عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 13-11-2025, 03:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,789
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث
صـــ 41 الى صـــ 49
(50)






(قال): ولو أن رجلا ورث عن أبيه ألف درهم فأخذها بعد سنين فلا زكاة عليه لما مضى في قول أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى الآخر وفي قولهما عليه الزكاة لما مضى ففي هذا الرواية جعل الموروث بمنزلة الدين الضعيف مثل الصداق وبدل الخلع، وفي ذلك قولان لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فكذلك في هذا وفي كتاب الزكاة جعل الموروث كالدين المتوسط عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وهو ثمن مال البذلة والمهنة فقال: إذا قبض نصابا كاملا بعد كمال الحول تلزمه الزكاة لما مضى وجه تلك الرواية أن الوارث يخلف المورث في ملكه، وذلك الدين كان مال الزكاة في ملك المورث فكذلك في ملك الوارث، ووجه هذه الرواية أن الملك في الميراث يثبت للوارث بغير عوض فيكون هذا بمنزلة ما يملك دينا عوضا عما ليس بمال، وهو الصداق فلا يكون نصاب الزكاة حتى يقبض يوضحه أن الميراث صلة شرعية والصدقة للمرأة في معنى الصلة أيضا من وجه قال الله تعالى {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] أي عطية وما يستحق بطريق الصلة لا يتم فيه الملك قبل القبض فلا يكون نصاب الزكاة
(قال): ولو باع جارية بألف درهم لغير التجارة فأخذها بعد سنين فعليه الزكاة لما مضى عندهم جميعا، وهذا ذكره في كتاب الزكاة وذكر ابن سماعة أن على قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا تلزمه الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد القبض قال الكرخي وهو الصحيح وقد بينا وجه الروايتين في كتاب الزكاة ثم على هذه الرواية ما لم يقبض مائتين لا تلزمه الزكاة في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - بخلاف الدين الذي هو عوض عن مال التجارة فإنه إذا قبض منه أربعين درهما تلزمه الزكاة؛ لأن أصل ذلك المال كان نصاب الزكاة فعوضه يكون بناء في حكم الزكاة ونصاب البناء يتقدر بأربعين درهما عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وهنا أصل هذا المال لم يكن مال الزكاة فكان ثمنه في حكم الزكاة أصلا مبتدأ ونصاب الابتداء يتقدر بمائتين فلا يلزمه أداء الزكاة ما لم يقبض مائتين وعندهما إذا قبض شيئا قليلا، أو كثيرا تلزمه الزكاة بقدر ما قبض في الديون كلها، وقد بينا هذا في كتاب الزكاة.
(قال): ولو أن رجلا أوصى لرجل بوصية ألف درهم فمكث سنين ثم بلغه فقبل الوصية ثم أخذها فلا زكاة عليه لما مضى؛ لأن
الموصى به لا يدخل في ملك الموصى له قبل قبوله فلا يكون نصاب الزكاة في حقه، وعلى قياس قول زفر - رحمه الله تعالى - ينبغي أن تلزمه الزكاة لما مضى؛ لأن عنده الموصى به يدخل في ملك الموصى له قبل قبوله بمنزلة الميراث فإن قبلها ثم حال الحول قبل أن يقبضها فلا زكاة عليه في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعليه الزكاة لما مضى في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وهذا؛ لأن الموصى به إنما يملكه الموصى له بطريق الصلة فلا يتم ملكه فيه إلا بالقبض في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ومن أصحابنا من قال مسألة الوصية بعد قبول الموصى له نظير مسألة الميراث، وفيها رواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - كما بينا في الميراث والأصح أن في مسألة الوصية الرواية واحدة أنه لا تجب عليه الزكاة في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الآخر بخلاف الميراث على رواية كتاب الزكاة؛ لأن ملك الموصى له بناء على ملك الموصي حتى لا يرد بالعيب، ولا يصير مغرورا فيما اشتراه الموصي فأما ملك الوارث ينبني على ملك المورث فلهذا اعتبر هناك ملك المورث وجعله نصاب الزكاة قبل القبض، واعتبر هاهنا ملك الموصى له ابتداء فلم يجعله نصاب الزكاة ما لم يتم ملكه بالقبض
(قال): ولو أن رجلا له ألف درهم وخاتم فضة في أصبعه فيه درهم فحال الحول على المال غير شهر ثم ضاع المال، وبقي الخاتم ثم استفاد ألفا، وتم الحول فعليه أن يزكي المال؛ لأن فضة الخاتم كانت مضمومة إلى الألف في حكم النصاب فيبقى الحول ببقائها، وإن ضاع الألف على ما بينا أن بقاء جزء من النصاب يكفي لبقاء الحول فإنما استفاد الألف، والحول باق فتلزمه الزكاة إذا تم الحول لوجود كمال النصاب في طرفي الحول مع بقاء شيء منه في خلال الحول ولو لم يكن له خاتم والمسألة بحالها فإنه يستقبل الحول على المستفاد منذ ملكه؛ لأنه هلك جميع النصاب حين ضاع المال الأول فلم يبق الحول الأول منعقدا؛ لأن البقاء يستدعي جزءا من النصاب فإن وجد درهما من الدراهم الأول قبل الحول بيوم ضمه إلى ما عنده فيزكي الكل وكذلك إن وجد البقية بعدما زكى فعليه أن يزكي كلها، وإن لم يكن له خاتم؛ لأن بالضياع لا ينعدم أصل الملك، وإنما تنعدم يده وتمكنه من التصرف فيه فإذا ارتفع ذلك قبل كمال الحول بأن وجد كله أو بعضه صار الضياع كأن لم يكن فكأنه كان في يده حتى وجد الألف الأخرى، وتم الحول فتلزمه الزكاة عن الكل، وهو نظير ما لو وجب عليه دين مستغرق في خلال الحول ثم سقط الدين قبل تمام الحول فإنه يلزمه أداء الزكاة إذا تم الحول، وإن كان إنما وجد ما ضاع بعد الحول
فلا زكاة عليه فيها حتى يكمل الحول فيه منذ استفاد المال؛ لأنه لما تم، والمال الأول تاو لم يجب عليه شيء باعتباره، وإنما انعقد الحول على ماله من حين استفاد، وإن كانت ضاعت الألف الأولى بعد الحول، وبقي الخاتم فعليه الزكاة في الخاتم بقدر حصته؛ لأنه كان مضموما إلى ماله ووجبت الزكاة فيه، ولما تم الحول ثم هلك بعض ماله بعد وجوب الزكاة، وبقي البعض فعليه أن يؤدي من الباقي حصته
(قال): فإن مر على العاشر بمائتي درهم غير درهم وفي يده فضة فيه درهم فإن العاشر يأخذ منه الزكاة؛ لأن المعتبر كمال النصاب فيما يمر به على العاشر، وقد وجد فإن الخاتم من نصابه، وإن لم يكن في يده خاتم فلا زكاة عليه، ولا يأخذ منه العاشر شيئا، وإن أخبره بمال آخر له في بيته؛ لأنه إنما يعتبر كمال النصاب في المال الممرور به عليه، ولم يوجد، وهذا؛ لأن ثبوت حق الأخذ للعاشر باعتبار حاجة صاحب المال إلى الحماية، ذلك في المال الممرور به عليه دون الذي خلفه في بيته فإذا كان الممرور به عليه نصابا كاملا يأخذ منه الزكاة، وإلا لم يأخذ منه شيئا
(قال): ولو أن رجلا وهب لرجل ألف درهم فحال عليها الحول ثم رجع فيها الواهب بقضاء فلا زكاة فيها على الواهب؛ لأنها لم تكن في ملكه، ولا على الموهوب له؛ لأن مال الزكاة استحق من يده بعد كمال الحول بعينه ويستوي فيه الرجوع بقضاء، أو بغير قضاء لأن حق الواهب في الرجوع مقصور على العين فيستوي فيه القضاء وغير القضاء بمنزلة الأخذ بالشفعة، وإن لم يحل عليها الحول عند الموهوب له حتى استفاد ألف درهم ثم رجع فيها الواهب بقضاء، أو بغير قضاء فلا زكاة عليه فيها لما قلنا له، ويزكي الموهوب له المال المستفاد إذا تم الحول (قال) في الكتاب: إذا مضى تمام حول منذ ملكها فمن أصحابنا من يقول: بالرجوع في الهبة يبطل ملك الموهوب له من الأصل فيقطع حكم ذلك الحول ويعتبر مضي حول على المستفاد من حين ملكه (قال) الشيخ الإمام شمس الأئمة: - رحمه الله تعالى - والأصح عندي أنه إذا تم الحول من حين ملك الموهوب فعليه زكاة المستفاد؛ لأن الحول كان انعقد من حين ملك الموهوب فحين استفاد ألفا كانت هذه الألف مضمومة إلى أصل النصاب في حكم الحول ثم لما رجع الواهب في الموهوب صار كأن ذلك القدر هلك من ماله فيبقى الحول ببقاء المستفاد، ويلزمه أداء الزكاة عند تمام الحول عما هو باق، وهذا؛ لأن الرجوع في الهبة ينهي ملك الموهوب له فالملك ثبت له في الهبة إلى أن يرجع الواهب فيه، ولهذا لو كان الموهوب جارية
فوطئها ثم رجع فيها الواهب فليس على الموهوب له عقرها، ولو ولدت ولدا ثم رجع فيها الواهب بقي الولد سالما للموهوب له فعرفنا أن الرجوع في الهبة في حق الموهوب بمنزلة الهلاك.
(قال): رجل له أرض أجرها ثلاث سنين كل سنة بثلثمائة درهم، ولم يأخذ الأجرة حتى مضت المدة ثم أخذها جملة واحدة فنقول: إذا مضى ثمانية أشهر من وقت العقد انعقد الحول على ماله؛ لأن الأجرة لا تملك بنفس العقد، وإنما تملك بالتعجيل أو باستيفاء المنفعة، ولم يوجد التعجيل هنا فإنما يملك بحسب ما يستوفى من المنفعة شيئا فشيئا فإذا مضت ثمانية أشهر فقد ملك مائتي درهم، ولا ينعقد الحول على ماله إلا بعد كمال النصاب فإذا مضى بعد ذلك اثنا عشر شهرا وجب عليه زكاة خمسمائة درهم؛ لأنه ملك في هذه المدة من الأجرة ثلثمائة أخرى، ذلك مستفاد في خلال الحول فإنما تم الحول وفي ملكه خمسمائة فلهذا يلزمه زكاة خمسمائة ثم إذا مضت سنة بعد ذلك فعليه زكاة ثمانمائة إلا مقدار ما وجب عليه من زكاة الخمسمائة؛ لأنه قد ملك بمضي الحول الثاني ثلثمائة أخرى فتم الحول الثاني وماله ثمانمائة إلا أن ما وجب عليه من زكاة الخمسمائة دين فلا يعتبر ذلك القدر من ماله في الحول الثاني، وكذلك الكسور في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وفي قولهما تعتبر الكسور.
وهذا على الرواية التي يوجب فيها الزكاة في الأجرة قبل القبض، وهو رواية هذا الكتاب والجامع والأمالي وذكر أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن الأجرة بمنزلة الصداق لا تجب فيها الزكاة حتى يحول الحول عليها بعد القبض؛ لأن المنفعة ليست بمال ولكن الرواية الأولى أصح؛ لأن المنفعة تأخذ حكم المالية بالعقد ولهذا لا يثبت الحيوان دينا في الذمة بمقابلتها ثم على هذا الرواية في وجوب أداء الزكاة عند القبض روايتان عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في إحدى الروايتين ما لم يقبض مائتين لا يلزمه أداء الزكاة لأن المنافع، وإن أخذت حكم المالية بالعقد فإنها لا تكون نصاب الزكاة بحال فكانت الأجرة بمنزلة ثمن مال البذلة والمهنة فلا يلزمه أداء الزكاة ما لم يقبض مائتين، وفي الرواية الأخرى قال إذا قبض منها أربعين درهما فعليه أداء الزكاة؛ لأن المنفعة في حكم التجارة بمنزلة العين فكانت الأجرة بمنزلة دين هو ثمن مال التجارة فإذا قبض منها أربعين درهما يلزمه أداء درهم فإن كان أجرها كل سنة بمائتي درهم لم ينعقد الحول ما لم يمض كمال السنة؛ لأنه إنما ملك مائتي درهم عند مضي سنة فإذا مضت سنة أخرى زكى أربعمائة درهم؛ لأن بمضي السنة الثانية ملك مائتي
درهم أخرى من الأجر فإنما تمت السنة وفي ملكه أربعمائة درهم ثم إذا مضت سنة أخرى فعليه زكاة ستمائة؛ لأنه تم الحول وفي ملكه ستمائة إلا أنه يطرح ما وجب عليه من الزكاة للسنة الماضية، وهو عشرة دراهم والكسور في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أيضا فإنما يزكي عنده للسنة الثانية خمسمائة وستين درهما.
(قال): رجل له على رجل ألف درهم ضمنها رجل بغير أمره فحال الحول على ماله ثم أبرأ منه الأصيل فلا زكاة على الذي كان له المال، ولا على الضامن، وإن كان له ألف درهم أما الذي له أصل المال فقد بينا أنه بعد الإبراء لا يكون ضامنا للزكاة على رواية هذا الكتاب سواء كان المديون عنيا أو فقيرا وأما على الضامن فلأن المال قد وجب دينا في ذمته بالضمان ولم يكن له حق الرجوع على الأصيل عند الأداء؛ لأنه ضمن بغير أمره فكان عليه الدين بقدر ماله في جميع الحول ومال المديون لا يكون نصاب الزكاة فلهذا لا تلزمه الزكاة، وإن سقط عنه الدين بالإبراء بعد كمال الحول والله أعلم
[باب زكاة الأرضين والغنم والإبل]
(قال) - رحمه الله تعالى: رجل له أرض عشرية فمنحها لمسلم فزرعها فالعشر على المستعير؛ لأن العشر يجب في الخارج والخارج سلم للمستعير بغير عوض التزمه فيكون هذا والخارج من ملكه في حقه سواء. وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن العشر على المعير؛ لأنه مؤنة الأرض النامية فيجب على مالك الأرض كالخراج إلا أنه فرق ما بين العشر والخراج أنه يعتبر في العشر حصول النماء حقيقة وقد وجد ذلك إلا أن المعير آثر المستعير على نفسه في تحصيل النماء فيكون مستهلكا محل حق الفقراء بمنزلة ما لو زرع الأرض لنفسه ثم وهب الخارج من غيره (قال: ولو منحها لرجل كافر) فعشرها على رب الأرض، وهذا يؤيد رواية ابن المبارك، والفرق بين الفصلين في ظاهر الرواية أن هنا منحها من لا عشر عليه؛ لأن في العشر معنى الصدقة والكافر ليس من أهلها فيصير به مستهلكا محل حق الفقراء، وفي الأول إنما يمنحها لمسلم، وهو من أهل أن يلزمه العشر فلا يصير مستهلكا بل يكون محولا حقهم من نفسه إلى غيره (قال) : ولو غصبها مسلم فزرعها فإن كان الزرع نقصها فالعشر على ربها؛ لأن الغاصب ضامن لنقصان الأرض، وذلك بمنزلة الأجرة يسلم لرب الأرض فيلزمه العشر في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وفي قولهما العشر في الخارج بمنزلة ما لو أجرها من
مسلم، وإن لم ينقصها الزرع فلا عشر على ربها؛ لأنه لم يكن متمكنا من الانتفاع بها، ولا كان مسلطا للزارع على زراعتها ولكن العشر في الخارج على الغاصب؛ لأن منفعة الأرض سلمت له بغير عوض، وإن غصبها منه كافر فإن نقصها الزراعة فالعشر على ربها؛ لأنه قد سلم له عوض منفعة الأرض فهو بمنزلة ما لو أجرها، وإن لم ينقصها فلا عشر فيها؛ لأن من سلمت له المنفعة ليس من أهل أن يلزمه العشر والمالك لم يكن متمكنا من الانتفاع بها وروى جرير بن إسماعيل عن محمد رحمهما الله تعالى أن على الغاصب عشرها؛ لأن المنفعة سلمت على الوجه الذي يسلم أن لو كان مالكا للأرض، وهذا صحيح على أصل محمد - رحمه الله تعالى - فإن عنده الكافر إذا اشترى أرضا عشرية من مسلم فعليه عشرها كما كان، وإن اختلفت الرواية عنه في مصرف العشر المأخوذ من الكافر وقد بينا ذلك في السير والزكاة
(قال): ولو أعار المسلم أرضه الخراجية فالخراج عليه سواء كان المستعير مسلما، أو كافرا؛ لأن وجوب الخراج باعتبار التمكن من الانتفاع بالأرض، وقد كان المعير متمكنا من ذلك ثم الخراج مؤنة الأرض النامية، ومؤنة الملك تجب على المالك إلا أن في العشر محل هذه المؤنة الخارج فأمكن إيجابها فيه فإن كان المستعير مسلما أوجبنا الخراج في الخارج ومحل الخراج ذمة المالك فسواء كان المستعير مسلما، أو كافرا كان الخراج على المالك في ذمته فإن غصبها مسلم، أو كافر فعلى الغاصب نقصان الأرض والخراج على ربها ويستوي إن قل النقصان، أو كثر في قول أبي حنيفة بمنزلة ما لو أخرجها بعوض قليل أو كثير وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - إن كان النقصان مثل الخراج أو أكثر فالخراج على ربها، وإن كان النقصان أقل فعلى الغاصب أن يؤدي الخراج، وليس عليه ضمان النقصان استحسن ذلك لدفع الضرر عن صاحب الأرض، وإن لم ينقصها الزراعة شيئا فالخراج على الغاصب دون المالك؛ لأن الغاصب هو المتمكن من الانتفاع بها بغير عوض دون المالك
(قال): ولو أن صاحب الأرض الخراجية زرعها، ولم تخرج شيئا، أو أصاب الزرع آفة فلا خراج فيها بخلاف ما إذا لم يزرعها؛ لأنه إذا عطلها فقد تمكن من الانتفاع بها وإذا زرعها فلم تخرج شيئا، أو أصاب الزرع آفة انعدم تمكنه من الانتفاع بها، وهو مصاب في هذه الحالة يعان، ولا يغرم شيئا كي لا يؤدي إلى استئصالها ومما حمد من سير الأكاسرة أنه إذا أصاب زرع بعض الرعية آفة غرموا له ما أنفق في الزراعة من بيت مالهم، وقالوا التاجر شريك في الخسران كما هو شريك في الربح فإن لم يعطه
الإمام شيئا فلا أقل من أن لا يغرمه الخراج فإن لم يزرعها ولكنها غرقت ثم نضب الماء عنها في وقت لا يقدر على زراعتها قبل مضي السنة فلا خراج عليه؛ لأنه لم يتمكن من الانتفاع بها، ولو نضب الماء عنها في وقت يقدر على زراعتها قبل مضي السنة فعليه الخراج زرعها، أو لم يزرعها لأنه تمكن من الانتفاع بها
(قال): ولو أن رجلا اشترى أرضا عشرية أو خراجية للتجارة فلا زكاة فيها، وإن حال الحول عليها، ولكن فيها العشر، أو الخراج؛ لأن وجوب العشر، أو الخراج باعتبار نماء الأرض، وكذلك وجوب الزكاة باعتبار معنى النماء وكل واحد من الحقين يجب لله تعالى فلا يجوز الجمع بينهما بسبب أرض واحدة ولما تعذر الجمع بينهما رجحنا ما تقرر فيها، وهو العشر، أو الخراج فقد صار ذلك وظيفة لازمة لهذه الأرض فلا يتغير ذلك بنيته، ولأن العشر والخراج أسرع وجوبا من الزكاة فإنه لا يعتبر فيهما كمال النصاب، ولا صفة الغنى في المالك وبه فارق ما لو اشترى دارا للتجارة فإنه ليس في رقبة الدار وظيفة أخرى فتعمل نية التجارة فيها حتى تلزمه الزكاة وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أن الأرض إذا كانت عشرية فاشتراها للتجارة فعليه فيها الزكاة؛ لأن العشر إنما يجب في الخارج والزكاة إنما تجب باعتبار مالية الأرض في ذمة المالك فقد اختلف محل الحقين فيجمع بينهما بخلاف الخراج فإنه يجب في ذمة المالك كالزكاة ولكن هذا ضعيف وقد صح من أصل علمائنا أنه لا يجمع بين العشر والخراج والعشر يجب في الخارج والخراج يجب في ذمة المالك ثم لم يجز الجمع بينهما
(قال) ولو أن كافرا اشترى أرضا عشرية فعليه فيها الخراج في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ولكن هذا بعد ما انقطع حق المسلم عنها من كل وجه حتى لو استحقها مسلم، أو أخذها بالشفعة كانت عشرية على حالها سواء وضع عليها الخراج، أو لم يوضع؛ لأنه لم ينقطع حق المسلم عنها فلو وجد المشتري بها عيبا لم يستطع أن يرده بعد ما وضع عليها الخراج؛ لأن الخراج عيب، وهذا عيب حدث في ملك المشتري فيمنعه من الرد بالعيب ألا ترى أن مسلما لو اشترى أرضا خراجية بشرط أن خراجها درهم فوجده درهمين كان له أن يردها فإن كان زيادة الخراج عيبا فكذلك أصل الخراج فإذا تعذر ردها بالعيب رجع بحصة من الثمن فإن لم يكن وضع عليها الخراج حتى وجد بها عيبا فله أن يرد الأرض؛ لأنها إنما بيعت بوضع الخراج عليها، وإنما ذكر هذا التفصيل هنا ومراده من وضع الخراج عليها مطالبة صاحبها بأداء الخراج
(قال): ولو
أن تغلبيا اشترى أرضا من أرض العشر فعليه العشر مضاعفا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أما عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ فلأن الصلح وقع بيننا وبينهم على أن يضعف عليهم ما يؤخذ من المسلم والعشر يؤخذ من المسلم فيضعف عليهم، وأما عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى -؛ فلأن كافرا آخر لو اشترى أرضا عشرية كان العشر عليه مضاعفا عنده فالتغلبي أولى وأما عند محمد - رحمه الله تعالى - عليه عشر واحد؛ لأن تضعيف العشر في الأراضي الأصلية لهم، وهي التي وقع عليها الصلح فأما فيما سوى ذلك من الأرضين التغلبي كغيره من الكفار وما صار وظيفة في الأرض لا يتبدل بتبدل الملك عند محمد - رحمه الله تعالى - قال
ألا ترى أنه لو اشترى أرضا خراجية كان عليه الخراج على حاله ولو اشترى أرضا من أرض نجران كان عليه المال على حاله ولكنا نقول: إنما وقع الصلح بيننا وبينهم على أن يضعف عليهم ما يبذله المسلم والخراج مما لا يبذله المسلم فلا يضعف عليهم وأما العشر مما يبذله المسلم فيضعف عليهم باعتبار الصلح كما لو اشترى سائمة من مسلم يجب عليه الصدقة فيها مضعفة ولو أن رجلا اشترى أرضا خراجية فإن كان العقد في وقت يتمكن فيه من زراعتها قبل مضي السنة فالخراج على المشتري؛ لأنه تمكن من الانتفاع بها بعد ما تملكها، وإن كان لا يقدر على زراعتها حتى تمضي السنة فالخراج على البائع؛ لأنه هو المتمكن من الانتفاع بها في السنة قبل أن يبيعها، وقد بينا أن وجوب الخراج باعتبار التمكن من الانتفاع.
(قال): وإن باع أرضا عشرية بما فيها من الزرع فإن كان الزرع قد بلغ فالعشر على البائع؛ لأن بإدراك الزرع وجب عليه العشر فيها ثم بإخراجها من ملكه صار مستهلكا محل حق الفقراء فيكون ضامنا للعشر، وإن لم يبلغ الزرع فالعشر على المشتري في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وفي قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - عشر الزرع غلى البائع وفضل ما بينهما على المشتري؛ لأن من أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن العشر يجب في القصيل إذا قصله صاحبه وإذا لم يقصله حتى انعقد الحب فإنما يجب العشر في الحب دون القصيل وقد انعقد الحب في ملك المشتري فكان العشر عليه، وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول: هو عند اتحاد المالك كذلك فأما إذا كان الزرع في ملك إنسان، وانعقاد الحب في ملك غيره فلا بد من اعتبار الحالين؛ لأن وجوب العشر في النماء الحاصل، وأصل الزرع إنما حصل للبائع بغير عوض فأما المشتري إنما حصل له ذلك بعوض، وهو الثمن فلا يمكن إيجاب العشر في ذلك القدر على المشتري فأوجبناه على البائع
وما حصل من الفضل بعد الشراء إنما يسلم للمشتري بغير عوض فعليه عشر ذلك الفضل فإن كان من جملة الخضراوات، ولكن ليس له ثمرة باقية يجب فيه العشر عندهما
(قال) ولو أن أرضا غصبها رجل فزرعها فالزرع له ويتصدق بالفضل على ما أنفق فيها في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، ولا يتصدق في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - بشيء وقد بينا هذا في كتاب الغصب فيما إذا تصرف الغاصب في المغصوب، أو تصرف المودع وربح (قال) : فإن كان أجرها بمال كثير يجب في مثله الزكاة فحال عليها الحول فعليه أن يتصدق بها، ولا زكاة عليه؛ لأنه قد لزمه التصدق بجميعها قبل حولان الحول فلا يلزمه شيء آخر باعتبار مضي الحول، وهذا بخلاف ما تقدم، وهو ما إذا نذر أن يتصدق بمائتي درهم عينها فحال عليها الحول تجب فيها الزكاة؛ لأن المال هناك كان ملكا طيبا له، وإنما التزم التصدق بها بنذره والالتزام بالنذر يكون في الذمة ولهذا كان له أن يتصدق بغيرها ويمسكها فلهذا لزمته الزكاة فيها وأما هنا إنما لزمه التصدق في عين هذا المال حيث تمكن منه حتى لا يكون له أن يتصدق بغيره ويمسكه فلهذا لا يلزمه شيء آخر فإن حال عليه الحول رجع أبو يوسف - رحمه الله تعالى - عن هذا فقال: عليه الزكاة فيها والفضل يتصدق به؛ لأن ملكه فيها كامل فتلزمه الزكاة باعتبار الحول، ولكن هذا ضعيف فإن وجوب الزكاة في المال بمعنى التطهير. قال الله تعالى {تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ، وهذا لا يحصل بإيجاب الزكاة في هذا المال؛ لأنه يزول الخبث بأداء الزكاة، ولكن يلزمه التصدق بالفضل فلا معنى لإيجاب الزكاة فيها فقلنا يتصدق بجميعها بعد الحول كما كان يتصدق قبل الحول
(قال) ولو أن مسلما باع أرضه العشرية بما فيها من زرع لم يدرك من كافر فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يوضع فيها الخراج لأن الحب انعقد في ملك المشتري فكأنه هو الذي زرعها بعد الشراء فعليه الخراج. وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - على البائع عشر الزرع ويوضع الخراج على الكافر أما قوله على البائع عشر الزرع صحيح على قياس مذهبه فيما باعها من مسلم، وأما قوله ويوضع الخراج على الكافر فهو غلط؛ لأن من أصل أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن الكافر إذا اشترى أرضا عشرية فعليه فيها عشران، ولا يوضع الخراج عليه فهنا أيضا على قوله يجب في الفضل عشران على المشتري؛ لأن المشتري لو كان مسلما كان عليه عشر الفضل فإذا كان كافرا كان عليه في الفضل عشران
(قال): وإن أجرها مسلم من مسلم فلم يزرعها فلا عشر فيها؛ لأن محل العشر الخارج ولم يحصل ولو عطلها
المالك لم يجب عشرها على أحد فكذلك إذا عطلها المستأجر ولكن على المستأجر الأجر إن كان قد قبضها؛ لأنه كان متمكنا من الانتفاع بها في هذه المدة وبالتمكن من الانتفاع يتقرر الأجر عليه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.53 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.79%)]