل بالهدي فقد اختلف فيه مشايخنا منهم من يقول لا يلزمه قضاء شيء؛ لأنه تم خروجه من الأحرام والأصح أنه يلزمه القضاء؛ لأن الإحرام في الأصل لازم والتحلل بالإحصار لدفع الحرج والمشقة عنه ففيما وراء ذلك تبقى صفة اللزوم معتبرة بخلاف الصدقة؛ لأنها تمت بالوصول إلى الفقير فوزانه ما لو أتم الصوم ثم تبين أنه ليس عليه وفي هذا لا يمكنه إبطاله
(قال): امرأة أصبحت صائمة متطوعة ثم أفطرت ثم حاضت فعليها القضاء عندنا وعند زفر - رحمه الله تعالى - لا قضاء عليها؛ لأن الحيض الموجود في آخر النهار في منافاة الصوم كالموجود في أوله فتبين أن هذا اليوم لم يكن وقت أداء الصوم في حقها والشروع في غير وقت الصوم لا يكون ملزما شيئا كالشروع ليلا.
(ولنا) أن شروعها في الصوم قد صح لاستجماع شرائط الأداء عند الشروع ثم بالإفساد وجب القضاء دينا في ذمتها والحيض بعد ذلك لا ينافي بقاء الصوم دينا وإنما يكون الحيض مؤثرا إذا صادف الصوم وهنا الحيض لم يصادف فاعتراضه ليلا، أو نهارا سواء؛ ولأن الشروع كالنذر، ولو نذرت أن تصوم هذا اليوم ثم أفطرت ثم حاضت كان عليها القضاء فكذلك إذا
شرعت فإن لم تفطر حتى حاضت فقد ذكر ابن سماعة عن محمد - رحمه الله تعالى - أن عليها القضاء أيضا، وهو الصحيح على ما أشار إليه الحاكم وفي رواية ابن رستم عن محمد لا قضاء عليها؛ لأن الحيض صادف الصوم والمنافاة لم تكن بفعلها فلا تكون جانية ملزمة للقضاء وجه الرواية الأخرى أن شروعها قد صح فكان بمنزلة نذرها، ولو نذرت أن تصوم هذا اليوم فحاضت فيه كان عليها القضاء، وإن لم يكن تعذر الإتمام مضافا إلى فعلها لا يمنع وجوب القضاء كالمتيمم إذا شرع في النفل ثم أبصر الماء فعليه القضاء
(قال): المكفر بالصوم عن ظهار إذا جامع بالنهار عامدا وجب عليه الاستقبال سواء جامع التي ظاهر منها أو غيرها لانقطاع التتابع بفعله، فإن جامع بالنهار ناسيا، أو بالليل عامدا نظر فإن جامع غير التي ظاهر منها لم يكن عليه الاستقبال؛ لأن جماعه لم يؤثر في صومه فلم ينقطع التتابع، وإن جامع التي ظاهر منها فعليه الاستقبال في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وفي قول أبي يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى لا يلزمه الاستقبال فإن جماع الناسي والجماع بالليل لا يؤثر في إفساد الصوم فلا ينقطع به التتابع كالأكل والشرب وجماع غير التي ظاهر منها؛ ولأنه لو استقبل صار مؤديا صوم الشهرين بعد المسيس، ولو بنى صار مؤديا أحد الشهرين قبل المسيس والآخر بعده، وهذا أقرب إلى الامتثال.
وهو نظير ما لو أطعم ثلاثين مسكينا ثم جامع لم يكن عليه استقبال الإطعام وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا الواجب عليه بالنص إخلاء الشهرين عن المسيس، وهو قادر على هذا فلا يتأدى الواجب إلا به وبيانه أن الله تعالى قال {فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 4] ومن ضرورة الأمر بتقديم الشهرين على المسيس الأمر بإخلائهما عنه والثابت بضرورة النص كالمنصوص فكان الواجب عليه شيئين عجز عن أحدهما، وهو تقديم الشهرين على المسيس، وهو قادر على الآخر، وهو إخلاؤهما عن المسيس فيأتي بما قدر عليه وذلك بالاستقبال بخلاف جماع غير التي ظاهر منها فإنه غير مأمور بتقديم صوم شهرين على جماعها فلا يكون مأمورا بإخلائها عنه، وإن لم يؤثر جماعه في الصوم لا يدل على أنه لا يبطل به معنى الكفارة إذا انعدم به الشرط المنصوص كما لو أيسر في خلال صوم الكفارة فإن يساره لا يؤثر في الصوم وتبطل به الكفارة ثم حرمة الجماع في حق التي ظاهر منها بدوام الليل والنهار، وفي مثله النسيان والعمد سواء كالجماع في الإحرام، وهذا بخلاف الإطعام فإنه ليس في التكفير بالإطعام تنصيص على التقديم على المسيس
والأمر بإخلائه عن المسيس كان لضرورة الأمر بالتقديم على المسيس. فإن قيل بالإجماع ليس له أن يجامعها قبل أن يكفر، وإن كانت كفارته بالإطعام، وعندكم لا يجوز قياس المنصوص على المنصوص (قلنا) ما عرفنا ذلك بالقياس بل بالنص، وهو حديث «أوس بن الصامت - رضي الله عنه - حين ظاهر من امرأته ثم رآها في ليلة قمراء وعليها خلخال فأعجبته فواقعها ثم سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له استغفر الله ولا تعد حتى تكفر» فبهذا النص تبين أنه ليس له أن يغشاها قبل التكفير سواء كانت كفارته بالاطعام أو بالصيام
(قال): وتجوز نية صوم التطوع قبل انتصاف النهار. وقال مالك: - رحمه الله تعالى - لا تجوز؛ لأنه حين أصبح غير ناو للصوم فقد تعين أول النهار لفطره والصوم والفطر في يوم واحد لا يحتمل الوصف بالتجزي فهو كما لو تعين بأكله.
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «المتطوع بالخيار ما لم تزل الشمس» يعني المريد للصوم وعن عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أصبح دخل على نسائه وقال: هل عندكن شيء؟ فإن قلن لا قال: إني صائم» وفي حديث عاشوراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ومن لم يأكل فليصم» فإن كان صوم عاشوراء نفلا فهو نص، وإن كان فرضا فجواز الفرض بنية من النهار يدل على جواز النفل بطريق الأولى ولسنا نقول: إن جهة الفطر قد تعينت بترك النية في أول النهار ولكن بقي الأمر مراعى ما بقي وقت الغداء فإن الصوم ليس إلا ترك الغداء في وقته على قصد التقرب، وفوات وقت الغداء بزوال الشمس فإذا نوى قبل الزوال فقد ترك الغداء في وقته على قصد التقرب فكان صوما
(قال): ولو نوى التطوع بعد انتصاف النهار لم يكن صائما عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يكون صائما إذا نوى قبل غروب الشمس، ولم يكن أكل في يومه شيئا قال: لأن النفل غير مقدر شرعا بل هو موكول إلى نشاطه فربما ينشط فيه بعد الزوال، وهو وقت الأداء كما قبله وشبهه بالصلاة فإن التطوع بالصلاة يجوز راكبا وقاعدا مع القدرة على القيام؛ لأنه موكول إلى نشاطه.
(ولنا) ما بينا أن الصوم ترك الغداء في وقته على قصد التقرب فإن العشاء باق في حق الصائم والمفطر جميعا، ووقت الغداء ما قبل الزوال دون ما بعده فإذا لم ينو قبل الزوال لم يكن تركه الغداء على قصد التقرب فلا يكون صوما، وأما في قضاء رمضان وكل صوم واجب في ذمته فسواء نوى قبل الزوال أو بعده لم يكن عنه ما لم ينو من الليل؛ لأن ما كان دينا في ذمته لم يتعين لأدائه يوم ما لم يعينه فإمساكه في أول النهار قبل النية لم يتوقف عليه فلا
يستند حكم النية إليه بخلاف صوم رمضان فإنه متعين في وقته فيتوقف إمساكه عليه فيستند حكم النية ثم إقامة النية في أكثر الوقت مقام النية في جميعه لأجل الضرورة والحاجة وذلك فيما يفوته دون ما لا يفوته، وصوم رمضان يفوته عن وقته والنفل لا يفوته أصلا فأما ما كان دينا في ذمته لا يفوت فلا تقام النية في أكثر الوقت في حقة مقام النية في جميعه
(قال): ولا يكون صائما في رمضان ولا في غيره ما لم ينو الصوم، وإن اجتنب المفطرات إلى آخر يومه بمرض أو غير مرض، وقد بينا قول زفر - رحمه الله تعالى - في الصحيح المقيم إنه يتأدى منه الصوم بمجرد الإمساك من غير النية فإن كان مريضا أو مسافرا فلا خلاف أنه لا يكون صائما ما لم ينو وعند زفر - رحمه الله تعالى - ما لم ينو من الليل قال: لأن الأداء غير مستحق عليه في هذا الوقت نفسه فلا يتعين إلا بنيته بخلاف الصحيح المقيم وعندنا اشتراط النية ليصير الفعل قربة فإن الإخلاص والقربة لا يحصل إلا بالنية قال الله تعالى {: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5] ففي هذا المسافر والمقيم سواء إنما فارق المسافر المقيم في الترخيص بالفطر فإذا لم يترخص صحت منه النية قبل انتصاف النهار كما تصح من المقيم
(قال): فإن أصبح بنية الفطر فظن أن نيته هذه قد أفسدت عليه صومه وأفتي بذلك فأكل قبل انتصاف النهار فعليه القضاء ولا كفارة عليه للشبهة التي دخلت، وهما فصلان: أحدهما: إذا أصبح ناويا للصوم ثم نوى الفطر لا يبطل به صومه عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يبطل فإن الشروع في الصوم لا يستدعي فعلا سوى نية الصوم فكذلك الخروج لا يستدعي فعلا سوى النية؛ ولأن النية شرط أداء الصوم، وقد أبدله بضده وبدون الشرط لا تتأدى العبادة.
(ولنا) الحديث الذي روينا «الفطر مما يدخل» وبنيته ما وصل شيء إلى باطنه ثم هذا حديث النفس. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلموا» وكما أن الخروج من سائر العبادات لا يكون بمجرد النية فكذلك من الصوم وبالاتفاق اقتران النية بحالة الأداء ليس بشرط فإنه لو كان مغمى عليه في بعض اليوم يتأدى صومه ففي هذا الفصل إذا أفتي بأن صومه لا يجوز فأفطر لم يكن عليه كفارة لشبهة اختلاف العلماء؛ لأن على العامي أن يأخذ بقول المفتي، وإن كان أصبح غير ناو للصوم ثم أكل فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا كفارة عليه سواء أكل قبل الزوال أو بعده، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إن أكل قبل الزوال فعليه الكفارة، وإن أكل بعد الزوال
فلا كفارة عليه قال: لأن قبل الزوال حكم الإمساك موقوف على أن يصير صائما بنيته فصار بأكله جانيا مفوتا للصوم فأما بعد الزوال إمساكه غير موقوف على أن يصير صوما بالنية فلم يكن في أكله جانيا على الصوم وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: الكفارة تستدعي كمال الجناية، وذلك بهتك حرمة الصوم والشهر جميعا، ولم يوجد منه هتك حرمة الصوم؛ لأنه ما كان صائما قبل أن ينوي فتجرد هتك حرمة الشهر عن حرمة الصوم، وهو غير موجب للكفارة كما لو تجرد هتك حرمة الصوم عن هتك حرمة الشهر بأن أفطر في قضاء رمضان وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - عليه الكفارة سواء أكل قبل الزوال، أو بعده؛ لأن عنده هو صائم، وإن لم ينو
(قال): فإن أصبح غير ناو للصوم ثم نوى قبل الزوال ثم أكل فلا كفارة عليه إلا في رواية عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه تلزمه الكفارة؛ لأن شروعه في الصوم قد صح فتكاملت جنايته بالفطر كما لو كان نوى بالليل، وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أن ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» ينفي كونه صائما بهذه النية، والحديث وإن ترك العمل بظاهره يبقى شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات كمن وطئ جارية ابنه مع العلم بالحرمة لا يلزمه الحد لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - «أنت ومالك لأبيك» ثم هذا على أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ظاهر؛ لأن عنده لو أكل قبل النية لا تلزمه الكفارة وما كان موجودا في أول النهار يصير شبهة في آخره كالسفر إنما الشبهة على قول محمد - رحمه الله تعالى - وعذره ما بينا
(قال): المغمى عليه في جميع الشهر إذا أفاق بعد مضيه فعليه القضاء إلا على قول الحسن البصري فإنه يقول: سبب وجود الأداء، وهو شهود الشهر لم يتحقق في حقه لزوال عقله بالإغماء ووجوب القضاء ينبني عليه.
(ولنا) أن الإغماء مرض، وهو عذر في تأخير الصوم إلى زواله لا في إسقاطه، وهذا لأن الإغماء يضعف القوى ولا يزيل الحجا ألا ترى أنه لا يصير موليا عليه وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتلي بالإغماء في مرضه، وكان معصوما عما يزيل العقل قال الله تعالى: {فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون} [الطور: 29] فإذا كان مجنونا في جميع الشهر فلا قضاء عليه إلا على قول مالك - رحمه الله تعالى - فإنه يقول: الجنون مرض يخل العقل فيكون عذرا في التأخير إلى زواله لا في إسقاط الصوم كالإغماء ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» ومن كان مرفوعا عنه القلم لا يتوجه عليه الخطاب بأداء الصوم والقضاء ينبني عليه
ثم الجنون يزيل عقله فلا يتحقق معه شهود الشهر، وهو السبب الموجب للصوم بخلاف الإغماء فإنه يعجزه عن استعمال عقله ولا يزيله فلذلك جعل شاهدا للشهر حكما، وهو كابن السبيل تلزمه الزكاة لقيام ملكه، وإن عجز عن إثبات اليد عليه بخلاف من هلك ماله.
(قال): فإن أفاق المجنون في بعض الشهر فعليه صوم ما بقي من الشهر وليس عليه قضاء ما مضى في القياس، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لأنه لو استوعب الشهر كله منع القضاء في الكل فإذا وجد في بعضه يمنع القضاء بقدره اعتبارا للبعض بالكل وقياسا على الصبي، وهذا؛ لأن الصبي أحسن حالا من المجنون فإنه ناقص العقل في بعض أحواله عديم العقل في بعض أحواله، والمجنون عديم العقل بعيد عن الإصابة عادة، ولهذا جاز إعتاق الصغير عن الكفارة دون المجنون فإذا كان الصغر في بعض الشهر يمنع وجوب القضاء فالجنون أولى استحسن علماؤنا بقوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] ، والمراد منه شهود بعض الشهر؛ لأنه لو كان السبب شهود جميع الشهر لوقع الصوم في شوال فصار بهذا النص شهود جزء من الشهر سببا لوجوب صوم جميع الشهر إلا في موضع قام الدليل على خلافه، ثم الجنون عارض أعجزه عن صوم بعض الشهر مع بقاء أثر الخطاب فيلزمه القضاء كالإغماء وبيان الوصف أنه لو كان حج ثم جن بقي المؤدى فرضا له وكذلك لو كان صلى الفرض ثم جن، وبقاء المؤدى فرضا دليل بقاء أثر الخطاب، فأما إذا استوعب الجنون الشهر كله فإنما أسقطنا القضاء لا لانعدام أثر الخطاب بل لدفع الحرج والمشقة، والحرج عذر مسقط للقضاء كالحيض في حق الصلاة فحاصل الكلام أن الوجوب في الذمة، ولا ينعدم ذلك بسبب الصبا ولا بسبب الجنون ولا بسبب الإغماء إلا أن الصبا يطول عادة فيكون مسقطا للقضاء دفعا للحرج، والإغماء لا يطول عادة فلا يكون مسقطا للقضاء والجنون قد يطول وقد يقصر فإذا طال التحق بما يطول عادة، وإذا قصر التحق بما يقصر عادة ثم فرق ما بين الطويل والقصير في الصوم أن يستوعب الشهر كله؛ لأن الشهر في حكم الأجل، وفي الصلاة أن يزيد على يوم وليلة لتدخل الفوائت في حد التكرار، وعلى هذا الأصل قلنا لو نوى الصوم بالليل ثم جن بالنهار جاز صومه عن الفرض في ذلك اليوم خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى -؛ لأن الجنون لا ينافي العبادة ولا صفة الفرضية فإن الأهلية للعبادة لكونه أهلا لثوابها وركن الصوم بعد النية هو الإمساك، والجنون لا ينافيه
(قال): وإن جن في شهر رمضان ثم أفاق بعد سنين في رمضان فعليه
قضاء الشهر الأول لإدراكه جزءا منه وقضاء الشهر الآخر لإدراكه جزءا منه وليس عليه قضاء الشهور التي في السنين الماضية بين ذلك؛ لأنه لم يدرك جزءا منها في حال الإفاقة فإن كان جنونه أصليا بأن بلغ مجنونا ثم أفاق في بعض الشهر فالمحفوظ عن محمد - رحمه الله تعالى - أنه ليس عليه قضاء ما مضى؛ لأن ابتداء الخطاب يتوجه عليه الآن فيكون بمنزلة الصبي حين يبلغ وروى هشام عن أبي يوسف قال في القياس: لا قضاء عليه ولكن استحسن فأوجب عليه قضاء ما مضى من الشهر؛ لأن الجنون الأصلي لا يفارق الجنون العارض في شيء من الأحكام، وليس فيه رواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - واختلف فيه المتأخرون على قياس مذهبه، والأصح أنه ليس عليه قضاء ما مضى
(قال): مريض أفطر في شهر رمضان ثم مات قبل أن يبرأ فليس عليه شيء؛ لأن وقت أداء الصوم في حقه عدة من أيام أخر بالنص ولم يدركه؛ ولأن المرض لما كان عذرا في إسقاط أداء الصوم في وقته لدفع الحرج فلأن يكون عذرا في إسقاط القضاء أولى، وإن برئ وعاش شهرا فلم يقض الصوم حتى مات فعليه قضاؤه؛ لأنه أدرك عدة من أيام أخر، وتمكن من قضاء الصوم فصار القضاء دينا عليه. وفي حديث أبي مالك الأشجعي - رحمه الله تعالى - «أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمن كان مريضا في شهر رمضان ثم مات فقال: - عليه الصلاة والسلام - إن كان مات قبل أن يطيق الصوم فلا شيء عليه، وإن أطاق الصوم ولم يصم حتى مات فليقض عنه» يعني بالإطعام ثم لا يجوز لوليه أن يصوم عنه وحكي عن الشافعي - رحمه الله تعالى - قال: إن صح الحديث صام عنه وارثه قال أبو حامد من أصحابهم: وقد صح الحديث والمراد منه قوله - صلى الله عليه وسلم - «من مات، وعليه صيام صام عنه وليه».
(ولنا) حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - موقوفا عليه ومرفوعا «لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد» ثم الصوم عبادة لا تجري النيابة في أدائها في حالة الحياة فكذلك بعد الموت كالصلاة، وهذا؛ لأن المعنى في العبادة كونه شاقا على بدنه ولا يحصل ذلك بأداء نائبه ولكن يطعم عنه لكل يوم مسكينا؛ لأنه وقع اليأس عن أداء الصوم في حقه فتقوم الفدية مقامه كما في حق الشيخ الفاني، وإنما يجب عليهم الإطعام من ثلثه إذا أوصى ولا يلزمهم ذلك إذا لم يوص عندنا، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - يلزمهم ذلك من جميع ماله أوصى أو لم يوص، وهو نظير الخلاف في دين الزكاة ثم الإطعام عندنا يقدر بنصف صاع لكل مسكين وعنده يقدر بالمد وأصل الخلاف في طعام الكفارة ونحن
نقيسه على صدقة الفطر بعلة أنه أوجب كفاية للمسكين في يومه وعلى هذا إذا مات، وعليه صلوات يطعم عنه لكل صلاة نصف صاع من حنطة وكان محمد بن مقاتل يقول أولا: يطعم عنه لصلوات كل يوم نصف صاع على قياس الصوم ثم رجع فقال: كل صلاة فرض على حدة بمنزلة صوم يوم، وهو الصحيح والصاع قفيز بالحجاجي، وهو ربع الهاشمي، وهو ثمانية أرطال في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وهو قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - الأول ثم رجع فقال: خمسة أرطال وثلث رطل ومن أصحابنا من وفق فقال: ثمانية أرطال بالعراقي كل رطل عشرون إستارا فذلك مائة وستون إستارا وخمسة أرطال وثلث رطل بالحجاجي كل رطل ثلاثون استارا فذلك مائة وستون، وهذا ليس بقوي فقد نص كتاب العشر والخراج عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه خمسة أرطال وثلث رطل بالعراقي، وهو قول الشافعي - رحمه الله تعالى - وإنما رجع أبو يوسف حين حج مع الرشيد فدخل المدينة وسألهم عن صاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاه سبعون شيخا منهم كل واحد منهم يحمل صاعا تحت ثوبه فقال: ورثت هذا عن أبي عن آبائه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان كل ذلك خمسة أرطال وثلث رطل.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]