عرض مشاركة واحدة
  #48  
قديم 13-11-2025, 02:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث
صـــ 15 الى صـــ 27
(48)






ثم لا يرجع المؤدي على الآمر هنا إلا بالشرط بخلاف المأمور بقضاء الدين فهناك أمره أن يملك ما في ذمته بما يؤدي فله حق الرجوع عليه بدون الشرط، وهنا لا يصير مملكا منه شيئا في ذمته بما يؤدي. يوضح الفرق بينهما أن هناك هو مطالب بقضاء الدين يجبر عليه في الحكم فهو بالأداء بأمره سقطت عنه هذه المطالبة فثبت له حق الرجوع عليه وهنا من عليه الزكاة لا يطالب بأداء الزكاة، ولا يجبر عليه في الحكم فلا يثبت للمؤدي بأمره حق الرجوع عليه إلا بالشرط كمن يقول: لغيره عوض هبتي من مالك لفلان فعوضه لا يرجع إلا بالشرط.
(قال): رجل له مائتا قفيز حنطة للتجارة قيمتها مائتا درهم فحال الحول عليها، ثم رجعت قيمتها إلى مائة درهم فإن أراد أداء الزكاة من العين تصدق بربع عشرها خمسة أقفزة بالاتفاق، وإن أراد أداء الزكاة من القيمة قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى: يؤدي خمسة دراهم معتبرا وقت الوجوب، وقال أبو يوسف: ومحمد رحمهما الله تعالى يؤدي درهمين ونصفا معتبرا وقت الأداء فالأصل عندهما أن الواجب جزء من العين، وهو ربع العشر جاء في الأثر هاتوا ربع عشر أموالكم؛ ولأن الواجب فيما هو مملوك له، وهو العين إلا أن له ولاية نقل الحق من العين إلى القيمة باختياره فتعتبر قيمة العين وقت الاختيار زائدا كان، أو ناقصا وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: الواجب عند حولان الحول إما ربع عشر العين، أو ربع عشر القيمة يتعين ذلك باختياره والمخير بين الشيئين إذا أدى أحدهما تعين ذلك من الأصل واجبا. والدليل على هذا أن تأثير القيمة في إيجاب الزكاة هنا أكثر من تأثير العين حتى إذا كمل النصاب من حيث القيمة تجب الزكاة سواء كان كاملا من حيث العين، أو لم يكن وقد فرع على هذه المسألة بابا في الجامع فما زاد على هذا فيما أمليناه في شرح الجامع وقررنا الفرق بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد على أصل الكل.
(قال): والعشر واجب في قليل العسل وكثيره عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا كان في أرض العشر كما هو مذهبه في باب العشر وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: ليس فيما دون خمسة أوسق من العسل العشر ومراده من هذا اللفظ أن تبلغ قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل تحت الوسق فالحاصل أن ما لا يدخل تحت الوسق كالقطن والزعفران والسكر والعسل عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - تعتبر القيمة فيه وعند محمد - رحمه الله تعالى - يعتبر فيه خمسة أمثال أعلى ما يقدر به ذلك الشيء ففي القطن يعتبر خمسة أحمال وفي الزعفران خمسة أمنان وفي السكر كذلك وفي العسل
خمسة أفراق والفرق ستة وثلاثون رطلا فخمسة أفراق تكون تسعين منا هكذا ذكره في نوادر هشام وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في الأمالي أن في العسل المعتبر عشرة أرطال وروى عشر قرب كما ورد به الحديث. وجه قول محمد - رحمه الله تعالى - أن غير المنصوص عليه يقاس على المنصوص عليه لمعنى مؤثر يجمع بينهما والمنصوص عليه خمسة أوسق فيما يدخل تحت الوسق؛ لأن الوسق أعلى ما يقدر به ذلك الجنس فكذلك في كل مال يعتبر فيه خمسة أمثال أدنى ما يقدر به وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول: نصب النصاب بالرأي لا يكون ولكن فيما فيه نص يعتبر المنصوص وما لا نص فيه المعتبر هو القيمة كما في عروض التجارة مع السوائم في حكم الزكاة.
(قال): رجل له أرض عشرية وفيها نحل لا يعلم به صاحبها فجاء رجل وأخذ عسلها فهو لصاحب الأرض، وفيه العشر وإن كانت لم تتخذ لذلك أما كونه لصاحب الأرض فلأنه صار محرزا له بملكه فكانت يده إليه أسبق حكما فيكون هو أولى بملكه، وهذا بخلاف الطير إذا فرخ في أرض رجل فجاء رجل، وأخذه فهو للآخذ؛ لأن الطير لا يفرخ في موضوع ليتركه فيه بل ليطيره إذا قوي ذلك فلم يصر صاحب الأرض محرزا للفرخ بملكه فكان للآخذ فأما النحل فيعسل في الموضع ليتركه فيه فصار صاحب الأرض محرزا له بملكه كالماء إذا اجتمع في أرض فاجتمع منه الحمأ والطين فهو لصاحب الأرض، ووجوب العشر عليه باعتبار أنه نماء في أرض العشر. وقال في كتاب الزكاة: إذا وجد الجوز، أو اللوز في جبل ففيه العشر وروي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه لا شيء فيه؛ لأنه مباح كالصيود والعشر فيما يكون من نماء أرض العشر. وجه ظاهر الرواية أن الموجود نماء كله فلا فرق في وجوب حق الله تعالى بين أن يكون في ملكه، أو في غير ملكه كخمس المعادن.
(قال): ومن أحيا أرضا ميتة فهي له إذا كان بإذن الإمام في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى هي له سواء أذن له الإمام، أو لا لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - «من أحيا أرضا ميتة فهي له» ومثل هذا اللفظ لبيان السبب في لسان صاحب الشرع كقوله - صلى الله عليه وسلم - «من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر» وقال - صلى الله عليه وسلم: «ألا إن عادي الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم مني» وبعد وجود الإذن من صاحب الشرع لا حاجة إلى إذن أحد من الأئمة وأبو حنيفة استدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «ليس لأحدكم إلا ما طابت به نفس إمامه» فتبين بهذا الحديث شرط الملك، وهو إذن الإمام كما تبين بما ورد السبب، وهو
الإحياء والحكم بعد وجوب السبب يتوقف على وجود شرطه، ثم الناس في الموات من الأراضي سواء فلو لم يشترط فيه إذن الإمام أدى إلى امتداد المنازعة والخصومة بينهم فيها فكل واحد منهم يرغب في إحياء ناحية وجعل التدبير في مثله إلى الأئمة يرجع إلى
المصلحة
لما فيه من إطفاء ثائرة الفتنة، وهذه المسألة تعود في كتاب الشرب مع بيان حد الموات فما زاد على هذا نبينه هناك إن شاء الله تعالى.
[باب ما يوضع فيه الخمس]
(قال) من أصاب ركازا وسعه أن يتصدق بخمسه على المساكين وإذا أطلع الإمام على ذلك أمضى له ما صنع؛ لأن الخمس حق الفقراء والمساكين وقد أوصله إلى مستحقه، وهو في إصابة الركاز غير محتاج إلى حماية الإمام فكان هو في الحكم كزكاة الأموال الباطنة وإن كان محتاجا إلى جميع ذلك وسعه أن يمسكه لنفسه لقول علي - رضي الله تعالى عنه - وإن وجدتها في قرية خربت على عهد فارس فخمسها لنا وأربعة أخماسها لك وسنتمها لك أي نعطيك الخمس منها أيضا؛ ولأن وجوب الخمس في المصاب باعتبار أنه مما أوجف عليه المسلمون فلا يكون الوجوب على المصيب خاصة فهو في كونه مصرفا كغيره ولو رأى الإمام في خمس الغنائم أن يصرفها إلى الغانمين لحاجتهم وسعه ذلك فكذلك هذا المصيب في الخمس وإن تصدق بالخمس على أهل الحاجة من أولاده وآبائه جاز؛ لأنه لما جاز له وضعه في نفسه عند حاجته ففي آبائه وأولاده أولى، وهو نظير خمس الغنائم إذا رأى الإمام أن يضعه في أولاد الغانمين وآبائهم.
(قال): وما جبي من الخراج فهو لجميع المسلمين يعطي الإمام منه أعطية المقاتلة وفي نوائب المسلمين. والحاصل أن ما يجبى إلى بيت المال أنواع أربع أحدها الخمس ومصرفه ما قال الله تعالى {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] الآية قال عطاء بن أبي رباح سهم الله وسهم الرسول واحد. وقال قتادة: ذكر اسم الله تعالى لافتتاح الكلام فكان الخمس يقسم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خمسة، ثم سقط سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموته عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: هو مصروف إلى كل خليفة بعده؛ لأنهم نائبون منا به محتاجون إلى ما كان محتاجا إليه من جوائز الوفود والرسل.
(ولنا) أن الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم أجمعين - ما رفعوا هذا السهم لأنفسهم وكان لرسول
الله - صلى الله عليه وسلم - بسبب النبوة ولم ينتقل ذلك إلى أحد بعده فهو نظير الصفي الذي كان يصطفيه لنفسه وكذلك سهم ذوي القربى بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا. وبيانه في كتاب السير وبقي المصرف لليتامى والمساكين وابن السبيل. وجاء في الحديث أن الخلفاء الراشدين قسموا الخمس على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وأبناء السبيل. والنوع الثاني الصدقات والعشور وقد بينا مصارفها. والنوع الثالث الخراج والجزية وما يؤخذ من صدقات بني تغلب وما يأخذ العاشر من أهل الذمة ومن أهل الحرب إذا مروا عليه فهذا النوع مصروف إلى نوائب المسلمين.
ومنها إعطاء المقاتلة كفايتهم وكفاية عيالهم؛ لأنهم فرغوا أنفسهم للجهاد ودفع شر المشركين عن المسلمين فيعطون الكفاية من أموالهم ومن هذا النوع إيجاد الكراع والأسلحة وسد الثغور وإصلاح القناطر والجسور وسد البثق وكري الأنهار العظام. ومنه أرزاق القضاة والمفتين والمحتسبين والمعلمين وكل من فرغ نفسه للعمل من أعمال المسلمين على وجه الحسبة فكفايته في هذا النوع من المال. والنوع الرابع تركة من لا وارث له من المسلمين، أو من يرثه الزوج، أو الزوجة فقط فإن الباقي مصروف إلى بيت المال، وما يوجد من اللقطة إذا لم يعرفها أحد فهو موضوع في هذا النوع من بيت المال ومصروف هذا النوع نفقة اللقيط وتكفين من يموت من المسلمين، ولا مال له، وهو معنى قول محمد - رحمه الله تعالى - فعلى الإمام أن يتقي الله في صرف الأموال إلى المصارف فلا يدع فقيرا إلا أعطاه حقه من الصدقات حتى يغنيه وعياله وإن احتاج بعض المسلمين، وليس في بيت المال من الصدقات شيء أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت مال الخراج، ولا يكون ذلك دينا على بيت مال الصدقة لما بينا أن الخراج وما في معناه يصرف إلى حاجة المسلمين بخلاف ما إذا احتاج الإمام إلى إعطاء المقاتلة، ولا مال في بيت مال الخراج صرف ذلك من بيت مال الصدقة وكان دينا على بيت مال الخراج؛ لأن الصدقة حق الفقراء والمساكين فإذا صرف الإمام منها إلى غير ذلك للحاجة كان ذلك دينا لهم على ما هو حق المصروف إليهم، وهو مال الخراج.
(قال): وما أخذ من صدقات بني تغلب وضع موضع الخراج لما مر وما أخذ من صدقات أهل بلد رد على فقرائهم كما «أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عنه» وحكى ابن المبارك عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى قال لا تخرج الزكاة من بلد إلى بلد إلا لذي قرابة وقد بينا هذا (قال) وإذا لم يبق محتاج من أهل تلك البلدة
فإن كان بقرب منهم محتاج فهو أحق من فقراء غيرهم لقربهم فلو وضعها الإمام في أهل الحاجة من غيرهم وسعه ذلك فإن أخرجها إلى غيرهم جاز، وهو مكروه وقد تقدم بيان هذا الفصل
(قال): ومن كان غنيا ولم يقر وليس في الديوان اسمه، ولا يلي للمسلمين شيئا لم يعط من الخراج شيئا؛ لأنه مشغول بالكسب لنفسه، ولا يعمل للمسلمين عملا فلا يستحق شيئا من مالهم.
(قال): وتجب للإمام نفقته في بيت المال قدر ما يغنيه يفرض له ذلك لما روي أن أبا بكر - رضي الله عنه - لما استخلف رآه عمر يحمل شيئا من متاع أهله فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله فقال: إلى السوق أبيع متاعا لأهلي لأنفقه في حوائجي فجمع الصحابة وفرضوا له كل يوم درهمين وثلثي درهم، أو ثلاثة دراهم وثلثا درهم على ما اختلفت الروايات فيه إلا أنه روي أنه أوصى إلى عائشة عند موته أن ترد ذلك كله حتى قال عمر - رضي الله عنه: رحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت من بعدك وعمر في خلافته كان يأخذ الكفاية من بيت المال على ما روي عنه أنه قال: إن الجزور ينحر كل يوم والعنق منه لآل عمر أما عثمان - رضي الله عنه - فكان لا يأخذ شيئا من بيت المال لثروته ويساره وأما علي فكان يأخذ على ما روي أنه قال: إن مالي من مالكم كل يوم قصعتا ثريد فالحاصل أن الإمام إذا كان غنيا فالأولى أن لا يأخذ وإن كان محتاجا أخذ كفايته وكفاية عياله على ما أشار الله تعالى إليه في حق الأوصياء {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6]
(قال)، ولا شيء لأهل الذمة في بيت المال وإن كانوا فقراء؛ لأنه مال المسلمين فلا يصرف إلى غيرهم وكذلك لا يرد عليهم مما أخذ منهم العاشر شيئا؛ لأن المأخوذ صار حقا للمسلمين ومن الناس من قال: إذا كان محتاجا عاجزا عن الكسب يعطى قدر حاجته لما روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأى شيخا من أهل الذمة يسأل فقال: ما أنصفناه أخذنا منه في حال قوته ولم نرد عليه عند ضعفه وفرض له من بيت المال ولكن الحديث شاذ فلم يأخذ به علماؤنا، ورأوا أن من الترغيب له في الإسلام أن لا يعطى من مال المسلمين شيئا ما لم يسلم.
(قال): وأمير الجيش في الغنيمة بمنزلة رجل من الجند إن كان فارسا فله سهم الفرسان وإن كان راجلا فله سهم الرجالة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل سهمه في الغنيمة كسهم واحد من المسلمين وكذلك من جاهد بعده من الخلفاء الراشدين وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الغنائم ثلاث حظوظ: خمس الخمس وصفي يصطفيه لنفسه من درع، أو سيف، أو جارية وسهم كسهم أحدهم فخمس الخمس والصفي كان هو مختصا به أخذهما
بولاية النبوة فليس من ذلك شيء لأمراء الجيوش وبعده بقي السهم فهو لأمراء الجيوش كما كان يأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم بالصواب.
[كتاب نوادر الزكاة]
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله تعالى - اعلم أن مسائل أول الكتاب مبنية على الأصل الذي بيناه في كتاب الزكاة، وهو أن ضم النقود بعضها إلى بعض في تكميل النصاب باعتبار معنى المالية فإن الذهب والفضة، وإن كانا جنسين صورة ففي معنى المالية هما جنس واحد على معنى أنه تقوم الأموال بهما، وأنه لا مقصود فيهما سوى أنهما قيم الأشياء وبهما تعرف خيرة الأموال ومقاديرها ووجوب الزكاة باعتبار المالية قال الله تعالى: {في أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] {للسائل والمحروم} [المعارج: 25] ثم اعتبار كمال النصاب لأجل صفة الغنى كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» والغنى بهما يكون بصفة واحدة واعتبار كمال النصاب لمعرفة مقدار الواجب، وهما في مقدار الواجب فيهما كشيء واحد فإن الواجب فيهما ربع العشر على كل حال، وكذلك وجوب الزكاة باعتبار معنى النماء فإنها لا تجب إلا في المال النامي ومعنى النماء فيها بطريق التجارة، وربما يحصل بالتجارة في الذهب النماء من الفضة أو على عكس ذلك فكانا بمنزلة عروض التجارة في معنى النماء وعروض التجارة، وإن كانت أجناسا مختلفة صورة يضم بعضها إلى بعض في حق حكم الزكاة، فكذلك النقود.
ألا ترى أن نصاب كل واحد منهما يكمل بما يكمل به نصاب الآخر، وهو العروض فكذلك يكمل نصاب أحدهما بالآخر بخلاف السوائم ثم على أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يضم أحد النقدين إلى الآخر باعتبار القيمة وعندهما باعتبار الأجزاء؛ لأن المقصود تكميل النصاب، ولا معتبر بالقيمة فيه.
ألا ترى أن من كانت له عشرة دنانير وهي تساوي مائتي درهم لا تجب عليه الزكاة، والدليل عليه أن المعتبر صفة المالية والمالية من الذهب والفضة باعتبار الوزن إليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله «جيدها ورديئها سواء» وباعتبار الوزن لا يمكن تكميل النصاب إلا من حيث الأجزاء.
وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: ضم الأجناس المختلفة بعضها إلى بعض في تكميل النصاب لا يكون إلا باعتبار القيمة
كما في عروض التجارة، وهذا؛ لأن المعتبر صفة المالية، وصفة الغنى للمالك، ذلك إنما يحصل باعتبار القيمة، وإنما لا تعتبر قيمة النقد عند الانفراد فأما عند مقابلة أحدهما بالآخر فتعتبر القيمة
ألا ترى أن من كسر على إنسان قلب فضة جيدة فإنه يجب عليه قيمته من الذهب فلما كان في حقوق العبادة تعتبر القيمة عند مقابلة أحدهما بالآخر فكذلك في حق الله تعالى تعتبر القيمة عند ضم أحدهما إلى الآخر. إذا عرفنا هذا فنقول: رجل له ثمانية دنانير ثمنها مائة درهم ومائة درهم حال عليهما الحول فعليه الزكاة في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأن نصابه بلغ مائتي درهم باعتبار القيمة وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا زكاة عليه؛ لأن نصابه ناقص باعتبار الأجزاء فإنه يملك نصف نصاب من الفضة وخمسي نصاب الذهب فإذا جمعت بينهما كانت أربعة أخماس نصاب ونصف خمس.
وقد روي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أيضا أنه إذا كانت له خمسة وتسعون درهما ودينار قيمته خمسة دراهم فإنه يلزمه الزكاة باعتبار أن كل دينار ثمن خمسة دراهم فثمن خمسة وتسعين درهما تسعة عشر دينارا فإن ضمها إلى الدينار يكون عشرين دينارا، وبهذه الرواية يتبين أن على أصله يقوم الذهب تارة بالفضة والفضة تارة بالذهب، ذلك لأجل الاحتياط وتوفير المنفعة على الفقراء (قال) : وإن كان له مائة وخمسون درهما وخمسة دنانير ثمنها خمسون درهما فعليه الزكاة بالاتفاق؛ لأن النصاب كامل من حيث القيمة، ومن حيث الأجزاء فإنه يملك ثلاثة أرباع نصاب الفضة وربع نصاب الذهب، وكذلك إن كانت له خمسة عشر دينارا وخمسون درهما ثمنها خمسة دنانير، أو كانت له عشرة دنانير ومائة درهم ثمنها عشرة دنانير فعليه الزكاة بالاتفاق لكمال النصاب سواء اعتبر الضم بالأجزاء أو بالقيمة ولم يبين في الكتاب أنه من أي الجنسين تؤدى الزكاة، والصحيح أنه يؤدي من كل واحد منهما ربع عشره؛ لأن الواجب فيهما ربع العشر بالنص قال - صلى الله عليه وسلم - «في الرقة ربع العشر» وقال عمر - رضي الله تعالى عنه: هاتوا عشور أموالكم وفي أداء ربع العشر من كل نوع
مراعاة النظر
لصاحب المال والفقراء
ألا ترى أن بعد تمام الحول لو هلك أحد النوعين لم يكن عليه أن يؤدي من النوع الآخر إلا ربع عشره فكذلك في حال بقاء النوعين.
(قال): ولو أن رجلا له ألف درهم حال عليها الحول ثم أضاف إليها ألفا أخرى ثم خلطهما ثم ضاعت منها ألف درهم فعليه أن يزكي خمسمائة إذا لم يعرف الذي ضاع من
الذي بقي؛ لأن نصف المال كان مشغولا بحق الفقراء ونصفه كان فارغا عن حقهم، وليس صرف الهلاك إلى أحد النوعين بأولى من الآخر فيجعل الهالك منهما والباقي منهما كما هو الأصل في المال المشترك فإنما بقي من مال الزكاة خمسمائة، وهذا بخلاف ما إذا اشتمل المال على النصاب والوقص فهلك منهما شيء يجعل الهالك من الوقص خاصة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى نحو ما إذا كان له فوق النصاب ثمانون من الغنم فحال عليها الحول ثم هلك أربعون فعليه في الباقي شاة؛ لأن هناك الوقص تبع للنصاب باسمه وحكمه فإنه لا يتحقق الوقص إلا بعد النصاب، وهذا هو علامة الأصل مع التبع فإن التبع يقوم بالأصل والأصل يستغني عن التبع ثم لا يتحقق المعارضة بين التبع والأصل وجعل الهالك من المالين باعتبار المعارضة فأما هنا فأحد الألفين ليس بتبع للآخر فتتحقق المعارضة بينهما فلهذا يجعل الهالك منهما، وهو بمنزلة مال المضاربة إذا كان فيها ربح فهلك منها شيء يجعل الهالك من الربح خاصة؛ لأنه تبع لرأس المال والمال المشترك بين الشريكين إذا هلك منه شيء يجعل الهالك من نصيب الشريكين والباقي من نصيبهما.
فإن قيل لماذا لم يجعل صاحب المال بهذا الخلط مستهلكا لمال الزكاة حتى يكون ضامنا اعتبارا لحقوق العباد فإنه لو غصب ألف درهم وخلطها بألف من ماله كان ضامنا. قلنا؛ لأن هناك حق المغصوب منه في عين الدراهم حتى لو أراد أن يمسك تلك الدراهم ويعطيه غيرها لم يكن له ذلك، والخلط استهلاك العين على معنى أنه لا يتوصل بعده إلى تلك العين فأما حق الفقراء هنا ففي معنى المالية بدليل أن لصاحب المال أن يؤدي الزكاة من دراهم غير تلك الدراهم، ومن جنس آخر من المال، وليس في هذا الخلط تفويت معنى المالية، ولا إخراج المال من أن يكون محلا لحق الفقراء فلهذا لا يضمن بالخلط شيئا فإن عرف مائة درهم من الباقي أنها من دراهمه الأولى ولم يعرف غيرها فإنه يزكي هذه المائة درهمين ونصفا؛ لأنه يعرف أن ربع عشرها حق الفقراء ويزكي تسعة أجزاء من تسعة عشر جزءا مما بقي؛ لأنه لما عرف المائة بقي المشتبه ألف وتسعمائة فإذا جعلت كل مائة سهما كانت عشرة أسهم من ذلك فارغة عن الزكاة وتسعة أسهم مشغولة بالزكاة فما هلك يكون منها بالحصة، وما بقي كذلك فلهذا يزكي تسعة أجزاء من تسعة عشر جزءا مما بقي، ولو عرف مائة درهم أنها من دراهمه الأخرى ولم يعرف غير ذلك فلا شيء عليه في هذه المائة؛ لأنه لم يحل عليها الحول وعليه أن يزكي عشرة أجزاء من تسعة عشر جزءا مما بقي؛ لأن المشتبه تسعة عشر
سهما عشرة من ذلك مال الزكاة وتسعة فارغة فيكون الهلاك منهما بالحصة والباقي كذلك.
(قال): رجل له ألف درهم سود وألف درهم بيض فلما كان قبل الحول بشهر زكى خمسة وعشرين درهما من البيض فهذه المسألة على ثلاثة أوجه إما أن يهلك البيض قبل كمال الحول أو تستحق، أو يتم الحول على المالين فإن ضاعت البيض قبل الحول، وتم الحول على السود يجزئه ما أدى عن زكاة السود؛ لأنه إنما عجل ما يجب عليه من الزكاة عند كمال الحول، وهو زكاة السود فالمعجل يجزي من ذلك بمنزلة ما لو أدى بعد كمال الحول خمسة وعشرين درهما بيضا بزكاة السود، وهذا؛ لأن البيض والسود جنس واحد في حكم الزكاة فلهذا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب والمعتبر في الجنس الواحد أصل النية فأما نية التعيين فغير معتبرة في الجنس الواحد إذا لم يكن مفيدا كمن عليه قضاء أيام من رمضان وصام بعددها ينوي القضاء يجزئه، وإن لم يعين في نيتة يوم الخميس والجمعة، وهذا بخلاف ما إذا كانت له خمس من الإبل وأربعون من الغنم فعجل زكاة الغنم شاة ثم ضاعت الغنم، وتم الحول على الإبل فإن المعجل لا يجزئ عن زكاة الإبل؛ لأنهما جنسان مختلفان في حكم الزكاة ولهذا لا يضم أحدهما إلى الآخر وعند اختلاف الجنس تعتبر نية التمييز.
ولو استحقت البيض قبل كمال الحول لم يجز المعجل عن زكاة السود؛ لأنه إنما عجل الزكاة من مال الغير فلا يجزئ ذلك عن زكاة ماله وكيف يجزئ، وهو ضامن لما أدى من البيض إلى الفقراء أما هنا إنما عجل الزكاة من مال نفسه؛ لأن بالهلاك لا يتبين أنه لم يكن ملكا له فيجزي المعجل عما يلزمه عند كمال الحول، ولو حال الحول على المالين جميعا ففي رواية هذا الكتاب قال: المعجل يكون من زكاة البيض حتى إذا هلكت البيض بعد كمال الحول فعليه زكاة السود خمسة وعشرون درهما. وقال في الجامع الكبير: المعجل يكون بينهما حتى إذا هلكت البيض فعليه نصف زكاة السود اثنا عشر درهما ونصف درهم.
وجه هذه الرواية أن بعد ما وجبت الزكاة فيهما يجعل الأداء بطريق التعجيل كالأداء بعد كمال الحول، ولو أدى بعد كمال الحول زكاة البيض كان المؤدى عما نواه خاصة فكذلك إذا عجل، وهذا؛ لأن المعارضة قد تحققت حين وجبت الزكاة فيهما فاعتبرنا نيته في التمييز في ترجيح أحدهما عملا بقوله - صلى الله عليه وسلم - «ولكل امرئ ما نوى» بخلاف ما إذا هلك أحدهما قبل كمال الحول؛ لأن هناك لم تتحقق المعارضة بينهما في حكم الزكاة فإن الزكاة وجبت في إحداهما دون الأخرى.
وجه رواية الجامع، وهي الأصح ما بينا أن السود
والبيض جنس واحد في حكم الزكاة فيسقط اعتبار نية التمييز فيهما فكأنه قصد عند الأداء تعجيل الزكاة فقط فيجعل المؤدى من المالين جميعا إذا وجبت الزكاة فيها، وهذا بخلاف الأداء بعد الوجوب فإنه تفريغ للمال عن حق الفقراء؛ لأن بوجوب الزكاة يصير المال مشغولا بحق الفقراء فكانت نية الأداء عن زكاة البيض مفيدة من حيث إنه قصد به تفريغ البيض دون السود بخلاف التعجيل قبل الوجوب فإنه لا فائدة في نية التمييز هناك، وباعتبار هذا المعنى لو أدى زكاة البيض بعد الوجوب ثم هلكت البيض لم يكن المؤدى عن السود، ولو عجل قبل الوجوب ثم هلكت البيض، وتم الحول على السود كان المعجل من زكاة السود والذي بينا في السود والبيض كذلك الجواب في الذهب والفضة إذا كانت له مائتا درهم وعشرون مثقالا من ذهب فعجل زكاة أحد المالين، أو أدى بعد الوجوب فهي في جميع الفصول مثل ما سبق وعلى هذا لو كان له ألف درهم عينا وألف درهم دينا على إنسان فعجل زكاة العين ثم ضاعت قبل كمال الحول فالمعجل يجزي عن زكاة الدين ولو أدى زكاة العين بعد كمال الحول ثم ضاعت قبل الحول لم يجز المؤدى عن الدين؛ لأنه في الأداء بعد الوجوب إنما قصد تطهير ماله العين وقد حصل مقصوده فكان بقاؤه بعد ذلك وهلاكه سواء في التعجيل وقبل الوجوب إنما قصد إسقاط ما يلزمه من الزكاة عند كمال الحول، وإنما لزمته الزكاة في الدين وأداء العين عن زكاة الدين جائز. وعلى هذا لو كان له عبد وجارية للتجارة قيمة كل واحد منهما ألف فعجل زكاة أحدهما قبل الحول ثم مات الذي عجل الزكاة عنه قبل كمال الحول وتم الحول على الآخر فالمعجل يجزئ عنه بخلاف ما إذا زكى أحدهما بعد الحول ثم مات الذي زكى عنه ولو عجل زكاة أحدهما قبل الحول ثم مات الذي زكى عنه بعد كمال الحول فعليه أن يزكي الباقي على هذه الرواية وعلى رواية الجامع عليه نصف زكاة الباقي؛ لأن المعجل يجزئ عنهما إذا وجبت الزكاة فيهما على تلك الرواية.
(قال): ولو أن رجلا له مائتا درهم فتصدق بدرهم منها قبل الحول بيوم ثم تم الحول وفي يده مائتا درهم إلا درهما فلا زكاة عليه؛ لأن المعجل خرج عن ملكه بالوصول إلى كف الفقير فتم الحول ونصابه ناقص وكمال النصاب عند تمام الحول معتبر لإيجاب الزكاة فإذا لم يجب عليه الزكاة كان المؤدى تطوعا لا يملك استرداده من الفقير لأنه وصل إلى كف الفقير بطريق القربة فلا يملك الرجوع فيه، وهذا؛ لأنه نوى أصل التصديق والصفة فيسقط اعتبار الصفة حين لم يجب عليه الزكاة عند كمال الحول
فيبقى أصل نية الصدقة.
(قال): ولو أن رجلا له جارية للتجارة حال عليه الحول إلا يوما ثم اعورت فتم الحول، وهي كذلك قال: يزكيها عوراء ومراده إذا كانت قيمتها بعد العور نصابا فأما إذا كانت دون النصاب فلا شيء عليه؛ لأن بالعور فات نصفها، وكمال النصاب في آخر الحول معتبر لإيجاب الزكاة فإذا كانت قيمتها مع العور نصابا فعليه أن يزكيها عوراء؛ لأن ما هلك منها قبل كمال الحول يصير في حكم الزكاة كما لم يكن فإن ذهب العور بعد كمال الحول فلا شيء عليه باعتبار ذهاب العور؛ لأن هذه زيادة متصلة بعد كمال الحول وحكم الزكاة لا يسري إلى الزيادة الحادثة بعد كمال الحول متصلة كانت أو منفصلة.
ألا ترى أنه لو كانت قيمتها بعد العور أقل من نصاب فتم الحول، وهي كذلك ثم ذهب العور لم تلزمه الزكاة فكما لا يعتبر ذهاب العور بعد كمال الحول لإيجاب أصل الزكاة فكذلك لا يعتبر لإيجاب أصل الزيادة ولو ذهب العور قبل كمال الحول فتم الحول، وهي صحيحة العينين فعليه زكاة قيمتها صحيحة؛ لأن الزيادة إنما حدثت قبل كمال الحول ومثل هذه الزيادة يضم إلى أصل المال في حكم الزكاة متصلة كانت، أو منفصلة متولدة كانت أو غير متولدة.
ألا ترى أنه لو كانت له ألفا درهم فضاع ألف منهما قبل الحول ثم حال الحول على الباقية فزكاها ثم وجد المال الذي كان ضاع لم يكن عليه فيه زكاة بخلاف ما إذا وجد المال الذي ضاع قبل كمال الحول، وهذا؛ لأن المال الذي ضاع صار تاويا في حكم الزكاة فإذا وجده كان بمنزلة استفادة استفادها من جنس ماله وحكم الزكاة إنما يتقرر بآخر الحول فإذا تقرر حكم الزكاة عليه في الألف لا يلزمه بعد ذلك في الألف الأخرى شيء، وإن وجدها أما إذا وجدها قبل كمال الحول فإنما يقرر حكم الزكاة عليه في ألفين.
ولو كانت الجارية اعورت بعد كمال الحول فعليه أن يزكيها عوراء؛ لأنه هلك نصفها ولو هلكت كلها بعد كمال الحول سقطت عنه الزكاة فكذلك إذا هلك البعض فإن ذهب العور فعليه أن يزكيها صحيحة؛ لأنه تقرر عليه حكم الزكاة في قيمتها صحيحة ثم انتقض بالخسران الذي لحقه، وقد ارتفع ذلك الخسران بذهاب العور فهو نظير ما لو ضاع أحد الألفين بعد كمال الحول فزكى ما بقي ثم وجد الذي كان ضاع فعليه أن يزكيه، وهذا الأصل الذي بيناه في كتاب الغصب أن الزيادة إذا حدثت في محل النقصان كانت جابرة للنقصان وينعدم بها النقصان معنى. يوضحه أن وجوب الزكاة باعتبار المالية، وهي قد عادت بذهاب العور إلى المالية الأولى التي تقررت عليه الزكاة
فيها عند كمال الحول فعليه أن يؤدي ذلك كله
(قال) رجل له ألف درهم حال عليهم الحول ثم ابتاع بها جارية للتجارة قيمتها ثمانمائة فعليه زكاة الألف فإن ماتت الجارية فليس عليه إلا زكاة المائتين؛ لأنه حابى في الشراء بقدر المائتين، وذلك لا يتغابن الناس في مثله فصار مستهلكا محل حق الفقراء في ذلك القدر فيضمن زكاة المائتين وفي مقدار ثمانمائة حول حقهم من محل إلى محل يعدله فإن الجارية التي للتجارة بمنزلة الدراهم في كونها مال الزكاة فيكون هلاك الجارية في يده كهلاك الدراهم، وهذا بخلاف السوائم فإن من وجب عليه الزكاة في خمس من الإبل فاشترى بها أربعين من الغنم ثم هلكت الغنم فهو ضامن للزكاة؛ لأن وجوب الزكاة في السوائم باعتبار العين فإنما النماء مطلوب من عينها والعين الثاني غير الأول.
ألا ترى أن هذا التصرف لو وجد منه في خلال الحول انقطع به الحول فكذلك إذا وجد بعد كمال الحول صار مستهلكا ضامنا للزكاة وهنا وجوب الزكاة في الدراهم وعروض التجارة باعتبار المالية والنماء مطلوب بالتصرف ولهذا لو وجد منه هذا التصرف في خلال الحول لم ينقطع به الحول فإذا وجد بعد كمال الحول لا يصير ضامنا لزكاة أيضا فإن كان ابتاع بالألف جارية لغير التجارة والمسألة على حالها فعليه زكاة الألف ماتت الجارية أو بقيت؛ لأنه صار مستهلكا حق الفقراء بتصرفه فالجارية التي للخدمة ليست بمال الزكاة ألا ترى أن هذا التصرف لو وجد منه في خلال الحول انقطع به الحول فإذا وجد بعد كمال الحول صار ضامنا للزكاة
(قال) رجل عنده جارية للتجارة فولدت ولدا قبل الحول بيوم ثم حال الحول عليها فعليه زكاتهما جميعا؛ لأن الولد إنما ينفصل عن الأم بصفتها وهي عنده للتجارة فولدها كذلك ثم المستفاد في خلال الحول يضم إلى أصل النصاب بعلة المجانسة، وإن لم يكن متولدا من الأصل فالمتولد أولى فإن ولدت بعد الحول بيوم فإنه يزكيها، ولا يزكي ولدها لأن الحول قد انتهى قبل انفصال الولد، وإنما يسري من الأصل إلى الولد ما كان قائما لا ما كان منتهيا.
ألا ترى أن الرق ينتهي بالعتق فالولد الذي ينفصل بعد العتق لا يكون رقيقا، ولا لنا هذا بمنزلة مال استفاده من جنس النصاب بعد كمال الحول فلا تجب فيه الزكاة إلا باعتبار حول جديد فإن قيل لما ولدت بعد الحول بيوم فقد علمنا أن حدوث الولد كان قبل كمال الحول فينبغي أن يثبت فيه حكم الحول قلنا نعم لكن وجوب الزكاة في الولد باعتبار صفة المالية لا باعتبار عينه وصفة المالية
تحدث بعد الانفصال فإن الجنين في البطن لا يكون مالا منقولا ولهذا لا يضمن بالغصب فما به صار الولد محل وجوب الزكاة حادث بعد كمال الحول فلا يسري إليه حكم الزكاة
(قال) رجل له جارية قيمتها ألف درهم فباعها قبل الحول بيوم بثمانمائة درهم فعليه زكاة ثمانمائة درهم؛ لأن وجوب الزكاة عند كمال الحول وماله عند ذلك ثمانمائة ولو استهلك الكل قبل كمال الحول لم يضمن شيئا من الزكاة فكذلك إذا استهلك البعض بتصرفه.
ولو باعها بعد الحول فعليه زكاة الألف؛ لأنه بقدر المحاباة صار مستهلكا ولو استهلك الكل بعد الحول كان ضامنا للزكاة فكذلك إذا استهلك البعض (قال) ، وإن كانت عنده لغير التجارة فباعها قبل الحول بيوم بثمانمائة درهم فإنه يضم هذا إلى ماله فيزكيه مع ماله إذا تم الحول؛ لأن هذا مستفاد من جنس النصاب في خلال الحول ولو باعها بعد الحول بيوم لم يكن عليه زكاة في ثمنها حتى يحول عليه الحول؛ لأنه مستفاد بعد تمام الحول، وهذا؛ لأن الجارية لما لم تكن للتجارة عنده فإنما حدثت المالية له في حكم الزكاة بتصرفه هذا فيكون ثمنها بمنزلة مال وهب له في حكم الزكاة
(قال) ولو كانت الجارية عنده للتجارة وقيمتها ألف درهم فباعها بعد الحول بمائة درهم فعليه زكاة الألف قال؛ لأن هذا مما لا يتغابن الناس فيه بقدره يشير بهذا الفرق بين هذه وبين مسألة الجامع، وهو ما إذا باعها بتسعمائة وخمسين فإنه لا يكون ضامنا شيئا من الزكاة لأن الخمسين ونحوها مما يتغابن الناس فيه وصاحب المال مسلط على التصرف في ماله شرعا بمنزلة الأب والوصي في مال اليتيم وكما أن هنالك يفصل بين ما يتغابن الناس فيه وما لا يتغابن الناس فيه في تصرفها فكذلك هنا يفصل بينهما فإذا كانت المحاباة بقدر ما يتغابن الناس فيه لم يكن مستهلكا شيئا، وإن كانت بقدر ما لا يتغابن الناس فيه كان مستهلكا محل حق الفقراء في مقدار المحاباة فكان ضامنا للزكاة. ولو باعها قبل الحول بيوم بمائة درهم ضم المائة إلى ماله ثم زكاه، ولا شيء عليه في مقدار المحاباة لأنه صار مستهلكا قبل وجوب الزكاة
(قال) ولو كانت له جارية قيمتها خمسمائة فباعها بألف درهم واشتراها المشتري للتجارة ثم حال الحول عليها ثم وجد بها عيبا فردها بقضاء أو بغير قضاء فعلى البائع زكاة الألف؛ لأن حق المشتري عند رد الجارية بالعيب يثبت دينا في ذمة البائع ويتخير هو بين أداء الألف وبين أداء ألف أخرى بناء على الأصل المعروف أن النقود لا تتعين في العقود والفسوخ فهذا دين لحقه بعد الحول فلا يسقط عنه شيء من الزكاة




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.83 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.38%)]